تحديات اللغة في العصر الرقمي

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

اللغة مفتاح دراسة أديان المجتمعات وقيمها ورؤيتها للعالم وثقافاتها، وهي المرآة التي تتجلى فيها هوياتها وطرائقها في تمثل ذاتها وتمثل الآخر المختلف عنها. تختزن اللغة ثقافات المجتمعات وأساطيرها وأحلامها وصورها المتخيلة عن العالم، ومنها يتشكل وعيها بذاتها وبما يحيط بها. من هنا يتبدد الوهم القائل بحياد اللغة، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني فحسب، وإنما تنطوي على رؤية الناطقين بها للعالم، وتفصح عن خلفياتهم الثقافية وأحكامهم المسبقة التي تسقطها الكلمات على الواقع.

تعيش اللغات في العالم اليوم ومنها العربية تحديًا غير مسبوق، يتمثل في قدرتها على التكيّف مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي عليها. الذكاء الاصطناعي يتغلغل في كل مجال، ويغزو مختلف الفضاءات، فارضًا إيقاعه السريع على العلم والمعرفة والتقنية، والسياسة والاقتصاد، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، والفنون والآداب، وفهم الدين وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية والدولية، وكل حقول حياة الإنسان. لم يعد ممكنًا لأي من هذه الحقول أن تظل بمنأى عن هذا الزحف العاصف، بعدما بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الواقع، وينتج عوالم غير مألوفة للإنسان من قبل، ويبدل ظروف عيشه، وطرائق تفكيره، وأساليب تعبيره، وكيفيات تواصله.

في ضوء الرؤية التي تتعامل مع اللغة بوصفها أفقًا لرؤية العالم، وموطنًا للذات، وتجليًا للتجربة الروحية، والحالة العاطفية والشعورية، ووعي الإنسان بما حوله، لا مجرد أداة للتخاطب، يبتكر الذكاء الاصطناعي نمطًا من التعبير يختزل المعنى في الأداء والوظيفة، ويهمّش الأبعاد الوجودية والعاطفية والشعورية والجمالية والرؤيوية للغة، إذ تنزع لغة هذا الذكاء نحو الرقمنة والتكميم والتنميط، وتخضع دلالات الكلمات لمقتضيات الخوارزميات، فتغيب الإيحاءات التي تنبعث من التأمل، والأحاسيس الباطنية، والتجارب الروحية، ويخفت وهج الرمز والإشارة والعلامة.

يعيد (تشات جي بي تي) وسائر نماذج الذكاء الاصطناعي تشكيل اللغة خارج حدود المعجم المألوف، مستجيبًا لحاجات الاستعمال المتجددة، بما يحدثه من ألفاظ ورموز تعبيرية تنسجم مع السياق، فارضًا أشكالًا جديدة لتوليد المعاني، وصياغة مفردات لا تقيدها دائمًا طرائق الاشتقاق أو القواعد والأدوات المعهودة في اللغة. ويبرز أثره في انتاج أساليب غير مألوفة للبيان، وطرائق بديلة للتعبير، يعكسها تدفق إجاباته الغزيرة التي تنهال كالشلال، لتغطي مساحات واسعة من الأسئلة الممتدة إلى مختلف ميادين الحياة، فتفتح للغة آفاقًا لم تختبرها من قبل، وتمنحها قدرة على تشكيل صيغ جديدة من الدلالة والتأويل.

تتراكم كل ساعة كميات هائلة من المفردات للغات العالم المختلفة، فتثري قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database). هذه الإضافات لا تقتصر على كلمات النصوص المدونة في معاجم تلك اللغات، بل تضخ في قاعدة البيانات مادة غزيرة من الكلام الشفاهي للندوات والمحاضرات وأحاديث البودكاست، باللهجات المتنوعة في كل لغة. فتمتص اللغة كلمات جديدة، ويولِّد الذكاء الاصطناعي من المفردات الأكثر تداولًا ألفاظًا خارج معاجم اللغات المعروفة، ثم يرسخها بكثرة الاستعمال، ويقلل حضور كلمات أخرى قليلة التداول، ويهمل مفردات نادرة في الاستعمال. وتظهر بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في اللغة الشفاهية والمدونة، “وبحسب دراسة للأوراق الأكاديمية المنشورة عام 2024 عبر العالم فإن 13.5 في المائة من ملخصاتها تحمل بصمات معالجة أو صياغة بأدوات ذكاء اصطناعي، لتصل النسبة في بعض التخصصات والمؤسسات إلى 40 في المائة… ويحيلنا القائمون على الدراسة حول التساؤل المستحق عن تأثير هذه البصمة اللغوية للآلة إلى منطق (الدائرة الثقافية المغلقة)؛ حيث النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتغذى على اللغة البشرية، ثم تعيد إنتاجها وفق تفضيلاتها، فيتبناها البشر، فتعود هذه اللغة المعدّلة لتغذية النماذج اللاحقة. ومع كل دورة، تضيق فسحة التنوع الأسلوبي، وتتراجع اللهجات والأنماط الهامشية أمام مركز لغوي واحد، فائق النعومة، شديد الانضباط، كثير الشبه بنفسه. وهذه بالطبع ليست فروضًا قسرية، بل هيمنة ناعمة. فالنماذج مثل (تشات جي بي تي) لا تفرض على المستخدم أن يتبنى أسلوبها للتواصل، لكنها تمنحه – من خلال الإيحاء الاجتماعي والمكافآت النفسية غير الملحوظة – شعورًا بالرضا عن الذات للظهور بشكل أكثر احترافية، وأكثر وضوحًا، وربما أكثر ذكاء حين يتحدث بلغتها. وهكذا، يصبح أسلوب الآلة معيارًا غير معلن، يقاس عليه (جمال) النص و(قيمة) الخطاب، بينما يدفع من يكون مغايرًا بشكل تدريجي إلى الهامش نحو مساحات تصنف ضمنيًا على أنها أقل رصانة، أو أقل مهنية”. (حطيط، ندى، “كيف يُعيد «تشات جي بي تي» تشكيل اللغة؟”، جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 25 أغسطس 2025).

تغدو فرادة الإبداع الأدبي مهددة بالاحتجاب خلف بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يتلاشى تميز لغة الكاتب المبدع وسط ركام المفردات والأساليب المتشابهة، فيفقد الأدب خصوصيته التي تنبع من حساسية الكلمة، وتشرق بجمال العبارة، وتضيء بصور مبتكرة تتفجر من أعماق التجربة الروحية والعاطفية والجمالية. تفاقم عملية التنميط بنحو تتحول الكتابة إلى صوت يكرر لحنه بنغم واحد، وتذوب ملامح التعدد والتفرد في سيل من نصوص متماثلة.كلما تقدمت الأجيال المتطورة للنماذج الذكية، ترسخت حالة التنميط أشد، حتى تبدو الكتابة كأنها بقلم كاتب واحد، تحاكي نصوصه نصوص غيره، وتنسكب رؤاه في قوالب صماء، ينطفئ فيها بريق التميز، ولا يستمع القارئ إلى إيقاع كلمات الكاتب وهمس لحنه، وتنكمش رحابة الخيال المبدع.

هكذا تضمحل في اللغة قدرتها على الكشف عن فرادة الإنسان، وتغترب عن ذاتها، حين تتحول إلى أداة تعيد خلق أساليب بيانية مكررة، لا يُسمع منها صوت الشعور، ولا تتجلى فيها بصمة القلب، ولا تنبض بإيقاع الحياة الباطنية. فيمسي الأدب هيكلًا بلا روح، ويخفت صوت المعنى العميق الذي لا يضيئه سوى الإنسان في لحظة حضوره الوجودي. احتجاب فرادة الكتابة خلف التنميط الآلي ليس خطرًا على الأدب وحده، بل هو نذير بانطفاء شعلة الإبداع، حيث تتحول اللغة من فضاء للمعنى إلى مرآة باهتة، تنعكس فيها كلمات خالية من وهج القلب وأشواق الروح.

تخوض اللغة العربية كغيرها من اللغات اليوم هذا التحدي، وتكشف مظاهر التحول عن تبدل تدريجي في بنيتها التعبيرية، وتحول في معجمها، واندفاع نحو السرعة والرمزية الرقمية. تحل التعابير الموجزة محل الجمل البلاغية المتعارفة، ويتقدم الرمز التعبيري، أو الوسم الرقمي، أو العبارة الهجينة التي تصوغها تطبيقات التواصل على التعبير المكثف. فمثلًا تذوب مشاعر الحزن العميق في رمز تعبيري لوجه دامع، وتتقلص مشاعر الحب في صورة قلب أحمر، وتضمحل الأشواق في التداول العاطفي الرقمي، فتتقدم عليها كلمات برمجية مكررة تستعير الإشارة للمشاعر، كأنها تحاكي حضورها، من دون أن تعبّر عن إشراق الأشواق، وكنايات الايحاء بها. وتنطفئ الصور البلاغية المضيئة، وتفقد الاستعارات الأدبية توهجها، حين يستعاض مثلًا عن بيت شعر المتنبي: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ، فلا تقنع بما دونَ النجومِ” في رمز لصاروخ أو سهم متجه للأعلى. وبيت الجواهري: “أتعلَمُ أم أنتَ لا تعلَمُ، بأن جِراحَ الضحايا فمُ” بكلمة خاطفة مثل “صامد”، وتبهت الصورة الناطقة بالحرية وكرامة المقهورين، ويتقلص أثر الكلمة التي توقظ وعيًا، ويستفيق بها الضمير، وتلتهب بها مشاعر الشعب وشهامته. في مثل هذا الانكماش، تتوارى اللغة عن وظيفتها، وتتخلى عن أثرها الشعوري، وتتحول إلى رموز وصور باردة لا تمس القلب، ولا تستفز العقل، فتفقد العبارة ما يحمله الشعر من شعور جارف، وما تشعه الصورة من أفق للعزة والشموخ.

تختفي المفردات التي كانت تضيء الوجدان، وتضيق مساحة المجاز والتأمل، حين تذوب المعاني الكثيفة في رموز مفرغة من دلالتها، إثر استنزاف معناها بتكرار استعمال الكل لها، وتتبخر حرارة الكلمة التي ظلت قرونًا تصوغ وعيًا، وتوقد شعلةً في القلب. وتغيب صور تحفيز الخيال، وتختصر في أيقونة جامدة لا تتسرب إلى وجدان القارئ، ولا توقظ تأملًا أو انفعالًا. كذلك تنطفئ لغة التدفق العاطفي المؤثرة، وموسيقى كلمات العشاق، بعد أن تزيحها عبارات نمطية منطفئة، مثل: “وحشتني” أو “وينك”، بلا دفء الحنين أو صورة ترسم الاشتياق بكلمات ساحرة. حتى مفردات المدح والهجاء في التراث الأدبي، الزاخرة بالتوريات والمجازات والكنايات، تُختزل في كلمة واحدة، مثل: “يجنن”، أو “مزيف”، حين تطلق دون سياق، وتستهلك بلا تذوق.

كما يغيب وهج التعبير القرآني الذي يتدفق بلغة القلب وأشواق الروح، فتختفي عبارات، مثل: “ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين”، ويحل محله قول مستعجل مثل: “يارب عوضني”، أو تتوارى كلمات الرجاء، مثل: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، ليأخذ مكانها نداء مقتضب مثل: “يا الله كفاية”. كذلك تستنفد الكلمة طاقتها الدلالية، ويخفت صوت المناجاة، عندما تغيب لغة التضرع عن فضائها الروحي، ويفقد البوح صدقه وقدرته على ملامسة أعماق القلب، ويتوارى صوت النبي أيوب الذي انبعث من أعماق الألم، وصدى أنين النبي يونس وهو ينادي في الظلمات: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ويتقدم بدلًا من هذه الاستغاثات نداء مستعجل، مثل: “يا الله فرّجها” أو “طفح الكيل”، يُكتب على عجل، ويرمى بمستودع رقمي مكتظ، من غير خشوع، ومن دون أثر لتجربة الانكسار، ولا صدى لنداء يخرج من أعماق الروح.

وتضمحل في الوقت نفسه شحنة أدعية تنسكب من القلب، مثل: “إلهي، ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك”، ويحل محلها نداء متعجل، مثل: “يارب سهلها”، نداء لا يتجاوز الشفتين، ولا يمس الشعور، ولا يعكس تجربة وجودية مشبعة بالوجد، بل يعكس حالة استعجال، تغيب فيها الأبعاد الجمالية والعاطفية والروحية، التي تتوهج بمناجاة العارفين. وتتقلص مساحة الدعاء، ويضيق أفق التضرع، وتخفت حرارة البوح، عندما تنكمش الكلمة في عبارة قصيرة تخلو من خشوع القلب، وبوح  المشاعر، وتدفق التجربة الروحية.

فرق بين كلمات يستقي بها القلب وترتوي بها الروح، وكلمات يتأمل دلالتها الذهن. ينحسر النوع الأول من الكلمات في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يتبدل نمط الدعاء، وتخسر لغة القلب طاقتها الروحية والعاطفية، عندما تقيدها وهي تخاطب الله القوالب الجاهزة، وتحبسها الأنساق الجامدة، فيتلاشى أثر التجربة الوجودية التي تضيء الحياة بكلمات مشبعة بوهج الروح وابتهالاتها. وتغيب صور التضرع والتبتل التي كانت تنبع من أدعية الأمهات والآباء، وتتراجع أمام نسق جاف يستمد لغته من محرك بحث آلي أو تطبيق أدعية على الإنترنت، من غير حرارة داخلية، ولا نبض شعوري.

في فضاء هذا التحول العاصف، يظهر جليًا أن اللغة التي تواصل الحياة، وتنتشر في العالم، هي اللغة التي تواكب صيرورة الواقع، وتتناغم مع معطيات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتنازل عن جوهرها الإنساني، وثرائها الدلالي، وطاقتها الرمزية. هكذا تفرض علينا هذه التحولات المتعجلة أن نعيد تأمل اللغة، ونحررها من أسر الأداء التقني، ونصون تنوعها، ونحمي عمقها الوجودي، حتى تواصل أداء وظيفتها، بوصفها كيانًا حيًا تتجلى فيه الرؤية للعالم، وطرائق التفكير، وأشواق الروح، وتعلن فيها الذات عن حضورها.

https://alsabaah.iq/120020-.html

اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها

                                                                                 د. عبد الجبار الرفاعي

الوجود الإنساني يتشكل في أفق اللغة، اللغة مرآة تتكشف فيها رؤية الإنسان للعالم، ولا تنفصل هذه الرؤية عن القواعد والأدوات والكلمات التي تتجلى بها وتعبّر عنها. اغتراب اللغة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان يعني اغتراب الإنسان عنها. حين تتيسر قواعد اللغة، ويجري تحديث أدواتها، وتواكب مفرداتها صيرورة الواقع والتحولات المتنوعة فيه، يتسع أفق الإنسان الناطق بها لرؤية العالم وإعادة تشكيله في وعيه.

يواجه دارسو العربية اليوم صعوبة بالغة في إتقان النحو وضبط حركات الكلمات عند التعبير بالفصحى، وهذه الصعوبة لا تنشأ من قصور في الفهم، أو ضعف في الذكاء، أو نفور من اللغة التي تمثل مكونًا عميقًا للهوية، أو افتقار إلى الجدية والمثابرة، وإنما تعود إلى قصور قواعد النطق عن الوفاء بمتطلبات التحدث بالعربية في العصر الراهن. هذه القواعد ما زالت أسيرة رؤية التراث للعالم، بينما يفرض وعي دارس اللغة أن ينتمي إلى الواقع الذي يعيش فيه، بكل ما يعج به من متغيرات هائلة في المجالات المختلفة. النحو لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة والمعرفة، ولا على استيعاب التطور الهائل في العلوم والتقنيات. الفلسفة والعلوم الإنسانية واللسانيات والتأويل وعلوم اللغة تطورت في العصر الحديث تطورًا واسعًا، وتفاعلت علوم اللغة مع منجزات العلوم والمعارف المتنوعة، فشكّل هذا التطور منعطفًا كبيرًا في مسار المعرفة، وترك أثرًا بيّنًا على اللغات الحية والثقافات وطرائق رؤية العالم، كما توضحه فلسفة العلم الحديثة. مع ذلك، ما زال النحو وعلوم اللغة العربية أسيرين لرؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج الإنسان العربي اليوم إلى رؤية حيّة للعالم، تواكب إيقاع العصر، وتتناغم مع شروط الواقع الذي يحياه.

حين تغترب اللغة عن الواقع يغترب الإنسان عنها، الإنسان العربي اليوم يعيش اغترابًا عن لغته لأن لغته غريبة عن واقعه، بعد أن انسلخت تدريجيًا عن إيقاع حياته وأسئلته واحتياجاته المعرفية انسلخ هو عنها. تتجلى هذه الغربة في ابتعاد قواعد العربية وأساليب تعبيرها عن واقعه، إذ ما زالت أسيرة قوالب تشكلت في سياق رؤية تراثية للعالم، بينما يحتاج واقعه اليوم إلى لغة تتنفس من نبض الحاضر، وتستجيب لتحولات وعيه، وتحتضن حاجاته المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية. في زمن يتغير بإيقاع متسارع، يستحث الإنسانُ اللغةَ على أن تواكبه،كي تظل قادرة على ايصال المعنى الذي تنشده حياته، وتتناغم مع الواقع الذي يعيشه، وتسهم في صياغة رؤيته للعالم، بما يمكّنه من التعرف على ذاته في سياق صلاته المتنوعة بما حوله، وإعادة تعريفها في أفق الحاضر والمستقبل.

حضرت قبل سنوات مناقشة دكتوراه في تخصص اللغة العربية، وكان المناقشون خمسة يحملون لقب أستاذ دكتور في هذا التخصص. جلست نصف ساعة، فضجرت من كثرة الأخطاء النحوية في نطق بعضهم، حتى كاد الانتباه إلى مضمون الكلام يتلاشى تحت وطأة زلات اللسان. عندما غادرت القاعة، رأيت أحد المؤلفين المعروفين يخرج قبلي، وقد ارتسم على ملامحه تبرم شديد، لانزعاجه البالغ من أحد المناقشين الذي بدت على لسانه حروف الجر وكأنها تعطلت وظيفتها في كلامه. إذا كان هذا حال بعض المتخصصين بالعربية، فماذا ننتظر من غيرهم، كالإعلاميين وعموم الناطقين بها، أن يضبطوا قواعدها وأساليب بيانها، وهي ما زالت مثقلة بقيود تراثية تجعل النطق بها عبئًا، بدل أن تكون أداة حيّة للتواصل والتعبير عن المعنى. يقول علي الطنطاوى: “أصبح النحو علمًا عقيمًا، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عامًا، ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعللوا، وأثبتوا فيه ودللوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كل مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولا يقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول”[1].

وهذا يفرض تيسير قواعد النطق بالعربية، وتحديث أساليب التعبير فيها، واستثمار ما أبدعته الحداثة الشعرية العربية من طاقة لغوية خلاقة، وما راكمه السرد العربي الحديث من ثراء في المعجم، وابتكار في أساليب البيان، أتاح للعربية أن تنفتح على نبض الحياة اليومية، وتقترب من اللغة المحكية في أحاديث وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ونصوص الصحافة، فتغدو أكثر مرونة في التواصل، وأقدر على التعبير عن التحولات الجارية في الواقع والوعي والفكر والثقافة.

أدرك جماعة من علماء العربية في العصر الحديث هذا المأزق، فألّفوا كتبًا، وكتبوا بحوثًا متعددة، تدعو إلى تيسير النحو وتطوير أساليب التعبير بالعربية، وشكلت دعوتهم موجة لافتة في القرن العشرين، لكنها لبثت عند السطح، ولم تنفذ إلى الجذور العميقة للمشكلة، أو تستكشف العوامل المتشابكة التي صنعتها، ولم تبحث عن حلول جدية في ضوء المكاسب الحديثة لعلوم اللغة. لم تتحول هذه الدعوة إلى مشروع عملي تتبناه المجامع اللغوية ومراكز البحوث والكليات المختصة، بل أُوصدت أمامها الأبواب، فتوقف تطورها، وانحسر مداها قبل أن يبلغ آفاقًا أرحب وأعمق. مع صعود تيار العودة إلى التراث واستئنافه على صورته الموروثة كما كان، الذي قاده التيار السلفي، ورسّخه صعود الإسلام السياسي، جرى التصدي للحداثة الفلسفية والمعرفية والعلمية والأدبية، ورفض ما أبدعته العقلانية النقدية الحديثة، وحُجب صوت دعاة التجديد، وتعرضوا للملاحقة والتضييق، حتى خفتت موجة الداعين إلى تيسير النحو وتحديث أساليب التعبير بالعربية، وزُرع الخوف في نفوس تلامذتهم من مواصلة هذا الطريق.

كان من دعاة التيسير: إبراهيم مصطفى في كتابه: “إحياء النحو”[2]، وأمين الخولي في بحثه: “هذا النحو”[3]، ومهدي المخزومي في كتابه: “في النحو العربي نقد وتوجيه”[4]، وأحمد عبد الستار الجواري في كتابه: “نحو التيسير”[5]. ذكرنا هؤلاء الأعلام الأربعة بوصفهم نماذج لدعوة التيسير، مع العلم أن هناك عشرات الكتابات لغيرهم في هذا المجال. وبغض النظر عن اختلافهم في نوع التيسير وكيفيته وحدوده، لاحظتُ أن كتاباتهم تفتقر إلى الحفر في البنية العميقة للتراث التي أنتجت سلطة الفصاحة والنحو، وكرست ممانعة اللغة عن قبول أية محاولة للتحديث وتيسير النحو. البحث العلمي يتطلب اكتشاف كيفية تشكّل هذه السلطة وتغلغلها ورسوخها، بفعل تأثير لغة القرآن الكريم وتجذرها في الشعور واللاشعور الفردي والجمعي، وبفعل السلطة المعرفية والروحية التي امتدت عبر تاريخ العربية للمؤسسات الدينية ومعاهد التعليم الديني التقليدية واستحواذها على اللغة، وتأثير الرؤية التراثية للعالم على إجهاض كل محاولة للتيسير والتحديث، وتغييب معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية وعلوم اللغة الحديثة والألسنيات عن الدرس اللغوي في كثير من كليات اللغة العربية والآداب في الجامعات العربية، فضلًا عن عوامل أخرى عمّقت الهوة بين الدرس اللغوي التراثي وحاجات الواقع الحي.

العربية اليوم أحوج ما تكون إلى إعادة بناء الرؤية التي تصوغ حضورها، في أفق تتحرر فيه من القوالب التراثية المغلقة، وتنفتح على إيقاع الحياة المتجدد، بنهضة لغوية علمية، تعتمد على المكاسب الجديدة للعلوم والمعارف، وتقودها مؤسسات علمية متبصّرة بما أنجزته الفلسفة والعلوم الإنسانية والألسنيات وعلوم اللغة والشعر والأدب الحديث، وما راكمته هذه الحقول من منجزات كبرى. من دون مؤسسات تمتلك وعيًا عميقًا بالمكانة الفائقة للعربية، ودورها الحاسم في صياغة رؤية العربي للعالم، وفي بناء هويته المواكبة لمستجدات حياته، وتستجيب لتحولات واقعه، ستبقى العربية عاجزة عن التعبير عن تعقيدات الحياة التي يحياها أبناؤها في زمن الذكاء الاصطناعي. ينبغي أن تتأسس هذه النهضة اللغوية على استراتيجيات علمية شاملة، تضع نصب أعينها تطوير اللغة، وتجديد أساليب التعبير بها، وتيسير قواعدها، بما يهيئها لاحتضان المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية والنفسية والعاطفية والروحية المتسارعة، ومواكبة ما يفرضه العصر الرقمي من تحولات عميقة في الوعي والمعرفة.

من دون هذا الجهد ستظل العربية عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الإنسان العربي لغويًا ومعرفيًا وثقافيًا، كما يفرضها على كل لغة في العالم. وحين تفقد اللغة قدرتها على التفاعل مع أسئلة الحاضر وتحدياته، يبدأ مسار تهميشها تدريجيًا، ويتراجع حضورها في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء الهوية وترسيخها. لذلك ينبغي أن تنهض المؤسسات الأكاديمية الرصينة، والمجامع اللغوية، والأدبية، بمسؤولية دعم البحث اللغوي الجاد، وتعزيز حركة الترجمة، وتطوير المعجمات، وتشجيع الإبداع ومراكز الدراسات الأدبية والفكرية للغة العربية، وتعمل في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة على حضور العربية بفاعلية في الفضاء الرقمي، من خلال إنتاج محتوى ثري يعكس متطلبات العصر وتحدياته، ويجعلها حاضرة في ميادين المعرفة والتواصل الحديثة. إذا لم تتحقق هذه النهضة، ستواجه العربية خطر الانغلاق والسكون، مما سيقيد قدرتها على الإسهام في تشكيل الوعي العربي والإنساني، ويختزل دورها كأداة للتفكير الإبداعي والنقدي في التعامل مع قضايا العصر والإجابة عن أسئلته المتنوعة، ويحرمها من أن تكون لغة حيّة قادرة على مواكبة التحولات، وصياغة المعنى في عالم يتغير بإيقاع متسارع.

اللغة التي تنكفئ عن مواكبة تحولات الحياة، وتغفل الاستجابة لتغيرات الواقع ومستجداته، تفقد حيويتها، وتضعف قدرتها على توصيل المعنى، فتغدو عاجزة عن ملامسة نبض العصر، واستيعاب تحولات الواقع والفكر والشعور. في اللغة الحية تولد مفردات جديدة، ويتوارى حضور أخرى عجزت عن التعبير عن المعنى الذي يطلبه الواقع، وفقدت قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المعرفية والثقافية والعاطفية والروحية والرمزية للمجتمع الناطق بها.كلما اتسعت خبرات الإنسان وتعمق وعيه، تجددت أدوات التعبير، وتطورت أساليب البيان، واتسعت اللغة لاحتضان مفردات تعكس تحولات المعنى في الفكر والعاطفة والسلوك. انغلاق اللغة لا يمثل اكتمالها، وإنما يعكس انفصالها عن الواقع ومنابع الحياة، وانقطاعها عن إيقاع العصر. مرونة اللغة وقدرتها على التكيّف مع تحولات الواقع، وإثراء مفرداتها وصقل أساليبها، هو البرهان الأصدق على بقائها كائنًا حيًا يواكب تطلعات الإنسان، ويغني وعيه، ويفتح له آفاقًا أرحب لرؤية العالم، والتفاعل مع معناه، وإعادة ابتكار صورته في ضوء ما يتكشف له من تجارب ومعارف متجددة.

[1] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 13، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[2] مصطفى، إبراهيم، إحياء النحو، 1959، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.

[3] الخولي، أمين، “هذا النحو”، مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، مج 7، “يوليو 1944”.

[4] المخزومي، مهدي، في النحو العربي: نقد وتوجيه، 1964، المكتبة العصرية، صيدا -بيروت.

[5] الجواري، أحمد عبد الستار، نحو التيسير، 1984، المجمع العلمي العراقي.

 

https://alsabaah.iq/119601-.html