السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والمذاهب

د. عبد الجبار الرفاعي

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والفرَق والمذاهب، ليس هناك فرقٌ نوعيٌّ بين الاتجاهات السلفية للأديان والفرَق والمذاهب، سواءٌ أكانت سماوية أو أرضية. تتنوّع الأقنعةُ السلفية وتتعدّد إلا أن المضمونَ المتشدّد واحدٌ أيًّا كان دينُ السلفي ومعتقده. السلفية كالأصولية والتراثية، مهما تنوّعت التسميات، تعكس تصورًا لازمانياً للعلوم والهوية والمعارف الدينية، ورؤية خاصة للعالَم، وبنيةً فكرية وعاطفية وسيكولوجية، وقراءةً حرفية مغلقة متشدّدة للنصوص الدينية. الإسلام السلفي المتشدد أغلق العقل، وأطفأ جذوة الروح، وعبث بذائقة القلب.

أقصدُ بالسلفية تعطيلَ عقل الإنسان الفرد، أو تنازلَ الإنسان عن عقله واستسلامَه بشكل تام لما يقوله التفسيرُ المغلق المتشدّد لنصوص معتقده. لا أقصد بالسلفيةِ دينًا معينًا أو مذهبًا خاصًّا أو فرقةً بذاتها. السلفيةُ كأنها وعاءٌ يمكن أن تشغله أيةُ عقيدة أو أيديولوجيا، سواء أكانت دينيةً أو دنيوية، سواء أكانت يسارية أممية، أو يسارية قومية، أو يسارية أصولية. المواقفُ متشابهة، كلُّ سلفي مغلَق، بغضّ النظر عن عقيدته والأيديولوجيا التي تحرّكه، كلٌّ منهم يشعر بالاصطفاء لمعتقده وتراثه وهويته وماضيه وجماعته، وغير مستعد للاستماع إلا إلى صوته.

لعل أدقّ تصوير لرؤية السلفي للعالَم هو ما كتبه هربرت جورج ويلز في قصة “بلد العميان” الصادرة سنة 1904، التي شرح فيها مصيرَ جماعةٍ من البشر معزولين عن الناس، يعيشون في وادٍ تحتضنه جبالٌ منيعة، يتفشى بينهم مرضٌ يفتك بأبصارهم، يتوارثُ هذا المرضَ الأبناءُ من الآباء، ويحيل الكلَّ إلى عميان. بعدَ أن يختفي من حياتهم البصرُ نهائيًّا يموتُ المعنى الذي يدلّ عليه البصرُ في أذهانهم. عندما يصيرُ العمى شاملًا يترسخُ حضورُه بما هو معنىً لا مقابلَ له ينفيه، فيشعرون جميعًا أن العمى هو الحالة الطبيعية، وأن واديهم هو العالَم الذي لا عالَم خارجه.

السلفيةُ طريقةُ تفكيرٍ ورؤيةٌ للعالَم يسكنها التوهم ويغيب عنها الواقع، التربيةُ السلفية في الأديان تجعلُ الإنسانَ يُضحّي بالحاضر والمستقبل من أجل ماضٍ رومانسي متخيَّل لم يتحقّق أمس، ويعتقد بأن وظيفتَه استئنافُ الماضي كما رسمته المخيلة، ومناهضةُ كلّ شيءٍ لم يقع في الماضي لأنه ابتداعٌ.

لا يحدثُ تطورٌ في حياة المجتمع من دون إبداع، فإذا كان كلُّ إبداع ابتداع كيف يتطورُ المجتمع. هذه التربيةُ تُشعِر مَنْ يتشبّع بها وينحبس في إطارها بأنه الوكيلُ الحصريّ للحضرة الربوبية، والسلطانُ المتوّج بعناية إلهية استثنائية، والحاكمُ المفوّض بتفتيش الضمير الديني للناس ومعتقداتهم. يورّطُ هذا الشعورُ السلفيَّ بإصدار حكمه على مَنْ يشاء، يُدخِل للدين مَنْ يشاء، ويُخرِج من الدين مَنْ يشاء. وأحيانًا يقوده هذا الشعورُ لاستخدام العنف مع مَنْ يشاء، سواء أكان عنفًا لفظيًّا، أو رمزيًّا، وربما جسديًّا.

الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ منخرطٌ في التاريخ ومشروطياته، يخضع الدينُ في الحياة لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة الحاضنة له. تختلف تمثلاتُ الدين باختلاف المجتمعات وثقافاتها ولغاتها ودرجة تطورها الحضاري، ويختلف التعبيرُ عنه باختلاف المدن والأرياف والإثنيات واللغات والثقافات في بلد واحد. إذا أردنا إنتاج فهمٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ وجماليٍّ للدين ونصوصه، وخفض وتيرة العنف الناتج عن القراءة المغلقة للنصوص الدينية، يجب العملُ على تغيير وعي الإنسان وظروفه المعاشية وثقافته، واعتمادُ المناهج الحديثة لتفسير النصوص الدينية. في المجتمعات المتحضرة المكفول عيش أفرادها ويحكمها قانون عادل صارم، يحدث أيضًا فهم عنيف للدين لكنه يظل محصورًا في نطاق أفراد أو جماعات محدودة، ولا يتحول إلى موجٍ مجتمعي يعصف بالبناء الاجتماعي، ويزلزل ركائز الدولة ويهشِّم مؤسساتها،كما يحدث في الدول الفاشلة والمجتمعات القلقة.

السلفية في كلِّ الأديان والمعتقدات والمذاهب تعمل على تعطيلِ إيقاع الزمان، وإيقافِ صيرورة التاريخ، ومحاولة تحويلِ الحاضر والمستقبل إلى ماضٍ يتكرّر فيه كلُّ شيء إلى ما لا نهاية. السلفية في الإسلام تريد أن يخرج المسلمُ من القرن الواحد والعشرين، ويرحل ليعيش في عصر الصحابة وظروفه وأحواله وملابساته، ويستنسخ كيفيةَ عيشه شكلًا ومضمونًا، وطريقةَ إدارته لكلِّ شيء في الحياة. إنها ترى وظيفة كلّ مسلم يعكسها استعداده لاقتباس نمط عيشه من عصر الرسالة وكأنه أحدُ الصحابة، بنحو يتحوّل إلى نسخة مماثلة تعيد انتاجَ أنماط العلاقات والمعاملات والثقافة والفنون والآداب، وتقلّد الصحابةَ حتى في الذوق واللباس والأزياء.

من نتائج هذه الرؤية توسيع دائرة المحرمات في الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، بنحو يضيق فيه فضاء حريته، ويختنق الإنسان فلا يرى من حوله إلا ممنوعات، لا يسمح له بالاقتراب منها. حدث ذلك بعد عدة قرون من عصر البعثة، حتى صار الحرام كأنه هو الأصل. فمثلًا أضحت الفنون الجميلة بكل تعبيراتها السمعية والمرئية محرمة عند أكثر الفقهاء في مختلف المذاهب، واتسع التحريم عند بعضهم ليستوعب كل ما ينتج مرحًا وفرحًا وابتهاجًا.

التحريم موقف ديني حيال العالم، اتساعه بمرور الزمان في الأديان والمذاهب، يتطلب دراسات معمقة في التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والديني للمجتمعات، وتوظيف علوم الاقتصاد والسياسة، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والميثيولوجيا وعلم النفس والألسنيات الحديثة، لكشف الصلة العضوية بين حدود التحريم وتمدّده وحدود السلطة الروحية والسياسية وتمدّدها. هذا النوع من القراءة ضروري للكشف عن كيفية الاختباء خلف رداء المقدّس، وتوظيفه بوصفه قناعًا، في صراعات الهيمنة والسلطة والثروة، وكيفية إدارة السلطة السياسية للمجال السياسي والاستحواذ عليه، والسلطة الروحية للمجال الديني، والعمل على تمديده على الدوام، عبر استملاك المجال العام رمزيًّا. حدود السلطة الروحية حدود المقدّس، فكلما اتسعت حدود المقدّس اتسعت حدود هذه السلطة.

‏ الإنسان يخاف المجهول، المستقبل مجهول. ويتوجس الإنسان مما هو مباغت، الحاضر الذي يعيش فيه لا يخلو من المُباغتات. الماضي صار في الذاكرة، والذاكرة تمحو الصورَ المؤلمة، وتحتفظ بالصور الجميلة. تكمن قوةُ السلفية في امتلاكها للمتخيّل، وفي قدرتها البارعة على إعادة إنتاج صورة آسرة خلّابة للماضي في المتخيّل. ‏من يتحكم بالمتخيّل يتحكم بنظام إنتاج السلطة بأنماطها المختلفة.

تعطل السلفيةُ في الأديان إيقاعَ العصر، وتجهض صيرورةَ التاريخ؛ إذ تعمل على توظيف سلطة الحرام وتكريس سطوته، بنحو يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة الفردية والمجتمعية. مثل تحريم الفنون الجميلة بتعبيراتها السمعية والمرئية، وما جاء متأخرًا بعد اتساع دائرة الحرام عن عصر الرسالة. الابتهاج بهذه الفنون يجعل الإنسان أقل عرضة للاكتئاب والحزن، الإنسان غير الكئيب أقل خوفًا، والإنسان غير الخائف أكثر قدرة على الجرأة واستعمال عقله الخاص في التفكير. الخوف أداة عنيفة في ترويض الناس وإخضاعهم للسلطة السياسية والروحية.

أكثر الكتابات السلفية وسلوك السلفيين يجعل القلبَ ينفر من الله. طبيعة الإنسان ضدّ صورة الله المظلمة الكئيبة التي رسمتها السلفية. لا أظن هناك إنسانًا يستغني عن الله، لو رأى صورةً مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورَها. لحظة يرى الإنسانُ صورةَ الله كما رسمها هو لذاته: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: 35)، ينصت لصوت الله في الوجود ويبتهج بالوصال معه.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الإسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجال الدين وحدوده، ومجال الدنيوي وحدوده، ويكفُّ أكثر الكتّاب في الدين عن التلفيق، ولصق كل ما يغويهم بالدين. لن نكتشف طريق الخلاص مالم يكن الدين دينًا لا غير، والمقدّس مقدسًا لا غير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرة آخرة لا غير، والفلسفة فلسفة لا غير، والعلم علمًا لا غير، والأسطورة أسطورةً لا غير، والمتخيل متخيلًا لا غير، والأدب أدباً لا غير، والفن فناً لا غير. لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كُلّ منها، وإنما بمعنى رسم خارطة الحدود لكلّ واحدٍ منها، وصورة تضيء ملامحه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد إطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته. خلط الدين بكل شيء يُفْسِد ذلك الشيء، وقبل ذلك يُفسد الدين.

 

https://altanweeri.net/15176/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%90%D9%91%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%84%D9%90%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A/

 

 

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والمذاهب

د. عبد الجبار الرفاعي

السلفية حالة متفشية في كلِّ الأديان والفرَق والمذاهب، ليس هناك فرقٌ نوعيٌّ بين الاتجاهات السلفية للأديان والفرَق والمذاهب، سواءٌ أكانت سماوية أو أرضية. تتنوّع الأقنعةُ السلفية وتتعدّد إلا أن المضمونَ المتشدّد واحدٌ أيًّا كان دينُ السلفي ومعتقده. السلفية كالأصولية والتراثية، مهما تنوّعت التسميات، تعكس تصورًا لازمانياً للعلوم والهوية والمعارف الدينية، ورؤية خاصة للعالَم، وبنيةً فكرية وعاطفية وسيكولوجية، وقراءةً حرفية مغلقة متشدّدة للنصوص الدينية. الإسلام السلفي المتشدد أغلق العقل، وأطفأ جذوة الروح، وعبث بذائقة القلب.

أقصدُ بالسلفية تعطيلَ عقل الإنسان الفرد، أو تنازلَ الإنسان عن عقله واستسلامَه بشكل تام لما يقوله التفسيرُ المغلق المتشدّد لنصوص معتقده. لا أقصد بالسلفيةِ دينًا معينًا أو مذهبًا خاصًّا أو فرقةً بذاتها. السلفيةُ كأنها وعاءٌ يمكن أن تشغله أيةُ عقيدة أو أيديولوجيا، سواء أكانت دينيةً أو دنيوية، سواء أكانت يسارية أممية، أو يسارية قومية، أو يسارية أصولية. المواقفُ متشابهة، كلُّ سلفي مغلَق، بغضّ النظر عن عقيدته والأيديولوجيا التي تحرّكه، كلٌّ منهم يشعر بالاصطفاء لمعتقده وتراثه وهويته وماضيه وجماعته، وغير مستعد للاستماع إلا إلى صوته.

لعل أدقّ تصوير لرؤية السلفي للعالَم هو ما كتبه هربرت جورج ويلز في قصة “بلد العميان” الصادرة سنة 1904، التي شرح فيها مصيرَ جماعةٍ من البشر معزولين عن الناس، يعيشون في وادٍ تحتضنه جبالٌ منيعة، يتفشى بينهم مرضٌ يفتك بأبصارهم، يتوارثُ هذا المرضَ الأبناءُ من الآباء، ويحيل الكلَّ إلى عميان. بعدَ أن يختفي من حياتهم البصرُ نهائيًّا يموتُ المعنى الذي يدلّ عليه البصرُ في أذهانهم. عندما يصيرُ العمى شاملًا يترسخُ حضورُه بما هو معنىً لا مقابلَ له ينفيه، فيشعرون جميعًا أن العمى هو الحالة الطبيعية، وأن واديهم هو العالَم الذي لا عالَم خارجه.

السلفيةُ طريقةُ تفكيرٍ ورؤيةٌ للعالَم يسكنها التوهم ويغيب عنها الواقع، التربيةُ السلفية في الأديان تجعلُ الإنسانَ يُضحّي بالحاضر والمستقبل من أجل ماضٍ رومانسي متخيَّل لم يتحقّق أمس، ويعتقد بأن وظيفتَه استئنافُ الماضي كما رسمته المخيلة، ومناهضةُ كلّ شيءٍ لم يقع في الماضي لأنه ابتداعٌ.

لا يحدثُ تطورٌ في حياة المجتمع من دون إبداع، فإذا كان كلُّ إبداع ابتداع كيف يتطورُ المجتمع. هذه التربيةُ تُشعِر مَنْ يتشبّع بها وينحبس في إطارها بأنه الوكيلُ الحصريّ للحضرة الربوبية، والسلطانُ المتوّج بعناية إلهية استثنائية، والحاكمُ المفوّض بتفتيش الضمير الديني للناس ومعتقداتهم. يورّطُ هذا الشعورُ السلفيَّ بإصدار حكمه على مَنْ يشاء، يُدخِل للدين مَنْ يشاء، ويُخرِج من الدين مَنْ يشاء. وأحيانًا يقوده هذا الشعورُ لاستخدام العنف مع مَنْ يشاء، سواء أكان عنفًا لفظيًّا، أو رمزيًّا، وربما جسديًّا.

الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ منخرطٌ في التاريخ ومشروطياته، يخضع الدينُ في الحياة لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة الحاضنة له. تختلف تمثلاتُ الدين باختلاف المجتمعات وثقافاتها ولغاتها ودرجة تطورها الحضاري، ويختلف التعبيرُ عنه باختلاف المدن والأرياف والإثنيات واللغات والثقافات في بلد واحد. إذا أردنا إنتاج فهمٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ وجماليٍّ للدين ونصوصه، وخفض وتيرة العنف الناتج عن القراءة المغلقة للنصوص الدينية، يجب العملُ على تغيير وعي الإنسان وظروفه المعاشية وثقافته، واعتمادُ المناهج الحديثة لتفسير النصوص الدينية. في المجتمعات المتحضرة المكفول عيش أفرادها ويحكمها قانون عادل صارم، يحدث أيضًا فهم عنيف للدين لكنه يظل محصورًا في نطاق أفراد أو جماعات محدودة، ولا يتحول إلى موجٍ مجتمعي يعصف بالبناء الاجتماعي، ويزلزل ركائز الدولة ويهشِّم مؤسساتها،كما يحدث في الدول الفاشلة والمجتمعات القلقة.

السلفية في كلِّ الأديان والمعتقدات والمذاهب تعمل على تعطيلِ إيقاع الزمان، وإيقافِ صيرورة التاريخ، ومحاولة تحويلِ الحاضر والمستقبل إلى ماضٍ يتكرّر فيه كلُّ شيء إلى ما لا نهاية. السلفية في الإسلام تريد أن يخرج المسلمُ من القرن الواحد والعشرين، ويرحل ليعيش في عصر الصحابة وظروفه وأحواله وملابساته، ويستنسخ كيفيةَ عيشه شكلًا ومضمونًا، وطريقةَ إدارته لكلِّ شيء في الحياة. إنها ترى وظيفة كلّ مسلم يعكسها استعداده لاقتباس نمط عيشه من عصر الرسالة وكأنه أحدُ الصحابة، بنحو يتحوّل إلى نسخة مماثلة تعيد انتاجَ أنماط العلاقات والمعاملات والثقافة والفنون والآداب، وتقلّد الصحابةَ حتى في الذوق واللباس والأزياء.

من نتائج هذه الرؤية توسيع دائرة المحرمات في الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، بنحو يضيق فيه فضاء حريته، ويختنق الإنسان فلا يرى من حوله إلا ممنوعات، لا يسمح له بالاقتراب منها. حدث ذلك بعد عدة قرون من عصر البعثة، حتى صار الحرام كأنه هو الأصل. فمثلًا أضحت الفنون الجميلة بكل تعبيراتها السمعية والمرئية محرمة عند أكثر الفقهاء في مختلف المذاهب، واتسع التحريم عند بعضهم ليستوعب كل ما ينتج مرحًا وفرحًا وابتهاجًا.

التحريم موقف ديني حيال العالم، اتساعه بمرور الزمان في الأديان والمذاهب، يتطلب دراسات معمقة في التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والديني للمجتمعات، وتوظيف علوم الاقتصاد والسياسة، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والميثيولوجيا وعلم النفس والألسنيات الحديثة، لكشف الصلة العضوية بين حدود التحريم وتمدّده وحدود السلطة الروحية والسياسية وتمدّدها. هذا النوع من القراءة ضروري للكشف عن كيفية الاختباء خلف رداء المقدّس، وتوظيفه بوصفه قناعًا، في صراعات الهيمنة والسلطة والثروة، وكيفية إدارة السلطة السياسية للمجال السياسي والاستحواذ عليه، والسلطة الروحية للمجال الديني، والعمل على تمديده على الدوام، عبر استملاك المجال العام رمزيًّا. حدود السلطة الروحية حدود المقدّس، فكلما اتسعت حدود المقدّس اتسعت حدود هذه السلطة.

‏ الإنسان يخاف المجهول، المستقبل مجهول. ويتوجس الإنسان مما هو مباغت، الحاضر الذي يعيش فيه لا يخلو من المُباغتات. الماضي صار في الذاكرة، والذاكرة تمحو الصورَ المؤلمة، وتحتفظ بالصور الجميلة. تكمن قوةُ السلفية في امتلاكها للمتخيّل، وفي قدرتها البارعة على إعادة إنتاج صورة آسرة خلّابة للماضي في المتخيّل. ‏من يتحكم بالمتخيّل يتحكم بنظام إنتاج السلطة بأنماطها المختلفة.

تعطل السلفيةُ في الأديان إيقاعَ العصر، وتجهض صيرورةَ التاريخ؛ إذ تعمل على توظيف سلطة الحرام وتكريس سطوته، بنحو يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة الفردية والمجتمعية. مثل تحريم الفنون الجميلة بتعبيراتها السمعية والمرئية، وما جاء متأخرًا بعد اتساع دائرة الحرام عن عصر الرسالة. الابتهاج بهذه الفنون يجعل الإنسان أقل عرضة للاكتئاب والحزن، الإنسان غير الكئيب أقل خوفًا، والإنسان غير الخائف أكثر قدرة على الجرأة واستعمال عقله الخاص في التفكير. الخوف أداة عنيفة في ترويض الناس وإخضاعهم للسلطة السياسية والروحية.

أكثر الكتابات السلفية وسلوك السلفيين يجعل القلبَ ينفر من الله. طبيعة الإنسان ضدّ صورة الله المظلمة الكئيبة التي رسمتها السلفية. لا أظن هناك إنسانًا يستغني عن الله، لو رأى صورةً مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورَها. لحظة يرى الإنسانُ صورةَ الله كما رسمها هو لذاته: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: 35)، ينصت لصوت الله في الوجود ويبتهج بالوصال معه.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الإسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجال الدين وحدوده، ومجال الدنيوي وحدوده، ويكفُّ أكثر الكتّاب في الدين عن التلفيق، ولصق كل ما يغويهم بالدين. لن نكتشف طريق الخلاص مالم يكن الدين دينًا لا غير، والمقدّس مقدسًا لا غير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرة آخرة لا غير، والفلسفة فلسفة لا غير، والعلم علمًا لا غير، والأسطورة أسطورةً لا غير، والمتخيل متخيلًا لا غير، والأدب أدباً لا غير، والفن فناً لا غير. لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كُلّ منها، وإنما بمعنى رسم خارطة الحدود لكلّ واحدٍ منها، وصورة تضيء ملامحه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد إطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته. خلط الدين بكل شيء يُفْسِد ذلك الشيء، وقبل ذلك يُفسد الدين.

https://altanweeri.net/15176/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%90%D9%91%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%84%D9%90%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A/

 

فعل الخير في ضوء مقولة الولاء والبراء

د. عبد الجبار الرفاعي

مفهوم فعل الخير والعمل الصالح اللامشروط يتنافى مع مفهوم فعل الخير والعمل الصالح في ضوء مقولة الولاء والبراء، إذ لا يصدق فعلُ الخير والعمل الصالح فيها على المختلف في المعتقد. في إطار مقولة “الولاء والبراء” لا يكون فعلُ الخير خيريًّا أو العمل الصالح صالحًا بذاته، وبوصفه فعلًا يُسعِد الإنسان المتلقي له والمبادر به، وإنما يستمدُ فعلُ الخير قيمتَه من كونه متصفًا بالخيرية بحسب المعايير والحدود المرسومة في مقولة “الولاء والبراء”، وهذه الصفة لا تتحقّقُ إلا عندما يكون ذلك الفعلُ من أجل المشتركين في العقيدة، فيكتسب قيمتَه الخيرية وصلاحه من حكم العقيدة بأنه فعلُ خير وعملٌ صالحٌ، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الحكمُ مطابقًا في كل الحالات لحكم العقل الأخلاقي “العقل العملي”، لأن أحكامَ العقل الأخلاقي لا تقبلُ التقييد بهوية اعتقادية أو سواها من الهويات القومية وغيرها. أحكامُ العقل الأخلاقي لا تقبل التقييد، فالكذبُ قبيحٌ والصدقُ حَسَنٌ مع كل الناس، والظلمُ قبيحٌ والعدل حَسَنٌ مع كل الناس، والأمانةُ حَسَنةٌ والخيانة قبيحةٌ مع كل الناس، بغض النظر عن معتقداهم الدينية وهوياتهم المجتمعية وغيرها.

عندما يشدّدُ من يتبنى “الولاء والبراء” على أن أيَّ فعلِ خيرٍ وعملٍ صالح يجب أن يكون لله، ولا يُشرك به أحدًا من الخلق، يريد بذلك أنّ كلَّ فعل لا يتصف بالخيرية إلا إن كانت تنطبق عليه المعايير والقيود والشروط المنصوص عليها في العقيدة كما يفهمها ويفسّرها هو، وهي تعني ألا يفعل فعلًا من أجل الإنسان بوصفه إنسانًا، بل يفعله لمن ينتمي إلى معتقده خاصة[1]. وإن كان المقصودُ هو الإنسان في بعض الحالات فإنه مقصودٌ لسبب ما، وليس لكونه إنسانًا فقط، وهو ما تحيلُ إليه الرؤية التوحيدية السلفية الذي تتفرع عنها مقولةُ “الولاء والبراء”. لذلك لا يبادر مَنْ يعتنقون هذا المعتقدَ إلى فعل الخير للناس من دون نظر لعقيدتهم، يختص فعلُ الخير لمن يشترك معهم في المعتقد دون سواه، بمعنى أن التديّنَ الذي يبتني على هذه الرؤية يرى أن الصلةَ بالله لا تتحقّق إلا من خلال ميثاقٍ خاص للاعتقاد، وما يرسمه هذا الميثاق من حدود تفصيلية دقيقة لمعتقداتِ المتديّن وسلوكِه. الميثاقُ يتضمن مقولاتٍ اعتقاديةً تمنع فعلَ الخير لمن يعتقد بمعتقد آخر في بعض الحالات، وترسم بوصلةً ترشد لخارطة الخيرية التي حدودها أهل المعتقد، داخل هذه الحدود تكون للفعل قيمة دينية تجعله مصداقًا لعنوان كونه خيريًا وصالحًا.

إن مقولة “الولاء والبراء” وغيرَها من مقولات اعتقادية ترسم حدودًا صارمةً لفعل الخير الذي ترى أنه يُرضى الله، وهو كلُّ فعلٍ مشروعٍ بالمعنى الذي تضع حدودَه مدونة الاعتقاد، وكلُّ ما لا يرضى اللهُ عنه على وفق هذا المعنى لا يكون مصداقًا لفعل الخير. وعلى هذا لا يكون الإنسانُ الذي ينطبق عليه عنوانُ ديني أو مذهبي آخر موضوعًا لفعل الخير والعمل الصالح. ولا ينظر إليه من أجل كونه شريكًا في الإنسانية أو محتاجًا لفعل الخير، لأن مثلَ هذا الفعل ليس مطلوبًا لله من منظور أكثر متكلمي الفرق.

إن العملَ الخيري لأجل الإنسانِ بما هو إنسان ليس مصداقًا لفعل الخير لدى أتباع مَنْ يحرّم حتى المبادرةَ بتهنئة مَنْ ينتمي لدين آخر في أعياده، ويحرّم تحيتَه والسلامَ عليه. يقول ابن القيّم: “وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب… وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك”[2]، بل يحرّم بعضُهم أكلَ ذبيحة مَنْ لا يصلي، ودعوته لأية مناسبة، ويفرض مقاطعةً شاملةً عليه. فقد “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[3]، “البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[4]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته. هذا هو الصواب… إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[5]. وقد بلغ الأمر لدى ابن تيمية أقصى مدياته عندما منعَ الإفادةَ من خبرات ومعارف غير المسلم ومنعَ تقليدَه حتى في ما فيه مصلحة للمسلم، إذ يقول: “لا تقلدهم حتى في ما فيه مصلحة لنا، لأن اللهَ إما أن يعطينا في الدنيا مثله أو خيرًا منه، وإما أن يعوضنا عنه في الآخرة”[6]. وهذا يعني مقاطعةَ المسلمِ للعالَم غير المسلم كلِّه، وذلك متعذر، لأن العالَم اليوم متداخلٌ ومتفاعل ومتشابك كنسيج مترابط في تواصله وتبادله وتفاعله في مختلف مجالات الحياة، وليس بوسع مجتمع يريد أن يحضر في العالَم العيش وكأنه في جزيرة يغلقها على نفسه.

تورّطت أكثرُ الأديان المعروفة بالتكفير في مرحلة من مراحل تاريخها، ولم ينفرد فيه دينٌ واحد فقط، على تباين في درجة التكفير واختلاف في أنواعه وآثاره وحدوده. التكفيرُ مأزق الأديان، التكفيرُ يُفشِّل كلَّ محاولة جادّة للحوارٍ والتعايش بين الأديان. يتنكّر أكثرُ أتباع الأديان للتكفير في أديانهم وتراثهم وتاريخهم، وينزعج كثيرون من الحديث عن التكفير لدى الفرق والمذاهب في تراثنا، وعادة ما يُتهَم مَنْ يكشف ذلك بأنه يُشهِّر بالدين والمذهب الذي ينتمي إليه. وكأنهم لا يعلمون أن التكفيرَ يتفشى في مقولات علم الكلام القديم لكل الفرق.

تحولت مقولةُ “الولاء والبراء” بوصفها رديفة للتكفير إلى سلطة تغلغلت في ضمير المسلم المعتنق لها، بنحو كان معه ومازال المسلمُ الذي يتبناها عاجزًا عن بناء ضمير أخلاقي إنساني حرّ، يسمح له ببناء علاقات إنسانية إيجابية مع أتباع الأديان الأخرى، بل كثيرًا ما عجز المسلم المعتنِق لها عن بناء علاقات ثقة مع المسلم الذي ينتمي لمذهب آخر، لأن عقيدة “الولاء والبراء” تفرض عليه أن يتخذ موقفًا عدائيًّا مع الغير، وهو ما يشدّد عليه بعضُهم بقوله: “واعلم أنه لا يستقيم للمرء إسلامٌ ولو وحّد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين”[7].

الاقتصارُ على إيراد الأقوال والفتاوى السلفية هذه لا يعني شذوذَها ولا أنها الوحيدةُ التي تشدّدُ على ذلك في تراثنا، بل لأنها مازالت مؤثّرة وفاعلة في مواقف أكثر مَنْ يعتقد بها. الواقعُ الذي يعيشه أكثرُ المسلمين غير السلفيين فرض عليهم تجاوزَ تلك المقولات والأحكام في تعاملهم مع المختلِف في المعتقد. تفرض قوةُ الواقع منطقَها لتتغلب على حجج الذين يعاندون صيرورةَ التاريخ مهما كانت. تحدّثنا صيرورةُ التاريخ عن أنَّ مَنْ يمكث في خصومةٍ حادة مع الواقع لن يلبث طويلا في مواقفه ولن يستطيع الصمودَ في مواقعه مهما فعل،كما رأينا ذلك يتكرّر في كلّ الأديان والمعتقدات والهويات والثقافات. التكفير يمزق أواصرَ العيش المشترك في المجتمع، ويزجّ المجتمع الواحد في حروب مفتوحة. فضحُ أرشيف التكفير ضرورة لاستئناف حضور قيم القرآن الكريم الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم، وتحرير ضمير المسلم من التراث التكفيري المظلم.

الهوامش:

 وردت كلمة “خير” في 109 من الآيات القرآنية، وسياق أكثر الآيات فيها يشير إلى عنوان عام لفعل الخير يشمل الكل. كما جاء “العملُ الصالح” مقترنًا بالايمان في سياق يتحدث عن عنوان عام يشمل كل فعل حَسَن يفعله المؤمن لأجل الناس جميعًا.   [1]

   أحكام أهل الذمة 1، 205.[2]

 الولاء والبراء، 1، 18، “المكتبة الشاملة”. [3]

 ابن عثيمين، فتاوى متفرقة، 13، 28، “المكتبة الشاملة”. [4]

   مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274، “المكتبة الشاملة”. [5]

   ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 172، “المكتبة الشاملة”.[6]

 إنجاح حاجة السائل، فصل في بيان حقيقة الإسلام والشرك، ج1، ص 10، “المكتبة الشاملة”.[7]