تفكيك العقلِ الأحادي عمليًّا: قراءة في مفارقات وأضداد للرفاعي

د. وسام حسين العبيدي

العقلُ الأحاديُّ يُؤمنُ باليقينيّاتِ والمُطلَقاتِ في كُلِّ مجالٍ يتوجَّهُ إليه صاحبُهُ، فإذا تحدَّثتَ مع أحدِ مُمثِّلي هذا العقل “الأحادي” عن فكرةٍ أعجبتكَ؛ لِجِدّتِها، أو لواقعيّتها، أو لما فيها من بُعدِ نظر، ودقّةٍ في تشخيص مكمن الداء في ظاهرةٍ ما أو إشكاليَّةٍ ما، أو لغير ذلك من أسباب، سيواجهُكَ صاحبُ العقلِ “الأُحادي” بعيدًا عن الموضوع محلِّ الشاهد، بأنَّ صاحب الفكرة تلك، له كذا أفكار جانبَ الصوابَ فيها، أو له مواقف ضدّ الجهة التي أُواليها سياسيًّا أو دينيًّا، أو أنه ينتمي إلى الحزب الفلاني، أو الجماعة الكذائية، أو.. أو.. أو.. إلخ من إشكالاتٍ لديه كلُّها لا علاقةَ لها في الموضوع الذي طرقتَهُ عليه، هُروبًا من الاعترافِ لكَ أنَّ تلك الفكرة – محلَّ الشاهد – تستحقُّ الاحترام، أو أنها فكرةٌ جادّة بين لِداتِها من أفكارٍ في المجال نفسه. وهذا الهروبُ ليس إلا لونًا صارخًا من ألوانِ التعصُّبِ الفكري سواءَ أكان بين عامّة الناس، أم كانَ بين النُخَب، بله بين النُخبِ أكثرُ قُبحًا، وأشدَّ مضاضةً «من وقع الحُسامِ المُهنّدِ»..!

العقلُ الأحاديُّ، عقلٌ بَدائيٌّ في تكوينه، بَدائيٌّ في تفكيره، بَدائيٌّ في مُخرَجاته، لا يرى غير ما يُوافقُ ميوله وتوجُّهاته، فهي الصوابُ المُطلق، وما عداها فهو الباطلُ المُطلق، وليس لديه القدرةُ أو الشجاعةُ التي تدفعُهُ إلى مراجعة مُخرجاتهِ من أفكار فيُمارسَ النقدَ عليها، ويُعيدُ النظرَ في مرجعيّاتها تمحيصًا واختبارًا على محكِّ الوقائع المتغيّرة، أو المعلومات المُتحصَّلة لديه مؤخَّرًا، فيتأكّد من صوابها، أو يصرف النظرَ – بموجب ذلك – عن بعضها، أو يتبرّأ منها، في قبال تبنِّي سواها من أفكار أو قناعات، وهو إذا كان كذلك، فمن الطبيعيِّ أنْ لا يجرؤ على قراءة منجز الآخر المختلفِ عنه، أو يتحقّق من صدقِ ما قرَّ في وعيه من قناعاتٍ وأفكارٍ عنه سمعها من خصوم ذلك الآخر، بل لا يريد تصحيح تلك التصوُّرات الراسخةِ في مخيالهِ عن ذلك الآخر؛ لما سيترتَّبُ على ذلك التصحيح من تغييرٍ في موقفهِ عنه، وهذا ما لا يُريدُهُ مُطلقًا؛ لأنه يؤمنُ بالنظرةِ الأولى، والموقفِ الأول، بما يُشعِرُهُ ذلك الإيمانُ الأُحاديُّ من اتّزانٍ موهوم، وهويّةٍ ثابتةٍ، وهو ثباتٌ لا قيمة له ولا مُسوِّغ له عقلاً، مثل ثباتِ من اعتادَ على شكلٍ واحدٍ من الطعام يراه أطيبَ الأطعمة وهو لم يجرِّب غيرَه من طعامٍ..!!

من يقرأ «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» للمفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، سيجد – وهو يُطالع رصده لمفكرين عرب وإيرانيين في حقول معرفية متقاربة، اشتغل كلُّ واحدٍ منهم على حدة في مشروعه الخاص – أنَّ مفارقات العقل عند كلِّ واحدٍ – بحسب رصد الرفاعي لها – موجودة، ومتحقّقة سواء أكانت تلك المفارقات طوليا، أي أنها تتحقق على مر الزمن، إذ تجد المفكر من هؤلاء يتراجع عن بعض ما كان يؤمن به من أفكار، في قبال تبنّيه لأفكار أُخَر آمنَ بجدواها فيما بعد، أو تجد تلك المفارقات عُرضيًّا لدى هذا المفكر أو ذاك، بمعنى أنه في الوقت الذي تجد لدى هذا المفكِّر نزعةً فكريةً تؤمنُ بكذا من المتبنّيات، لكنّك لا تجد صدى تلك النزعة على واحدةٍ من واقعه..! أو تجده متفتّح الذهن في مسائل ينظر إليها بعقلانية ومنطقية وفي الوقت نفسه في مسائل لا تميل مع هواه يتصدّى لها رافضًا ومُفنِّدًا، وذلك في قوله: “أحيانًا ترى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظةٍ من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمةٍ من عقله. تُدهشك قدرته على توظيف المغالطات المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم” ص 301 أو ستجد من هؤلاء المفكرين الذين تعرّض لهم الرفاعي، من تبرّأ من أفكاره “العقلانية” إلى حدٍّ ما في مبتدإ نشاطه الفكري، وراح يُكفِّر عن ذلك “الإثم” في خريف عمره، بالتوغُّل في التفكير السَلَفي كاتبًا ومناقشًا ومُحاورًا، ومن هؤلاء الراحل “محمد عمارة”، وهذا يمثِّل أحد تجليات “المفارقات” التي توقّف عندها الرفاعي، إذ المنطقيُّ المُستساغُ في مسيرة التحوُّلات الفكرية عند المفكِّر – أو المشتغل عمومًا في حقل التراث – أنْ يتخلّص شيئًا فشيئًا من حمولة “النسق السَلَفي” مُحلِّقًا – كمنطادٍ كلّما يرتفع في طبقات الجوِّ يرمي من الأكياس المشدودة فيه – وصولاً إلى مناطقَ أرحبَ في عقله، يستثمرُها في قراءته التراث الذي ظلمَهُ فيما سبق، مؤشِّرا على ما فيه من مساحات مضيئة/ عقلانية تمُدُّ وعيه بمزيد من الهدوء والاتزان في تعامله مع متغيرات مجتمعه وأثر التطورات التي يفرضها منطق الزمن على تلك المتغيرات..

إنَّ ما شخّصه الرفاعي أصطلحُ عليه – وفق دراسةٍ شارفتُ الانتهاءَ منها – بـ«تمثيلات العقلِ الأُحادي» التي لا تقتصرُ هي الأخرى في مجال قراءة التراث، بل نجدُ آثارَها وتمثيلاتها في كلِّ مجالٍ من مجالات الحياة، وهي لا تقتصرُ على “عقلٍ عربيٍّ” دون “عقلٍ غربيٍّ” فهذا التشخيص «الجابري» لم يكن فيصلاً حاسمًا للتمييز بينهما، بل هي سِمةٌ عامّة للعقل البشري الذي يسكنُهُ عاملُ الانطواء على “الذات”، وعدم الاعتراف بـ”الآخر” سواءً أكان فكرًا، أم مجتمعًا مُغايرًا في العقيدة أو السلوك والعادات أو غير ذلك، تجعل الشخصَ ينطوي على تُراثه يُحاول بكلِّ ما يستطيع – ولن يستطيع – أنْ يجدَ فيه ما يُغنيه عن الآخر في كلِّ شيء – وإن كان ذلك الشيء – يُقدِّمُ البديلَ النافع، أو العلاجَ لما يُعانيه من إشكالاتٍ مُزمِنة في واقعه المعيش. وهذا ما عبّر عنه الرفاعي في موردٍ آخر – بصدد الحديث عن مشروع المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي – بـ”انفجار الهويّة السَلبي” تمييزًا له عن الإيجابي منه، إذ يعمل الأول على “تصلُّب الهوية وانغلاقها بصرامة. الهوية المغلقة لا تُطيقُ ما لا ينتمي إليها مهما كان، حتى مكاسب العلوم والمعارف الحديثة المُنجَزة خارج فضائها تستفزُّها وترتابُ وتحذرُ منها، وفي أغلب الأحيان ترفضُها، وإن اضطرّتْ إليها لا تقبلُها إلا بعُسرٍ ومَشَقّةٍ وتردُّد” ص352 وهذه ظاهرةٌ شخّصها الرفاعيُّ في كتابه هذا، عند أكثر من مفكرٍ ينطبق عليهم هذا التشخيص النقدي في مجمل مشاريعهم الفكرية، بما جعلهم يجنحون إلى تدشين قصرٍ على الرمال، تعويضًا عن ذلك الانكفاء الفكري غير المُسوَّغ، تمثّل بما اجترحوا عليه صراحةً أم ضمنًا مصطلح «إسلاميّة المعرفة» وقد رصد الرفاعيُّ أكثر من استعرضَ أو دعا إلى هذا المفهوم، من إيرانيين أو عرب، وهي دعوةٌ لا تخفي انسلاخها من هويّة العصر الحديث، وكيفية التعاطي مع مُخرجاته من معارف وعلوم وتكنولوجيا تغلغلت في كل مجالات حياتنا، فكان لهؤلاء أنْ يحتموا بالتراث، “والدعوة للعودةِ إلى ماضي الأُمّة، وعلوم ومعارف الآباء”، والكلام في هذا المورد عن مشروع الراحل “محمد عمارة” ولكنّه ينطبق بصورةٍ عامة، على من اشتغل على تكريس هذه الدعوة – إسلامية المعرفة – في خطاباته ومؤلفاته، ملتقِطًا في الوقت نفسه خيطًا آخر يشترك به عمارة وأولئك، تمثّل بـ”التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديث، بذريعة أنَّ تراثنا يختزنُ كلَّ ما تتطلَّبُهُ حياتُنا، وكلَّ حلول مُشكلاتنا، وأنَّ المعرفةَ والعلومَ الحديثةَ ما دامتْ وُلِدت في بيئةٍ غربيَّةٍ، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يُردَّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعةٍ وعباراتٍ مختلفةٍ، وصياغاتٍ ملتويةٍ أحيانًا، تتوحّدُ في أنّها تدعونا لأن نرفضَ كلَّ معرفةٍ أنتجها العقلُ البشريُّ خارجَ عالمنا” في حين أن كل هذه الدعاوى لا أثرَ لها في الحقيقة، وبحسب قوله: “فلا نحن اكتشفنا فلسفتنا وعلومنا ومعارفنا التي تستجيبُ لواقعنا، وتولد في سياق ديانتنا وثقافتنا وهويّتنا وخصوصيّتنا وراهن مجتمعاتنا ص: 319. ولا نحنُ الذين استفدنا من منجز الآخر وتعاملنا معه بموضوعية واحترام..!

والرفاعيُّ في تشخيصه النقديِّ هذه الظاهرة عند أكثر من مفكِّر، لا يخفى لأدنى مُتأمِّلٍ ما ينشدُهُ من توازنٍ معرفيٍّ بين استلهام المضيء النافع من التراث، في الوقت الذي لا يجعلنا نُشيح بوجوهنا ممّا يمكن الاستفادة منه من منجزات العلم الحديث، بما يعكسُ انتماءنا للعصر، وينمّ عن نظرةٍ فيها الكثير من الإنصاف لجهود العقل الإنساني – أيًّا كان انتماؤه – في تعاطيه أخذًا وعطاءً مع الآخر، وهو معنًى قريبٌ ممّا ذكره الراحل نصر حامد أبو زيد في وقوفه على هذه المسألة، بالقول ((ونحن نُعيدُ من حينٍ إلى حين النظر في تراثنا، ونعودُ إلى تأملهِ وتفسيرهِ وتقويمهِ. وهذه العودةُ المستمرةُ ليست نزقًا طائشًا نابعًا من عدم النضج وعدم الاستقلال، ولكنها عودةٌ نابعةٌ من ضرورةٍ وجوديةٍ، وضرورةٍ معرفيةٍ في نفس الوقت. فليس التراثُ في الوعي المعاصر قطعةً عزيزةً من التاريخ فحسب، ولكنه – وهذا هو الأهم- دعامةٌ من دعاماتِ وجودِنا، وأثرٌ فاعلٌ في مكوِّنات وعينا الراهن، وأثرٌ قد لا يبدو للوهلة الأولى بيّنًا واضحًا ولكنه يعمل فينا في خفاءٍ، ويؤثّر في تصوراتنا شئنا أم أبينا، لذلك يتعين علينا أن نتحركَ دائمًا حركةً جدليةً تأويليةً بين وعينا المعاصر وبين أصولِ هذا الوعي في تراثنا. هذه الحركةُ يتحتّمُ عليها ألا تغفل المسافة الزمنية التي تفصلنا عن التراث، وعليها في نفس الوقت ألا تقع في أسر هذا التراث رفضًا أو قبولاً غير مشروط، فالتراث – في النهاية- ملكٌ لنا، تركه لنا أسلافُنا لا ليكون قيدًا على حرّيتنا وعلى حركتنا، بل لنتمثله ونعيد فهمه وتفسيره وتقويمه من منطلقات همومنا الراهنة)) (مدخل الى السيميوطيقا: 73)

وإذا كانت هذه الظاهرة الفكرية قد استوقفتِ الرفاعيَّ منتقدًا لها، مُمحِّصًا مرجعيات خطاب أصحابها الفكريَّة، مؤمنًا بالوسطيّة في متبنّياته الفكرية باعتبارها منطلَقًا واقعيًّا، وفي خلاف ذلك تكمنُ المفارقات وتتّسعُ التضادّاتُ بين الدعوى وبين الواقع، بين من يدعو إلى “الحكمة الخالدة” التي يقف وراءها “حسين نصر” ومن سار في فلكه من مفكرين إيرانيين، وبين من يدعو إلى “أدلجة التراث” بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهذا ما عمل عليه الراحل د. علي شريعتي في قراءته بعض مفاصل التاريخ الإسلامي، وهي تنويعات أو تمثيلات بالأحرى لا تخرج عمّن دعوا إلى “إسلامية المعرفة” إلا في بعض التفاصيل التي يقتضيها توجّه كل مفكرٍ من هؤلاء، وإلا فيجمعهم الموقف المتشنِّج من العلم الحديث، إذ “يتوارى خلفه موقفٌ تبجيليٌّ يغيب فيه النقد بإزاء التراث وبعض مفاهيمه الميِّتةِ والمُميتة […] بينما تتراكم كتاباتهم في نقد الغرب الحديث، وهجاء حضارته، وقِيَمه وعلومه، بلا تمييزٍ بين وجوه الغرب المتنوِّعة” ص: 264 فهنالك ظاهرةٌ أخرى استوقفتِ الرفاعيَّ، تمثّلت بلغة الخطاب الفكري لكلِّ واحدٍ منهم، بما يؤشِّر استشعاره أهمية أنْ يكون للمفكرِ لغةٌ رشيقةٌ تُنبئ عن محتواه الفكري لا تنحطُّ عن المستوى المطلوب في الطرح، بما يجعلها لغةً سطحيةً لا تنفذُ إلى ما وراء قشر الألفاظ من أفكار، وهذا ما شخّصه بصورةٍ عامة عند عالم الاجتماع الراحل “د.علي الوردي” إذ جعلها – بحسب وصف الرفاعي – لغة “حكواتيٍّ يتحدّثُ في المقاهي الشعبيّة” أو تلك التي لمسَها عند المفكر الراحل “حسن حنفي” بما فيها من رومانسيّة عالية أبعدت الخطاب عن واقعيته وملامسته المشاكل والأزمات، فاللغةُ مهما كانت ثوريّةً لا تغيّر من الواقع شيئًا أو لا تلامس الجذور العميقة لتلك المشاكل، ما لم تستهدِ إلى الطريق بعقلٍ يقظ ووعيٍ ينطلق من صميم الطبيعة التي انبجست منها تلكم الأزمات. أو حين يقف عند المنجز الفكري عند الإيراني الراحل “داريوش شايغان” يروقُهُ منه فضلاً عن فكره الغزير ذي المنابع المتنوِّعة، مهارتُه الفائقة “في التعبير عن أفكاره، ببيانٍ مُكثّفٍ دقيق، لكنّه واضح، عباراتُه لا يُرهقهُا فائضٌ لفظي، ولا تغرقُ بغموضٍ والتباساتٍ مُبهمة. يهتمُّ بترتيب موضوعاته في سياقٍ منهجيٍّ مُنظّم. وتظهر براعتُهُ في القدرة على توظيف المصطلحات التي ينحتها أو يستعيرها، بنحوٍ اغتنت آثارُهُ بمعجمٍ اصطلاحيٍّ مُميّز، ينفردُ هو بعددٍ مما يتضمّنه هذا المعجم” ص235 . وهكذا يستثمرُ الرفاعيُّ كلَّ ما لديه من مجالات معرفيّة يُخضع فيها مشروعَ أيِّ مفكرٍ تناوله في هذا الكتاب، بما يُقلِّص النظرةَ الأُحادية التي استشرت عمومًا في واقعنا الفكري والثقافي المعاصر، وذلك في وقفاته المتأمِّلة على شخص كلِّ واحدٍ من أولئكم المفكِّرين، فيجد ما يستحقُّ الثناء عليه سواءً أكان ذلك الثناء في سيرته الحياتية أو مسيرته العلمية، في قبال ما يُشخِّصُهُ من أدواءٍ فكريّةٍ وقع فيها الكثيرُ منهم، وهذا يُمثِّل أقصى درجات الموضوعية – بمعنى الحياد – حين لا يُشطَبُ على مشروع كلِّ واحدٍ من أولئك المفكِّرين بجرّة قلم؛ لمجرّد أنّه يُخالف هوى الباحث الناقد لمشروعهم، فلغةُ التجريح والتسقيط أو الإلغاء لا تنمُّ إلا عن عقلٍ كسول لا ينتمي إلى روح العصر الحديث الذي يؤمنُ بالنسبية في كلِّ ظاهرةٍ وكلِّ منجزٍ أيًّا كان صاحبه، فضلاً عن كونها تعبِّرُ عن أحاديّته المقيتة في رؤيته الأشياء في منظورٍ واحدٍ لا يقبل التجزئة، بما يُضيِّقُ على صاحبه الاستفادة ممّا حوله، ويُحيل حياته إلى نسخِ بليدة طبق الأصلِ من شخصّيته. وهذا ما يقف منه كتاب “مفارقات وأضداد” بالضدِّ منه، فتحيةٌ لمؤلِّفه الذي يُسهم بما يستطيع في إرساء العقلانية النقدية بهدوء الحكيم.

https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A3%D8%B6%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D9%8A/

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

ميسلون هادي

يقف الدكتور عبد الجبار الرفاعي في الضد من الذين يمزقون النسيج المجتمعي، والعبث بأمنه وسلامته بذريعة الإيديولوجيا، وتقديم المعتقد على الوطنية، وينتقد دفاع حسن حنفي المستميت عن أفكار سيد قطب، التي غرست كراهية عميقة لمجتمعه، ولكل مختلف بمعتقده عنه، بل وصنّفت كل ما حوله على أنه (جاهلية). فدعوة حسن حنفي لتجديد (التراث بالتراث) قد أَهدرتْ، حسب الرفاعي، قرنين من الزمان، لم تحرز فيه نجاحا يذكر. لأن من يحولون الدين إلى أيديولوجيا يختزلونه في قوانين ثابتة وقوالب جامدة لا تلتفت الى الواقع المتحول كشلال متدفق.

يسجل الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المهم وقفات مستفيضة إزاء بوصلات التفكير لمجموعة من المفكرين الذين خاضوا في مسألة نقد الفكر الديني وتجديده:

  1. علي الوردي، وهو أول مثقف ديني نقدي في العراق، حسب الرفاعي، وكان جسوراً في طروحاته، التي مثلت صرخة جريئة مدوية بالنسبة لزمانها، إذ كتب الدكتور علي الوردي بلغة الناس المحكية البسيطة، فوصلت بساطتها إلى فئات مختلفة من القراء، ووجدت لغته الساخرة والحيوية الآذان الصاغية لها، لأنها ظلت بعيدة عن الوعظ المباشر لرجال الدين. غير أن بذرة المثقف الديني النقدي لم تكتمل، وانصرف الوردي تدريجيا عن الدين، واهتم بدراسة وتحليل قضايا مجتمعية أكثر قربا من اختصاصه. يأخذ عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنه كان حماسياً في بعض طروحاته، فثبت على مبدأ التناشر والازدواجية في الشخصية العراقية، مع أن المجتمع قد تغير كثيرا من حوله، كما أنه ركز على جوانب سلبية من الشخصية العراقية، قد يكون وجودها طبيعياً، مثلها مثل باقي البشر، وتجاهل مزايا أخرى تمتعت بها. وقد نقد الوردي نفسه حول ذلك، وقال لاحقا أن النهج العلمي يحتم عليه أن يذكر المحاسن والمساوئ دون مبالغة أو مغالاة.. وأخيراً يتوقف الرفاعي مع الوردي عند مسألة مهمة هي الأخطاء اللغوية التي تعتور كتاباته، وقد اعترف علي الوردي بها، بل ودافع عن تلك الأخطاء، التي يصعب عليه استدراكها، لصعوبة قواعد اللغة العربية ووعورتها. وهنا يعرج الرفاعي إلى ضرورة تيسير اللغة العربية، وتخليصها من القواعد الصعبة التي تؤثر على سلاسة إيصال المعنى، كما يعترف الرفاعي (بتواضع العلماء) أنه يحيل أعماله إلى محرر لغوي، لكي تخرج سليمة من الأخطاء النحوية.
  2. حسن حنفي، الذي نادى باليسار الإسلامي، ويسميه الرفاعي بجامع الفلسفة مع الكهنوت، أي جامع الأشياء المتنافرة مع بعضها البعض، ومع أن كتاباته تخلو من التحريض على المذاهب، واللوثة الطائفية لم تصبها، غير أنه حاول استعارة جلباب التراث وخلعه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، أي أراد تجديد التراث بالتراث، وهذا تناقض بحد ذاته، لأنه يعزل المجتمع عن العلوم والمعارف الحديثة، كما أنه يقدم توفيقا ملفقا بين الفرق والتيارات والاتجاهات والايديولوجيات المختلفة.
  3. داريوش شايغان، الفيلسوف المغمور الذي حذر من أدلجة الدين، لأنه يحوله إلى شأن دنيوي. بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي. يتحمس الرفاعي لشايغان لأن الأيديلوجيا ليست معادية للدين فقط، وإنما معادية للفلسفة.
  4. سيد حسين نصر، وهو من جماعة الحكمة الخالدة، أو المعرفة الأزلية المتعالية على الزمان والمكان، أي أن العالم كله وطنها. وهو أيضا صاحب فرضية العلم المقدس، التي يأخذ عليها الرفاعي هجاء الفكر الغربي، ورفض الحداثة الغربية لأنها مادية.
  5. أحمد فرديد، الفيلسوف الشفاهي، أو الفيلسوف ضد الفلسفة. أي أنه يبدأ بمقدمات منطقية وينتهي بنتائج لاهوتية. ويخلط أيضا بين صوفية مجردة وفكرة فلسفية، فينتزع مفاهيم ابن عربي مثلا من فضائها الروحي، ويقحمها في مجال التاريخ البشري. كما نحت مصطلح (وباء الغرب) أو (الغرب زدكي) ويعني أن الغرب وباء أصاب العالم منذ الحضارة اليونانية وحتى اليوم. ويأخذ عليه الرفاعي هذا الدمج اللامنطقي بين العرفان والفلسفة.
  6. محمد عمارة، المتحول في رحلته الطويلة من الماركسية إلى السلفية، وكيف أصبحت آثاره المتأخرة تنفض آثاره المبكرة، ومن الطبيعي أن يحدث هذا التغيير، كما دافع عن ذلك عالم الاجتماع علي الوردي في تغير مواقفه، عند تحديث المعطيات الاجتماعية المحيطة بنا، لكن عمارة، الذي يعتبر واحدا من رواد النهضة المجددين والعقلانيين، لا ينطبق عليه هذا الحراك الفكري في محطته الاخيرة، أو كيف تحكمت هذه الانتقالات في بوصلته الفكرية، فكان أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد واستباحة دمه. يأسف الرفاعي لظاهرة الهروب للماضي كلما تقدم العمر ببعض مفكري اليسار الاسلامي أو الفكر العربي المعاصر بشكل عام، فنراهم بعد حياة فكرية تسودها العقلانية النقدية يحتمون بكهف الماضي من قلق الموت الوشيك، ويعودون إلى الأصولية، وكأنها توبة من إثم عقلي ارتكبوه في شبابهم.
  7. مالك بن نبي، مفكر جزائري أصابه ذعر ضياع الهوية بسبب الاستعمار الفرنسي، وبالتالي تنفجر الهوية عنده إلى شقين متلازمين: المقاومة أولا من أجل التحرير، والانغلاق ثانيا على زمن الانتصارات والأمجاد في العصر الاسلامي الأول. لم يخرج ابن نبي كثيرا عن آراء ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب، ولكن الرفاعي يأخذ عليه تورطه بالتعميم، فيختفي عنده التمايز الواضح داخل طيف واسع من التدين التركي والإيراني والعربي والاندونيسي.. الخ. كما أن انتهاك الاستعمار لهويته وهوية أهله في الجزائر وضع ذهنه داخل إطار مغلق لم يتحرر منه، فأصبح التفسير التآمري هو الأداة الوحيدة لتشخيص الفشل في بلاده.
  8. جودت سعيد، رجل دين سوري يتصرف كفلاح، مولع بسقي النباتات وتربية النحل ورعاية الخضرة، وكان صديقا للأرض نابذا للعنف، ومن عاداته كتابة آيات القران على الورق، ويعلل ذلك بقوله : كل نص نفهمه أكثر حين نعيد كتابته بأيدينا. نشر بيانا استثنائيا للسلام في كتابه (مذهب ابن ادم الأول)، فهو يرى أن تهمة الملائكة للبشر في سفك الدماء، لا تزال قائمة في جميع التيارات اليمينية واليسارية، أما تفسيره للجهاد الأكبر فهو تحصيل العلم والمعرفة. وهنا يتساءل الرفاعي: هل يمكن الخلاص من العنف بالنوايا الطيبة، أو بكلمتين فقط هما (موت الحرب)، وهو شعار رومانسي متخيل تبناه جودت سعيد في كتاباته الاخيرة؟. كيف يمكن ذلك والعنف هو من الثوابت الأبدية في الطبيعة الانسانية، كما يقول علم النفس وعلم الأعصاب المعرفي.

هذا السؤال نوجهه بدورنا إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي ينطلق في كتاباته من مبدأ رومانسي أيضاً هو الرحمة، ويشدد على مفهوم روحاني في فهم الدين، فيقول بأن الدين كي يحقق وظيفته في حياتنا اليوم لا بد أن نفهمه بوصفه نظاما لانتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. صحيح أنه يخص النفس المتزمتة بهذه البراءة في نظرتها إلى الدين، ويعلن إنها تحتاج إلى القلب بموزاة العقل لكشف الابعاد الروحية والجمالية العميقة في جوهر الدين، ولكن أين من عيني أولاء الرحماء قبل أن يكونوا عباقرة ومنظرين؟ وما هي المعجزة التي ستجعلهم يغيرون نهجهم هذا؟

الرفاعي أيضا يجمع نقيضين في جملة واحدة وهما اللاهوت والحرية، ويضعهما في مبدأ واحد هو لاهوت الحرية، وفهمت منه دعوة مثالية تجمع بين توحيد الله وتحرير الإنسان من كل أشكال العبوديات. فهو يشدد على أن الايمان بالله والتوحيد هو حجر الزاوية في بناء الحياة الرحيمة في الاسلام، وهذا اليقين الروحاني لم نجد له تمثلات راسخة في عالم الشهادة، بل اعترضته جدران متسلسلة من التزمت والتمذهب والانغلاق، هاجمها المفكر الجزائري أركون وأسماها (الجهل المؤسس). يعزو الدكتور عبد الجبار الرفاعي ذلك إلى عدم تدبر هذا الحضور المكثف لله في القرآن، وما يحيل اليه هذا الحضور من دلالات روحية لا تنضب.

هنا يخالف الرفاعي أغلب المفكرين العلمانيين الذين قرأت لهم، فهم برأيي الشخصي يتحدثون عن الدين، وهم في منطقة الشك أو الإلحاد، لكنهم لا يجاهرون بذلك خشية خدش مشروعهم التنويري وتعريضه لتداعيات اخرى، بينما يُفصح الرفاعي دائما عن إيمانه العميق بالله، ويعتبر هذا الايمان منبعا ملهما للحق والعدل والسلام والخير والمحبة، بل هو المنقذ للانسان من اغترابه الوجودي الذي يمزق سلامه وسكينته الداخلية. وبهذا يكون الدين أوسع بكثير من الكتب المقدسة، ويمتد ليشمل سلوك الانسان وتكريس مواقفه المشرقة من الحياة، وإيقاظ المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في حياته.

لم يصل الرفاعي الى هذه النتيجة بقفزة فكرية مفاجئة، وإنما مر خلال حياته بمراحل متعددة اعتنق فيها مدارس دينية مختلفة وتبنى أفكارها، ثم مع كل بوصلة يتوقف عندها يكتشف أن هناك دائما من يحول الدين إلى أيدولوجيا، وهذا هو أشد ما يعارضه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المؤثر والمهم.

 

https://www.almadapaper.net/view.php?cat=313715&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR2BlX7_STyjxQJYxCnyowbyzy0aMdVCOB1V8kyROvpg-m7qc76zQXmYLzY_aem_AYsGCqaR7jai6VNe8p-_QNG7QahiiRTDZHu4MKQfqtkN0Ve1kqOvFdnqjmHsB9X2_zqekkObRx4AB6n6DqFCa2fy

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث: من المركزيةِ الغربية إلى مركزيةٍ إنسانيَّة تصبُّ فيها الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية

 عبد اللطيف الحاج اقويدر[1]

أعتقدُ أنَّ الدكتور عبد الجبار الرفاعي يريدُ من خلال مؤلَّفه هذا، أن تكون له مساهمةٌ في تطوير الثقافة العربية وفكرها، فكتابُه “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتُّراث” أراده جسراً موصولاً بين فكريْن شرقيين متجانسين تاريخيا وجغرافياً: الفكر العربي، والفكر الإيراني، ولعلَّه بذلك يكون قد ربط ماضي هاتيْن الثقافتيْن بحاضرهما، فقدْ تلاقحا ماضياً، بما حقَّق تألُّق الحضارة العربية الإسلامية. يقوم الكاتب بمدِّ حبل التَّواصل بينهما باعتبارهما ثقافتيْن عريقتيْن غنيتين بمحموليْهما، لاعتقاده أوانَ تلاقيهما، لتتشاركا معاً في مصاحبة المسيرة الإنسانية العالمية إلى مصيرها.

يريدُ كتابَه صرحاً جديداً في هذا البناء الفكري العربي المعاصر، وربَّما يكون هذا العملُ حافزاً، فتتفتَّحُ ثقافاتٌ شرقيةٌ أخرى على الفكر العربي من تركية وماليزية، وإندونيسية وباكستانية وغيرها، كما يتفتَّحُ هو عليهم، لِتتوسَّع بذلك الدَّائرةُ الفكرية الشَّرقِيَّةُ، ونخرُجَ من أسار الإبْهار المُزمن لِـ “المركزية الغربية”، ونعملُ على تأسيس “المركزية الإنسانيَّة “، تصبُّ فيها جميعُ الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية.

استثمر الرفاعي في مصطلح “المثقف الديني النقدي”، بإثارته في مقال له في صحيفة “الصباح” العراقية، ثمَّ دفع به إلى السَّاحة الفكرية قصد إثرائه، وعمل على إبانته، وبيان الغرض منه، وتحديد إطاره (ص32)، وذكر دوره في ولوج المناطق المعتمة، والمسكوت عنها في التراث أو الفكر الديني، متَّخذاً العقل وسيلةً وآلةً، متسلِّحاً بثقافة الموروث وثقافة الحداثة (ص26)، واشترط أن يظهر المثقفُ الديني النقدي بصورة المتكلم الجديد، أو الفقيه المجدِّد، أو المفكِّر، لا متكلم قديم، ولا فقيه أحكام، ولا داعية (ص27)،  كما أكد الكاتب على ضرورة توفر الضمير الأخلاقي اليقظ، والنزعة الإنسانية عنده (ص303)، ثم مضي بعد هذه الاستفاضة، إلى اختيار نماذج يعمل عليها، قد انتقاها من مجاليْ الفكر العربي والإيراني.

أمَّا الفكرُ العربي، فقد اختار منه نماذج مشرقيةٍ ومغربيَّةٍ، وتتمثَّلُ النَماذجُ المشرقيةُ، في شخصية ثقافية عراقية، ومن مصر اختار مفكِّريْن، وآخر سوري، ومثَّل النَّموذجَ المَغاربي مفكِّرٌ جزائري، بينما مثَّل الثقافةَ الإيرانيةَ ثلاثةُ فلاسفة. كل هذه النماذج يربطها إطار زماني واحد، فقد وُجِدُوا جميعا في النصف الأول من القرن العشرين.

اعتبر الكاتبُ الرفاعي “علي الوردي” أولَ مثقف ديني نقدي (ص21)، عرَّف به وبإنجازاته، وظروف عمله، وبأنَّه صَاحِبُ تكوينٍ أكاديمي ممتازٍ بمقاييس عصره (ص28). حرٌّ جريءٌ، له تأثيرٌ واسِعٌ على الأجيال التي نهلتْ منْ صافي معينه، جمع علي الوردي كنزاً هائلا من المعلومات التي تتعلق بالمظاهر الاجتماعية العراقية، والعادات والتقاليد، والسلوك والأخلاق، معتبراً نفسه ابن المجتمع الشعبي البسيط، يعيش وسطهم، يعرفهم عن قربٍ في معايشهم ومهنهم، وطرائق تفكيرهم وأساليب أحاديثهم.

نقل هذا الواقع نقلاً موضوعياً، ونثره تحت مشرحة طاولته دارساً محللاً، نقدَهُ نقد الحصيف، لم ينجرَّ وراء عاطفة، ولا استسلم لميلٍ ذاتي، مفضلا استخدام منهج ابن خلدون، كأفضل منهجِ تشخيصٍ لمجتمعه، وأوجد لذلك مصطلحات العمل، من مثل: صراع البداوة والحضارة، وازدواجية الشخص العراقي، والتناشز الاجتماعي (ص94).

خرج بنتائج محدَّدة دقيقة، تحفَّظَ الرفاعي على بعضها، بل كانَ له التَّحفظ من المنهج الخلدوني نفسِه معلِّلاً ومستشهداً (ص96)، ويقدِّم الكاتب نقد علي الوردي للمنطق الأرسطي الجامد، الذي يفضل عليه المقاربة السوفسطائيَّة (ص108)، القائمة على الشكِّ، وهو ما يريدُ علي الوردي تحقيقُه على السَّاحة الثقافية العراقية، كما أنَّ هذه المقاربة أيضاً تجعلُ من الإنسان معياراً، وهو مبتغى علي الوردي في الإنسان العراقي.

مع كلِّ هذه البضاعة المزجاة، يؤسفُ الكاتبَ أن يجده مفتقراً إلى ثقافة تراثية رصينة، وهذا الفقد هو إحدى هناته، لأنَّه من دونه يتكئ على عصا دون أخرى (ص28).

ثمَّ قارن الرفاعي بين المثقف الديني النقدي، والمثقف العضوي (ص44)، بين علي الوردي، وعلي شريعتي المثقف الآخر، وشرح أوجه المقارنة (ص47)، وامتاز علي الوردي بمراجعة أفكاره وقناعاته (ص52)، والإقرار بأخطائه، وله مواقف صادمة يخالفُ فيها العرفَ، وما جرى عليه الناسُ والمجتمع، من ذلك موقفه من مركزية الشعر، والفصاحة والنحو (ص68)، أقرَّ الكاتبُ الأسلوبَ المبدع الذي سَوَّقَ به علي الوردي كتاباته، وفي طريقة عرضه وتفسيره، وأسلوبه القصصي المشوِّق، وشجاعته النقدية التي مكنته بنشر ما لا يجرؤ على فعله مفكرو الزمن الحاضر.

أمَّا المثقف الديني النقدي الثاني، فهو حسن حنفي، يشيد الرفاعي بثقافته الموسوعية، وتكوينه الأكاديمي الصارم، الذي ناله من جامعة السوربون (ص121)، يشهد بأنَّه مفكر مدهش (ص139)، تجتمع فيه الموهبة الفذَّة، والذِّهنيَّة المراوغة، والإرادة العنيدة (ص186).

وقف حسن حنفي حياته كلَّها على مشروعه الفكري الذي أطلق عليه عنوان “التراث والتجديد” (ص125)، تضمَّن منهجه “اليسار الإسلامي”، استند فيه على التراث يتدارسه بأدوات عقلٍ معاصر تجديدي، عمل فيه على الجمع بين المتناقضات، يبحث عن طريقٍ ثالثٍ، يضع فيه وطنه على أرضية التقدم والازدهار.

صحيحٌ أنَّه خبير بالتُّراث، لكنَّ خبرته وضعها في خدمة منجزه الأيديولوجي، كان انتقائياً، والعمل الانتقائي يلوي عنق النص المستشهَد به، للواقعة المستشهَد لها (ص137). يصنف حسن حنفي نفسه فقيها، يجتهدُ خارج أصول الفقه، متكلماً يخرج عن مقولات الكلام، فيلسوفاً خارج العقل الفلسفي (ص129ـ130).

أمَّا منجزه الثاني، فيتمثل في تأسيس علمٍ جديدٍ أطلق عليه “علم الاستغراب”، يقومُ فيه بدراسة الغربِ بعين الشرق، كما درس الغربُ في “علم الاستشراق” الشرق بعين الغرب، لكن لم يُكتبْ لهذين المشروعيْن النجاح، فقد سقطا، ولم يجدا انتشاراً ولا صدىً إلاَّ قليلاَ.

خلع الرفاعي على حسن حنفي صفة رجل الأضداد، حتى أنَّه جعل العنوان المتصدر لاسمه هو: “الأضداد في كأس واحد” (ص119)، كان حسن حنفي مفكراً إسلامياً منغلقاً رغم أن مادته العلميَّة التي توفَّرتْ له، كانت باستطاعتها أن تجعل منه أحد أقطاب الفكر العربي البارزين، لكنَّه أغلق نفسه في حصن التراث، فبدأ منه، منتهياً إليه، من هنا كان مشروعه إحيائياً لا تجديدياً (ص177).

المثقف الديني النقدي الثالث هو محمد عمارة، تميز بارتداد مراحله الفكرية، فهي دوماً إلى حركة عكسية، ابتدأ نشاطه الفكري ماركسياً، أي بقناعة أيدولوجية، كانت صرخة العصر زمن شبابه، ذات آلياتِ مبنية على قاعدة فكرية فلسفيةٍ، تتجلَّى في مستوياتٍ سياسيةٍ، واجتماعية اقتصادية، ساحتُها تعجُّ بمختلف المناقشات مع المعادل المقابل، وهو الفكر الرأسمالي، أو في تلك الانشقاقات الإيديولوجية والاجتهادات الداخلية، فهي حركة وعيٍ لا تفترُّ.

انتقل من الماركسية إلى العقلانية الاعتزالية، وهي درجة أقلُّ، لأنَّ مساحة فاعليتها محدودة، تتعلَّقُ أكثرُ مقولاتها بالجانب التاريخي، إذْ نشأتْ منْ واقع الدفاعِ عن العقائد الإسلامية، نتيجة تناحرٍ مذهبي، ثمَّ امتدَّت في جدالات المِلل والنِّحل لأديانٍ أخرى مقابل الدين الإسلامي، ثمَّ انتقل إلى الوسطية الإسلامية، وهي درجةٌ أخرى أقلُّ، باعتبار التَّعامل يكون مع فكر إسلامي محافظ، يعتمد على الموروث النقلي.

ثم انتقل إلى مذهبية سلفية وهي درجة أخرى أقلُّ باعتبار التعامل الانتقائي مع مذهبٍ ديني دون سائر المذاهب الأخرى من نفس الدين، ورفض فتح الأبواب على ما عداها من مدارس ومناهج وأعلام آخرين، (ص318ـ319)، فتفكيرُه بحكم الطبيعة المعرفية السَّلفية يتوقف عند السطح من خلال أحكامٍ عامَّةٍ، أشبه بأحكام القضاء، فقد اتَّهم طه حسين بوقوعه تحت تأثير القسِّيس، عمِّ زوجته الفرنسية (ص321)، وكان المفكر الإسلامي الإشكالي نصر حامد أبو زيد من ضحايا تشدُّده (ص320).

ولا يخفى أنَّ لمحمَّد عمارة تأثيراً كبيراً على شريحةٍ واسعةٍ من الشَّباب، نتيجة الصَّحوة الإسلامية العامَّة، وهو صاحبُ تآليف بلغتْ 250 كتاباً، له وزنٌ معتبرٌ في الفضاء العامِّ للفكر الإسلامي، إذْ كان مستشاراً في “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” القائم على أسلمة المعرفة، تقدَّم إليه المفكِّر محمد أبو القاسم حاج حمد سنة 1991، بكتابه “المنهجية المعرفية القرآنية”، ولكنَّ محمد عمارة عارض طبعه، وبقي إلى غاية 2013، حيث نشره “مركز دراسات فلسفة الدين” ببغداد في العراق (322).

المثقف الديني النقدي الرابع، هو جودت السعيد، داعية اللاعنف، يرى أنَّ الحربَ مكتوبة على جبين الإنسانية، والعنف طبيعة إنسانية، قامتْ عليها، وانتهتْ بها حضاراتٌ، وأخطر العنفِ العنفُ الديني (ص341)، لأنَّه في اعتقاد جماعات العنف مُسَوَّغٌ بنص قدسي، وأدرك مبكراً خطره على المجتمعات، خاصّةً الإسلامية، فنشر كتابه “مذهب ابن آدم الأول: مشكل العنف في العمل الإسلامي” عام 1966، دعا فيه إلى نبذ أشكاله (ص333)، ودعا إلى التَّعامل مع الذي يخالفُنا في الفكر، أو المعتقد بوصفِهِ إنساناً، لا بصفته العرقية، أو الهوياتية، أو الدينية، لكنَّ الرفاعي يذهب إلى أنَّ العنف الديني له جذور تكلَّستْ، أسَّس لها الكلام القديم، وما انبثق منه من مدونات فقهية وفتاوى (ص335)،

ويحبِّبُ جودت السعيد إلى المسلمين قراءة القرآن الكريم، لكن بآليات القراءة التي تفتح النص على الإنسان وعلى المطلق، فيقترح أن يُقْرَأ القرآن من حيث هو عملُ الإنسان، ويُقْرَأ مَرَّةً أخرى من حيثُ هو عملُ الله، ليجد القارئ فعلاً بشرياً يتحدَّث عنه القرآنُ، كما يجده فِعلاً إلهياً يتحدَّثُ عنه (ص333).

جميلٌ ما دعا إليه جودت السعيد، لكن الأمر لا يتعلق بأمنياتٍ ورغباتٍ كما أكد الرفاعي، فموضوعا اللاعنف، وموت الحرب حين يتحَّولان إلى عملٍ فكري، يتطلبان تأسيساً نظريا، وهو ما لم يتوفّق فيه صاحبُ الفكرة، فانزوتْ إلى دعوة أخلاقيةٍ إنسانيةٍ نبيلة.

المثقف الديني النقدي الخامس، هو مالك بن نبي، يعترفُ الرفاعي بقدرته في صياغة أفكاره ضمن نسقِ نظريةٍ علمية دقيقة، وأنَّ له موهبةً في صناعة المفاهيم، وفي تركيبها، بما يشبه المعادلات الرياضية (ص347)، ثم يرى أنَّ كتاباته غذَّتها عواطفُه وغيرتُه المشتعلة على وطنه وأوطان المسلمين، يخلص من ذلك الكاتبُ إلى أنَّ الحماسَة إذا اتَّقدت أخمدت العقلَ، وتراجع التفكير النقدي، فالعواطف المتَّقدة في نظره لا تفكِّرُ، ثمَّ يعودُ، فيراه مرَّةً أخرى متميِّزاً ببنية ذهنية تتجلى في معادلاته (ص353)، واستشهد بما قدَّمه من تحليل ظاهرة “التخلُّف” في سلسلته “مشكلات الحضارة، بصياغته تعريفاً للحضارة، ومنْ أنَّها حصيلةُ اجتماع ثلاثة عناصر هي: الإنسان، والتراب، والزمن، كما رسم مراحل دورتها التي تمرُّ بها كلُّ حضارة إنسانيةٍ، وهي: مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة (354)،

ويرى الكاتبُ أنَّ مصطلح “القابلية للاستعمار” ربما يكون صدى لفكر وطرح ابن خلدون، في ولع المغلوب بالغالب (355)، ويرى أنَّ أكثر معادلاته لا تخلو من مثالية لا يمكنُها أن تتحقَّقَ في واقع المسلمين، كحلمه في محورٍ يجمع الأمة الإسلامية، سماه “محور طنجة – جاكارتا” (356)، كما تظهر في كتاباته بصمة لاهوت التحرير، إذْ يرى العنف مكّوَناً أساسياً لماهية الدين، ولاهوت التحرير نسخة من الإسلام السياسي (359).

اختار الرفاعي لتمثيل الفكر الإيراني الحديث ثلاثة فلاسفة: داريوش شايغان، وسيد حسين نصر، وأحمد فرديد، عاشوا في فترة متقاربة. أولهم داريوش شايغان، الذي ابتدأ حياته المعرفية في سن مبكرة من خلال مجالس “حلقة أصحاب التأويل”، التي ضمَّتْ العلاَّمة محمد حسين الطباطبائي وهنري كوربان، وتدارسوا فيها الفلسفة الإشراقية، وفلسفة الحكمة المتعالية، والعرفان (ص199)، ثم حاز على تكوين أكاديمي رصينٍ في جامعة السوربون، توَّجَهُ بإجازة الدكتوراه، ليقوم بعد ذلك بتدريس الفلسفة المقارنة، واللغة والآداب السنسكريتية، والتيارات الفلسفية الغربية في جامعة طهران (ص204ـ205)،

ومرَّت حياته الفكرية بثلاثة محطَّات، تأثَّر في محطَّته الأولى بالفرنسي رينيه غينون، والسويسري كارل غوستاف يونغ، والألماني مارتن هايدغر (ص207)، كان نتيجتها إنكاره المعارف الغربية في عصر الأنوار، وأنَّ الأنوار الحقيقية منبعها الشرق، فدعا إلى الرجوع إلى الذاكرة الذاتية، والهوية الثقافية والقيم الموروثة (ص208)، وكتب في هذه الفترة “الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية”، عام 1976،

وأما محطته الثانية، فتأثَّر فيها بميشال فوكو، وغاستون باشلار، ولويس ألتوسير، وهابرماس… وفيها تمكَّن من تصحيح رؤيته، فلم يعد يرى قدسيةً للذاكرة والهوية، ونادى في هذه المرحلة بتعميم “الرؤية النقدية”، التي هي إعادة تفكيك الموروث، واكتشاف خلله، ومواطن قصوره، ونشر كتابه “ما الثورة الدينية” عام 1982 (ص220)، رأى أنّ قوة الحضارة الغربية آتيةٌ من التشغيل النقدي الدائم، ثم ارتقى إلى محطته الثالثة، حيث نضجت شخصيتُه المعرفية، مضيفاً إليها مقولات جيل دولوز، وفيليكس غاتاري، تبيَّنت له حقيقةُ المجتمعَيْن الإنسانيين الغربي والشَّرقي، وأنَّهما أصلاً قائمين على أساس تناقضاتهما الداخلية، إذ أصل تكوينهما تعدُّدي، ولا يمكنُ أن يكون إلاَّ كذلك، فمن هذ التعدد يأتي التناقض،

وصاغ للتعبير عن رؤيته الجديدة مصطلحاته، من مثل:” أنطولوجيا مهشمة. تزامن الثقافات المتنوعة. العالم في هذا العصر شبحٌ. الهوية أربعين قطعة، هوية مركبة من شبكة ترابطات دقيقة، تعددية ثقافية. اختلاط قوميات. تمازج أفكار. تهجن مضطرد. تمازج لغوي وعرقي تعمل كالريزوم، تكتسبُ شكلا جذموريا ريزومياً، فينبثقُ نموذجٌ مرقع…” (ص231).

توصَّل إلى أنَّ عالمنا المعاصر ذو “هويَّة ريزوميَّة”، وهي هوياتٌ متداخلةٌ، وثقافاتٌ متمازجةٌ، وتلاقحٌ واختلاطٌ دائمان مستمران في الزمان والمكان، فلا وجود لهوية نقيَّة صافية، العالمُ ذاته سائرٌ إلى التمازج، الهويَّة الواحدة قماشٌ من أربعين قطعةً تخاطُ باستمرارٍ (ص233)، فمن هنا، فجميعُ الثقافات من الإنسان وللإنسان أُبْدِعَتْ، بل الإنسان نفسه هو للإنسان، وفي هذه المحطة اعتبر داريوش شايغان منجزات الأنوار إضافةً مهمَّةً للإنسان.

أمَّا سيد حسين نصر، فقد درس مرحلته الثانوية والجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل منها على إجازاته العلمية، وحضر دروس براتراند رسل، وتأثر برينيه غينو، وشوان، وبوكهاردت، وكان هؤلاء ضمن تيار فكري أطلق عليه الكاتب عبد الجبار الرفاعي “الحكمة الخالدة” (ص255)، وهي في بحث نصر حكمةٌ جوانيةٌ ساريةٌ من الأنبياء إلى الحكماء والفلاسفة (ص257). ولا يولي الغرب هذا العلم أيَّ اهتمام، لذا يرى سيد حسين نصر الشرقَ رمزَ النور والعقل والروحانية، والغربَ رمزَ المادية والانحطاط (273)، إلاَّ أنَّ الرفاعي يرى هذا الطرح دعوةً مبهمةً غامضةً، تقومُ أساساً على رفض المنجز الغربي (ص263)، كما لم تخرج هذه الدعوة من برجها النظري أبداً، وبقي حسين نصر متمسكاً بها حياتَه كلَّها دون مراجعة (ص275)،

وأمَّا أحمد فرديد، فهو صاحب التَّأثير الواسع في الفضاء الفكري الإيراني عبر حلقته الأسبوعية المسمَّاة “الحلقة الفرديدية”، تُناقش فيها تاريخ الفلسفة الإنسانية، والفلسفة الغربية والشرقية، ولمْ يتركْ أحمد فرديد أيَّ أثرٍ مكتوبٍ، بل اكتفى بتعليمه الشفهي، لذا أُطلِقَ عليه “الفيلسوف الشفهي” (ص287). صاغ للتعبير عن رؤاه مصطلحاتٍ غامضةٍ مركَّبة مثل: “الحكمة الإنسية، علم الأسماء التاريخي، وباء الغرب، تجلي أسماء الله في التاريخ… (ص286)، وقد صاغ رؤيته لعلم الأسماء الإلهية من فلسفة هايدغر، وعرفان ابن عربي، وعلم اللغة المقارن، والفيلولوجيا واللسانيات، لكنَّ هذه الرؤية كما يحللها الرفاعي مزيجٌ غيرُ متجانسٍ (ص290)، رآهُ مجرَّدَ نَقْعٍ لغوي لا ينجلي على أيَّة نتيجةٍ ذاتِ قيمةٍ.

يخلُصُ الرفاعي إلى أنَّ أحمد فرديد شخصية إشكالية مؤثِّرةٌ، فقد وقع في شراك غوايته مثقفون كثيرون، وإنْ كانوا قد انفضُّوا من حوله.

يتكوَّن الكتابُ من 367 صفحة، خصَّصها لعرض ثمان شخصيات. اختار لتمثيل الفكر العربي خمس شخصياتٍ، مثَّل الأولى “علي الوردي” بِـ 67 صفحةً في 13 مقالاً، والثانية “حسن حنفي” بِـ 58 صفحةً في 9 مقالاتٍ، والثالثة “محمد عمارة” بِـ 18 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والرابعة “جودت السعيد” بِـ 17 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والخامسة “مالك بن نبي” بِمقال واحدٍ من 11 صفحةً، الملاحظُ هو العدُّ التنازلي للمقالات وعدد الصفحات، فبين الشخصية الأولى والأخيرة فجوةٌ واسعة.

وتجلى عمل الفكر العربي في هذه الفترة من خلال هذا الكتاب على معالجة أوضاع اجتماعية كالذي ورد عند علي الوردي، أو عرض لأيديولوجية كاليسار الإسلامي، أو طرح لعلمٍ مُجْهَضٍ كما عند حسن حنفي، أو نظرة دينية منغلقة كما عند محمد عمارة، أو رؤية طوباوية في موت الحرب كما عند جودت السعيد، أو عرضاً غير مكتملٍ لطرح نظري كما عند مالك بن نبي، فليس هناك أي مبحث فلسفي، أو تأسيسي، أو فكري، لذا رأى الكاتبُ أنَّ ظاهرة الفكر العربي، تدعو للرثاء، كما لفت انتباهه فيه أنَّ له بداية متفتحة، ونهاية منغلقة (316)، ولا يمكن للعقل العربي أن يقوم بدوره، إذا لم ينهل مرتوياً من عوالم الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع (ص18).

أمَّا الفكر الإيراني، فقد مثَّله ثلاثُ شخصيات، الأولى داريوش شايغان بِست مقالات في 44 صفحةً، والثانية سيد حسين نصر بخمس مقالات في 34 صفحةً، والثالثة أحمد فرديد بسبع مقالاتٍ في 29 صفحةً، والملاحظ هو التوازن النسبي في عرض الشخصيات الثلاثة. عمل الفكر الإيراني في نفس الفترة على مبحثيْن: فكرُ الهويَّة، أو العودة إلى الذَّات، والاهتمام بالروحانيات الشَّرقيَّة، وطريقة إصلاح أو تجديد الفكر الديني على ضوء منجزات العلوم الحديثة (288).

في خلاصة القراءة، يبدو أن عنوان الكتاب له نصيبٌ من اسمه في موضوع الكتاب، فرجعُ اللفظتين “مفارقات”، و”أضداد” تتردَّد بين جنبات الموضوع، نجد الفكر العربي في توظيفه التراث والدين فكر مفارقات، ولفظة أضداد صفةٌ تصدق على الفكر الإيراني.

عبد اللطيف الحاج اقويدر، كاتب جزائري. مراجعة لكتاب: د. عبد الجبار الرفاعي، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ط1، يناير كانون الثاني 2024، منشورات تكوين، الكويت، دار الرافدين، بيروت. [1]

 

https://www.awaser.net/2024/01/20/%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a3%d8%b6%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d8%b8%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-2/

مقدمة كتاب مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث [1]

د. عبد الجبار الرفاعي

الفكرُ العربي الحديث منشغلٌ بالغربِ والفكرِ الغربي منذ أكثر من قرنين، مولَعٌ بما أنتجه، وغارقٌ بأسئلته واهتماماته ومقولاته ورؤاه ومعالجاته وإجاباته، إثباتًا أو نفيًا، أو تلفيقًا وتوفيقًا. نادرًا ما يتعرّف هذا الفكرُ على الفلسفات والفضاء الميتافيزيقي والآداب والفنون الشرقية في الهند واليابان والصين وبلاد الملايو، ولم يعرف إلا القليلَ جدًا عن الفكر الإيراني حتى الأربعين سنة الأخيرة. الفكرُ الإيراني منفتحٌ على الفضاء الغربي بشكلٍ واسع، يحتفلُ بترجمات المتون الأساسية والشروح بالألمانية والفرنسية والانجليزية، بنحوٍ صارت الترجماتُ تتسيّد عددَ العنوانات المطبوعة كلّ سنة. أخبرني وكيلُ وزير الإرشاد أن عددَ العنوانات المطبوعة قبل سنوات بلغ نحو سبعين ألف عنوان باللغة الفارسية في سنة واحدة. يتميّز الفكرُ الإيراني بتفاعله الواسع مع الفلسفات والأديان وعوالم الميتافيزيقيا الشرقية، ويعود هذا التواصلُ والتفاعل إلى العصور القديمة، وتنامى ذلك بالتدريج في العصر الإسلامي، ولم ينقطع في العصر الحديث. يتميزُ الفكرُ الإيراني الحديث غالبًا بغطاءٍ ميتافيزيقي، ‏خلافًا للفكر العربي الحديث الذي يكون متمردًا غالبًا على الميتافيزيقيا. حتى الفكرُ الديني العربي لا يرتدي ذلك الغطاءَ الميتافيزيقي بهالته الرمزيةِ والعرفانيةِ وايحاءاته الفلسفية.

اللافتُ أن لا الفكر الإيراني ولا الفكر العربي حدث بينهما تواصلٌ ديناميكي وتفاعلٌ خلّاق في العصر الحديث، بمستوى تفاعلِ الفكر العربي مع الفكر الغربي، وتفاعلِ الفكر الإيراني مع الفكر الشرقي والغربي. هذا الكتابُ محاولةٌ لفتح نافذة حوارٍ فكري عربي إيراني، بعرضِ ونقدِ مشاغل نماذج من المفكرين المتنوعة والشديدة التمايز في الفضائين. كنا نقرأ في كتابٍ واحد دراسةَ نماذج لمفكرين عرب وغربيين، أو إيرانيين وغربيين، ولم نقرأ كتابًا يتسعُ لأصواٍت عربية بجوار أصواتٍ إيرانية. في هذا الكتاب يتحدث الفكرُ العربي للفكر الإيراني، والفكرُ الإيراني للفكر العربي، كلٌّ منهما ينطلقُ من سياقاته ورؤيته للعالم وطريقة تفكيره المختلفة ولغته الخاصة. وهي محاولةٌ تتطلع أن تكون فاتحةً لكتابات تعيدُ وصلَ ما أحدثت التعصباتُ من انفصالٍ داخل فضاء الإسلام الثقافي المشترَك، وتعكس تنويعاتِه المتعدّدة، بتعدّد اللغات والثقافات والمجتمعات، والإكراهاتِ المتنوعة أمس واليوم. حاولتُ في هذا الكتاب انتخابَ جماعةٍ من مفكري الفضائين العربي والإيراني، يختلفون أكثر مما يتفقون في فضائهم الثقافي الواحد، لكلِّ واحدٍ منهم فرادةٌ في طريقةِ تفكيره، وبصمةِ لغته، وتميزٌ عن غيره في رؤيته للعالم، وتباينٌ في شخصيته الفكرية، وكيفية تذوقه الأشياء، ومعالجته الأفكار، وصياغته المفاهيم.

بدأ الفصلُ الاول في الكتاب بحديثٍ عن علي الوردي، وجاء الاهتمامُ بفكره لأكثر من سبب؛ الأول يعودُ إلى أن كاتبَ هذا الكتاب ينتمي الى جيلٍ بدأ يقرأ كتاباتِ الوردي في المرحلة الثانوية قبلَ نصف قرن، وتشبّع وعيُه ومشاعرُه بآراء الوردي، وظلّ الوردي حتى اليوم يتجدّد حضورُه في وعي هذا الجيل. والسبب الآخر يعود إلى أن الوردي كان ضحيةَ جفاءٍ في وطنه وفي غير وطنه، ففي العراق صمتت وسائلُ الإعلام بأسرها عن أعمال الوردي في المرحلة الأخصب من حياته، وكأنه غيرُ موجود على خارطة الفكر العراقي، وتواصل هذا الصمتُ حتى وفاته. وهو موقفٌ معلَن من السلطة السياسية المستبدّة، بوصف فكرِ الوردي يقوّظ الاستبدادَ بكلِّ تعبيراته في العائلة والمجتمع والسلطات السياسية وغيرها، ويرادف هذا الموقفَ صمتُ اليسار العراقي بتنويعاته الأممية والقومية وتجاهلُه لفكر الوردي في حياته. فكرُ الوردي يرفض الأيديولوجيا، والأيديولوجيا معبودةُ اليسار بكلِّ أنماطه. في العشرين سنة الأخيرة تعرّض فكرُ الوردي الى نوعٍ آخر من الجفاء، إذ لم تهتم به مراكزُ البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم نقرأ دراساتٍ تحليلية نقدية جادة لأعماله، وقلّما صارت هذه الأعمالُ مادةً للدراسات العليا في العلوم الإنسانية، وإن ظهر اهتمامٌ بكتاباته في العشرين سنة الأخيرة على شكل موجةٍ جماهيرية، بنحوٍ صارت كتاباتُه تُطبع وتُباع على الأرصفة، وكأنها قصصُ عنترة بن شداد والسندباد البحري والزير سالم وأمثالها. وخارج وطنه جفاه المثقفون والأكاديميون العرب حتى اليوم، إلا في حالاتٍ استثنائية، وكأن هناك تواطؤًا على نسيانه، في الوقت الذي انشغل الفكرُ العربي أحيانًا بشخصيات هامشية ليست في مكانة الوردي الفكرية. لا تهتم في الغالب أقسامُ العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية بأعماله، ونادرًا ما نقرأ مَن يكتب عن فكره في المطبوعات الثقافية، المحتكَرة لجماعاتٍ تتكرّر أسماؤها في المناسبات المختلفة، ولا تسمح لغيرها بالحضور على هذه المنابر. ولم يحدث أن تبنّت دورُ النشر المعروفة في بيروت وغيرها إصدارَ أعماله، ولبثت مؤلفاتُه إلى اليوم تُنشر تجاريًا،كما تُنشر الكتبُ الشعبية وتُباع على عربات الأرصفة.

الفصل الثاني في الكتاب يدرس فكرَ حسن حنفي، وهو مثالٌ ينفرد فيه مفكرٌ متعدّدُ التكوين، خبيرٌ بالتراث، وأكاديميٌّ تخرج في جامعة السوربون. مدهِشٌ في مثابرتِه وصبرِه الطويل، وتدفقِ إنتاجه المتواصل بغزارة. قلّما رأينا كمًا بحجم كتاباته لدى أمثاله في موطنه مصر والبلاد العربية الأخرى، ولعله من أغزر المفكرين العرب في نصف القرن الأخير في حجم إصداراته الموسوعية المتنوعة. خاض حنفي مغامرةً فكرية لم يسبقه إليها كاتبٌ قبله، تراه يخصّص موسوعاتٍ تبدأ بالتراث وتعود للتراث،كلُّ موسوعة منها تتكدّس فيها مجلدات متعددة، يحاول فيها إعادةَ إنتاج التراث بلغتِه الخاصة، ذاتِ الصبغة الشعاراتية التعبوية الشديدة الإيقاع، وبقدرتِه الاستثنائية على التوفيق والمصالحة بين الأضداد. تشعر وأنت تقرأه كأنك داخلَ مكتبة يتحدث فيها المتكلمون واللاهوتيون، والفلاسفة، والمفكرون، من المسلمين والغربيين، تستمع إلى أصواتهم المتنازعة، بصوت كاتبٍ يلفقها بشكلٍ تبسيطي، فتنطق بصوته لا بصوتها، وتتحدث لغتَه لا لغتَها، وتعبّر عن رؤيته لا عن رؤيتها.

وجاء الفصلُ الثالث لينتقل من الفكر العربي ويدرس تجربةَ مفكرٍ إيراني معروفٍ على نطاق محدود في الفضاء الثقافي العربي المشرقي، ومعروفٍ بصورة أوسع في الفضاء الثقافي الفرانكفوني. يكتب داريوش شايغان بالفرنسية، وقلّما يكتب بلغته الأم الفارسية. تتميز رحلتُه الفكرية بثرائِها وكثافتها النوعية، وشجاعةِ عقل هذا الرجل الفذّة على الانتقال عبر محطات، يغادر في كلِّ سابقة منها مُقلِعًا إلى لاحقةٍ لا تكرّرها، وهو يستأنف النظرَ في مسلّماته وقناعاته وأحلامه الماضية، ويدلّل على خطأها بنفسه.

ودرس الفصلُ الرابع فكرَ مواطنه وصديقه حسين نصر، وهو أيضًا مفكرٌ مثير للجدل، تميّز ببصمةِ فكره الميتافيزيقي المركبة، ذات المنحى الغنوصي الغامض. أفكارُه الغريبة هذه لم تجد صدىً لها في الفضاء الثقافي والميتافيزيقي العربي.

واتسع هذا الكتابُ لدراسة فكر أحمد فرديد، وهو المفكر الإيراني الغريب الأطوار، الذي لم يدون أفكارَه، ولم ينشر شيئًا منها في حياته. ظلّ مفكرًا شفاهيًا، غير أنه ملأ الدنيا وشغل النخبةَ الإيرانية في زمانه، بمنحوتاتِه اللغوية ومعجمِه الاصطلاحي الفريد، وأفكارِه الملتبِسة الهجينة، وما أحدثته مقولاتُه من ضجيجٍ وسجالات لم تسكت حتى اليوم، لاسيما بعد رحيلِه وصمتِه الأبدي.

ووقف الكتابُ في فصله الخامس عند ظاهرةٍ فكرية ليست شاذةً في الفكر العربي في زماننا، وانتخب أحدَ أبرز ممثليها، وهو محمد عمارة، الذي رحل من الماركسية إلى السلفية عبر سلسلة من المحطات. وفي الفصل السادس تحدث الكتابُ عن داعيةِ اللاعنف جودت سعيد، وأمانيه الرومانسية بموت الحرب، ونسيانِه أن الحربَ لن تموت مادام الإنسانُ إنسانًا. وفي فصله الختامي تحدث الكتابُ عن هاجس الهوية والصراع الحضاري لدى المفكر الجزائري مالك بن نبي.

 

                                                                                                                                                              بغداد 1.9.2023

 

 

 

[1] مقدمة كتاب: مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، الصادر حديثًا عن منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت، الكتاب بحدود 400 صفحة.

 

https://alsabaah.iq/87283-.html