الأبوة في فكر ومنهجية الدكتور عبد الجبار الرفاعي

 منى الصالح

ملأى السنابل تحني بقاماتها

والفارغات رؤوسهن شوامخ

هذا البيت كان ماثلا أمامي ، حين التقيته أخيرا على أرض الواقع ، حيث جمعتني بالدكتور عبد الجبار الرفاعي أخوة وأبوة فكرية وروحية منذ سنوات طويلة ، فكان اليد الحانية التي تطبطب على كتفك، وتهمس لك أنك لست لوحدك حين تشعر بالاغتراب الفكري، وتعصف بك العواصف، فترى في كتبه وبين حروفه الحنون، الشاطئ حيث السلام والاطمئنان، رغم كل الأسئلة التي تثير زوابع فكرية، فهو صاحب العقل المشاكس الذي لم ولن يعرف الراحة والهدوء، فكل سؤال تطرحه تأخذك كتاباته لتشرع النوافذ والأبواب وتبحر في محيطات ليس لها قرار، فتجد نفسك بدل أن تجد عنده الإجابة التي تركن لها فتسمع وتطيع، تتحول إلى فرس جموح تعتلي الهضاب والجبال وتقفز فوق المنعطفات دون هوادة مشرعاً جناحيك لتستقبل النور باحثا وقارئا  بصدر مفتوح وقلب مطمئن .

عبدالجبار الرفاعي أستاذ الفلسفة وخريج المدرسة الدينية، وصاحب مشروع تجديد الفكر الديني الخاص به. القامة الفكرية الذي غمر إنتاجه الفكري ومؤلفاته الساحة الفكرية فاحتضن الشباب وتطلعاته، في الوقت الذي كنت أرى الكثير من جيلنا ممن يصفهم بالضياع وعدم تحمل المسؤولية، وبأنهم شباب تافه منشغل بوسائل التواصل، وبحكم عملي لعقود وسط عالم الشباب، كنت أتلمس حاجتهم لمثل الدكتور يثق بقدراتهم ويثمن منجزاتهم كما يقول في كتابه “ثناء على الجيل الجديد” : عقل الشباب اليوم أنضج ووعيهم للحياة أعمق منا حين كنا في مرحلتهم العمرية، عالمُهم مركّب وعالمنا بسيط. وأن الفجوة بين جيلنا وجيل أبنائنا واسعة بسعة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويمتدح معرفتهم بقوله: العالَم يحضر في حياتهم بملامحِه وتضاريسِه الجديدة، عبر: اليوتيوب، والفيس بك، وتويتر، والواتس اب، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة)).حين يدافع عنهم ليس من باب التنظير بل هو القريب عن معرفة فأغلب علاقاته وحواراته معهم حيث قضى أربعين عاما في التعليم ، مشخصا واقع التعليم  اليوم((نحن بحاجة للبحث عن جذورِ هذه المشكلة في بنيةِ التربية والتعليمِ الموروثِ منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالَم الأمس المختلف عن عالَم اليوم اختلافًا جوهريًا، فلم يعد الكتابُ وحده رافدًا لتلقّي المعرفة، بعد أن تراجع موقعُه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانوياً – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة، ولم يعد التعليمُ على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائمًا لعالمنا اليوم، بل لم يعد الصفُّ المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائمًا للتعليم، وقبل كلّ ذلك لم تعد ملائمةً اليوم معظمُ المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدّسة بعشوائية في المقرّرات المدرسية المتداولة، لأن أغلبَ مضامينها لا ينتمي لعالَم الأبناء، ولا يشبه أحلامَهم، ولا يلبي احتياجاته.مواكبته النهضة التكنولوجية جلية واضحة ، لم يمنعه العمر مثل أقرانه ، فكما يشير: (العالم يتغير والرؤية للعالم تتغير وطريقة التفكير تتغير .. ومعيار التفوق فيه يقاس بمدى كثافة الحضور عبر نسيج الشبكات الألكترونية العابرة للقارات) لذلك نراه منذ ثلاثين عاما قارئ الكتب الالكترونية، كاتبا بلا قلم ، يدير صفحاته على وسائل التواصل بلا مساعد، محافظا على تواصله مع قرائه رغم رفضه لأغلب الدعوات واللقاءات التي تطلب منه من مختلف الدول العربية والإسلامية، بلا كبر كما يخبرنا، ويرفض الدخول في مجموعات (الواتساب) ليس ترفعا، بل مطلبه السلام الداخلي الذي يهيئه لأهم وظيفة هي القراءة والتأليف.

كنت دوما وأنا أقرأ له وهو الموسوعة في علم الكلام وعلوم الدين والفلسفة، أجد فيه الكاتب الأبوي الذي لا يبخل علينا بتجاربه التي أنضجته وأكسبته الحكمة، وقلما نجد بمثل علمه وعمره من يعترف بفشله وإخفاقاته على كل المستويات ولا يجد بذلك حرجا، فالخطأ عنده حق بشري وجزء من بناء تجربة الوعي كما يشير لذلك في حق الخطأ وتشكل مفهوم الفرد (الإنسانُ كائنٌ يصيب ويخطئ، الخطأ طريقُ التطور والتكامل. كلُّ مَنْ يفكر يخطئ، مَنْ لا يفكر لا يخطئ. لا يتحررُ الإنسانُ من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه…. مَنْ يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلكُ القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير، الخوفُ من التغيير خوفٌ من التطور.

تبدأ التربية بترسيخ الشعور لدى الطفل بحقه في الخطأ، مَنْ لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، المجتمعُ الذي لا يتربى فيه الأفرادُ على الاعتراف بالخطأ منذ الطفولة، يشيعُ فيه الكذبُ والرياءُ والازدواجيةُ والنفاقُ السلوكي). وهل نتخيل كم لهذه الرؤية من انعكاسات على أسرنا، ومدارسنا، شبابنا وصحتهم النفسية.

وأنا استمتع بالنقاش معه تذكرت ما ذكره الدكتور جمال الشايع بأن الكبر هو أحد أسماء الله الحسنى ضروري بمقدار، فلولا الكبر ما تطورنا، بشرط ألا يطغى، فالإنسان بفعل الكبر تمكن من الغزو والصيد، اكتشف الزراعة وهكذا، ونحن في كثير نكبر على سلوك ونتحول عنه لآخر أفضل وأرقى منه إذا ما تابعنا عملية البحث والتطوير والتكامل. ويأخذنا المفكر الدكتور الأكثر تواضعا وتمثلاً لقيم السماء حين يكبر على نفسه، ويعترف بخطئها ويتابع حركتها ونموها الفكري والنفسي والروحي، دون أن تهتز ثقته الواضحة، وتقديره لذاته  ووجوده الفكري حين يجيب (إنها نظريتي الخاصة ومشروعي الذي يتبنى رؤيتي الخاصة فأنا لست مقلدا لأحد) ويستطرد (هذا لايعني انني لم أقرأ للسابقين، بل لقد قرأتهم، ودرست نظرياتهم وفلسفاتهم، قديمهم وحديثهم، ومن ثم كنت أنا ولست نسخ أحد منهم) بهذه الكلمات البسيطة والعميقة، رسم منهجية المعلم الحقيقي، الذي يحترم عقله وعقول من حوله، وكما يقال: المعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها، إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.

شكرا لله الذي أنعم علي بهذا اللقاء.

ممتنة للدكتور الذي أحاطنا باهتمامه واتصاله، وخصص جزءا من وقته الثمين لنا، وأثرانا بحلاوة النقاش والاستماع لتجربته فحقا كانت ساعة من الجنة.

 منى الصالح كاتبة سعودية.