في الأمومة تتجلى ذروة التضحية

د. عبد الجبار الرفاعي

بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.

الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.

من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.

لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.

كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.

على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف “أبو عادل”. كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب. كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه.كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه.كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.

الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.

حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها.

 

https://alsabaah.iq/133152-.html

 

ثناءٌ على الجيل الجديد كتابٌ للتربية

د. أحمد يعقوب[1]

لاشكّ في أنّ القارئ لمتن نصوص وكتابات د. عبدالجبار الرفاعي  يسترعي انتباهه رأساً الطّابع التّعليمي، أو إن شئنا الدّقة البُعد التربوي الذي يسم محاوراته، ويمكن إعتبار كتاب ” ثناء على الجيل الجديد” من أهم الكتب التي  تناولت قضايا جيل الآباء والأبناء في الخمسين سنة الماضية،  بالاضافة لمناقشتها قضايا التربية والتعليم ، وهي قضايا تهم مجتمعاتنا أكثر من غيرها بمقتضى ما حصل من تطورات وتحولات في العالم الذي نعيشه اليوم.

يقوم د. عبدالجبار، غير هيّابٍ  بتفكيك نُظم التربية في عصر الآباء، الذي إنهمك في نظام أحادي لرؤيته للعالم والقيم والمعايير، فاذا به يصطدم بتطورات ضخمة ومتسارعة في عصر الأبناء؛ حيث تبدلت الموضوعات نفسها، واتخذت المفاهيم أشكالاً جديدة تتمظهر وتتجلى من خلالها، مما يعني أن  جيل الأبناء تحكمه نظم متعددة محايثة لواقعه وتشبه أفقه العقلي ( أفق العصر)،  وقد تجاوز النظرة الأحادية التي سادت في عصر الآباء وأحدث قطيعة كبرى معها؛ مما أحدث فجوة وهوة عميقة بين الآباء والأبناء، وهو معطى القطيعة بمعناها الفلسفي.

يدافع الرفاعي عن جيل الأبناء ضد أؤلئك (الآباء)،  الذين  يرون في هذا الجيل أنه بلا مسؤولية،  ونبع ذلك من عدم قدرة الكثيرين من جيل الآباء لرؤية التوسعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وايقاع التغيير الذي طال كل شيء، وبالتالي اتساع الفجوة  في كل شئ تقريباً من حيث نمط الحياة والرؤية للعالم، والتّعاطي مع التعقيدات ونُظم تلقي المعرفة بالنسبة لجيل الأبناء؛ ولا نفهم من هذه السياقات أن عبدالجبار الرفاعي يمارس التحريض، بل هو يمارس  التفكير المواكب لمتطلبات هذا العصر ومتطلبات الأبناء. إذ لا ينسى المؤلف عرض كيفية تلقي المعرفة ونُظمها عند جيل الآباء، وما شكلته هذه النّظم والتي أحياناً شبه أحادية أو أحادية في نظرتها وتعاطيعها مع العالم وموضوعاته.

يشير د. الرفاعي الى عنصر مهم وفاعل في حياة جيل الأبناء، وهو تخلّصهم من الاستعباد لشخصية الأب وشخصية العالم، والتي هي رؤية  الأب بالتحديد؛ وربّما تخلّصهم من القيود التي تعيق تواصلهم أو اكتسابهم لنظم جديدة تواكب التحولات التي يعيشونها؛ وهو ما أدى الى بروز ظاهرة الاغتراب في العلاقة ما بين الآباء والأبناء؛ حيث نعيش اليوم وفق نظام لا يمكن مواكبته دون التعامل مع تسارعه التقني، وقدرة الشخص على الانتقال شبه الدائم لمعالجة موضوعات شتى في فترات زمنية قصيرة؛ ضمن هذا الاطار يفكك د. الرفاعي أشكال العلاقة بين الآباء والأبناء؛ حيث يطلب جيل الآباء الطاعة والانقياد وأحياناً الرضوخ الكامل؛ وهو مايواجه بتمرد عنيف من الأبناء، ولحل الاشكال هذا يطالب المؤلف جيل الآباء بالسماح للأبناء بالانخراط في مواقع السلطة السياسية والحياة الاجتماعية والثقافية، باعتبار أن جيل الأبناء هو أثمن رأسمال للحاضر والمستقبل.

ينحاز د. عبدالجبار الرفاعي بشكل لا مواربة فيه لجيل الأبناء، ويقول أنه تعلم منهم أكثر مما تعلم من جيل الآباء؛ وهذه روح توضح حجم التحولات والتغيرات التي حدثت في عالمنا المعاصر، وخاصة في العشرين عاماً الماضية، وتبيّن ضرورة المواكبة، والا عاش الانسان في كهف ذاكرته أو كما يقول  جيل الأياء في السودان: “زمننا أفضل ونتمنى أن يعود ذاك الزمان”،  وقد خبرنا نحن جيل الأبناء  بالاخص هذه البكائيات من جيل الآباء.

ويعتبر حقل أو علم التربية من الحقول الرئيسة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ إنه يقدم إسهامات منهجية وعلمية وتطبيقية كبيرة، خلال مسيرة طويلة من العمل الرصين والإنجازات اللافتة.  ومن ذلك كون كليات التربية في العالَم مصدر التموين الأساسي لوزارات التعليم والتربية، عبر الإسهام في تطوير سياسات التعليم وفلسفته، وتأمين خطوط كافية لإنتاج: المعلمين الأكفاء، وصنّاع المناهج والمقررات، وخبراء التعليم والتعلم والتقويم، وهذا ما يفسر سر الاهتمام الكبير بكليات التربية في مختلف دول العالم[1].  وتشكل نُظم التربية  والتعليم وطرق اكتساب وتلقي المعرفة  والتي بنيت على أساسها تاريخاً طويلاً من سلطة الآباء في بلداننا وسيطرتهم على كل شئ؛ أحد الموضوعات المهمة في فكر الرفاعي؛  وفي عالمٍ يشهد تحولات كبيرة في فضاءاته لاتزال هذه النظم تمسك بتلابيب مجتمعاتنا المتخلفة  وتمنعها من الاستفادة من النظم الحديثة، لأن العقل التربوي لا يزال ماضوياً.

وحيث إن المشهد التربوي ضمن سياق التحديات والتشوهات التي يعيشها، بحاجة ماسة لمراجعة نقدية صارمة عامة للحقل التربوي ذاته. ولكي تكون هذه المراجعة مثمرة، فإنه يتوجب أن يقوم بها مفكرو التربية أنفسُهم، والذين هم بحاجة ماسة في مجتمعاتنا على وجه الخصوص بمواكبة التطورات التقنية والتحديثات التكنولوجية، وعلى أن يكون أس هذه المراجعة النقدية إبستمولوجياً، وذلك راجع إلى أن النقد الإبستمولوجي قادر على تشخيص أصل الداء في حقل التربية.

يمكن للمرء أن يلاحظ حالة الخطاب التربوي المدرسي في شعوبنا؛ والذي يكاد يبدو للناظر من الخارج أنه خطاب يجتر التاريخ ولا يبدع الحديث، بل هو بعيد من الابداع لدرجة انه غير مواكب للتطورات التي يشهدها عالمنا اليوم؛ وحيث إن نُظمنا التّعليمية تعمّق حتى الفوارق ( الطّبقية)* في المجتمع، صانعة  بذلك هوة عميقة سوسيولوجياً يعاني منها غالبية الذي تعرضوا لهذا الخطاب؛ أمّا أؤلئك الذين تلقّوا تعليمهم في الخارج فأول ما يدركونه هو النظام المعرفي الذي من خلاله يتلقون تعليمهم؛ حيث يتبدى النظام المعرفي في جملة مفاهيم وقضايا معاصرة، وتحديث مستمر للمناهج وطرق التدريس نفسها، وكيفية استهلاك المعرفة…الخ.  ولتوضيح هذه النقطة المتعلقة بتحديث النظم  المعرفية  لتواكب متطلبات العصر الراهن  كتب مارك تايلور  مقالا في  Nature  عنونه “Reform the PhD System or Close It Down”  يقول فيه: ” تتبع معظم برامج الدكتوراه هيكلاً يعود تاريخه إلى جامعات العصور الوسطى في أوروبا. الهدف؛ إنتاج نسخ مكررة من الأساتذة المختصين عبر استنساخهم. ولا يزال هذا النموذج الصارم قائماً حتى اليوم، رغم تغيّر سوق العمل الأكاديمي تغيّراً جذرياً. ”  ويواصل بالقول: ” نظام الدكتوراه عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتجدد لمواكبة متطلبات العصر الحديث، أو يُصبح بلا قيمة.  بتبني التعلم متعدد التخصصات، وشراكات الصناعة، والتطورات التكنولوجية، يمكن لبرامج الدكتوراه استعادة قيمتها. أما إذا رفضت الجامعات التكيف، فستستمر في تخريج طلاب غير مؤهلين لسوق العمل الحالي” .  ولنا أن نتخيّل ان هذا ما يتداوله الغرب حالياً في قضايا تحديث النظم المعرفية؛ ونتساءل في اي طريق نحن؟

في مناظرة شهيرة حول موضوعات شتى  بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو في العام 1971 يطرح فوكة خطر مؤسسة ( الجامعة) بقوله: ” أعتقد ان ممارسة السلطة السياسية تتم كذلك عبر عدد آخر من المؤسسات التي تتظاهر بأنها لا تملك شيئا مشتركا مع السلطة السياسية وباستقلاليتها عن الدولة, غير انها ليست كذلك.. يعلم المرء بأن الجامعة – وبصورة عامة كل الانظمة التعليمية التي تبدو وكانها ببساطة تنشر المعرفة فقط. صُنعت للمحافظة على طبقة اجتماعية معينة في موضع القوة، ولحصر امتلاكها لأدوات القوة دون الطبقات الاجتماعية الأخرى” وهي صورة أخرى لكيفية سيطرة النظم التربوية والتعليمية على حيوات الناس، عبر تدجينهم واكسابهم صفة الاستنساخ للتجارب القديمة ( جيل الآباء)، أو كما يريد ذاك الجيل ان تبقي الامور كما هي .

هل نحن في حاجة لاعادة تعريف مفهوم التربية؟

من أهم الموضوعات التي تتفرد بها التربيةُ دون غيرها؛ ما يتعلق بـ المناهج والمقررات تصميماً وتعليماً وتطبيقاً وتقويماً وتطويراً، باستخدام كافة الأساليب التربوية التقليدية والحديثة في التخصصات المختلفة. إذن، هذا حقل أصيل، بل لعله من أكثرها أصالة، بحيث لا تُنازَعُ فيه التربيُة، إذ هي الحقل الذي يمتلك “حق التشريع” إزاء هذا الموضوع المبحوث منهجياً وبحثياً وتطبيقياً، ويعد هذا أسمى أنواع الملكية للموضوعات المبحوثة.

تحتاج المؤسسات التربوية عندنا لاعادة تعريف هذا المفهوم ؛  ولوضع أسس سوسيولوجية جديدة لمهامها وأهدافها. ويشير د. الرفاعي بطريقة ما في خطاطته عن الفروقات بين جيل الآباء وجيل الأبناء إلى ما يسميه بيار بورديو بالعنف الرمزي، الذي يمارس من خلال المؤسسات التعليمية وبالاخص المدرسة،  والتي تسعى بطريقة أو أخرى للمحافظة على الوضعية القائمة، ( يفهم في سياق جيل الآباء) الذين يودون أن تبقى الأمور على ماهي عليه؛ وحيث  يتميز العنف الرمزي في المدرسة بقدرته الكبيرة على المخادعة الأيديولوجية وبناء الأوهام التربوية على نحو طبقي، وضمن هذه الممارسة الرمزية تبدو المدرسة على أنها مؤسسة محايدة طبقيا.(2) لكن المدرسة في جوهرها ليست محايدة أبدا، وهي تمارس التطبيع الفكري والأيديولوجي للطلاب، وتقوم في الوقت نفسه بإضفاء الشرعية على الأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع في اتجاه المحافظة على النظام السياسي الاجتماعي القائم. وهي بفعالياتها الرمزية تقوم بتمتين وترسيخ العلاقات الطبقية القائمة في المجتمع، تحت ستار استقلال نظام التعليم وحياديته الظاهرة. ومن الطبيعي أن يعزز المجتمع هذه الاستقلالية النسبية للمدرسة، حيث يتم إنشاء هيئة من المتخصصين والمهنيين في مجال العمل التربوي والمدرسي لتقوم بتسيير النظام المدرسي وفقا للاعتبارات الوظيفية والأيديولوجية المحددة في المجتمع.

حوى الكتاب مجموعة من المفاهيم القيمية والاخلاقية ضمن تربية الانسان؛ كالحب، والصمت، وقضايا الدين، ومفهوم التراث والتجديد، وهي في صلب عملية بناء الانسان . هذا كتاب للمؤسسات التعليمية والسياسية، ويمثل رؤية لأفق العصر وما ينبغي أن يكون عليه الانسان وكيف تتم تربيته؛ آمل أن يقرأ هذا الكتاب، وان يكون ضمن مناهجنا، وقبله يجب ان يتم تدريسه للتربويين والمهتمين بمسائلها والمسائل التعليمية.

هوامش:

  • عبدالله البريدي – نداء ابستمولوجي إلى مفكري التربية : تفحصوا حقلكم – مجلة حكمة 17-10-. .2021.
  • بيداغوجيا الرمز والعنف الرمزي في منظور بيير بورديو – علي أسعد وطفة – مدونته الشخصية على الانترنت

*لا نستخدم الطبقة هنا بمفهومها الماركسي وانما في سياقها الاجتماعي المرتبط بالتفاوتات الطبيعية بين البشر.

[1] كاتب من جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان.

https://al-aalem.com/%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/

ثناء على الجيل الجديد يتخطى مقولة صراع الأجيال[1]

عبد اللطيف الحاج اقويدر[2]

جاء كتاب ثناء على الجيل الجديد في أزيد قليلٍ من مئتي صفحة، موزعة على سبعة فصول، وكل فصل يتضمن عدداً من المقالات، وعنوانُه جاذب لافت، تخطى به الكاتب مقولة “صراع الأجيال”، ليطرح بدلَها مقولة “ثناء على الجيل الجديد”، تفطَّن بذكائه إلى أنَّ تجسير الهوَّةِ بين الأجيال، وتجنيب الصراع بينها يأتي عن طريق “الإحسان” الذي يستعبدُ القلوب، فكيف يكون وقْعُه وصداه إذا كان هذا الإحسانُ يُسْدى إلى فلذات الأكباد وبقايا الآباء، و”الثناءُ” رأسُ الإحسان.

جرتْ عادة المجتمعات الإنسانية أنْ يُمدح الأسلاف بما بذلوا وقدموا لأجيال أولادهم وأحفادهم، وغدا هذا تقليداً أخذ صفة الإطلاق. أراد عبد الجبار الرفاعي تصويب هذه القاعدة لإحقاقِ عدلٍ وتوجيهِ بوصلةٍ، فالثناء اعترافٌ لمُنجزٍ فيه خصوصيةٌ، وهو ليس متعلقاً بسنٍّ معيَّنةٍ، وتخصيصُها للفئات العمْرية المتقدمة، فيها ـ إلى جانب الاعتراف ـ رمزية وتعويضٌ معنوي، وكانتْ رؤيةُ الرفاعي أنَّه إذا استحقَّت الثناءَ فئاتٌ شبابيةٌ ما زالتْ تتدرجُ في مقتبل الحياة تتهيَّأ لتلج معتركها، فما المانع الذي يحول دون إظهار الفرح بذلك والاعتراف بهم، وإسداء آيات الثناء لهم، وقد ورد ذلك في مقدمة كتابه مؤكِّداً بأنَّها شهادتُه وقناعتُهُ نابعتيْن من تراكم تجاربه، فلا هو يقدم وروداً ونياشين، ولا هو يجامل مجاملةً غير مستحقَّةٍ، اعترافه وثناؤه على الأبناء تفرضه معطياتٌ موضوعيةٌ.

“ثناء على الجيل الجديد” عنوانُ فصله الأول، تضمَّن خمسَ مقالات، تحدثَ فيها عن واقع جيل الآباء الذي كان موبوءً بتلوثات السياسة والإيديولوجيا والانتكاسات ص24، وواقع الجيل الجديد المعقَّد المتشابك المنفتح على مصراعَيْ العالم والحياة، فيعيشُهما عياناً على المباشر وافتراضاً عبر مختلف الوسائط، ويدرك الكاتبُ أنَّه من الطبيعي أن تنتج هذه الوسائل معاييرها القيميَّة الخاصة ص27، وأن تفرض نمط حياتها، إذْ لا حياد في الحياة، وإذا كان جيلُ الآباء قد نشأ في فضاء تربوي يتَّسمُ بالعنف تعاملاً، وبالتلقين تعلُّمًا، فإنَّ الجيل الجديد لا يتحرَّجُ من إعلان رفضه استخدام العنف معه، واشمئزازه من أساليب التدريس البالية، فقد يسَّرتْ له وسائل الاتصال سبلَ المعرفة وأنواع أساليب التلقِّي، يفي منها ما يحتاجه، وبأيِّ كيفية يريدُها، ويأسف الكاتبُ من عدم تحلِّي الجيل القديم بشجاعة الاعتراف بثغرات أساليب التربية والتعليم لعصره، ولا بما حُظيَ به الجيل الجديد من سلاسة وتنوُّع ومرونة، وأن رهان الرقي والتطور معقود بناصيته، وإذا كانت صورة الدين لدى جيل الآباء هو ما  “صنعه ـ له ـ علم الكلام القديم وفقه التكفير” ص45، فإنَّ الجيل الجديد بما له من التنوُّع يسعى بما توفره له وسائط الاتصال على التعرُّف على الصورة المغرية لله تعالى، صور النور والرحمة والحب والبهجة، كما أدرك إمكانية تجاوز فتاوى تحريم الفنون، التي هي ليستْ أكثر من تجلياتِ الإنسان تعبيراً وتواصلاً مع الطبيعة والإنسان.

و”التربية خيارها الحصانة لا المنع” عنوان الفصل الثاني الذي تضمن ثلاث مقالات، يعترف فيها بأنَّ تكنولوجيات الاتصال قد شكلت تحديا للمجتمعات الإنسانية كلِّها لا على مجتمعاتنا فحسب، فقد أحدثتْ تصدُّعات في سلَّم القيم ص50، نتيجة الصدمة العنيفة التي أحْدثتْها  في منظومتيْ الأسرة والعلاقات الاجتماعية، ففكَّكت روابط التلاحم بين أفراد العائلة الواحدة، وفرضتْ على كلٍّ منهمْ نفياً انعزالياً، وبلبلتْ فيهم عواطفهم وأفكارهم ولغتهم ورؤاهم، بل إنها تكاد تشكِّل خطراً وجودياً على الفرد في سلامته الجسدية أو النفسية على ما نقله خبراء الطب والعلاج، ومع ذلك فهي الشرُّ الذي لا بد منه، ومع ذلك فهي الإفراز الطبيعي لعصرها عصرِ حقوقِ الإنسان والحريات وعصرِ إشاعة المعرفة والتعليم، في حينٍ كانت عصورُ الآباء عصورَ الرُّكود والسمع والطاعة.

و”الاستثمار في الحب صعبٌ” عنوان الفصل الثالث، وهو أوسعُ فصلٍ بسبع مقالات خصَّصها لعاطفة “الحب” الذي جفَّ معينُه أو يكاد، و”الحبُّ” في مشروع الرفاعي هو حجر الزاوية وأسُّه، يسوقُه رفيقَ دربٍ في الحياة، وزاد عملٍ للحياة الأخرى، وقد وردت مقالاته تباعاً على النحو الآتي: “الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان”، و”ويترجم القلب كلمات الحب بمعنى واحد”، و”مكافأة الحبِّ الحبُّ ذاتُه”، و”الاستثمار في الحب صعب”، و”حبُّ الإنسان طريقٌ لحب الله”، و”الإيمانُ بلا حب ورحمة عنيفٌ”، و”الكراهية ليست طارئة”، فالحب يُشحِن النفوسَ طاقةً وراحةً وسعادةً، يُشعِر الإنسان بكينونته ويُحفزه على العطاء، ومن غرس حبّاً جناه، والحبُّ الأكبرُ هو حبُّ الله الأبدي المشرقُ على القلوب الذي لا يعتوره كدرٌ، بخلاف صورة الألوهية في الإيمان الصراطي الذي اعتقد به جيلُ الآباء ورِثه عن الأسلاف، صورةٌ ظلمانية لا تراه إلا محصوراً بها دون غيرها، ومن خرج عن دائرتها لم يستحق الفوز ولا السعادة، بل قد يُسحق كما فعلت المجموعات الإرهابية التي روَّعت ودمَّرتْ وقتلتْ باسمه تعالى.

“الصمت الحكيم” هو فصل الكتاب الرابع بستِّ مقالاتٍ، ذكَّرَنا فيها الرفاعي بتلك القاعدة الذهبية التي ردَّدناها صغاراً دون إدراك أبعادها “إذا كان الكلام من فضَّةٍ فإنَّ السكوت من ذهب”، لم يغر الكاتبَ ذهبُ السكوت بل أغراه أَلَقُ الصمت ونفاستُه، وبين السكوت والصمت فرقٌ نوعي، فالصمتُ كلامُ الحكماء والعقلاء ومتنوري الثقافة. الصمتُ إرادةٌ ولغةٌ وفلسفة وفنٌّ وملجأ، ألا يقال “نلوذ بالصمت”. هو حاجزٌ يمنع التهور، ويصونُ أرواحاً، ويُشْرِقُ على أرواحٍ، والصمتُ أنواعٌ ودرجاتٌ، وتتَّخذه بعض مدارس التأمل طريقاً لاستجلاب الراحة للروح، وليس الصمت بالأمر الهيِّن ولا هو في متناول الجميع، لا يستطيعه إلا من ملك إرادته، وأنَّى له بملكها؟ وليس الصمتُ نقيض الكلام بل هو نقيض الثرثرة، فقد أراد حكيمٌ قديماً أن يستوثق من قيمة إنسانٍ يجهله، فقال:” تكلَّمْ لأراك”، فالكلام هو الرجل، ولكنَّ الذي يعجِزُ عن أنْ يُصغيَ يعجزُ أن يصمُتَ، ومن أتقنَ فنَّ الصَّمت أتقن فنَّ الكلام، فكم من متكلِّمٍ لا يكونُ كلامه إلاَّ أذى، وكم من كلمةٍ أودتْ إلى مقبرة أو مستشفى، لذا لفتَ الكاتبُ النَّظر إلى ضرورة تشجيع “تنمية ثقافة يمكن تسميتها بِـ “اقتصاديات الكلام” تتعلق بكمية الكلام وشكله ومضمونه وكيفيته” ص139.

“لا تراث خارج التاريخ” هو الفصلُ الخامسُ، الذي تضمَّن مقالاتٍ معرفية عميقة تشير إلى علاقة السلطة بالمعرفة، وقد امتلكت السلطةُ في تاريخنا القديمِ معرفتَها، وصنعت لها علماءَ وفقهاءَ يسوِّغون سياساتها ومشاريعها، وقام باحثون في العصر الحديث بقراءة هذه المعرفة التراثية باستعمال إحدى الطريقتيْن: إمَّا دراسة إحيائية أو دراسة تجديدية، أما الدراسة الأولى فتكرارية اجترارية لا تفيدُ إلَّا قليلاً، وأمَّا الدراسة الثانية فكاشفة لأنها سائلةٌ عن بنيتها الأساسية التي ترتكزُ عليها ص155. 156. تقومُ هذه الدراسةُ بتفكيك البنية التحتية للتراث مستثمرةً أدوات ومناهج ومقاربات هذا العصر من مدارس الفلسفة وتياراتها، وعلوم الإنسان والاجتماع واتجاهاتهما ونظرياتهما ص157، وتكشَّفَ لها أنَّ ما درجتْ عليه القرون تسميها ديناً وإيماناً كان في جزءٍ منه لا يعْدو أن يكون مقولة سياسيةً تلبسُ لباساً دينياً، فكثيرٌ من المرويات والأحاديث هيَّأ “الإسناد” لها طريقاً نحو الدين، والإسنادُ ذاتُه في حاجةٍ إلى جرحٍ وتعديلٍ، كما أنَّ تضخُّمَ الفقه يعود إلى “حجِّية الخبر الواحد”، الذي تحوَّل من رأيٍ إلى قاعدةٍ أصوليةٍ بفعلِ فاعلٍ، ومردُّ هذا الاكتشاف يعود إلى خبرة هذا العصر، إلى ميشال فوكو الذي توصَّل إلى أنَّ كلَّ سلطة تُنتج معرفة من جنسها وتحميها وكذا العكس ص162، فلا غرابة أن تطغى القراءة السلفية على المشهد الديني الإسلامي، وهي قراءة مغلقةٌ معطِّلةٌ للعقل، ورؤيا لا تنتمي للعصر ولا للواقع 167، ولا غرابة أنْ “يتسيَّد التراثُ المتشدِّدُ ويُقصَى التراث العقلاني”.

أما الفصل الأخيرُ، فعودٌ على بدءٍ إذْ يقدِّمُ ” تحية للجيل الجديد”، الذي اكتشفَ منه وجهاً مشرقاً في إحدى ندواته الأخيرة في مصر، التي جرى عنها الاعتقاد أنَّها انطفأتْ وانكفأتْ، ودخلتْ في نومٍ سباتي، لكنَّه اكتشف جيلاً جديداً يحدوه نشاطٌ حثيثٌ ورؤيا مشرقة تجاه وطنه، وراقه شوقهم إلى المعرفة والتواصل، وأسِف على تغييب أسماء مفكرين وفلاسفة وكتَّابٍ مشهوداً لهم بعمق الفكر وغنى المعالجة.

 

 

 

[1]  قراءة في كتاب: ثناء على الجيل الجديد، تأليف: د. عبد الجبار الرفاعي. منشورات تكوين، الكويت، ودار الرافدين، بيروت. ط1 ، 2024.

[2]  كاتب جزائري.

الأبوة في فكر ومنهجية الدكتور عبد الجبار الرفاعي

 منى الصالح

ملأى السنابل تحني بقاماتها

والفارغات رؤوسهن شوامخ

هذا البيت كان ماثلا أمامي ، حين التقيته أخيرا على أرض الواقع ، حيث جمعتني بالدكتور عبد الجبار الرفاعي أخوة وأبوة فكرية وروحية منذ سنوات طويلة ، فكان اليد الحانية التي تطبطب على كتفك، وتهمس لك أنك لست لوحدك حين تشعر بالاغتراب الفكري، وتعصف بك العواصف، فترى في كتبه وبين حروفه الحنون، الشاطئ حيث السلام والاطمئنان، رغم كل الأسئلة التي تثير زوابع فكرية، فهو صاحب العقل المشاكس الذي لم ولن يعرف الراحة والهدوء، فكل سؤال تطرحه تأخذك كتاباته لتشرع النوافذ والأبواب وتبحر في محيطات ليس لها قرار، فتجد نفسك بدل أن تجد عنده الإجابة التي تركن لها فتسمع وتطيع، تتحول إلى فرس جموح تعتلي الهضاب والجبال وتقفز فوق المنعطفات دون هوادة مشرعاً جناحيك لتستقبل النور باحثا وقارئا  بصدر مفتوح وقلب مطمئن .

عبدالجبار الرفاعي أستاذ الفلسفة وخريج المدرسة الدينية، وصاحب مشروع تجديد الفكر الديني الخاص به. القامة الفكرية الذي غمر إنتاجه الفكري ومؤلفاته الساحة الفكرية فاحتضن الشباب وتطلعاته، في الوقت الذي كنت أرى الكثير من جيلنا ممن يصفهم بالضياع وعدم تحمل المسؤولية، وبأنهم شباب تافه منشغل بوسائل التواصل، وبحكم عملي لعقود وسط عالم الشباب، كنت أتلمس حاجتهم لمثل الدكتور يثق بقدراتهم ويثمن منجزاتهم كما يقول في كتابه “ثناء على الجيل الجديد” : عقل الشباب اليوم أنضج ووعيهم للحياة أعمق منا حين كنا في مرحلتهم العمرية، عالمُهم مركّب وعالمنا بسيط. وأن الفجوة بين جيلنا وجيل أبنائنا واسعة بسعة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويمتدح معرفتهم بقوله: العالَم يحضر في حياتهم بملامحِه وتضاريسِه الجديدة، عبر: اليوتيوب، والفيس بك، وتويتر، والواتس اب، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة)).حين يدافع عنهم ليس من باب التنظير بل هو القريب عن معرفة فأغلب علاقاته وحواراته معهم حيث قضى أربعين عاما في التعليم ، مشخصا واقع التعليم  اليوم((نحن بحاجة للبحث عن جذورِ هذه المشكلة في بنيةِ التربية والتعليمِ الموروثِ منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالَم الأمس المختلف عن عالَم اليوم اختلافًا جوهريًا، فلم يعد الكتابُ وحده رافدًا لتلقّي المعرفة، بعد أن تراجع موقعُه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانوياً – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة، ولم يعد التعليمُ على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائمًا لعالمنا اليوم، بل لم يعد الصفُّ المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائمًا للتعليم، وقبل كلّ ذلك لم تعد ملائمةً اليوم معظمُ المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدّسة بعشوائية في المقرّرات المدرسية المتداولة، لأن أغلبَ مضامينها لا ينتمي لعالَم الأبناء، ولا يشبه أحلامَهم، ولا يلبي احتياجاته.مواكبته النهضة التكنولوجية جلية واضحة ، لم يمنعه العمر مثل أقرانه ، فكما يشير: (العالم يتغير والرؤية للعالم تتغير وطريقة التفكير تتغير .. ومعيار التفوق فيه يقاس بمدى كثافة الحضور عبر نسيج الشبكات الألكترونية العابرة للقارات) لذلك نراه منذ ثلاثين عاما قارئ الكتب الالكترونية، كاتبا بلا قلم ، يدير صفحاته على وسائل التواصل بلا مساعد، محافظا على تواصله مع قرائه رغم رفضه لأغلب الدعوات واللقاءات التي تطلب منه من مختلف الدول العربية والإسلامية، بلا كبر كما يخبرنا، ويرفض الدخول في مجموعات (الواتساب) ليس ترفعا، بل مطلبه السلام الداخلي الذي يهيئه لأهم وظيفة هي القراءة والتأليف.

كنت دوما وأنا أقرأ له وهو الموسوعة في علم الكلام وعلوم الدين والفلسفة، أجد فيه الكاتب الأبوي الذي لا يبخل علينا بتجاربه التي أنضجته وأكسبته الحكمة، وقلما نجد بمثل علمه وعمره من يعترف بفشله وإخفاقاته على كل المستويات ولا يجد بذلك حرجا، فالخطأ عنده حق بشري وجزء من بناء تجربة الوعي كما يشير لذلك في حق الخطأ وتشكل مفهوم الفرد (الإنسانُ كائنٌ يصيب ويخطئ، الخطأ طريقُ التطور والتكامل. كلُّ مَنْ يفكر يخطئ، مَنْ لا يفكر لا يخطئ. لا يتحررُ الإنسانُ من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه…. مَنْ يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلكُ القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير، الخوفُ من التغيير خوفٌ من التطور.

تبدأ التربية بترسيخ الشعور لدى الطفل بحقه في الخطأ، مَنْ لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، المجتمعُ الذي لا يتربى فيه الأفرادُ على الاعتراف بالخطأ منذ الطفولة، يشيعُ فيه الكذبُ والرياءُ والازدواجيةُ والنفاقُ السلوكي). وهل نتخيل كم لهذه الرؤية من انعكاسات على أسرنا، ومدارسنا، شبابنا وصحتهم النفسية.

وأنا استمتع بالنقاش معه تذكرت ما ذكره الدكتور جمال الشايع بأن الكبر هو أحد أسماء الله الحسنى ضروري بمقدار، فلولا الكبر ما تطورنا، بشرط ألا يطغى، فالإنسان بفعل الكبر تمكن من الغزو والصيد، اكتشف الزراعة وهكذا، ونحن في كثير نكبر على سلوك ونتحول عنه لآخر أفضل وأرقى منه إذا ما تابعنا عملية البحث والتطوير والتكامل. ويأخذنا المفكر الدكتور الأكثر تواضعا وتمثلاً لقيم السماء حين يكبر على نفسه، ويعترف بخطئها ويتابع حركتها ونموها الفكري والنفسي والروحي، دون أن تهتز ثقته الواضحة، وتقديره لذاته  ووجوده الفكري حين يجيب (إنها نظريتي الخاصة ومشروعي الذي يتبنى رؤيتي الخاصة فأنا لست مقلدا لأحد) ويستطرد (هذا لايعني انني لم أقرأ للسابقين، بل لقد قرأتهم، ودرست نظرياتهم وفلسفاتهم، قديمهم وحديثهم، ومن ثم كنت أنا ولست نسخ أحد منهم) بهذه الكلمات البسيطة والعميقة، رسم منهجية المعلم الحقيقي، الذي يحترم عقله وعقول من حوله، وكما يقال: المعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها، إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.

شكرا لله الذي أنعم علي بهذا اللقاء.

ممتنة للدكتور الذي أحاطنا باهتمامه واتصاله، وخصص جزءا من وقته الثمين لنا، وأثرانا بحلاوة النقاش والاستماع لتجربته فحقا كانت ساعة من الجنة.

 منى الصالح كاتبة سعودية.