تفكيك العقلِ الأحادي عمليًّا: قراءة في مفارقات وأضداد للرفاعي

د. وسام حسين العبيدي

العقلُ الأحاديُّ يُؤمنُ باليقينيّاتِ والمُطلَقاتِ في كُلِّ مجالٍ يتوجَّهُ إليه صاحبُهُ، فإذا تحدَّثتَ مع أحدِ مُمثِّلي هذا العقل “الأحادي” عن فكرةٍ أعجبتكَ؛ لِجِدّتِها، أو لواقعيّتها، أو لما فيها من بُعدِ نظر، ودقّةٍ في تشخيص مكمن الداء في ظاهرةٍ ما أو إشكاليَّةٍ ما، أو لغير ذلك من أسباب، سيواجهُكَ صاحبُ العقلِ “الأُحادي” بعيدًا عن الموضوع محلِّ الشاهد، بأنَّ صاحب الفكرة تلك، له كذا أفكار جانبَ الصوابَ فيها، أو له مواقف ضدّ الجهة التي أُواليها سياسيًّا أو دينيًّا، أو أنه ينتمي إلى الحزب الفلاني، أو الجماعة الكذائية، أو.. أو.. أو.. إلخ من إشكالاتٍ لديه كلُّها لا علاقةَ لها في الموضوع الذي طرقتَهُ عليه، هُروبًا من الاعترافِ لكَ أنَّ تلك الفكرة – محلَّ الشاهد – تستحقُّ الاحترام، أو أنها فكرةٌ جادّة بين لِداتِها من أفكارٍ في المجال نفسه. وهذا الهروبُ ليس إلا لونًا صارخًا من ألوانِ التعصُّبِ الفكري سواءَ أكان بين عامّة الناس، أم كانَ بين النُخَب، بله بين النُخبِ أكثرُ قُبحًا، وأشدَّ مضاضةً «من وقع الحُسامِ المُهنّدِ»..!

العقلُ الأحاديُّ، عقلٌ بَدائيٌّ في تكوينه، بَدائيٌّ في تفكيره، بَدائيٌّ في مُخرَجاته، لا يرى غير ما يُوافقُ ميوله وتوجُّهاته، فهي الصوابُ المُطلق، وما عداها فهو الباطلُ المُطلق، وليس لديه القدرةُ أو الشجاعةُ التي تدفعُهُ إلى مراجعة مُخرجاتهِ من أفكار فيُمارسَ النقدَ عليها، ويُعيدُ النظرَ في مرجعيّاتها تمحيصًا واختبارًا على محكِّ الوقائع المتغيّرة، أو المعلومات المُتحصَّلة لديه مؤخَّرًا، فيتأكّد من صوابها، أو يصرف النظرَ – بموجب ذلك – عن بعضها، أو يتبرّأ منها، في قبال تبنِّي سواها من أفكار أو قناعات، وهو إذا كان كذلك، فمن الطبيعيِّ أنْ لا يجرؤ على قراءة منجز الآخر المختلفِ عنه، أو يتحقّق من صدقِ ما قرَّ في وعيه من قناعاتٍ وأفكارٍ عنه سمعها من خصوم ذلك الآخر، بل لا يريد تصحيح تلك التصوُّرات الراسخةِ في مخيالهِ عن ذلك الآخر؛ لما سيترتَّبُ على ذلك التصحيح من تغييرٍ في موقفهِ عنه، وهذا ما لا يُريدُهُ مُطلقًا؛ لأنه يؤمنُ بالنظرةِ الأولى، والموقفِ الأول، بما يُشعِرُهُ ذلك الإيمانُ الأُحاديُّ من اتّزانٍ موهوم، وهويّةٍ ثابتةٍ، وهو ثباتٌ لا قيمة له ولا مُسوِّغ له عقلاً، مثل ثباتِ من اعتادَ على شكلٍ واحدٍ من الطعام يراه أطيبَ الأطعمة وهو لم يجرِّب غيرَه من طعامٍ..!!

من يقرأ «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» للمفكِّر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، سيجد – وهو يُطالع رصده لمفكرين عرب وإيرانيين في حقول معرفية متقاربة، اشتغل كلُّ واحدٍ منهم على حدة في مشروعه الخاص – أنَّ مفارقات العقل عند كلِّ واحدٍ – بحسب رصد الرفاعي لها – موجودة، ومتحقّقة سواء أكانت تلك المفارقات طوليا، أي أنها تتحقق على مر الزمن، إذ تجد المفكر من هؤلاء يتراجع عن بعض ما كان يؤمن به من أفكار، في قبال تبنّيه لأفكار أُخَر آمنَ بجدواها فيما بعد، أو تجد تلك المفارقات عُرضيًّا لدى هذا المفكر أو ذاك، بمعنى أنه في الوقت الذي تجد لدى هذا المفكِّر نزعةً فكريةً تؤمنُ بكذا من المتبنّيات، لكنّك لا تجد صدى تلك النزعة على واحدةٍ من واقعه..! أو تجده متفتّح الذهن في مسائل ينظر إليها بعقلانية ومنطقية وفي الوقت نفسه في مسائل لا تميل مع هواه يتصدّى لها رافضًا ومُفنِّدًا، وذلك في قوله: “أحيانًا ترى إنسانًا عبقريًّا في منطقةٍ يقظةٍ من عقله، وعلى الضدِّ من ذلك في منطقةٍ نائمةٍ من عقله. تُدهشك قدرته على توظيف المغالطات المنطقية لعقله اليقظ للاستدلال على أوهام عقله النائم” ص 301 أو ستجد من هؤلاء المفكرين الذين تعرّض لهم الرفاعي، من تبرّأ من أفكاره “العقلانية” إلى حدٍّ ما في مبتدإ نشاطه الفكري، وراح يُكفِّر عن ذلك “الإثم” في خريف عمره، بالتوغُّل في التفكير السَلَفي كاتبًا ومناقشًا ومُحاورًا، ومن هؤلاء الراحل “محمد عمارة”، وهذا يمثِّل أحد تجليات “المفارقات” التي توقّف عندها الرفاعي، إذ المنطقيُّ المُستساغُ في مسيرة التحوُّلات الفكرية عند المفكِّر – أو المشتغل عمومًا في حقل التراث – أنْ يتخلّص شيئًا فشيئًا من حمولة “النسق السَلَفي” مُحلِّقًا – كمنطادٍ كلّما يرتفع في طبقات الجوِّ يرمي من الأكياس المشدودة فيه – وصولاً إلى مناطقَ أرحبَ في عقله، يستثمرُها في قراءته التراث الذي ظلمَهُ فيما سبق، مؤشِّرا على ما فيه من مساحات مضيئة/ عقلانية تمُدُّ وعيه بمزيد من الهدوء والاتزان في تعامله مع متغيرات مجتمعه وأثر التطورات التي يفرضها منطق الزمن على تلك المتغيرات..

إنَّ ما شخّصه الرفاعي أصطلحُ عليه – وفق دراسةٍ شارفتُ الانتهاءَ منها – بـ«تمثيلات العقلِ الأُحادي» التي لا تقتصرُ هي الأخرى في مجال قراءة التراث، بل نجدُ آثارَها وتمثيلاتها في كلِّ مجالٍ من مجالات الحياة، وهي لا تقتصرُ على “عقلٍ عربيٍّ” دون “عقلٍ غربيٍّ” فهذا التشخيص «الجابري» لم يكن فيصلاً حاسمًا للتمييز بينهما، بل هي سِمةٌ عامّة للعقل البشري الذي يسكنُهُ عاملُ الانطواء على “الذات”، وعدم الاعتراف بـ”الآخر” سواءً أكان فكرًا، أم مجتمعًا مُغايرًا في العقيدة أو السلوك والعادات أو غير ذلك، تجعل الشخصَ ينطوي على تُراثه يُحاول بكلِّ ما يستطيع – ولن يستطيع – أنْ يجدَ فيه ما يُغنيه عن الآخر في كلِّ شيء – وإن كان ذلك الشيء – يُقدِّمُ البديلَ النافع، أو العلاجَ لما يُعانيه من إشكالاتٍ مُزمِنة في واقعه المعيش. وهذا ما عبّر عنه الرفاعي في موردٍ آخر – بصدد الحديث عن مشروع المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي – بـ”انفجار الهويّة السَلبي” تمييزًا له عن الإيجابي منه، إذ يعمل الأول على “تصلُّب الهوية وانغلاقها بصرامة. الهوية المغلقة لا تُطيقُ ما لا ينتمي إليها مهما كان، حتى مكاسب العلوم والمعارف الحديثة المُنجَزة خارج فضائها تستفزُّها وترتابُ وتحذرُ منها، وفي أغلب الأحيان ترفضُها، وإن اضطرّتْ إليها لا تقبلُها إلا بعُسرٍ ومَشَقّةٍ وتردُّد” ص352 وهذه ظاهرةٌ شخّصها الرفاعيُّ في كتابه هذا، عند أكثر من مفكرٍ ينطبق عليهم هذا التشخيص النقدي في مجمل مشاريعهم الفكرية، بما جعلهم يجنحون إلى تدشين قصرٍ على الرمال، تعويضًا عن ذلك الانكفاء الفكري غير المُسوَّغ، تمثّل بما اجترحوا عليه صراحةً أم ضمنًا مصطلح «إسلاميّة المعرفة» وقد رصد الرفاعيُّ أكثر من استعرضَ أو دعا إلى هذا المفهوم، من إيرانيين أو عرب، وهي دعوةٌ لا تخفي انسلاخها من هويّة العصر الحديث، وكيفية التعاطي مع مُخرجاته من معارف وعلوم وتكنولوجيا تغلغلت في كل مجالات حياتنا، فكان لهؤلاء أنْ يحتموا بالتراث، “والدعوة للعودةِ إلى ماضي الأُمّة، وعلوم ومعارف الآباء”، والكلام في هذا المورد عن مشروع الراحل “محمد عمارة” ولكنّه ينطبق بصورةٍ عامة، على من اشتغل على تكريس هذه الدعوة – إسلامية المعرفة – في خطاباته ومؤلفاته، ملتقِطًا في الوقت نفسه خيطًا آخر يشترك به عمارة وأولئك، تمثّل بـ”التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديث، بذريعة أنَّ تراثنا يختزنُ كلَّ ما تتطلَّبُهُ حياتُنا، وكلَّ حلول مُشكلاتنا، وأنَّ المعرفةَ والعلومَ الحديثةَ ما دامتْ وُلِدت في بيئةٍ غربيَّةٍ، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يُردَّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعةٍ وعباراتٍ مختلفةٍ، وصياغاتٍ ملتويةٍ أحيانًا، تتوحّدُ في أنّها تدعونا لأن نرفضَ كلَّ معرفةٍ أنتجها العقلُ البشريُّ خارجَ عالمنا” في حين أن كل هذه الدعاوى لا أثرَ لها في الحقيقة، وبحسب قوله: “فلا نحن اكتشفنا فلسفتنا وعلومنا ومعارفنا التي تستجيبُ لواقعنا، وتولد في سياق ديانتنا وثقافتنا وهويّتنا وخصوصيّتنا وراهن مجتمعاتنا ص: 319. ولا نحنُ الذين استفدنا من منجز الآخر وتعاملنا معه بموضوعية واحترام..!

والرفاعيُّ في تشخيصه النقديِّ هذه الظاهرة عند أكثر من مفكِّر، لا يخفى لأدنى مُتأمِّلٍ ما ينشدُهُ من توازنٍ معرفيٍّ بين استلهام المضيء النافع من التراث، في الوقت الذي لا يجعلنا نُشيح بوجوهنا ممّا يمكن الاستفادة منه من منجزات العلم الحديث، بما يعكسُ انتماءنا للعصر، وينمّ عن نظرةٍ فيها الكثير من الإنصاف لجهود العقل الإنساني – أيًّا كان انتماؤه – في تعاطيه أخذًا وعطاءً مع الآخر، وهو معنًى قريبٌ ممّا ذكره الراحل نصر حامد أبو زيد في وقوفه على هذه المسألة، بالقول ((ونحن نُعيدُ من حينٍ إلى حين النظر في تراثنا، ونعودُ إلى تأملهِ وتفسيرهِ وتقويمهِ. وهذه العودةُ المستمرةُ ليست نزقًا طائشًا نابعًا من عدم النضج وعدم الاستقلال، ولكنها عودةٌ نابعةٌ من ضرورةٍ وجوديةٍ، وضرورةٍ معرفيةٍ في نفس الوقت. فليس التراثُ في الوعي المعاصر قطعةً عزيزةً من التاريخ فحسب، ولكنه – وهذا هو الأهم- دعامةٌ من دعاماتِ وجودِنا، وأثرٌ فاعلٌ في مكوِّنات وعينا الراهن، وأثرٌ قد لا يبدو للوهلة الأولى بيّنًا واضحًا ولكنه يعمل فينا في خفاءٍ، ويؤثّر في تصوراتنا شئنا أم أبينا، لذلك يتعين علينا أن نتحركَ دائمًا حركةً جدليةً تأويليةً بين وعينا المعاصر وبين أصولِ هذا الوعي في تراثنا. هذه الحركةُ يتحتّمُ عليها ألا تغفل المسافة الزمنية التي تفصلنا عن التراث، وعليها في نفس الوقت ألا تقع في أسر هذا التراث رفضًا أو قبولاً غير مشروط، فالتراث – في النهاية- ملكٌ لنا، تركه لنا أسلافُنا لا ليكون قيدًا على حرّيتنا وعلى حركتنا، بل لنتمثله ونعيد فهمه وتفسيره وتقويمه من منطلقات همومنا الراهنة)) (مدخل الى السيميوطيقا: 73)

وإذا كانت هذه الظاهرة الفكرية قد استوقفتِ الرفاعيَّ منتقدًا لها، مُمحِّصًا مرجعيات خطاب أصحابها الفكريَّة، مؤمنًا بالوسطيّة في متبنّياته الفكرية باعتبارها منطلَقًا واقعيًّا، وفي خلاف ذلك تكمنُ المفارقات وتتّسعُ التضادّاتُ بين الدعوى وبين الواقع، بين من يدعو إلى “الحكمة الخالدة” التي يقف وراءها “حسين نصر” ومن سار في فلكه من مفكرين إيرانيين، وبين من يدعو إلى “أدلجة التراث” بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهذا ما عمل عليه الراحل د. علي شريعتي في قراءته بعض مفاصل التاريخ الإسلامي، وهي تنويعات أو تمثيلات بالأحرى لا تخرج عمّن دعوا إلى “إسلامية المعرفة” إلا في بعض التفاصيل التي يقتضيها توجّه كل مفكرٍ من هؤلاء، وإلا فيجمعهم الموقف المتشنِّج من العلم الحديث، إذ “يتوارى خلفه موقفٌ تبجيليٌّ يغيب فيه النقد بإزاء التراث وبعض مفاهيمه الميِّتةِ والمُميتة […] بينما تتراكم كتاباتهم في نقد الغرب الحديث، وهجاء حضارته، وقِيَمه وعلومه، بلا تمييزٍ بين وجوه الغرب المتنوِّعة” ص: 264 فهنالك ظاهرةٌ أخرى استوقفتِ الرفاعيَّ، تمثّلت بلغة الخطاب الفكري لكلِّ واحدٍ منهم، بما يؤشِّر استشعاره أهمية أنْ يكون للمفكرِ لغةٌ رشيقةٌ تُنبئ عن محتواه الفكري لا تنحطُّ عن المستوى المطلوب في الطرح، بما يجعلها لغةً سطحيةً لا تنفذُ إلى ما وراء قشر الألفاظ من أفكار، وهذا ما شخّصه بصورةٍ عامة عند عالم الاجتماع الراحل “د.علي الوردي” إذ جعلها – بحسب وصف الرفاعي – لغة “حكواتيٍّ يتحدّثُ في المقاهي الشعبيّة” أو تلك التي لمسَها عند المفكر الراحل “حسن حنفي” بما فيها من رومانسيّة عالية أبعدت الخطاب عن واقعيته وملامسته المشاكل والأزمات، فاللغةُ مهما كانت ثوريّةً لا تغيّر من الواقع شيئًا أو لا تلامس الجذور العميقة لتلك المشاكل، ما لم تستهدِ إلى الطريق بعقلٍ يقظ ووعيٍ ينطلق من صميم الطبيعة التي انبجست منها تلكم الأزمات. أو حين يقف عند المنجز الفكري عند الإيراني الراحل “داريوش شايغان” يروقُهُ منه فضلاً عن فكره الغزير ذي المنابع المتنوِّعة، مهارتُه الفائقة “في التعبير عن أفكاره، ببيانٍ مُكثّفٍ دقيق، لكنّه واضح، عباراتُه لا يُرهقهُا فائضٌ لفظي، ولا تغرقُ بغموضٍ والتباساتٍ مُبهمة. يهتمُّ بترتيب موضوعاته في سياقٍ منهجيٍّ مُنظّم. وتظهر براعتُهُ في القدرة على توظيف المصطلحات التي ينحتها أو يستعيرها، بنحوٍ اغتنت آثارُهُ بمعجمٍ اصطلاحيٍّ مُميّز، ينفردُ هو بعددٍ مما يتضمّنه هذا المعجم” ص235 . وهكذا يستثمرُ الرفاعيُّ كلَّ ما لديه من مجالات معرفيّة يُخضع فيها مشروعَ أيِّ مفكرٍ تناوله في هذا الكتاب، بما يُقلِّص النظرةَ الأُحادية التي استشرت عمومًا في واقعنا الفكري والثقافي المعاصر، وذلك في وقفاته المتأمِّلة على شخص كلِّ واحدٍ من أولئكم المفكِّرين، فيجد ما يستحقُّ الثناء عليه سواءً أكان ذلك الثناء في سيرته الحياتية أو مسيرته العلمية، في قبال ما يُشخِّصُهُ من أدواءٍ فكريّةٍ وقع فيها الكثيرُ منهم، وهذا يُمثِّل أقصى درجات الموضوعية – بمعنى الحياد – حين لا يُشطَبُ على مشروع كلِّ واحدٍ من أولئك المفكِّرين بجرّة قلم؛ لمجرّد أنّه يُخالف هوى الباحث الناقد لمشروعهم، فلغةُ التجريح والتسقيط أو الإلغاء لا تنمُّ إلا عن عقلٍ كسول لا ينتمي إلى روح العصر الحديث الذي يؤمنُ بالنسبية في كلِّ ظاهرةٍ وكلِّ منجزٍ أيًّا كان صاحبه، فضلاً عن كونها تعبِّرُ عن أحاديّته المقيتة في رؤيته الأشياء في منظورٍ واحدٍ لا يقبل التجزئة، بما يُضيِّقُ على صاحبه الاستفادة ممّا حوله، ويُحيل حياته إلى نسخِ بليدة طبق الأصلِ من شخصّيته. وهذا ما يقف منه كتاب “مفارقات وأضداد” بالضدِّ منه، فتحيةٌ لمؤلِّفه الذي يُسهم بما يستطيع في إرساء العقلانية النقدية بهدوء الحكيم.

https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A3%D8%B6%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D9%8A/

الهوامل والشوامل

في إيقاظ العقلِ الخاملِ بالتَّساؤُل

د. علي المدَن[1]

افتتاحية العدد الجديد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 79-80، (2024 م- 1445 ه). المجلة تحت الطبع، تصدر عن مركز دراسات الدين في بغداد قريبا. تنشر هذه الافتتاحية بالتزامن مع صدور العدد الجديد للمجلة.

 

1- ثالثة الأثافي

كتبت قبل عشر سنوات مقالًا عن الرفاعي بمناسبة بلوغه الستين وكان عنوان المقال: (من الإسلام السياسي إلى الإيمان النقدي)، تحدَّثتُ فيه عن انتقالة الرفاعي من تجربة “الداعية الأيديولوجي” إلى تجربة “المؤمن النقدي“، حيث يكون الإيمانُ أوسعَ من مجرَّد لفافة عقائدية مغلقة، بل تجربة روحية منفتحة. ثم عدت في افتتاحية العدد المزدوج من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” (59-60) وكتب مقالًا ثانيًا عن محطَّات الوعي لدينا في العراق في دراسة المسألة الدينية، واتخذت من قصة صدور المجلات البحثية حول القضايا المتعلقة بدراسة الدين منطلقًا لتجييل الدراسين الدينيّين عندنا، فذكرت ثلاثَ مجلات، هي: (العلم، والأضواء، وقضايا إسلامية معاصرة)، واعتبرت أن كل مجلة تمثِّل تيارًا في الوَعي بالسُّؤال الديني، له إشكاليته وأسلوبه في دراسة تلك الإشكالية. وها أنا اليوم أعود بمقالٍ ثالث عن الرفاعي وتجربته وهو على بُعد أشهر من إكمالِ عامه السبعين، حيث يجتمع ميلادُه الشخصيُّ بميلاد العددِ “الثمانين” من مجلته/ مجلتنا (قضايا إسلامية معاصرة).

2- التَّداوي بالتفلسف

هناك سؤال كبير حول مهمة الفلسفة وجدواها في الحياة، وقد طُرح هذا السؤالُ بعدة صيغ، منها الشكل الآتي: ماذا تقدم لنا الفلسفة؟ وكيف يمكن لها أن تسهم في تحسين حياتنا البشرية؟ وبنحو أكثر جذرية: هل بقي للفلسفة ما يمكنها الانشغال به أم أن العلوم تكفَّلت بهذه المهمة ولم يعد للفيلسوف مهنة؟ من المتوقع ألا تعجب هذه الأسئلةُ الفلاسفةَ كثيرًا، فلا أحد منهم يقبل أن يكون عاطلًا عن العمل أو عرضةً للاستخفاف والتَّهكُّم! ومن هنا تنوَّعت ردودُ فعل الفلاسفة؛ البعض منهم كان أكثر تواضعًا فقبل الانشغالَ بالموضوعات التي لم يتبلور فيها بعد رأيُ للعلم، والبعض الآخر حاول اختلاقَ مهمة للفيلسوف هي أشبه بالعمل اللغوي، حيث تقتصر وظيفة الفيلسوف على التأكّد من صحة وسلامة استخدامنا للغة في الحياة العلمية والعامة، وفحص دلالات المفردات في مجال التداول البشري بنحو تكون قابلة للتحقّق والاختبار التجريبي. وهناك فئة ثالثة تتحدث عن وظيفة أخرى للفلسفة، وهي اختراع المفاهيم، ودراسة الخيارات الممكنة التي تستحق أن نعيش وفقًا لها، فنحن في النهاية، وهذه هي تجربة الكائن البشري داخل الزمن، مضطرون أن “نختار”، ضمن مساراتٍ محدودةٍ في الغَالب، ما يرسم الباقي من مستقبلنا. إن دراسة الخيار الأفضل، الملائم لأهدافنا، هو عملُ الفيلسوف الحقيقي، هكذا يقول هذا الفريق من الفلاسفة.

مهما يكن، فالشيء الوحيد الذي تجتمع عليه الآراءُ المتقدمة، ويوجد غيرُها بطبيعة الحال، هو أنَّ “التفلسف” قد كفَّ عن الادِّعاءات الضخمة، فلم يعد مسموحًا، لا للفيلسوف ولا غيرِه، الكلام عن المنظومات الفلسفية الشاملة التي تفسّر كلَّ شيء، وتجيب عن كلِّ شيء، وتضع الحلولَ لكلِّ مشكلة. لقد أصيب العقلُ بصَدع كبير، ولم تبق –مبدئيًّا- ثمة فلسفة لكل الناس، ولا ثمة جواب لكل مشكلة. وإذا ما كان للإنسان من “منقذ من الضلال” فهو يتلخص في التركيز المستمر على تحليل “طريقة التفكير السليم” ودرء أكبر قدر ممكن من الأخطاء المحتملة، والتفكير السليم يبدأ أولًا وقبل كلِّ شيء في السّؤال الصحيح.

3- هوامل وشوامل أبي حيان

أنا من القرّاء الذين لا يدقِّقون في أسانيد منقولات التوحيدي؛ لأنني أرى أن المهم في كلامه ليس ما يحكيه بل ما يريد هو قوله. ثم إن التوحيدي، وفي أحيان كثيرة، يضع بلغته الفخمة وبلاغته الفريدة ما يختاره هو على لسان غيره المنقول عنه. من هنا، فإن منقولات التوحيدي تحظى بنفس أهمية آرائه المباشرة، بل وتعبّر عنها في غالب الأحيان. في واحدة من منقولاته يقول على لسان الخليل بن أحمد الفراهيدي: (لا تجزع من السؤال فإنه ينبّهك على علمِ ما لم تعلم). وفي الليلةِ العاشرة من “الإمتاع والمؤانسة” يخصِّص التوحيديُّ حكاياته لـ”نوادر الحيوان“، ويذكر مصدرَه فيقول: إنها جاءت من سماعي و”سؤالي” للعارفين بهذه الموضوعات. وفي الليلة (التاسعة عشرة) نقل عن إبراهيم بن الجنيد قوله: (أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهنّ وإن كان أميرًا)؛ عدَّ منها: (وإن سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول لا أعلم)، ثم كرر النقل نفسه بصيغة أخرى في الليلة (الواحدة والثلاثين)، فقال: (والسؤال عمّا لا يعلم ممن هو أعلم منه). ومن يتتبع كتابات أبي حيان يجده من أكثر الناس شغفًا بالأسئلة، إلى حدِّ أنْ جعل من السؤال شعارَه المفضل ووصيتَه لقرّائه، فقال (اهتكْ سُتورَ الشكِّ بالسّؤال) (البصائر: 6 / 126).

وكما هو معروف فإنَّ خلاصةَ العملِ الكبير الذي قام به أركون في أطروحته (نزعة الأنسنة في الفكر العربي) كانت حول وجود هذه النزعة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وبدل أن تكون كتبُ الفلسفةِ ومصنفاتها التقليدية ميدانَ هذه النزعة والمعبّر عنها؛ رأى أركون أنَّ “الأدب” هو من فعل ذلك، ولهذا اتخذ كتبَ مسكويه والتوحيدي مادةً لبحث وتحليل وملاحقة هذه الفرضية. وبخصوص “الهوامل والشوامل” انتهى أركونُ إلى أنَّ مسكويه لم يكن على نفس المستوى من حساسية ورهافة أسئلة التوحيدي، فبينما كان الأخيرُ قلقًا وإشكاليًّا، يبحث عمن “يعرف الفَحْوَى ويَلْحَق المَرْمَى” من هوامله (انظر المسألة الخامسة) نجد أن مسكويه يبدو واثقًا بعدّته العقليَّة التحليلية ويجيب بوثوقية عالية؛ متوقعًا أنْ يُفْضِيَ التوحيديُّ بـ “شَوَامِلِه” إلَى بَرْدِ اليقين.

لم تكن أسئلةُ التوحيدي خاصةً بعصرها، بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن حاجة إنسان القرن العاشر الميلادي فقط، فحتى نحن، وبعد أكثر من ألف سنة من رحيل التوحيدي، ما زلنا نتساءل معه نفس الأسئلة. وما يميز أسئلةَ أبي حيان أمران:

(الأول) أنه جعل الإنسانَ محورها دون اعتبار لأي دين أو عرق أو منطقة، فتساءل عن أحواله كلِّها؛ في علاقته بالمعرفة (مسألة 62)، وفي انصرافه عمّا يجهل (مسألة ١٥)، وفي حبه للعاجلة (مسألة ٥٥)، وفي شوقه لما مضى (مسألة ٦)، وفي تواصيه بالزهد ثم حرصه على الدنيا (مسألة ٤)، وفي تَحَاثِّه على كتمان الأسرار ثم هتكه لها بالإفشاء (مسألة ٢)، وفي حيائه من القبيح ثم تبجحه به (مسألة ٨) … إلى غير ذلك من حالات الإنسان النفسية والاجتماعية والمعرفية (سياسته، غضبه، فرحه، إلفته، مديحه، تصابيه، خياله، إشمئزازه، حسده، نظافته ووسخه، انقياده وتمرده، خوفه، خبثه، بذاءته، احتياله، عدوانه، جده وهزله، ضجره وقسوته، تشاؤمه وتهكمه، جبنه ورعونته، عفته وخلاعته، وخفته ووقاره …) إلى ما يفوق العد والإحصاء من الحالات التي تناولها أبو حيان حتى قال هو نفسه عن الإنسان في كلمة خالدة: (إن الإنسانَ قد أُشْكِلَ عليه الإنسانُ) (مسألة ٦٨).

والأمر (الثاني) الذي يميز أسئلةَ أبي حيان هو “أشكلتُه” للقضايا التي جعلها موضعًا للتساؤل، فهو لا يعتبر تلك القضايا مجردَ موضوعاتٍ “بحثيَّة” يمكن الإجابة عنها بالمتوفر من معلومات شائعة، بل يضع نفس تلك المعلومات موضع بحث وتحرٍّ فيدعو إلى (تحديد نظر وتجديد اعتبار) (مسألة ٥٥)، وهو يقصد إعادة تعريف المشكلة محلّ السؤال وتجديد أساليب الاستدلال فيها. أما النتيجة، فستكون كما قال: (وإذا تنفَّس الاعتبارُ أدى إلى طرق مختلفة) (مسألة ٤٩) وهذا ما يبحث عنه التوحيدي: (الطرق المختلفة)، لذا كان آخر سؤال له في “هوامله” عن تنقُّل الإنسان بين المذاهب الفكرية وما يعنيه ذلك أو ما يستلزمه من الخروج عنها جميعًا (مسألة ١٧٥).

٤- هواملُ وشواملُ الرفاعي

على مدى أكثر من سبعة وعشرين عامًا (١٩٩٧ – ٢٠٢٤) احتوت مجلةُ “قضايا إسلامية معاصرة” على (١١٣) حوارًا منفردًا (أقصد بـ “المنفرد” غير تلك الحوارات العامة في الندوات النقاشية المشتركة)، كانت حصةُ الرفاعي وَحْدَه منها (٦٢) حوارًا، أي أكثر من نصف الحوارات. امتازت هذه المادة الغزيرة من الأسئلة بأمور، منها:

أولًا: أنها شيَّدت جسرًا من التثاقف بين نخبة كبيرة من المثقفين في العالم العربي وإيران والغرب (من بين الأسماء العربية نذكر: محمد أركون، حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، عبد المعطى بيومي، محمد حسن الأمين، محمد حسين فضل الله، عبد الهادي الفضلي، محمود البستاني، طه عبد الرحمن، عبد الوهاب المسيري، فتحي المسكيني، علي حرب، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي، وجيه كوثراني، هاني فحص، تركي الحمد، محمد أبو القاسم حاج حمد، السيد ولد أباه، محمد عابد الجابري، احميدة النيفر، نادر كاظم، هشام داود، أبو يعرب المرزوقي، برهان غليون، عبدالله إبراهيم، ماجد الغرباوي، غالب الشابندر … إلخ. ومن الأسماء الإيرانية: مصطفى ملكيان، داريوش شايغان، حسين نصر، صادق لاريجاني، محمد مجتهد شبستري، عبد الكريم سروش، محسن كديور، محمد علي التسخيري، عبد الله جوادي آملي … إلخ. ومن الغربيين: يورغن هابرماس، ريتشارد بورك هوفر، ستيفن ايفانز، محمد ليغنهاوزن).

ثانيًا: أنها وضعت جميع الاتجاهات الفكرية في ندِّية متقابلة؛ فيها الكثير من التعارف والهموم البحثية المشتركة دون قطيعة أو رفض مسبّق.

ثالثًا: أنها تشكل سيرةً لتطور الحياة الفكرية عند جيل كبير من المثقفين العراقيين الإسلاميين، وبنحو خاص سيرة الرفاعي الذاتية، في المنفى الإيراني ثم في العراق بعد ٢٠٠٣. يمكن التعامل مع تلك الأسئلة ليس فقط كاشتغال للعقل في موضوعات إشكالية وتحوّلات هذا الاشتغال وتطوراته بل واستجابة للتحديات التي عاشها هذا الجيلُ في سياقٍ خاص داخل الزمان والمكان، وعلى لسان الرفاعي بوصفه أحدَ أهمّ ممثلي هذا الجيل.

٥ – التساؤل بوصفه سيرةً ذاتية

يوضح الرفاعي علاقةَ الأسئلة بالتفكير الأيديولوجي فيقول: (الأيديولوجيا تقوض الأسئلة المفتوحة؛ لذلك لا يبقى في فضائها أيُّ سؤال مفتوح، وتحرص أن تقدم إجاباتٍ جاهزةً لكل سؤال مهما كان). يعتبر الرفاعي فكرةَ الإجابات الجاهزة عن كل سؤال “منطقًا تبسيطيًّا” للتفكير الأيديولوجي الذي يعطل “التفكيرَ التساؤليَّ الحرَّ المغامرَ“، ثم يشير في المقابل إلى دورِ ووظيفةِ التساؤل في الحياة الفكرية، فيكتب: (لا يتطور المجتمع ما لم يكن تفكيره تساؤليًّا على الدوام. التفكير التساؤلي هو الذي يمكِّننا من الوصول إلى ما هو ممنوع التفكير فيه) (التأكيد في النص مني). ويضيف: (وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية: إنها تفتح أفق النقد والمراجعة، وتدعو العقل لفضح الأخطاء، تلك الأخطاء التي كانت لزمن طويل تعد من الحقائق واليقينيات النهائية) (التأكيد في النص مني، راجع “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ط٤: ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥).

بناء على ذلك يحقّ لنا التساؤلُ حول أسئلة الرفاعي نفسها: إلى أي حد يمكن اعتبارُها “مدخلَه الخاصَّ” للوصول إلى “الممنوع من التفكير فيه“؟ “الممنوع” الذي كان الرفاعي، ومِن خلفه الجيل الذي ينتمي إليه، يعيش فيه ويتحرك في دائرتِه؟ وهل كانت أسئلتُه “فاضحةً” للأخطاء؟ وما هي طبيعة تلك الأخطاء ومجالها؟

في موضع آخر يتحدث الرفاعي عن ارتباط علم الكلام الإسلامي بالعصر الذي ولد فيه، فيرى أن هذا العلم هو تعبير عن أسئلة المجتمعات الإسلامية القديمة وما واجهته من تحديات، ثم يصف تلك المقولاتِ والآراءَ المنبثقةَ عن تلك الأسئلةِ بأنها (لا تعرف أسئلة حياتنا الراهنة، الأسئلة المنبثقة من تحديات وهموم ونمط حياة يختلف عن نمط الحياة الذي انبثقت عنه التحدياتُ الماضيةُ اختلافًا تامًّا) (مقدمة في علم الكلام الجديد، ٢٠٢٣: ٤٩).

والسؤال هنا أيضًا: ماذا تكشف أسئلةُ الرفاعي من “تحدياتٍ، وهمومٍ، ونمطِ حياةٍ مختلف” في تجربة مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وخصوصًا في مرحلتَي المنفى الإيراني وما تلاه في تجربة العراق بعد ٢٠٠٣؟

أخيرًا، وفي موضع ثالث غير ما تقدم، يتناول الرفاعيُّ علاقةَ المتكلم الجديد بـ”الحسّ التاريخي“، وبالرغم من إيمانه بوجود نمطٍ من الأسئلة يسميها بـ(الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى) لا يمكن التوصل إلى أجوبة نهائية بشأنها، وهي تحديدًا ما يختص الدينُ بالإجابة عنها (مقدمة، ٢٠٢٣: ٢١، ١٠٤، ١٩٣)، فإنه ينفي عن الشيخ محمد عبده أن يكون “متكلمًا جديدًا”، والسبب في رأيه هو أن عبده يفتقد لهذا “الحسّ”، الذي يعني الوعيَ بالعصر وتحولاته العميقة في المعرفة ومكانة الوحي فيها، وبالتالي فهم وظائف الدين القديمة، ليقول في النهاية: (ولا يمكن أن يتحرر كلُّ فهم للدين ونصوصه من الأفق التاريخي الذي ينبثق فيه) (الدين والظمأ الأنطولوجي، ٢٠٢٣: ١٣١، ١٤٢).

والسؤال هنا: ما هو “التاريخي” في الدين الذي كشفتْه أسئلةُ الرفاعي؟ وهل تنامى فيها هذا الحس التاريخي؟

٦ – المسكوت عنه في الأسئلة

كأيِّ كاتبٍ محترفٍ يبرع الرفاعي في تجريد المشاكل التي يدرسها. يتمثل التجريد هنا بطرح المشكلة (أي مشكلة كانت) كسؤال نظري تتوارى خلفه المشاكلُ التي بعثتْه في أرض الواقع، حتى يبدو الكاتبُ وكأنه مجرد “عقل محض” يفكر ويتساءل ويحلِّل وينظّر بمعزل عن الإكراهات والإلزامات التي دفعت بتلك المشاكل إلى صدارة اهتمامه وعنايته. إن هذا التجريد يعقّد مهمة الباحث الذي يريد إفراغَ تلك الكتابة من طابعها التجريدي وإنزالها موضعَها التاريخي، لأنه سيكون بحاجة إلى دراية دقيقة بذاك الواقعِ المتواري لكي يفهم ما سكت عنه صاحبُ النصّ. فلنلاحظ هذه الجملة كمثال على الجُمل التجريدية: (تطور الفكر الإنساني في كل العصور يقترن دائمًا بالأسئلة الكبرى، الأسئلةِ الحائرة، الأسئلةِ القلقة، الأسئلةِ الصعبة، الأسئلةِ التي تتوالد من الإجابة عنها أسئلةٌ جديدةٌ) (مقدمة، ٢٠٢٣: ١٠٢). إن هذه الجملة الفخمة تبدو لي عاليةَ التجريد، لأنها لا تبوح بالأجواء التي تخلق تلك الأسئلة (الكبرى، الحائرة، القلقة، الصعبة، الولود).

والآن إذا ما أردنا الإجابةَ عن الأسئلة التي أثرناها في الفقرة السابقة حول قضايا (١- الممنوع التفكير فيه، ٢- هموم ونمط الحياة، ٣- الحس التاريخي) كما تكشفه “هواملُ الرفاعي” في مسيرةِ مجلةِ “قضايا إسلامية معاصرة”، فإن هذا يتطلب منا كتابةَ سيرته الفكرية، وبالتبع سيرة الجيل الذي ينتمي إليه، طيلة المدة التي مهّدت لولادة المجلة وفي جميع المراحل التي مرت بها. وهذه وإن كانت مهمةً جليلةً، خصوصًا في ظل النقص الكبير الذي نعاني منه في مجال الدراسات التاريخية المعنية بتجييل المثقفين الدينيين في بلدنا (العراق)، إلا أنني لن أترك الموضوعَ لغيري تمامًا، بل سأثير عدةَ نقاط مجملة في فهم هذه القضية التاريخية راجيًا أن تساعد هذه النقاطُ الباحثين المهتمين بأمثال هذه الأبحاث في تطوير دراسةِ الموضوع.

1-  ذكرتُ سابقًا أنَّ عددَ حواراتِ المجلةِ بلغتْ (١١٣) حوارًا، وأن حصة الرفاعي منها -إذا ما استثنينا تلك الحوارات المترجمة-في حدود (٦٢). وفي تقديري أن تلك الأسئلة والحوارات تكشف عن وجود ثلاث مراحل؛ وهي: ١- مرحلة التفكير بالتراث من داخل التراث، و ٢- مرحلة أشكلة التراث ومساءلته، و ٣- مرحلة تحويل التراث إلى مادةٍ بحثية تخضع للمتاح من المعرفة البشرية، ومن ثمة القطيعة مع المناهج التراثية كافة.

2- كانت المرحلةُ الأولى من أسئلة الرفاعي مخصصةً للفكر السياسي الإسلامي، ومفهومِ الدولة فيه، وشكل النظام السياسي، وحين تَساءل عن الديمقراطية ربطَها بالبيئة الغربية ومجتمعاتها الداخلية، ولكنه مع ذلك أثار قضيةَ انتخاب الحاكم الإسلامي، ومسألة البيعة وتشكيل الأحزاب، وحدود الحريات في النظرية الإسلامية (انظر: حواره مع محمد باقر الحكيم، ومحمد حسن الأمين في العدد الثاني). وهذه الأسئلة وإن كانت جريئة في ظل نظام سياسي ديني يدير الدولةَ الإيرانية، ولكنها تمثل جزءًا مألوفًا من المشهد الثقافي الإيراني، الذي بدأ حينها بطرح هذه الأسئلةِ (يتضح هذا من حواراتِ العدد الأول الثلاثة المترجمة عن الفارسية؛ والتي تحدّث فيها ثلاثةٌ من أبرز الباحثين السياسيين الإيرانيين عن الموضوع، هم: عباس عميد زنجاني، حسين بشيريه، محمد جواد لاريجاني).

3-  في المرحلة ذاتها نجد ثمة انفتاحًا حذرًا على المشاريع الفكرية العربية في قراءة التراث، ومحاولة التعرّف على المشهد الثقافي العربي (كان هذا مرتبطًا بمطلع عقد التسيعنيات بعد انتهاء “الحرب العراقية/ الإيرانية”، وتدفّق الكتاب العربي على إيران واشتهاره في جامعاتها ونواديها الثقافية)، وفيها بداية التساؤل عن إعادة تعريف الغرب: هل هو استعماري فقط أم أن هناك أشكالًا أخرى للغرب يتمايز فيها التاريخيُّ الاستعماريُّ عن “الديمقراطيِّ المعاصر” (حوارات العدد الثالث، وخصوصًا مع محمد حسن الأمين).

4-  كانت مسألةُ فهم النصوص المقدسة حاضرةً في العدد الرابع المخصص لاتجاهات التفسير، والحوار كلّه مع إسلاميين صميمين (محمود البستاني، وجودت سعيد) ولكن السؤال المركزيَّ هو (ما هو الموقف من اتجاهات التفسير الحديثة التي تربط النصَّ بأفقه وبيئته وقارئه؟).

5-  تستمر أسئلةُ الرفاعي في الأعداد التالية عن التراث ونصوصه المقدسة، محاولًا منحَ النقد والمراجعة مشروعة من داخل التراث؛ فتعدُّد القراءات يقابلها انفتاحُ التجربة الإسلامية على النقد، وشرعية الاتجاهات الحديثة في التَّعاطي مع النصّ يأتي في سياق بلورة نظرية إسلامية للنقد، ونقد الممارسة السياسية يتغذى من تجربة الأنبياء في تقوبم سلوك المجتمعات الغابرة (انظر حوارات العدد الخامس، ١٩٩٩).

6-  حظِيت مسائلُ فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة بتغطية موسعة في أسئلة هذه المرحلة (الأعداد ٧ إلى ١٣). ولكن مع العدد ١٤ فصاعدًا يبدأ الانفتاحُ على فئةٍ أخرى من الإسلاميين (حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، محمد حسين فضل الله، طه عبد الرحمن، وغيرهم) حول علم الكلام الجديد والسؤال عن مجاله وإشكاليّاته، والخشية من نزعته “الالتقاطية”. نحتاج أن نصل إلى العدد المزدوج (٢٠-٢١) حتى يبدأ الكلامُ عن (التسامح ومنابع سوء التفاهم) مع محمد أركون، ولكنَّ ذلك لا يمضي دون مساءلةٍ لفكرة “تعدد المناهج” ومخاطر التعمية في التحليل، ومسألة علاقة البحث التاريخي بالتوراة والإنجيل دون القران (تتم الاستعانة هنا بأعمال طه عبد الرحمن)، ونقد التجربة العلمانية، وأمور أخرى كانت بمثابة النقد العنيف لأركون (ينبغي التذكيرُ أن سعيد شبار هو من أجرى الحوار مع أركون، وليس واضحًا مقدار اجتهاده في طرح الأسئلة أو حتى استقلاله الكامل فيها).

7-  تشهد خاتمةُ هذا المرحلة مع الأعداد (٢٣) حيث بقيت الحواراتُ تستضيف المسيري ليتحدث عن “انحيازات المعرفة“، وحديث التحرير (الرفاعي نفسه) عن (استيعاب النقد للتراث والمعرفة الحديثة) والاستيعاب هنا يعني الشمول، وكأن النقد للتراث يصاحبه نقدٌ للمعرفة الحديثة (التي وصفها المسيري بالمنحازة، وفي نفس السياق تأتي الحواراتُ مع عبد الله إبراهيم عن “المركزية الغربية”).

8-  تبدأ المرحلة الثانية من الأسئلة في العدد (٢٤-٢٥) الذي يتزامن مع تغيير النظام السياسي في العراق (صدر العدد في صيف/ خريف عام ٢٠٠٣). تُدشّن هذه المرحلة بالحوار مع الجابري والشرفي (هناك تمييز بين لغة الحوارَين يحملني على تأكيد اجتهادِ سعيد شبار في الحوار مع الجابري، لأنه ما زال يتحدَّث عن “حقيقةِ” الصحوة الإسلامية! وهو ما يختلف تمامًا عن الحوار مع الشرفي الذي أجراه الرفاعي، وينص على نظرة الإسلاميين السكونية ذات الطابع الجدلي، وعدم وجود هويات نقية، ونزعة الأيديولوجيا في تفكير الإسلاميين). أما العدد (٣٣-٣٤) فيصعد بالنقد حدًّا أعلى مع محمد الطالبي حينما يبتدئ في وضع مسألة إمكان حوار المسلم، الساكن داخل ديانته الخاصة، مع الأديان الأخرى موضع تساؤل جذري.

9-  لن تتأخر المرحلة الثالثة من الأسئلة كثيراً، إذ يبدو أن انفجار العنف في العراق قد أتى متزامنًا مع صدور العدد (٣٧-٣٨) الذي حمل حوارًا مع برهان غليون تحت عنوان (حين تنحسر الثقافةُ ينفجر العنف). في هذا الحوار تحديدًا يبدأ الحديثُ عن فشل مشروع التحديث، وعن العنف العدواني الذي نشأ عن هذا الفشل، وضرورة “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين” وأن الموقف التعبوي في التعامل مع الغرب، وثقافته، ومناهجه، وفكره، وقيمه، وفهمه للحقوق والحريات هو الذي أفضى إلى أجواء الاحتراب التي نشهدها.

10- منذ الحوار الأخير مع غليون، ومرورًا بالحوار الغنيّ جدًّا مع محمد أركون في العدد (٤٣-٤٤) (٢٠١١)، ستنتقل أسئلةُ الرفاعي إلى مرحلة الاكتمال والنضج كما تمثلها مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)، وسلسلة مؤلفات الرفاعي حول الدين (الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية … إلخ)؛ تتخلص الأسئلةُ في هذه المرحلة من سطوة التراث ومناهجه (يتزامن هذا مع استقرار الرفاعي في العراق سكنًا ووظيفةً) ولا تتردد في تحويله إلى مادة تاريخية يُعاد تفكيكُها وتحليلها وفقًا للمعرفة البشرية، بل وتتجه المجلةُ إلى نقل حواراتِ الباحثين الغربيين في المسألة الدينية دون غضاضة.

٧ – رحلة استعادة الأسئلة واليقظة العقلية

لقد عكست هذه الأسئلة مراحل شاقة من التفكير والتحرر من ثقل التراث؛ فبعد أن بدأت بالسؤال عن الإصلاح الفكري من داخل التراث وبمناهجه، انتهت المسيرةُ في عام ٢٠٢٤ إلى أن يكتب الرفاعي عن (مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث)؛ الكتاب الذي يمثّل مراجعةً نقديةً للكثير مما كان يتبناه الرفاعي نفسه، بل وتحررًا من الأسئلة القديمة التي كان الرفاعي يطرحها على الأشخاص ذاتهم، الذين ينتقدهم في هذا الكتاب: (حسن حنفي، ومحمد عمارة، وجودت سعيد، وداريوش شايغان، وغيرهم).

يطيب لي أن أختم هذه السطور بثلاثة اقتباسات تختصر تحولاتِ الرفاعي مع الأسئلة، اثنان منهما وردا في الكتاب المذكور، والثالث في آخر مقال كتبه إبان تدويننا هذا البحث؛ في الاقتباس (الأول) يتحدث الرفاعي عن علاقته بـكتابات “سيد قطب” وما تركه كتابُ “معالم في الطريق” في نفسه حول مصير “الأسئلة”، وفي (الثاني) يشير إلى مآلات الرفاعي بعد رحلته مع الأسئلة في المهجر، وكيف استقبله أصدقاؤه القدامى بعد طول انقطاع. أما (الثالث) فيوضح نتيجة هذه الرحلة للرفاعي، وهي الشعورُ العميق بضخامة الكينونة البشرية وضرورة مقابلتها بـ “تواضع” حيث تتحول الأسئلة إلى “مهنة” شخصية تقوم على مهمة “دحض” الأجوبة الخاطئة. ومن الاقتباسات هذه يتضح أن هذه الأسئلة التي سلّطنا الضوء عليها كانت “استعادة” للتفكير النقدي الذي دثرته التنظيرات الأيديولوجية الإسلامية من جهة، ويقظة للعقل السليم وُلدت في أحضان تجربة مؤلمة مع المنفى من جهة ثانية. إنَّ ما يميز انتقالة الرفاعي، التي تحدثت عنها في أول مقال لنا قبل عقد، هو ذاته ما أسميناه حينها بـ “تجربة الإيمان النقدي“، من جهة ثالثة.

وإليكم الاقتباسات الثلاثة:

الاقتباس الأول:

(كنتُ معذبًا محرومًا فاختطفني “معالم في الطريق”. سيد قطب أديب ساحر، يتقن كتابة الأناشيد التعبوية للمراهقين البؤساء أمثالي. أناشيد تذكي العواطف، توقد المشاعر، تعطّل العقل، يتوقف عندها التفكير النقدي، وتموت في كلماتها كلُّ الأسئلة) (مفارقات وأضداد، ٢٠٢٤: ١٦٢).

الاقتباس الثاني:

(في أول زيارة للوطن شهر حزيران ٢٠٠٣، بعد غياب نحو ربع قرن في المنفى، التقيتُ بعد عودتي بأصدقاء من الذين مكثوا مرابطين في العراق. كانوا يسألون كثيرًا في الدين أسئلة متنوعة، فوجئوا بجوابي عن شيء من أسئلتهم، قائلين بأنها لا تتطابق مع ما كنت أقوله لهم سنوات السبعينيات من القرن الماضي. قلت لهم: هذه علامة سلامة عقلية. العقل الذي يواصل إثارة الأسئلة العميقة، ومراجعة القناعات الراسخة، ومساءلة ما يقرأ ويتعلم، هو عقل يَقِظ) (مفارقات وأضداد: 85، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، 2005: 5-6).

الاقتباس الثالث:

(في الكتابة عن هذا الموضوع [يقصد المتخيّل الديني] وغيره أقترح إجابات، لم أراهن يومًا على أنها جزمية أو نهائية. القارئ الذكي يتنبه إلى أن كتابتي تحاول إثارةَ الأسئلة، أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. هذه الأسئلةُ أسئلتي الشخصية، فقد كنت ومازلت مشغولًا بأسئلة الوجود، وأسئلة المعنى. في أسئلتي أفكّر عدة سنوات، وألاحق كلَّ كتاب ومعلومة حولها، وأقرأ كلَّ شيء أظفر به يتناولها، وأسعى لاكتشاف الطرق المتنوعة لتفسيرها والجواب عنها، وأحاول أخيرًا تقديم تفسيري وجوابي. من يراقب سيرتي الفكرية يرى كيف عبرَ عقلي عدةَ محطات ولم يتوقف، بفضل تلك الأسئلة. ليست هذه الرحلة الشيقة عبر المحطات إلا سلسلة دحض للأجوبة الخاطئة عن أسئلة الوجود والمعنى في حياتي). (جريدة الصباح البغدادية، الصادرة بتاريخ 28-4-2024).

[1] كاتب وباحث عراقي متمرس في الفلسفة الإسلامية والدراسات الشيعية.

 

https://alsabaah.iq/95683-.html