Category: فلسفة الدين

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

ثلاثة مواقف في علم الكلام الجديد

ثلاثة مواقف في علم الكلام الجديد

براء ريان[1]

صنف الدكتور عبد الجبار الرفاعي تيارات علم الكلام الجديد إلى تيارين: التيار الأول يضم المدرسة الهندية: (أحمد خان، محمد إقبال، فضل الرحمن)، والايرانية “عبد الكريم سروش، محمد مجتهد شبستري)، والتيار الثاني يضم المدرسة العربية: (محمد أركون، نصر حامد ابو زيد، حسن حنفي، عبد المجيد الشرفي). رؤية الرفاعي في الكلام الجديد لا تقع في إطار أي تيار من التيارين ولا في إطار أية مدرسة من المدرستين: الهندية والايرانية أو العربية. رؤية الرفاعي تعبر عن موقف ثالث في علم الكلام الجديد ظهر في أعماله الخمسة الأخيرة، خاصة الطبعة الثالثة من كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد” الذي صدر عن دار الرافدين ببيروت.

يؤسس الرفاعي رؤيته على إعادة التعريفات: إعادة تعريف الانسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي، وإعادة تعريف النبوة، وإعادة تعريف الشريعة… وعلى هذا الأساس يقترح “إعادة تعريف الوحي” باعتباره الأصل لتحديد مفهوم علم الكلام الجديد ومفهوم المتكلم الجديد. ويؤكد الرفاعي على أن “الفهم الذي يتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحي”.

للأسف الشديد أكثر الأبحاث والرسائل التي كُتبت عن علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي لم تلتفت لتميز رؤيته وشرح موقفه الخاص. التعريف الذي قدمه الرفاعي للوحي يوضح رؤيته المخالفة لتفسير الدكتور نصر حامد أبو زيد وغيره. نصر أبو زيد تحدث عن الوحي في كتابه “مفهوم النص” على أنه “منتَج ثقافي”، أنتجته الثقافة العربية في شبه الجزيرة طيلة فترة تنزيل القرآن الكريم، ثم تحول في ما بعد ذلك المنتَج ثقافي لـ “منتِج ثقافي” بعد ما كسب قوة التأثير على المتخيل الديني والإجتماعي للمجتمعات التي دخلت الإسلام.

في نفس الوقت يخالف الرفاعي رؤية د. عبد الكريم سروش للوحي، فقد خصص في “مقدمة في علم الكلام الجديد” الطبعة الثالثة نقدًا لرأي سروش الذي يذهب لتفسير الوحي بالأحلام، ولا يتفق الرفاعي مع رؤية سروش السابقة في بسط التجربة النبوية.

كما نقد الرفاعي رأي د. حسن حنفي في الوحي، في مقالة نشرها بجريدة الصباح البغدادية في 8-9-2022 من سلسلة مقالات بنقد فكر حنفي، نشرها تحت عنوان: “نسيان الله في تفسير حسن حنفي”. وفي كتابه “الدين والكرامة الإنسانية” وهو آخر كتاب صدر له اعتمد الرفاعي منهجًا لا يتفق مع د. حسن حنفي. حسن حنفي برؤيته الملفقة بين الماركسية وغيرها، أقصى الله من أجل الإنسان، ولم ير أن الإنسان هو الطريق إلى الله، كما يرى ذلك الرفاعي في كتابه: “الدين والكرامة والإنسانية” وغيره من مؤلفاته. عجز حسن حنفي عن استيعاب أنطولوجيا “الإنسان – الله / الله – الإنسان” كما أوضحها الرفاعي في هذا الكتاب وغيره. يلخص الرفاعي رؤيته فيما أسماه: “الإنسانيّة الإيمانية”، وفيها تبتني الرؤيةُ للعالَم على مركزية الله في الوجود، ومركزيةِ الإنسان في الأرض. مركزيةُ الإنسان في الأرض ليست منفصلة عن مركزية الله في الوجود. مركزيةُ الإنسان في الأرض بمعنى “الاستخلاف” الذي جاء في الآية: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”، البقرة، 30. مما ورد في تفسير الرفاعي لهذه الآية في الفصل الرابع من كتابه “الدين والكرامة الإنسانية”، قوله: “الإنسان هو الكائن الوحيد في الوجود الذي تتوفر فيه المتطلباتِ الضرورية للاستخلاف، الإنسانُ يمتلكُ ما لا يمتلكه غيرُه من إمكانات تؤهله لهذه المهمة الثقيلة الاستثنائية. الأرضُ كجزء من الكون تسيرها قوانينُ طبيعية استودعها اللهُ فيها، أما كيف يُنظِّم الإنسانُ علاقتَه بالطبيعة وقوانينها ويسخّرها لصالحه، وكيف يستثمرُ الأرضَ ويعمرها، وكيف يديرُ علاقتَه بغيره من البشر وبقية المخلوقات؟ كلُّ ذلك يتكفله الإنسانُ بما يتوفرُ عليه من عقل وإرادة وحرية اختيار وإمكانات وقدرات متنوعة. باستثناء بناء صلته بالغيب فإنها تظل محكومةً بما يهديه إليه اللهُ بالوحي والنبوة وخارطةِ السير التي يرسمها له القرآنُ الكريم، ويتكفل القرآنُ تأمينَ المعنى الديني الذي يبني حياته الروحية والأخلاقية والجمالية”[2].

يستفيد الرفاعي من بعض مقولات التصوف المعرفي، مثل “عدم احتكار النجاة” وغيرها، ويستند إليه أحيانا في مدونته في الكلام الجديد. لكن الرفاعي يرفض تقليد ابن عربي أو جلال الدين الرومي أو أمثالهما. يرى الرفاعي أن “تراث المتصوّفة مرآة عصره”، ويرفض بشدة التصوف الطرقي الذي يصفه بـ “تصوف الاستعباد”، حيث يقول: “بعض أنماط التربية الروحية في التصوّف تتنكّرُ للطبيعة الإنسانية، فتسرف في ترويضِ الجسد، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، وممارسةِ بعض التمارين القاسية العنيفة لترويض الإنسان. هذه الأساليبُ من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلب الطرق الصوفية. لا يطيقُ الإنسانُ التقشّفَ الشديد والتنازلَ عن معظم الاحتياجات الأساسية للجسد، ولا يتحمل الإكراهَ القسري لطبيعته على ما لا تُطيقُه. التنكرُ لهذه الاحتياجات أحدُ منزلقات التربية لدى كثيرٍ من المتصوّفة والرهبان في كلِّ الأديان، وقد كانت ومازالت سببًا لانشطار شخصية بعض هؤلاء واضطراب سلوكهم. الارتياضُ العنيف الذي يتنكر لاحتياجات الإنسان الجسدية والنفسية والعاطفية والعقلية، طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وأحيانًا أنتج أمراضًا نفسية وأخلاقية مزمنة”.[3]

إن من الوهم تصنيف رؤية الرفاعي في علم الكلام الجديد في إطار الرؤية الإيرانية في الكلام الجديد. التدقيق يُرينا اختلاف القراءة الناقدة للتصوف بصراحة في مدونة الرفاعي الكلامية، على عكس المدرسة الإيرانية التي صار التصوف فيها هو المرجعية المعيارية الحاكمة في المدونة الكلامية الجديدة عند د. عبد الكريم سروش مثلاً. مرجعية سروش جلال الدين الرومي، منذ “بسط التجربة النبوية” حتى “رؤى محمد أحلام محمد”، وغيرهما من مؤلفاته الدينية الأخرى. تفسير الرفاعي للوحي مرجعيته القرآن الكريم،كما أوضح ذلك في بيانه لمفهوم الوحي الذي استند فيه لآيات القرآن، ومنها الآية: “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا” وغيرها من آيات القرآن. يقول الرفاعي: (“القول” ليس كلماتٍ منطوقةً تشبه الكلماتِ المستعملة في اللغات،كلُّ شيءٍ ميزانُه بحسبه، “الثقيل” ليس كميةً يمكن أن توزنَ بالمقاييس المادية. ‏تشير الآيةُ الى أن الوحيَ لا يتحقّق إلا إذا تحقّق طورٌ وجودي للإنسان يؤهله لتحمّل القول الثقيل الذي لا يطيقه وجودُ غيره. وصف الوحي بـ “القول الثقيل” يتطلب قدرةً وجودية استثنائية جدًا لا يمتلكها الإنسانُ العادي، أي أن المهمةَ التي يقوم بها النبيُّ مهمةٌ فريدة، لا يطيقها أيُّ إنسان ما لم يتكامل فَيَصِلَ إلى ذلك الطور الوجودي”[4]. يتحدث د. علي أحمد الديري عن “مقاربة الرفاعي لمفهوم الوحي في علم الكلام الجديد” فيقول: “أوقفتني على فتح لطيف لمعنى الثقل في الآية «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا» (المزمل، 5). يفسّر الرفاعي الثقل بالتكامل الوجودي للنبي (ص)، الذي جعله مستعداً لتحمّل هذا النوع من قول الوحي بصلابة وقوة وعزم وإيمان وتسامٍ وإصرار، الوحي بهذا التحمل صلة استثنائية بالله، حالة وجودية: إلهية بشرية/بشرية إلهية. أي إن الثقل يكمن في الذات، في وجودها الذي تُنشئه بقوة روحها وعقلها”.[5]

[1] كاتب من الموصل في العراق.

[2] يراجع كتاب الرفاعي: الدين والكرامة والإنسانية، ص 232 – 234، طبعة 2، دار الرافدين.

[3] مقالة الرفاعي “تراث المتصوّفة مرآة عصره”، المنشورة في جريدة الصباح الصادرة ببغداد، بتاريخ 19-4-2022.

[4] للمزيد يراجع الفصل الثالث ص 146-155، كتاب الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الطبعة الثالثة، دار الرافدين.

[5] مقالة “القول الثقيل في علم الكلام الجديد” علي أحمد الديري، منشورة في جريدة الأخبار الصادرة في بيروت بتاريخ 30-11-2022.

https://al-aalem.com/article/51913-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

براء ريّان[1]

يبدأ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” بالحديث عن نشأة علم الكلام، وأسباب النشأة ودوافعها، إن كانت داخلية أو خارجية. علم الكلام لم ينشأ كنوع من الترف الفكري كما يعتقد البعض، بل نشأ تلبية لحاجات فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي والديموغرافي والثقافي والعقدي. يوضح د. عبدالجبار الرفاعي في هذا الكتاب المخاوف التي أصابت الفقهاء من هذا العلم الذي يحاول عقلنة أصول الدين وإثباتها بطرق عقلية. عارض كل من الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل هذا العلم، وهذا التعاض يعكس البنية السوسيولوجية والمعرفية التي لم تتهيأ في تلك اللحظة التاريخية لاستيعاب التفكير العقلاني الفلسفي بطريقة شبيهة لمن يرفض العقلانية الحديثة. مثّل علم الكلام في تلك اللحظة قمة الفكر العقلاني في الإسلام بجرأته ومقولاته المتنوعة وأسئلته. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي: ان تراجع علم الكلام بدأ عندما نُقلت الحوارات الكلامية من دور العلم إلى بلاط السلطان وخضعت للسياسة،كان الاعتزال ضحية هذا الانتقال من التفكير خارج حدود عقلانية السلطة. عندما تأدلج علم الكلام وتوقف التفكير العقلاني فيه دخل مرحلة السبات، وصار ضحية الوثيقة القادرية ( ٤٠٨ هـ ) التي فرضت مذهباً رسمياً واحداً لا يحق لأحد الخروج عليه وهو المذهب الحنبلي، وحرّمت التفكير الاعتزالي، فكانت هذه ضربة موجعة للتفكير الكلامي العقلاني، بعد أن تحول لمقررات ومراسيم وأوامر تفرضها السلطة السياسية. لم يستسلم الفكر الكلامي كليا لهذه التحولات، بل نهض علم الكلام مجدداً بعد زمان على أيدي متكملين كبار كنصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي، وغيرهما، وهو ينهض اليوم مجددا في علم الكلام الجديد.

كان لنشأة الفكر الكلامي في عالم الإسلام دور هام بتوليد الأسلئة العقلانية التي تبحث قضايا الاعتقاد لتولد منه تساؤلات ومقولات متنوعة. حضور العقل في التفكير الكلامي وعقلنة العقائد الدينية، وبحث كبرى الأسئلة العقلية كالجبر والاختيار والتوحيد والعدل وغير ذلك، تسبب بمحاربة التفكير الكلامي من تيارات رأته يشكل تهديداً لأصول الشريعة. نضج علم الكلام ليشكل الرؤية الكونية في الإسلام، وليشكل نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي كما يرى أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.كل ذلك كشفه الرفاعي في علم الكلم القديم، فأدرك سطوته على العقل الإسلامي، بل أدرك أنه المنبع العميق لأصول الفقه والآراء والمواقف الفقهية وتفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف.

تحدث الرفاعي عن محاولات التأسيس الحديث لعلم الكلام وتجديده منذ أيام ولي الله الدهلوي مروراً بسيد أحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، وانتقالاً للمدرسة الإيرانية في مشروع القراءة الهيرمونيطيقية عند محمد مجتهد شبستري، إلى القبض والبسط وبسط التجربة النبوية عند عبد الكريم سروش، والعقلانية والمعنوية عند مصطفى ملكيان، ثم المدرسة العربية المتمثلة بالقراءة الألسنية عند نصر حامد ابو زيد، والإسلاميات التطبيقية عند محمد أركون، والتراث والتجديد عند حسن حنفي، وغيرهم. كتابات كثيرة مر عليها أستاذنا الرفاعي واستوعبها استيعاباً نقدياً وناقش أصولوها ومرجعياتها، مما جعلته يضع جهده الأكبر في رسم ملامح علم الكلام الجديد، ووضع مقدمة هذه كي تحاول رسم حدود هذا العلم وموضوعه ومنهجه، محاولاً تمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم من جهة، والكشف عن المحاولات الشكلية لتجديد علم الكلام.

يرى الرفاعي ان علم الكلام القديم لبث يفكر في إطار العقلانية القروسطية، وفي ظل منطقها وفلسفتها، وفي ظل نظامها المعرفي، والعلوم الطبيعية السائدة آنذاك. نشأ علم الكلام ليجيب عن أسئلة المسلم في تلك القرون، فمع تطور المنطق والفلسفة ونشوء علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وتطور العلوم الطبيعية لدرجة القطيعة الابستمولوجية مع الطبيعيات القديمة، وتطور أسئلة المسلم المعاصر، نشأت حاجة يفرضها الواقع، لنشوء علم كلام جديد، يستوعب الطفرات الفلسفية الحديثة والعلوم الإجتماعية والمناهج الإبستمولوجية، ليخلق حواراً فكرياً ينطلق من واقع المسلم. وعلى هذا الساس تسقط بعض الدعوات التي ترى علم الكلام الجديد نوعا من الترف الفكري والإدعاءات، فنظرة سريعة لما نحن فيه ندرك فيها الحاجة الماسة التي فرضها الواقع لإنشاء علم الكلام الجديد. لا يمكن مثلاً بناء حياة متصالحة مع العصر للمسلم في ظل مقولات الولاء والبراء والفرقة الناجية وتكفير المسلم المختلف في عقيدته التي ترسخت في علم الكلام القديم.

معيار علم الكلام الجديد عند الرفاعي

يضع الرفاعي معياراً واضحاً لتمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم، والمعيار يتمثل كما يرى في الفهم الجديد للوحي. يرى الدكتور الرفاعي أن كل شيء يحدد فهمه تعريفنا للوحي، إذ يقول: (يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. في حدود تعريف الوحي يتحدّد مفهومُ النبوة، ويتحدّد حضورُ الإلهي في القرآن في حدود فهم النبوة، ويتحدّد معنى الكلام الإلهي).

مسألة فهم الوحي أخذت مسارين في الفكر الإسلامي المعاصر، كما يقول الدكتور الرفاعي:

1- مسار يرى الوحي بتعبير د. نصر حامد ابو زيد (منتَج ومنتِج ثقافي) حيث يكون في فترة التكوين مرآة للثقافة، وما بعد التكوين يتحول لموجِّه للثقافة. يعتمد هذا المسار علوم الإنسان والمجتمع والفلسفة في تفسير تمثلات الوحي وأصله، فيقعون في بعض الأحيان في إنكار البعد الغيبي للوحي، ونرى في بعض الأحيان عبارات لهم يعترفون بها بالأصل الغيبي للوحي، وإن كانوا يرون أن الوحي مرآة انعكس فيها واقع عصر البعثة الشريفة ولغة ذلك العصر. ويرى الرفاعي هذا في كتابات: نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون وحسن حنفي وعبد المجيد الشرفي.

2- مسار يتعامل مع الوحي بكونه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، ويبحث في أصل ونشأة الوحي أكثر مما يبحث في تمثلاته في الحياة الإجتماعية، ويعتمد هذا التيار آثار العرفاء والفلاسفة في دراسة أصل الوحي، وعلوم الانسان والمجتمع في تفسير تمثلات الوحي في الواقع، ويرى الرفاعي هذا في كتابات: محمد اقبال وفضل الرحمن ومحمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش.

فهم الرفاعي للوحي

يقول الرفاعي: (الفهم الذي أتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحيُ، على الرغم من توظيف هذا الفهم لشـيء من أدواتِ فلسفة الدين وعلمِ الأديان المقارن وعلومِ الإنسان والمجتمع، للكشف عن البُعد البشـري التاريخي في تمثلات الوحي في الواقع. البُعد الإلهي في الوحي لا يقعُ في إطار صيرورة التَّاريخ وسياقاته، البُعد البشـريّ في الوحي يقع في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته. كلُّ ما هو تاريخي بشـري وكلُّ ما هو بشـري تاريخي،كلُّ ما هو إلهي بوصفه إلهيًّا خارج التاريخ، وكلُّ ما هو خارج التاريخ لا يخضع لمعادلات دراسة الواقع وأدوات فهمه وتفسيراته). فهم الدكتور الرفاعي للوحي يشدد على مضمونه الميتافيزيقي الغيبي، ولا يتجاهل البُعد البشري في شخصية النبي “ص”. يفهم الرفاعي الوحي بطريقة ديناميكية وهي تختلف عن الطريقة الميكانيكية التي ترى النبي “ص” مجرد وعاء مر من خلاله الوحي من دون أي تفاعل منه. الرفاعي يرى أن النبي متفاعل إيجابي مع الوحي. للوحي جانبان كما يرى الرفاعي: إلهي / بشري، بشري / إلهي، الإلهي يتمثل بعقيدة التوحيد والقيم الكبرى التي نطق بها القرآن الكريم الأبدية التي تنطبق على كل إنسان مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان، والبشري يتمثل بانعكاس حياة النبي الخاصة “ص” والظروف الخاصة بمجتمعه وواقع عصر البعثة الشريفة على الوحي. وبهذا لا يكون النبي متفاعلا سلبيا مع الوحي، بل يكون متفاعلا إيجابيا تظهر شخصيته وحياته بوضوح في الوحي. في ضوء فهم الرفاعي يتضح أن كل من لا يفهم الوحي فهماً ديناميكياً لا يمكن أن يصنف متكلماً جديداً. ويعلن الدكتور الرفاعي عن فهمه للنبوة وصلة النبي بالغيب، والفرق بين النبي وبين غيره ممن لا صلة له بالغيب، عندما يقول الرفاعي: (النبي ليس شاعرًا، ولا كاهنًا، ولا متنبئًا، ولا متأملًا يقوده تفكيره لمقام النبوة، النبيُّ نبيٌّ وكفى. لا يتمثل الوحيُ بمشاهدة النبي لأحلام في حالة النوم، أو صورٍ ينسجها خيالُ النبي، أو حالة نفسية، أو محصِّلة ارتياض صبور، أو تأمُّلات عقلية. التفسيرات من هذا النوع تهبط بمقام النبي، ولا تتنبه للتكامل الوجودي الذي تسامى إليه النبي وانفرد فيه. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية بالله).

يصنف البعض خطأ بعض الكتابات التي تكتب بلغة جديدة وتنحت مصطلحاتها الخاصة على أنها كلام جديد، لكن هذه الكتابات لا يمكن ان تصنف كلاماً جديداً وفق معيار الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لهذا يرفض الرفاعي أن يصنف الدكتور طه عبد الرحمن على أنه متكلم جديد ولا يصنف كتاباته كلاماً جديداً، لأن د. طه وفيٌّ للتراث والمدونة الكلامية ومقولات الاشعري والغزالي وابن تيمية تماماً، وإن نحت معجمه اللغوي الاصطلاحي المبتكر. العقل التراثي عقل مقيد بالتراث لا يجرؤ الخروج على مسلماته. د. طه عبد الرحمن حلقة تأخذك لكل مسارات اللغة والفكر ولكنها تعيدك في نهاية المطاف للتراث. المشكلة اننا لا نجرؤ على نقد التراث، ونقد العقل والمناهج والوسائل التي توالد من خلالها. المشكلة في عدم تحررنا من النظام المعرفي والقيمي الحاكم على المنظومة التراثية، لا نعرف سوى أن نقول تجاه العلوم الحديثة أنها نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي معين لكي نرفضها، ثم ننسى أن نطبق هذا على علومنا التي نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي قائم على العقلانية الأرسطية والرؤى التراثية. نحن نعي جداً أن هذا النظام المعرفي والقيمي كان حاكماً على كل المعارف الإسلامية، لكننا نرفض أن نفكر في ضوء العقلانية الحديثة ولوائح حقوق الإنسان. تربينا على كراهية عصرنا ومنجزاته، هكذا تعيش أجسادنا في العصر الحديث، لكن فكرنا مازال في القرون الهجرية الأولى، تشكله مقولات الشافعي والأشعري والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

 

مناقشة الرؤى الرسولية للدكتور عبد الكريم سروش

يقول د. عبد الكريم سروش في بسط التجربة النبوية (تحدثنا في كتاب القبض والبسط عن بشرية وتاريخية المعرفة الدينية، وفي هذا الكتاب “بسط التجربة النبوية” نتحدث عن بشرية وتاريخية الدين والتجربة الدينية نفسها)، ثم إنتقل عبد الكريم سروش في كتابه الاخير ( كلام محمد، رؤى محمد) للحديث عن فهم للوحي بوصفه أحلاما يشاهدها النبي “ص” في المنام.

في سياق نقده للدكتور سروش ينطلق الدكتور الرفاعي من رؤية يؤسس عليها نقده، إذ يقول: (لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه). مادام لكل شيء حقيقته الخاصة التي يتم التعرف عليها من خلال فضائه الخاص، ومادام لكل من الفن والعلم والغيب حقيقته، ويتم التعرف على هذه الحقيقة من داخلها، لذلك لا يمكن تفسير البعد الغيبي للوحي بمناهج علم النفس، لأنها مناهج تتعاطى مع ما يدور في النفس الإنسانية بمنطق علم النفس الحديث، ولا صلة لها بما يدور في الغيب وما وراء الطبيعة، فأي دراسة للغيب في الوحي تعتمد مناهج علم النفس سترى أن الوحي حالة سيكولوجية يعيشها النبي “ص” تخطئ الطريق كما يرى الرفاعي، إذ ستبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار. يمكن دراسة كل ما ينتمي لعالم الطبيعة في الوحي من خلال المناهج العلمية لعلوم الانسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، لكن ما يتعلق بالبعد الغيبي في الوحي فهو بحث يقع خارج الإطار البحثي لعولم الإنسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، في ضوء هذه الرؤية يناقش الدكتور عبدالجبار الرفاعي نظرية الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية، حيث يرى الدكتور سروش أن الوحي عبارة عن رؤى عرضت في المنام للنبي، وللرؤى لغتها الخاصة حيث لا تخضع لقوانين المجاز والكناية، فلغة الاحلام تحتاج لتفاسير الأحلام، وبهذا ربما نحتاج للجوء لتفسير الوحي سيكولوجياً. في سياق نقده لسروش ورفضه لاعتماد اعتمادُ مناهج البحث في العلوم الطبيعية والانسانية في تفسير البعد الغيبي للوحي يقول الرفاعي: (يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن الكريم، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة، دراسةُ الميتافيزيقا وما بعد الطبيعة أحدُ حقول الفلسفة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي والنظرُ إليه على أنّه حالة سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقت محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وحقيقتَه وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. يمكن التعّرفُ على شيءٍ من ملامحِ الغيبيات وصفاتِها ومظاهرِها وتجلياتِها بما تتحدّث به آياتُ القرآن. الآياتُ تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها لأنها لا صورةَ لها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية). النبوة عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي مقام وجودي يحتاج الإنسان إلى تكامل وجودي واصطفاء إلهي يؤهله لتلقي الوحي، كما تشير الآية: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، التأهيل لتلقي هذا القول الثقيل لا يمكن أن يكون من خلال الرؤى، النبوة هي الطور الوجودي الذي يكون أكمل طور وجودي ومقام وجودي يرتقي إليه الإنسان كما يرى الرفاعي.

يؤكد الدكتور عبد الجبار الرفاعي: إن كانت عمليات إعداد قادة العسكر والفكر والسياسة تحتاج لبرامج تعليمية لسنوات طويلة، فكيف يمكن لإنسان يؤهل لمقام تلقي الوحي الذي يصفه القرآن الكريم بـ (القول الثقيل) أن يتحقق من خلال الأحلام. يقول الرفاعي: (إن كان الإنسان لا يبلغ مرتبة النبوة إلا إذا تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمالٍ إستثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي الفريد، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكامله وبناءِ إستعداده الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقيه. تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي/ الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم، لأن النبوةَ ذاتُ طابعٍ وحياني. الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي وليس بالمعنى المادي للوجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل كينونةُ الإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والنبوةَ كالشعر ينفي كونَ النبوة مقامًا وجوديًا يبلغه الإنسان، الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على إبداع الشعر، مرتبةُ الشاعر الوجودية هي مرتبةُ غيره من البشر. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت، ولذلك اصطفاه اللهُ للنبوة).

تمييز علم الكلام الجديد عن فلسفة الدين

يضع استاذنا الرفاعي معياراً للفصل بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، المتكلم الجديد مؤمن بالوحي والنبوة، ويبحث تحت سقفهما، أما فيلسوف الدين فمن الممكن ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن ويبحث في كل شيء بحثاً حراً من دون سقف معين. فلسفة الدين فلسفة، الفلسفة حكم العقل لا غير كما يقول الرفاعي: (‏الفلسفة تعني حكم العقل لا غير. الفلسفة مرجعية العقل في كل قضية إثباتًا أو نفيًا). وفي هذا السياق يرفض الرفاعي محاولات “أسلمة الفلسفة” ويراها ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، يقول بصراحة: (لا يكون التفكير فلسفيًا إلا أن يقع خارج إطار المعتقدات والأيديولوجيات والهويات المغلقة. كل الأُطر المقيدة للتفكير العقلي تمارس تمويهًا بعناوين مراوغة عبر الأدب والفن، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقدات والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. محاولات “أسلمة الفلسفة” ضرب من التفلسف ضد الفلسفة. كتبت عن ذلك أكثر من مرة في مقالاتي ومؤلفاتي). وهذا تمييز واضح يرفع الالتباس الذي وجد مع الشيخ مصطفى عبد الرازق حيث عد علم الكلام هو الفلسفة في الاسلام، الفلسفة يفترض أن تكون بحثاً عقلياً محايداً، وعلم الكلام ينحاز لجملة من المسلمات الاعتقادية. أي فكرة ترى في الفلسفة خصوصية ستنتهي بأدلجة الفلسفة. العلم ربما ينحاز، لكن لا يمكن للفلسفة أن تنحاز.

 

استعادة المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الكلام الجديد

غاب الإنسان عن المدونة الكلامية القديمة، وتخصصت هذه المدونة في ذات الله عز وجل وصفاته وما يتفرع عنها، ونست الإنسان الذي كُلف بأعظم مهمة في الوجود وهي الاستخلاف. علم الكلام الجديد يستعيد للإنسان مركزيته في الوجود التي اكتسبها من كونه خليفة الله في الأرض. يرى الرفاعي انه لا تعارض بين مركزية الإنسان في الكلام الجديد مع مركزية الله عز وجل وهو رب الإنسان كما حصل في بعض الفلسفات المعاصرة، بل يكتسب الإنسان هذه المركزية نتيجة ما وهبه الله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة). لا يدرس الدكتور عبد الجبار الإنسان وحاجاته بمعزل عن الله كما حصل في رؤية حسن حنفي التي وصلت إلى ما أسماه الرفاعي (نسيان الله في تفسير حنفي للقرآن) فنسيان الله ينتهي إلى نسيان الإنسان (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

يرى الرفاعي ان اخراج الدين من حدوده الأنطولوجية وترحيله لحدود أيديولوجية انتهى إلى نزع المضمون الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وتحويله من وسيلة لإنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي إلى أداة أيديولوجية يصبح فيها وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة. هذا الترحيل من الفضاء الأنطولوجي للفضاء الأيديولوجي رصده علم الكلام الجديد، لذلك يبحث عن سبيل لإستعادة الدين إلى فضائه الأنطولوجي ليكون حسب تعريف د. الرفاعي: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويشتق الرفاعي “من ‏هذا التعريف كل شيء يكتبه ويقوله عن الدين”. في كتابات الدكتور الرفاعي إنقلاب مضمر مستتر على تيارات فكرية معاصرة، أخرجت الدين من دائرة الأنطولوجي إلى دائرة الأيديولوجي، فأخضعت النصوص القرآنية لمقولاتها الخاصة، وأصبح النص ينطق عندهم بما تتضمنه مقولات مثل “الحاكمية” ، “بناء فوقي وبناء تحتي” ، “ديالكتيك صاعد هابط” والخ، من مقولات إسلامية مختلطة بماركسية أُلبسب على النص، لذلك أخذ الكلام الجديد عنده مهمة إعادة الدين لفضائه الأنطولوجي ليكون منبعا للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. يشدد الرفاعي على أن “أي معرفة لا يعرف فيها الدين حدوده فهي معرفة غير منتجة”.

العقلية الكلامية القديمة

لم يستطع أكثر من يكتبون في الدين الخروج على العقلية الكلامية القديمة، والتفكير بآفاق علم الكلام الجديد.كتابتهم تولد فجوة عميقة بين جيل نشأ على كتابات صنعت متخيلهم نحو الحياة والمختلف في المعتقد وبين جيل الشباب المسلم.كتابات تضع الذات في قفص وهاجس “الهوية”، ككتاب (جاهلية القرن العشرين)، تضعهم مقابل الجيل الجديد من أبناء الإسلام، الذي لا يُغذي متخيله هذه الكتابات بل إشتق له طريقاً آخر. لا تفضيل لمتخيل جيل على جيل آخر، فلكل جيل خصوصيته التي أحترمها. شعر جيلٌ كامل بالخيبة، آمن تارةً بحلم الدولة الوطنية، وتارة بشعارات ناصرية قومية، ثم بالخيبة الكبرى بدولة الإسلام السياسي، التي سجنت إيمانه بقفص “الأيديولوجيا” وفشلت ببناء الدولة. غذت متخيله كتابات العقلية الكلامية القديمة بمصطلحات لا وجود واقعي لها: (كالجيل القرآني الفريد، والعزلة الشعورية عن المجتمع، والدولة الإسلامية، والجاهلية، والنظام الإسلامي، والخ). صدمات متتالية وتجارب باءت بالفشل، جعلت كثيرون يرون في نصوص جلال الدين الرومي ملاذاً، حيث لا قفص للإيمان، ولا كراهية للآخر، طريق الإيمان لديه هو طريق الحب. ما الضير في هذا، أيُلام جيل تحمل صدمات الفشل المتكررة التي زعزت كل شيء عنده، ثم لجأ للكنوز الروحية حفاظاً على المعنى الذي يتولد عنده من الإيمان. ينزعج البعض من الاهتمام المعاصر بشخصيات كالتوحيدي والرومي وابن عربي أكثر من الاهتمام بأبي حامد الغزالي وابن تيمية. الإهتمام بالتوحيدي والجاحظ ومسكويه وابن سينا وابن رشد وابن طفيل يفوق الإهتمام بالغزالي وابن تيمية والإمام الشافعي، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لماذا هذا الانزعاج من تحول الاهتمام بشخصيات معينة إلى شخصيات أخرى؟ العقل الإسلامي تغذى على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ونسوا كتاب تهافت التهافت لفيلسوف قرطبة ابن رشد. لم نقرأ نزعة الأنسنة عند الجاحظ والتوحيدي ومسكويه، حتى قدوم الفيلسوف محمد أركون ليحيي هذه النزعة ويقدمها لنا. إن الاهتمام الحالي في جيلي بالشخصيات المعاصرة كالجابري وأركون ونصر حامد ابو زيد وناصيف نصار ومحمد إقبال وفضل الرحمن وعبدالجبار الرفاعي يفوق الإهتمام بالندوي والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب وأبو يعرب المرزوقي وطه عبد الرحمن. ينتمي كل جيل منا لكتّابه الذين يخاطبون عقليته ويعرفون احتياجاته. لن نحاكم ما تقرؤون، ولا تحاكمون ما نقرأ، قد وُلد كلٌ منا لزمان مختلف وتحدياتٍ ورهاناتٍ مختلفة.

وأخيراً هذه جهود مهمة، سيكون لها نتائجها في يوم ما، وعلينا ألا نظلمها ونحملها فوق طاقتها، فما زال الفكر الكلامي الجديد لم يتجاوز المئة وخمسين عاما، ويحتاج إلى وقت للتبلور والنضوج مثله مثل أي علم آخر. شكراً لاستاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذه الرحلة الممتعة في هذا الكتاب الرائع.

[1] براء ريّان، كاتب عراقي.

 

رابط النشر:

فلسفة التديّن

فلسفة التديّن

د. عبد الجبار الرفاعي

أكثرُ ما يُكتَب تحذفه عاجلًا أو آجلًا ذاكرةُ الكتابة، وتتنكر لحضورِه المكتباتُ الرصينة، ويطارده القراءُ المحترفون، ويفضح النقّاد زيفه. أقرأ كتاباتٍ في الفلسفة والكلام القديم والجديد تتحدّث عن كلّ شيء وتحاول أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا، يكتبها أناسٌ يفتقرون إلى أدنى تكوينٍ تراثي أو أكاديمي أو لغوي، يكدّسون كلماتٍ صاخبةً مقعّرة لا تبوح بدلالاتٍ مفهومة، يورّطون أنفسَهم بحرفةٍ صعبة لا يمتلكون موهبتَها، تغويهم سهولةُ النشر اليوم فيُغرِقون المكتباتِ بأكداسٍ من الورق، تسرقُ أعمارَ القرّاء غير الخبراء، وتعبثُ بذائقتهم، وتهتكُ تقاليدَ الكتابة الجادة.

هذا كتابٌ من النوع الذي يمكث في ذاكرة المكتبة، وأظنّ أن حضورَه سيتجدّد لدى الخبراء مهما تقادم زمانُه. في كتابِ “فلسفة التديّن” استطاع الدكتور حبيب فياض أن يكتب الكثيرَ من سيرته المعرفية والأخلاقية وتجربتِه الروحية. أعرف حبيب منذ ثلاثةِ عقود، وكلّما اختبرت الأيامُ صداقتَنا تجلّى حبيب كأعذب ما يتجلّى فيه إنسانٌ شجاع عاطفي صادق، العاطفةُ المتدفقة غير المشروطة هي ما يغويني في كلِّ صداقاتي. حبيب متصالح مع نفسِه، يقول قناعاتِه الفكرية بجرأة، وإن كانت لا تشدو ما يقوله أكثرُ الناس. ‏أعرف التكوينَ الرصين لحبيب فياض، وتلمذتَه على فلاسفةِ دينٍ ومتكلمين كبار نهلوا من منجمِ التراث الفلسفي والعرفاني ومعطياتِ الفلسفة والعلومِ الإنسانية الحديثة، وأعرف جيدًا الذكاءَ الفائق الذي يلتمع في ذهنِه، ومثابرتَه وجَلَدَه في مراحلِ التكوين الجامعي، وأعرف مواقفَه وشهامتَه وغيرتَه على الإنسان. هذا الكتابُ مرآةٌ مضيئة ارتسمتْ فيها صورةُ حبيب الباحثِ الدقيق، وصورةُ مشروعِ المفكر الذي يحاول أن يبتكر منهجَه ويحدّد خارطةَ تفكيره المرسومةَ بعناية واحتراف، خارطة لا تشبه إلا ذاتَه، وكأنها لوحةُ فنانٍ مزج فيها ألوانًا متناغمة لتكون مرآةً مضيئة لفرادتِه. يحاول حبيب أن يعيد بناءَ أسسِ التفكير الديني في الإسلام في سياقٍ مختلِف، لا يقف كثيرًا عند الدينِ بمفهومِه النظري، لا يذهب إلى الأفكارِ المجردة والتأملاتِ العقلية وقراءاتِ النصوص الدينية، يذهب مباشرةً للواقع يسائل تجلياتِ الدين وحضورَه العملي، يدلّ القارئَ على التديّن الذي هو صوتُ الله في ضميرِ الإنسان، وصورةُ الدين في حياةِ الإنسان ومواقفِه وسلوكِه الفردي والمجتمعي.

عشتُ أيامًا عديدة مع مخطوطةِ هذا الكتاب، كانت رحلتي معه شيّقةً شاقة. شيّقة بوصفها معايشةَ كاتبٍ أعرفه عن قرب، وأعرف تكوينَه العميق في الفلسفةِ ومدرسةِ الحكمة المتعالية خاصة، وفي الإلهياتِ بشكل عام، واطلاعَه الواسع على الفلسفةِ وعلومِ الإنسان والمجتمع وعلومِ الألسنيات ومناهجِ التفسير الحديثة. وشاقة بوصفها كتابةً ابتكرت طريقتَها الخاصة في بناءِ المفاهيم والتعبيرِ عنها وإنتاجِ رؤيتها الاجتهادية، وكلُّ كتابةٍ من هذا النوع لا يمكن أن تستوعبها إلا بقراءةٍ متأنيةٍ متريثة. ربما لا تتفق مع حبيب في شيءٍ من رؤاه وطريقتِه في تركيب الأفكار، وما يسوقه من حجج، وأسلوبِ تعبيره عنها، غير أنه يفرض عليك كقارئٍ أن تنصت بهدوءٍ للمتن الذي ينسجه بإحكامٍ وتأملِ دقيق وتفكيرٍ صبور.كما يعرف تلامذةُ حلقات العلم التراثية أن قراءةَ المتون العرفانية بقدر ما هي شيّقةٌ هي شاقةٌ أيضًا، لا يستسيغها إلا قارئٌ قراءتُه عابرةٌ لأبعد من حدودِ الكلمات وآفاقِها الضيقة، قارئ تخترق استبصاراتُه ما وراء الكلمات.كلّما توغلتُ أكثر شعرتُ بحاجةٍ إلى قراءةِ هذا الكتاب أكثر من مرة. هذا كتابٌ نتعلّم منه كيف نفكر تفكيرا عقليًا في الدين، وهذا النوعُ من الكتب قليلٌ جدا اليوم.

هذا كتابٌ يعلّمنا كيف نتفلسف في الدين والتديّن لا على نموذجٍ متداوَل سابقًا، ولا على رؤيةٍ مقرّرة سلفًا. لم أجد عقلي ينصاع لكلِّ رؤى المؤلِّفِ ومنهجِه، غير أن قوةَ الكتاب فرضتْ عليّ كقارئٍ متخصّص أن أعود لمسائلةِ مناهجِ الكتابات الأخرى في هذا الموضوع، وحججِها وقناعاتِها المفارِقة في كثيرٍ منها لما جاء في الكتاب، واختبارِها في تقويضِ قناعاتِ المؤلف. مادامت الأسئلةُ الميتافيزيقة الكبرى تختبر إجاباتِها وتجّددها على الدوام، فهذا كتابٌ يضعنا أمامَ إعادة النظر في إجابات تعلّمناها أو ابتكرناها، إنه كتابٌ يجعلنا نكرّر طرحَ هذه الأسئلة، ويدعونا أن نفكر مجدّدًا في أجوبتِنا.كلٌّ منا أنا وحبيب يفكِّرُ في الدين ويقرأ نصوصه على شاكلته، إلا أني وجدتُ نفسي وأنا أقرأ هذا الكتابَ بتأملٍ أتعرّف على حبيب مجدّدًا، حبيب الذي ينشد اللحن الروحي والأخلاقي في الدين الذي أنشده، لكن بمنهجَين غير متطابقين، وبرؤىً متوازيةٍ لا تتكرّر معالجاتُها، وإن كنا معًا نعمل على تكريسِ الروح وإيقاظِ الضمير الأخلاقي وتنميةِ الحسِّ الجمالي في التديّن.

بدءًا بعنوانِ الكتاب: “فلسفة التديّن” يثير في عقلِك المؤلِّفُ سؤالًا تحير في جوابه، أنت تعرف أن مصطلحَ “فلسفة الدين” هو المتداوَل حتى اليوم في الفلسفةِ الحديثة، منذ العملِ الرائد “محاضرات في فلسفة الدين” للفيلسوف هيغل “1770 – 1831″، أما “التدين” فهو يحيل إلى العلومِ الإنسانية الحديثة، بما أنه تعبيرٌ عن تمثّلاتِ الدين وانعكاسِه في حياة الفرد والمجتمع، وهو ما يرتسم من صورةِ الدين في حياة الإنسان ووعيه وضميره، وهذا شأنٌ يتصل عضويًا بالواقع، ومداخلُ دراسة التديّن بوصفه واقعةً فردية ومجتمعية هو علومُ النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والميثيولوجيا، وعلومُ الألسنيات والسيميائيات والهرمنيوطيقا الحديثة. حاول حبيب نقلَ التفكير الفلسفي إلى الواقعِ الذي يحقّقه الدين، وسعى إلى أن يشرحَ موقفَه بتمييزٍ دقيق بين: المباحثِ الداخلدينية، والخارجدينية، ومضى نحو تحديدِ مصطلحاتِه وأدواتِه المنهجية بدقّةٍ وصرامةٍ في الفصلِ الأول من الكتاب، وجهد في التدليلِ على ما أثاره من أفكار، لدرايتِه بالأسئلةِ المتنوعة المتوالدة من هذا الضربِ من الكتابةِ المفارِقة للمألوف.

يجادل حبيب فياض في فلسفةِ الدين، ويضع عقولَنا أمامَ أسئلةٍ مختلفة حول “فلسفةِ التديّن”، وهو المصطلحُ الذي يصرّ على تضمينِه عنوانَ كتابه، ويحاول أن يخوض فيه من مداخلَ متنوعة، لا يستوعبها إلا قارئٌ صبور ذو تكوينٍ فلسفي وديني مزدوج. مقارباتُ التديّن المتنوعة تتسع لتوظيفِ علم النفس وعلمِ الإنسان والاجتماع والألسنيات، غير أن حبيب فياض عمل على زحزحةِ التديّن وإدراجِه في حقل الفلسفة، وهي محاولةٌ دلّل عليها منذ بدايةِ الكتاب حتى نهايتِه، محاولةٌ تفرضُ عليك أن تنظرَ فيها بتريث، سواء اقتنعت بها أم لم تقتنع.

لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفية بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا فيما تكرّره من إجاباتٍ جاهزة. قيمةُ هذه الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والتفكير غير المتعجِّل. لم أجد عقلي في بعضِ إجابات المؤلِّف وآرائه، بل وجدتُ لديه ما يحرّضني على التفكيرِ ويستحثّ عقلي على توليدِ أسئلةٍ موازية للأسئلةِ التي شغلتني أكثر من أربعةِ عقود، وحاولتُ أن أكتب إجاباتي عنها في مؤلفاتٍ متعدّدة.

لا أريد أن ألخصّ مادةَ الكتاب الثرية الواسعة، فهذا يتطلب كتابةً موسعة. الكتابُ لا يترك عقلَ القارئ الذي يقرأه بهدوءٍ يهدأ، إنه كتابٌ لا يرضى عنه السلفيون، مثلما لا يرضى عنه بعضُ دعاة الإحياء والإصلاح والتجديد، إنه كتابٌ يشدو لحنَه الخاص، ويبتكر رؤاه، ويعمل على تعزيزِ حججه. قليلٌ من الكتب ذلك الذي يضيف للذهن مادةً جديدة للتفكير، وأقلُّ منها ما يثير لديه الأسئلة، لم يضِف لي هذا الكتابُ معلوماتٍ جديدة في الدين، على الرغم من وفرتِها فيه، بقدر ما حرّض ذهني على إعادةِ طرح أسئلةٍ وتعميقها كنت بحاجةٍ شديدةٍ لمواصلة التفكير فيها. أنا إنسانٌ يتغذّى تفكيري ويتجدّد بالأسئلة، ولا يكفّ ذهني عن العودةِ إلى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى كلّما تقدم بي العمر. لا يستقرّ الذهن لمدةٍ إلا بتقديمِ إجاباتِه لها، ثم سرعان ما يعود إليها كلّما قرأ كتابًا من هذا النوع، أو واجهه موقفٌ لافت، أو رأى شيئًا مثيرًا، أو أنصت بعمقٍ لغابة أسئلة الوجود.

شكرًا دكتور حبيب فياض على هذا الكتابِ الذي استحثّ ذهني على التفكيرِ معه وضدّه. ما ينقل الذهنَ للتفكير خارجَ الأسوار المغلقة على الدوام هو الكتابُ الذي يدعوك للتفكير ضدّه. أتطلع أن يأخذ هذا الكتابُ الثمين مكانتَه المناسبة في الدراسات الجامعية بتخصّصات الفلسفة وعلوم الدين، وأن يحضر في الدراساتِ الدينية في الحوزة ومعاهدِ التعليم الديني التقليدية، وأظنّها الأشدَّ حاجةً لهذا الكتابِ وأمثالِه، والأشدَّ حاجةً إلى تلك الكتب القليلة جدًا المنشغلة بإيقاظِ الذهن وبناءِ الحياة الروحية والأخلاقية.

 

تقديم كتاب فلسفة التديّن، تأليف: د. حبيب فياض، يصدر قريبًا عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار الفارابي ببيروت.

 

رابط النشر:

حدود الديني والدنيوي

حدود الديني والدنيوي

د. عبد الجبار الرفاعي

كلُّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة. وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه.

نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يُعادُ فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

 

يجدُ القارئ في موضوعات كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”،كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى، التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف وتراكم الخبرات البشرية، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًّا للحاجة الروحية والأخلاقية إلى مشكلة تهدِّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا.كثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرُّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الإنسان، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية.

في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشفَ في كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجال الدنيوي الموازي له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج تطبيقية متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي. يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية “إنسانية إيمانية”، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً، تتجلّى فيها أعذبُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

يأتي هذا الكتابُ رديفًا لغيره من كتاباتي، وهو يتوخَّى الغايةَ ذاتها، وما تنشده موضوعاتُما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الكتب هي “لاهوتُ الرحمة”، من أجل تخفيفِ وطأة “لاهوت السيف” الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم. إذ كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية، لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع الفكرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب “لاهوتُ السيف” على “لاهوت الرحمة”، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًّا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسِّري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان: “الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن”، والفصلِ الثاني الذي جاء بعنوان: “التصوّف المعرفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد”، وتناول بالشرح والتحليل كيف يغتربُ الإنسانُ وجوديًّا عن الله في لاهوتِ المتكلّمين، لأنّ ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكِي علاقةَ السيِّد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في علم الكلام القديم تَسَلُّطِيّ كالملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، يمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وُلدت عقيدةُ الجبر في أُفُقِ هذه الرؤية مبكِّرًا، وأصبحتْ منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. كما تناولت بالشرح والتحليل ما يمكن أن يقدمه التصوُّفُ المعرفي في تراثنا من تأمين الحاجة للمعنى الديني اليوم، بوصفه مَنْجَمًا ثمينًا للمعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ، وإن كان اكتشاف ما تزخر به طبقاتُ هذا المنجم يتطلّب وجود مُكْتَشِفٍ بارع يغوص في تلك الطبقات، فيصطاد الجواهرَ الغاطسة في ركام مَنْجَم فحم، مدون بلغة ضبابية أحيانًا، ولا يخلو من فائض أقوال وعبارات وشروح مملَّة في بعض المؤلفات، مشوبة أحيانًا بالحثِّ للانصراف والتفرغ لتطبيق توصيات شيخ الطريقة، التي تروّض الإنسان على تصوُّف الاستعباد.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة،كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة. أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًّا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

صدرت الطبعةُ الأولى لهذا الكتاب منتصف عام 2018، وقبلَ نهاية ذلك العام نُشِرَ في طبعة ثانية، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ ثالثة مزيدة ومنقحة. ككلِّ أعمالي، عندما أعود إليها بعد سنوات من صدورها، كأني أقوم بتأليفها مجددًا، مرة أشطب، وأخرى أختزل وأكثّف، وثالثة أشرح وأوضّح، ورابعة أعيد بناء العبارات وانتقاء ما هو أجمل من الكلمات.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، صدر عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

رابط النشر:

 

مفهوم الاغتراب الميتافيزيقي

مفهوم الاغتراب الميتافيزيقي

د. عبد الجبار الرفاعي

“الاغتراب الميتافيزيقيّ” كما أصطلحُ عليه، هو اغتراب وجودي عن العالَم الميتافيزيقي. وهو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاغتراب الاجتماعي والاغتراب النفسي والاغتراب السياسي. ينشأ هذا الاغتراب عندما يحبس الإنسانُ وجودَه بالوجود المادي الضيق، فيختنق باغترابه عن الوجود الميتافيزيقي. وينتج عن ذلك تمزق الكينونة الوجودية للإنسان وضياعها بتشرّدها عن الأصل الوجودي لكلِّ موجود في عالَم الامكان. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتّصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتّصال الوجوديّ يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقيّ. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أنَّ وجودَ الذَّات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي.

الاغترابُ الميتافيزيقي ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ جورج ويلهم فردريك هيغل (1770 – 1831) الذي يرى أنَّ الاغترابَ ينشأ من وعي الإنسان بالهوّة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية “الروح المطلقة” أو العالم المثالي، فالإنسانُ يكون مغتربًا عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ لودفيغ فويرباخ (1804 – 1872) الذي يرى أن خيالَ الإنسان هو من اخترع فكرةَ الإله وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الانسانُ مُستلَبًا، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء في حين سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ كارل ماركس (1818 – 1883) الذي جعل سببَ الاغتراب استغلالَ الرأسماليّ للعامل، واستلابَ قيمة عمله، الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، واغترابِه عن عملية الإنتاج، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي كإنسان، واغترابِ العمال بعضِهم عن بعضِهم الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ سيغموند فرويد (1856 – 1939)، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجودِ الحضارة واستلابِها لغرائز الإنسان، إثر ما يحدث من تعارُض بين متطلّبات بناء الحضارة وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلّبات مضادّة.

أعني بـ “الاغتراب الميتافيزيقي” أنَّ الانسانَ هو الكائنُ الوحيدُ في هذا العالم الذي لا يَكتفي بوجودِ ذاته، فيشعر على الدّوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفّ عن الاتصال بمنبع مطلق للوجود، يتكرّس به وجودُه الشخصي، ويظلّ يعمل كلّ حياته على توسعة وجودِه وإغنائه، من خلال السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإنْ عجز عن الاتصال بالمطلق عاش حالةَ ضياعٍ واغترابٍ ميتافيزيقي.

ولمَّا كان كلُّ شخصٍ يحتاجُ لما يتخطَّى وجودَ ذاتِه المحدود، فإنْ لم يصل إلى المُطلق يحاول أن يعوِّض حاجتَه بما يعتقد به من مطلق، بقطع النَّظر عن نوع ما يعتقد به، سواء أكان أيديولوجيًّا، أو ميثولوجيًّا، أو فكرةً، أو أمةً، أو إثنيةً، أو بطلًا، أو وطنًا، أو ملحمةً، أو سرديَّةً، أو غيرها، وكلها تنتمي إلى المتخيَّل الذي ينسجه كلُّ مجتمع لنفسه. كلُّ مجتمع يحتاج أنْ يرسم صورةً متخيلة لهويّته، تصير مرآة يرى ذاتَه فيها مركزَ العالَم، ويرى إنتاجه الماديّ وغير الماديّ أغنى وأثمن إنتاج أنجزه مجتمع يعيش على الأرض، كأنَّ كلَّ المجتمعات خارج حدودِه كانتْ صدىً لما قدَّمه هذا المجتمعُ للبشريّة. هذه الصورة المتخيَّلة لهويته يتحقّق فيها حضورُها، وشكلٌ من أشكال حضورِ كلِّ فرد ينتمي إليها، وشعوره بالاتصال بوجودٍ مطلق يكتفي به دون غيرِه.

عندما يستفيق الإنسانُ متأخِّرًا يجد ذاتَه مقذوفةً في متاهة، كأنه يهرول وراء سراب، لإدراكه بأنّ كلَّ ذلك لا يشعره بأنَّ وجودَه الفرديَّ يتكرّس بمزيدٍ من الوجود. بمعنى أنَّ لدى كلِّ فرد حاجةً إضافيَّةً في ذاته لوجود واسع غنيّ بلا حدود، حاجةً عابرةً لوجوده الشخصيّ الفقير الضيّق المحدود، وهذا الوجودُ لا يفيضه سوى الاتصال الحيوي بالوجود المطلق. إذ يتّسع وجودُ الإنسان بمدى قدرتِه على تحقيق ضربٍ من الاتِّصال الوجوديّ بذلك الوجود اللامحدود.

وجودُنا الفقيرُ يبحثُ عن وجودٍ يتَّسِعُ له ويتحرَّرُ به من كلِّ حدود وقيود الوجود الضيّق. الزمانُ والمكانُ واللغةُ والثقافةُ والأيديولوجيا والهويةُ قيودٌ وحدودٌ تُفقِر الوجودَ، وتغرقه في اللامعنى أحيانًا، لذلك يبحث الإنسانُ عن لغةٍ بديلةٍ للغتِه؛ تتَّسع لاستيعابِ ما يتوالد في مخيَّلته وأحلامه وأوهامه وقلقه وآلامِه، فينتقل للرمزِ الذي يتسعُ لما لا تتسعُ له أيةُ لغةٍ. الرمزُ يتكفَّل بتزويدِ الإنسانِ بمعانٍ تختنقُ بها اللغةُ، الرمزُ لغةُ الأديانِ والفنون، لذلك كانت الأديانُ والفنونُ من أثرى منابعِ المعنى في حياة الإنسان.

كلُّ وجودٍ يقترنُ بالمادة فقيرٌ، لأنَّ الوجودَ الماديَّ للكائنِ البشري يفرضُ عليه أن يقترنَ بزمانٍ ومكانٍ ولغةٍ، أي يفرضُ عليه الافتقارَ والاحتياجَ إلى غيره. الزمانُ والمكانُ واللغةُ قيودٌ تقيِّدُ الوجودَ وحدودٌ تحدّه، وكلُّ قيدٍ وحدٍّ نهايةٌ، والنهايةُ افتقارٌ، وكلُّ افتقارٍ ضربٌ من الظّلامِ. لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ كينونتَه إلا عندما يتحرَّرُ من حدودِ الزَّمانِ والمكانِ واللغةِ. الزمانُ الذي هو غطاءٌ من الظلامِ يحتجبُ به الوجودُ، فيغترب عن ذاته. الصلةُ الوجوديَّةُ بالوجود المطلق وهو الله، هي ما يحرّرُ الوجودَ المحدود من اغترابه، أي من فقرهِ الناتج عن قيوده وحدوده، التي عندما يتخلَّصُ منها يمتلكُ كينونتَه، فيكتمل وجودُه، وتُمحى غربتُه عن ذاته. لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ ذاتَه إلا بصلته الوجودية بالوجود المكتفي بذاته. هذا هو المعنى الذي أفهمه من آية النور: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)، النور، 36. (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا)، الزمر، 69. هذا النور هو الوجود الغني المكتفي بذاته، الذي يخرج به الوجودُ المحدودُ للإنسان بعد أن يلتقيَ فيه من فقره، أي من ظلمته واغترابه، ويشرق وجودُه بنورٍ على نور.

الدينُ هو ما يخلِّص الإنسانَ من الاغتراب الميتافيزيقي من خلال الاتِّصال الوجوديّ بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيمية، والإله أو الروح الكلّي في أديان أخرى. والمطلقُ يمثّل أغزرَ منبع يستقي منه الكائنُ البشري مزيدًا من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدِّد كيفيةَ حضور الذَّات في العالَم، لأن الإنسانَ يتحقّقُ فيه بمرتبةٍ أكمل من الوجود.

الاغترابُ الميتافيزيقي حالةٌ أنطولوجيّة، تُستلَب فيها كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منها الإنسانُ إلّا ببناءِ صلةٍ ديناميكيّةٍ يقظةٍ بالمطلق، تتحقّق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود الأوسع من المادي، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحوَّل هذا الوجودُ الواسع إلى مَسكَنٍ يقيم فيه، وحيث يسكن الإنسانُ الوجودَ يجدُ ذاتَه، وعندما يجدُ ذاتَه يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقتِه بإلهِهِ، فيتحوّل من عَدَاءٍ إلى حُبٍّ، بل قد يتسامى الحُبّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحَبِيبُ هو الأنا.

على الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاصَ من أنواع الاغترابِ هذه لا يعني الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الإنسان عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الميتافيزيقي، إذ بعد أن تنقطعَ صلتُه الوجودية بإلهه، يفتقدُ ذاتَه، وعندما يفتقد الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظِّي، وربما يتردَّى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزِّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانيّةَ.

الصلة الوجودية بالله لم أقرأْها في مدوَّنة علم الكلام القديم، الذي أنتجَ غُرْبَةَ المُسْلِم عن ذاتِه وعالَمه. نشأ اغترابُ الإنسان الميتافيزيقي عن إسقاطِ المتكلِّمين لصورة الإنسان على الله. تورّط المتكلّمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة توحيدِ الله وصفاتِه وأفعالهِ، كان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمطَ علاقةِ الله بالإنسان. ووُلدتْ الرؤيةُ التوحيديّة الكلاميّة في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق هذه الرؤية، وتبعًا لذلك أنتجت فقهًا يشرعن بعضِ أشكال العنف. بل تغلغلتْ رؤيةُ المتكلّمين في معارفِ الدِّين المختلفة، وظهر أثرُها في كثير مما استلهمه المسلمون من النصوص الدينية.

لم أقرأ ‏مصطلحَ “الاغتراب الميتافيزيقي” في آثار متنوعة طالعتُها لفلاسفة ولاهوتيين ومتصوفة وعرفاء وغيرهم. هذا ‏المصطلحُ اقترحتُه في كتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، ‏وهو أحدُ المحاور المركزية في هذا الكتاب. وعلى أساسِ مفهومَي: الظمأ الأنطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي يبتني القولُ بأن: “الدينَ حاجةٌ وجودية للإنسان”، ‏وفي ضوءِ ذلك اقترحتُ تعريفًا للدين بوصفِه: “حياةً في أُفق المعنى، ‏تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. لا ترادفَ بين مصطلحِ الاغتراب الميتافيزيقي ومصطلحِ الظمأ الأنطولوجي، وإن كان كلٌّ منهما يعكس الحاجةَ الأنطولوجية للدين.

 

رابط النشر:

الخلاصُ من احتكارِ الخلاص في علم الكلام الجديد

الخلاصُ من احتكارِ الخلاص في علم الكلام الجديد

د. عبد الجبار الرفاعي

ينطلق كتابُ: “مقدمة في علم الكلام الجديد” من رؤيةٍ تبتني على أنه مادام هناك إنسانٌ فهناك أسئلةٌ ميتافيزيقية كبرى، وهذا النوعُ من الأسئلة لا جوابَ نهائي له، وهو ما يقوله لنا تعدّدُ وتنوّعُ إجابات الفلاسفة واللاهوتيين والمتكلمين المتواصلة لهذه الأسئلة في مختلف الأديان والثقافات، وتجدّدُها في مختلف مراحل تطور الوعي البشري، وفي منعطفات الفكر الفلسفي واللاهوتي والكلامي.

علمُ الكلام الجديد يدرك أن الحقيقةَ واحدةٌ في ذاتها، إلا أنَّها نسبيَّةٌ في معرفتها. نسبيةٌ بمعنى تنوّعِ وجوهها، وتعدّدِ الطرق إليها، واختلافِ تصوّرِها باختلاف الطرق الموصِلة إليها، وكثرةِ وجوهها بتنوّعِ زوايا النظر إليها. المقولاتُ الاعتقادية في علم الكلام القديم لا ترى للحقيقة الدينية إلا وجهًا واحدًا، وتختزل كلَّ الطرق إلى معرفة الله بطريقٍ واحد، ولا تقبل إلا زاويةَ نظر الفرقة الكلامية القائلةِ بها، وترى لغةَ تعبيرها عن مقولاتها هي اللغة المشروعة، ولا تتقبل بالضرورة اسلوبَ تعبير وكلمات فرقةٍ غيرها. هذا النوعُ من احتكارِ الحقيقة الدينية واحتكارِ معنى الخلاص كان ومازال حاكمًا على الضمير الديني، وهو الذي تسببَ في خصوماتِ وصدامات عنيفة للفرق والمذاهب في التاريخ. عبرّت هذه المقولاتُ عن الواقع المرير الذي عاشه المسلمون في ماضيهم، وذلك يؤكد على أنها ليست صالحةً للواقعِ الذي يعيشه المسلمُ اليوم.

يحتاجُ المسلمُ اليومَ لعلم الكلام الجديد كي يُشبعَ حاجته للمعنى الذي يمنحه الدين للحياة، ويتحرّرَ من الشعور بالتفوق على المختلِف، ويقبلَ المساواةَ في المجتمع الواحد على أساس إنسانية الإنسان، ويحترمَ التكافؤَ في الحقوق والحريات في وطنٍ واحد على أساس المواطنة. في علم الكلام الجديد يُعاد تعريفُ الإنسان بالشكل الذي يذهب إلى أن إنسانيتَه لا تتحقّق إلا عند تحقّق كرامته. الكائنُ البشـري يستمدّ قيمتَه من إنسانيته، ويستمدّ إنسانيتَه من كرامته، أية محاولة لإهدار كرامة الإنسان تنتهي إلى إهدار إنسانيته. الكرامةُ الإنسانية قيمةٌ إنسانيّةٌ عُليا، هي مقصدُ مقاصدِ كلّ دين وجوهرُ إنسانيته، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. تكريمُ الانسانِ بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضُّلًا من أيِّ أحد. حمايةُ كرامة النَّاس معناه حمايةُ كرامتنا من الانتهاك، لأنَّ الكرامةَ واحدةٌ لا تتجزَّأ، كرامتُنا لا تتحقّق من دون تكريم كلِّ الناس.

علمُ الكلام الجديد يخلّصُ المعنى الديني من التكفير واحتكار الخلاص. التكفيرُ يحتكر الخلاص، ويهدرُ كرامةَ الإنسان عندما يستبيح مالَه ودمَه ويحكم بخلوده في النار. التكفيرَ ضربٌ من العنف، وعلى رأي الغزالي “التكفير حكم شـرعي يرجع إلى: إباحة المال، وسفك الدم، والخلود في النار”[1]، التكفير عنفٌ لفظيّ يتضمن قذفًا وتشهيرًا وترهيبًا، وهو حكمٌ إقصائي يغترب المكفَّرُ بسببه عن مجتمعه، عندما يحاصره التكفيرُ ويجتثّه من عالَمه. مَن لا يحترم كرامةَ الإنسان لا يحترمه اللهُ ولا يكرّمه، الكرامةُ أسمى قيمة وجودية وهبها الله لبني آدم، الله يثأر من أولئك الذين يمارسون ضربًا من الاغتيال المعنوي لإنسان آخر، ممن يكفّرونه فيهدرون كرامتَه ويجرّدونه من إنسانيته.

علمُ الكلام الجديد يحرّرُ المسلمَ من أحكام الولاء والبراء المتفشية في مجتمعاتنا أمس واليوم. إذ كيف يعيش المسلمُ في مجتمع متعدد الأديان ومتنوع الفرق والمذاهب، وهو يتمسك بأمثال هذا الرأي: “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[2]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا؟”، فكان جوابه: “إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[3]. وأمثال هذه الآراء نعثر عليها في التراث الكلامي والفقهي لمختلف الفرق الإسلامية.

مؤلفاتُ الفرق الكلامية ومقولاتُها تفتقرُ لتلبية أكثرِ ما يبحثُ عنه الإنسانُ من معنىً في الدين. مقولاتُ الكلام القديم الاعتقادية لا تورثُ الروحَ سكينتَها، ولا القلبَ طمأنينَته، ولا تكرّسُ التراحمَ والمحبّة، ولا ترى الإنسانَ المختلِف في معتقده مساويًا لغيره. لا ينظرُ الكلامُ القديم إلى الإنسانِ بما هو إنسان، بل ينظرُ إليه بما هو معتنقٌ لمقولات الفرقة الكلامية، ومَنْ لا يعتنقُها لا تصحُّ محبتُه، ولا يجوز الولاءُ له، بل تجبُ البراءةُ منه.

الطبعةُ الأولى لكتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” صدرت بداية سنة 2021 عن دار التنوير ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، وفي منتصف ذلك العام صدرت طبعتُه الثانية عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد. تميزت الطبعةُ الثانية بإضافات لا تقلّ عن خمسين صفحة. وفي هذه الطبعة الثالثة تحدثتُ بشكل تفصيلي عن الوحي، وناقشت رأي الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية. وأضفتُ الفصلَ الثاني بعنوان: “تجديد علم الكلام”، فأصبح الكتابُ خمسةَ فصول. اعتمدَ الفصلُ الثاني في مادته على شروح وتوضيحات إضافية رأيتُها ضروريةً للكشف عن التباس مفهوم التجديد وتداخله بمفهومَي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية، والخلطِ بين هذه المصطلحات الثلاثة، وكيف تتعدّد معانيها بتعدّد أساليبِ توظيفِها وسياقاتِها في الاستعمال. عدمُ التحديد الدقيق للمعنى، والفوضى في استعمال الكلمات والمصطلحات، يتسببان بجدلٍ مضجِر ونزاعات قد تنتهي بمعارك. التعريفُ الواضح يكشفُ عن المضمون بدقة ويرسمُ خارطةً لحدود المعنى المقصود، ويخلِّص الكلماتِ والمصطلحات من الاضطراب والتشويش والغموض والإبهام. لغةُ علم الكلام القديم ليست محايدة، هذه اللغةُ تعكس الأفقَ التاريخي للعصر الذي توالدت فيه مقولاتُ مؤسّسي ومجتهدي الفرق، ومختلف الأحوال والظروف والوقائع السائدة في عصرهم. اللغةُ مرآةُ الواقع مثلما أن الواقعَ مرآةُ اللغة، تصوّرُ اللغةُ ما يسودُ حياةَ المجتمع من عقيدة ورؤية للعالَم واقتصاد وسياسية وثقافة، كما ينعكسُ أثرُ اللغة على الواقع المجتمعي فيعيدُ تكوينَه.

يبتني هذا الكتابُ وغيرُه من مؤلفاتي على محاولةِ فهم الإنسان في ضوء مكاسب الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة. أحاول في ضوءِ هذا الفهمِ التعرّفَ على احتياجات الإنسان غير المادية، ومنها حاجتُه الأساسية للدينِ، وفهمَ نوعِ الدين ونمطِ التدّين الذي يؤمِّن له هذه الحاجة. ما يؤمِّن هذه الحاجةَ هو الدينُ بوصفة حياةً في أفق المعنى تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي في حياته الفردية والمجتمعية، وفقًا للتعريف الذي اقترحته. إعادةُ تعريف الدين والوحي والنبوة هو ما يفرضُ بناءَ علم كلامٍ جديد يرفدُ المسلمَ بالمعنى المطلوب لحياته اليوم.

علمُ الكلام الجديد معناه تجديدَ علم الكلام في ضوء إعادة تعريف الدين. وجهةُ التجديد ومنطلقاتُه وأسسُه وأركانُه تختلفُ عن الإحياء والإصلاح اللذين يلتبسان بمفهومه. التجديدُ يعني إعادةَ فهمِ الدين وتحديدِ وظيفته المحورية في الحياة، وبناءَ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علومِ الدين ومعارفِه، في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. إن كلَّ من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، بشرط أن يكون مؤمنًا بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يُصنَّف تفسيرُه على أنه علم كلام جديد. أما من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، لكنه لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله لكنه لا يؤمن بمصدر إلهي للوحي والنبوة والقرآن، فهو ليس متكلمًا جديدًا، يمكن أن يكون فيلسوفَ دينٍ لأن المتكلمَ غيرُ فيلسوف الدين، فيلسوفُ الدين يُفكِّر خارجَ إطار الدين، أما المتكلمُ فيُفكِّر في إطار الإسلام،كاللاهوتي في كلِّ دين الذي يُفكِّر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهجَ بحثه مما أنجزته العلومُ والمعارفُ البشرية.

بعد صدور هذا الكتاب بادر أساتذةٌ كرام في عدة جامعات لتبنِّي الكتاب، وقرّرتْ بعضُ أقسام الدراسات الفلسفيّة والدينية اعتماده في مقرّر “علم الكلام الجديد” في الدراسات العليا.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

([1]) الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، بيروت، دار الكتب العلمية، رسائل الغزالي، ج3: ص 136.

[2] الولاء والبراء 1، 18.

[3] مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274.

 

رابط النشر:

علم كلام جديد أم علم كلام معاصر؟ علم كلام جديد أم علم كلام معاصر؟

علم كلام جديد أم علم كلام معاصر؟

                                                                        د. عبدالجبار الرفاعي

التسمياتُ ليست محايدةً

كلُّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها، التسمياتُ ليست محايدةً، تسميةُ “علم الكلام المعاصر” تحاول تحوير موضوع علم “علم الكلام الجديد”، وتشدّد على توجيه غاياته بعيدًا عن غاياته التي ينشدها، وتحاول سكبه في قوالب علم الكلام القديم، واستدعاء مناهجه وموضوعاته ومسائله وطرائق التفكير فيه ولغته ومصطلحاته القديمة ورؤيته الكلاسيكية للعالَم.

يحرص باحثون أشدّ التصاقًا بالتراث وتشبثًا بكلِّ ما فيه، وحرصًا على استئنافه كما هو، على استعمالِ مصطلح “علم الكلام المعاصر”، وغيرِ ذلك من تسمياتٍ تستبدل كلمةَ “الجديد” بما يوازيها في محاولةٍ منهم للخلاص من الحمولةِ الدلالية لمصطلح “علم الكلام الجديد”، وما تشي به من قطيعةٍ مع معظم كلاسيكيات علمِ الكلام القديم، ودعوةٍ لإعادةِ بناءٍ شاملة لعلم الكلام، تتخطى المنطقَ الأرسطي لتنتقل للمنطق والفلسفة الحديثَين، والتحرّرِ من سطوةِ الطبيعياتِ القديمة، والرؤيةِ القديمة للعالَم، بتوظيفِ مكاسب العلومِ والدراساتِ الإنسانية والرؤيةِ الجديدة للعالم، وتبعًا لذلك يتحوّل منهجُ علمِ الكلام وبنيتُه، وتتبدّل كثيرٌ من مسائله، بل يحدث تحوّلٌ في طبيعة وظيفته، فبدلًا من انشغالِه في الدفاع عن العقائد، تصبح وظيفتَه الجديدةُ شرحُ وبيانُ وتحليلُ المعتقدات، والكشفُ عن بواعث الحاجة للدين، ومختلف الآثار العملية لتمثلاته وتحولاته في حياة الفرد والجماعة، تبعًا لأنماطِ الثقافةِ وطبيعةِ العمران والاجتماعِ البشري.وبتعبير آخر تنتقل مهمةُ علم الكلام من كونها أيديولوجية دفاعية، تنطلق من مسلّمات ثابتة، لا غرضَ لها سوى التدليلِ على المعتقدات، ونقضِ حجج الخصوم، إلى مهمةٍ معرفية لا تنشغل بنقض حجج الخصوم، بل يتمحور غرضُها حول تعريفِ المعتقدات وتوصيفِها وتحليلِها، بالاعتماد على الفلسفة والعلوم والمعارف الجديدة، والتعرّف على منابعِ إلهامِ المعتقدات، ومجالاتِ اشتغالها، وأشكالِ فعلها في سلوك الفرد والجماعة. في ضوءِ ذلك يتضح أننا أمامَ عِلمين: “علم الكلام القديم”، و”علم الكلام الجديد”، وليس عِلمًا واحدًا، فعلى الرغم من اشتراكهما بالاسم، لكن توصيفَ “الجديد” يجعله مفارقًا للقديم بشكلٍ كبير، فهو وإن كان يشترك معه في بحثِ جملةٍ من الموضوعات نفسِها، لكنه لا يضيف موضوعاتٍ جديدةً لم يعرفها علمُ الكلام القديم فحسب، بل إن طريقةَ بحثه ونتائجَه ومراميَه مختلفةٌ، ذلك أن كلًا منهما له مقدماتُه المعرفية، ومنهجُ بحثه، وأدواتُ تفسيره، ومفاهيمُه المفتاحية، وكيفيةُ رؤيته للعالم. ربما يُقال إن الإصرار على تسميةٍ دون أخرى لا يغيّر من المحتوى شيئًا، لكن هذا الكلام غير دقيق، لأن كلَّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها المعرفية، التسميةُ تحدد وجهةَ السير وكيفيته، التسميةُ بوصلةٌ ترسمُ خارطةَ الطريق التي يسلكها الباحث وفي ضوئها يهتدي في خطواته وغاياته.

“علم الكلام الجديد” هو التسميةُ التي أتبنّاها، ويتبنّاها كلُّ من يعتقد بعجزِ علم الكلام القديم، ويعرفُ قصورَه عن الوفاء بالمتطلبات الاعتقادية للمسلم اليوم، ومن يدعو لمفارقةِ ذلك العلم، وبناءِ علم كلامٍ بديل يكون جديدًا في مقدماتِه المعرفية ومعناه ومبناه ونتائجه. لا أستعمل تعبير “علم الكلام المعاصر”، لأن “علم الكلام الجديد”، الذي مضى على استعماله أكثرُ من قرن في كتابات الباحثين المسلمين في الهند وإيران والبلاد العربية، صار مصطلحًا مستقرًا في اللغات الأردية والفارسية والعربية وحتى الانجليزية ولغات اخرى يتداولها المسلمون بشكل واسع، ينطبق على هذا عنوان علم الكلام الجديد خاصة، لا على غيره، مضمونه لا يتطابق مع مضمون “علم الكلام المعاصر”، وإن كان يشتركُ معه في بعض دلالاته. إن تعبيرَ “علم الكلام المعاصر” يلجأ إليه من يذهب إلى أن تجديدَ علم الكلام يتحقّق برفده بمسائل وحجج جديدة، مع الاحتفاظ ببنيتِه التراثية، وطرائقِ تفكيره، ولغتِه الخاصة، ورؤيته للعالم. لذلك لجأ هؤلاء إلى استعمال كلمة “المعاصر” حذرًا من الدعوةِ للخروج على علم الكلام القديم، واستبدالِه بعلم يستجيب لإشباع حاجة المسلم إلى رؤية توحيديةٍ لا تكرّر أكثرَ المقولات والجدالات المعروفة عند المتكلمين قديمًا.

يشعر البعضُ بالقلق من تسمية “علم كلام جديد”، ولا أريد أن أتحدثَ كثيرًا عن ضرورة هذه التسمية، لأنها صارت بحكم الأمر الواقع، بعد أن كُتِب فيها عددٌ كبير من البحوث والمؤلفات، واستقرت كمقرر دراسي في عدة معاهد وجامعات لعلوم الدين، وصارت تخصصًا معروفًا كتب فيه التلامذة في الجامعات الإسلامية وغيرها رسائل متنوعة في الدراسات العليا. ولولا شيوع مصطلح “علم الكلام الجديد” في الاستعمال، لكان الأجدر استعمال مصطلح “اللاهوت الجديد”، علمًا أنّ مصطلح “الإلهيات” متداول في الفلسفة الإسلامية منذ فلاسفة الإسلام المتقدمين، ومازالت كليات علوم الدين في إيران وتركيا وغيرهما تسمى بـ “كلية الإلهيات”. وملخص الكلام في هذا الموضوع أنّ “علم كلام جديد” هو محاولة للاجتهاد في علم الكلام اليوم، كما اجتهد مؤسسو الفرق الكلامية في الماضي، فدونوا تصوراتِهم ومفاهيمَهم لأصول الدين المشتقة من عقلانية وعلوم ومعارف عصرهم، فلماذا لا يجوز أن يجتهد علماء الدين في عصرنا لإنتاج تصوراتهم في التوحيد والمعتقدات. لا أستغرب ذلك ممن يصر على غلق باب الاجتهاد في الفقه، ومازال لا يجرؤ على الخروج على فتاوى أئمة المذاهب وفقهاء الأمس المعروفين، إذ أن من ينكر الاجتهاد في فروع الدين كيف يقبل الاجتهاد في الأصول، الذي هو أبعد مدى وأعمق من ذلك بكثير.

    علم كلام أو عقيدة

عمل الحضورُ الواسع لأهل الحديث وتفشي التيار السلفي في عالم الإسلام إلى ترك استعمال “علم الكلام” واستبداله بـ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، لأن أهل الحديث كانوا ومازالوا مناهضين لعلم الكلام، على الرغم من أن استعمال “علم الكلام” أدق، بوصف “العلم” و”الكلام” كلمتين محايدتين، مضافًا إلى الحضور التاريخي لهذا المصطلح منذ نشأته، واستقلاله كعلم من علوم الدين في وقت مبكر. أما ترك تسمية علم الكلام واستبداله بمصطلحات: “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، ففرضته عوامل بعيدة عن الروح العلمية، لأن كلَّ هذه التسميات تحيل إلى مفاهيم تشي بمعنى ديني، والديني هنا يحيل إلى المقدس المتعالي على التاريخ. لذلك لا يكون موقف الباحث عند استبعاد تسمية علم الكلام واعتماد تسمية تشي بمعنى ديني محايدًا، كما ينبغي أن يكون عليه موقف كل باحث علمي بالنسبة إلى موضوع بحثه، بل يتحدد موقفه في إطار معتقدات مقررة سلفًا، وليس له من موقف إلا الدفاع عنها والتشبث بها بمختلف الحجج والمجادلات. وذلك يعني وضع “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، خارج الأسئلة والنقاشات العلمية، وتلقينه وكأن مفاهيمة حقائق نهائية. لذلك أمسى تلميذ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد” في معاهد التعليم الديني والجامعات الإسلامية يتلقى اليوم اجتهادات مؤسسي الفرق بوصفها القول الفصل في “معرفة الله وصفاته وأسمائه والوحي والنبوة” وما يتصل بذلك من مباحث.                                     ينطبق معنى “علم” على “علم الكلام الجديد”، كما ينطبق عليه معنى “كلام”، ومعنى “الجديد”. فهو “علم” لأنه يعتمد مناهج البحث العلمي الحديثة، ويوظّف كل ما يحتاجه الباحث من مكاسب المعرفة البشرية، بلا ارتياب أو حذر. وهو بحث علمي في الـ “كلام” الإلهي لأن موضوعه “الوحي” كما قررنا ذلك في كتابنا الصادر هذا العام: “مقدمة في علم الكلام الجديد” والذي تبنته عدة جامعات في التعليم العالي. “الوحي” هو الموضوع المحوري في علم الكلام الجديد كما شرحنا ذلك في الكتاب المشار إليه، والـ “كلام” الإلهي مبحث أساسي في بيان حقيقة الوحي وإمكانية تواصل الله مع الإنسان بلغة بشرية.

وهو علم “جديد” بوصفه لا يستنسخ مناهج الكلام القديم، ويتحرر من رؤيته للعالم، وكثير من مسائله وجدالاته المكررة، ويتسع لمسائل جديدة تتصل بأسئلة ميتافيزيقية توالدت في ذهن إنسان اليوم ولم يعرفها إنسان الأمس، خاصة الأسئلة المتصلة بمعنى وجود الإنسان وحياته ومصيره.

رابط النشر:

القلب هو الطريق

مسارُ القلبِ غير مسارِ العقلِ التساؤلي التشكيكي الذي لا يهدأ. طريقُ القلب أقصرُ وأسهل وأجمل الطرق إلى الله، وأسرعُها حضورًا في ملكوته، طريقُ القلب يجعل الدينَ مُلهِمًا للمحبة والنور والفرح. ‏هذا طريقٌ يعرفه ذوو التجارب الروحية، وهو منبعُ طمأنينة القلب وسكينة الروح والسلام الذي يعيشونه في حياتهم.

الإيمانُ نورٌ يكشفُ للإنسان وجودَ الله ويوصله به، ويشكّلُ المنبعَ الأغزرَ لمعنى وجود الإنسان ولحياته ومصيره وأمله بالخلود، وهو حالةٌ يعيشها الإنسانُ وحقيقةٌ يتذوقها، هذه الحقيقة أمرٌ وجوديٌ، وهي تختلف عن التصور الذهني أو الشعور النفساني. الإيمانُ نورٌ ينعكس فيه تجلي الإلهي في البشري، وشهودُ البشري للإلهي، “وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ”. يقول خافيير زوبيري: “كلُّ وجود انساني هو تجربةٌ للألوهية… العقلُ يعجز لوحده عن الادراك المباشر لله، فلا يُتمثَل اللهُ عن طريق العقل وحده، لكن أيضا عن طريق التجربة”. “أقوى برهان على وجود الله هو إمكانُ تجربته وإدراك حضوره. الله معطى تجريبي، ومضمون محسوس للتجربة، وحالة روحانية”، حسب تعبير المتصوّف الهندوسي رادها كريشنان.

الإيمانُ ليس فكرةً نتأملها، أو معرفةً نتعلمها، أو معلومةً نتذكرها. الإيمانُ حالةٌ للروح نعيشها، وتجربةٌ للحقيقة نتذوقها، ثمرةُ الإيمانِ تُعرف بمقدار إثرائه للسلام الباطني. تبتهجُ للإنسانِ الأرضُ لحظةَ يبتهجُ قلبُ الإنسان بأنوار الإيمانِ. الإيمانُ يختزنُ كنوزَ الله في القلب، أجملُ وأرقّ لغة يتجلى فيها الإيمانُ هي لغةُ القلب. لغةُ القلب تتسعُ لحالاتٍ لا تتسعُ لها الكلماتُ، إنها أعذبُ لغة مشتركة بين كلِّ الناس في كلِّ زمان ومكان.

يحتاج الناسُ إلى من يتعلمون منه كيف يستمعون الى نداء قلوبهم. القلبُ هو الطريقُ إلى الله، مادام القلبُ يحتضنُ الإيمانَ فلا جدوى من تكرار محاججات المتكلمين غير المنتجة لطمأنينة القلب وسكينة الروح.كلُّ دليلٍ على الله لا يمكن أن يوصلنا إلى الله بالشكل الذي يوصلنا فيه القلبُ إلى الله، يعجز الدليلُ خارج القلب عن كشف الصلةِ الوجودية للخلق بالحق، ولا تنكشفُ في مثل هذا الدليل تجلياتُ جمال الله في الوجود، ولا يمكن أن تشرق بواسطته أنوارُه على القلوب.

ورد في دعاء عرفة المروي عن الإمام الحسين “ع”: “اِلهى تَرَدُّدى فِى الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوصِلُنى اِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ”. مَنْ يحاول الاستدلالَ على الله بمخلوقاته، كمَنْ يحاول الاستدلالَ على النور خارج النور، النورُ يكشفُ عن نفسه، وينكشفُ فيه كلُّ شيء غيرَه. “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”، “أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”. اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، لا دليلَ أجلى منه عليه، ولا طريقَ أقرب منه إليه، هو القريبُ في بُعده، البعيدُ في قُربه. الكلُّ مدعوون للقاءِ الله، لا البُعد يُقصيهم، لا القُرب يُدنيهم. ما أكثف شذرة النفري وأغناها وهي تكشف للإنسان عن توهمه بوجود مسافة وبُعد مكاني يبعده عن الحقّ: “القُربُ الذي تعرفه مسافةٌ، والبُعد الذي تعرفه مسافةٌ، وأنا القريبُ البعيدُ بلا مسافة”. ويرسم جلال الدين الرومي صورة بهيجة لشهوده لله: “هو الذي توطّن مدينةَ القلب فأين أُسافر. هو الذي سكنَ حدقةَ العين فإلام أنظر”. أما عبد الحق بن سبعين فيوبخ الإنسانَ المستريب: “يا هَذَا، غُضّ بَصَرَ إدراكِكَ عن غيرِ اللهِ، ثم قُلْ لنفسِكَ: يا خَسِيسَةَ المنزلة، متى ثَبَتَ سِوَاهُ حَتَّى تستريبي فيه، وتَغُضِّي بَصَرَكِ عنه؟! هو الله! فلا هو إلا هو، ولا يمكن غيرُ ذلك”.

اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، يُعرَف هذا الدليل على وجود الله ببرهان الصِّدِّيقين. أول مَنْ صاغ هذا البرهانَ ابنُ سينا، وهو من أطلق عليه هذه التسمية، وأعاد بيانَه فلاسفةٌ مسلمون، وفلاسفةٌ مسيحيون، مثل: توما الأكويني، وفلاسفةٌ يهود، مثل: موسى بن ميمون. وأخيرًا أعاد بيانَه بتصويرٍ جديد ملا صدرا الشيرازي، وواصل بيانَه ملا هادي السبزواري، ومحمد حسين الطباطبائي.

الإيمانُ كما يعيشُهُ ويتذوقُهُ أصحابُ التجارب الروحية المضيئة مسعىً أبدي لاستبصارِ تجلياتِ الحبِ والخير والجمال في كلماتِ الله التدوينية والتكوينية. الإيمانُ ظاهرةٌ تفشلُ وسائلُ الكشفِ العلمي المتاحة عن إدراك كنهها وتحليلِ جوهرها، وإن كانت تدرسُ آثارَها المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع. الإيمانُ من جنس الحالات الوجودية، و”قوالب الألفاظ والكلمات لا تتسع لمعاني الحالات”، حسب تعبير محيي الدين بن عربي.

الإيمانُ تجربةٌ روحية، كلُّ تجربةٍ روحية هي تجربةٌ وجودية تفشل اللغةُ في التعبير عنها، وإن تحدثت عنها فإنها تخون دلالتَها في التوصيل والإيضاح، لأنها لا تستطيع أن تتحدث عنها إلا بكلمات وعبارات ضبابية مبهمة غامضة. الرموزُ أشدُّ دلالةً على الإيمان، وعلى كلّ تواصلٍ وجودي مع الله والغيب، بل إن الكلماتِ والعبارات عندما تتحدث عن الله أو الغيب تستعير دلالةَ الرموز، لأنها تشير إلى ما هو مجرّد عن المادة وآثارها، الغيبُ لا يتمكن الإنسانُ أن يتواصل معه بالمعاني الظاهرة للغة القاطنة في فضاء الزمان والمكان والحواس.

الطريقُ العقلي إلى الله لا جذوةَ فيه، ولا ينتج سكينةَ الروح وطمأنينةَ القلب. لا يتمسك فلاسفةٌ مشاهيرُ بطريق العقل، ويرون أنه يخذلنا ولن يوصلنا إلى الله، أمثال: إيمانويل كانت، وسورين كيركيگورد، وغيرُهما. ولا يعبأ عرفاءُ في مختلف الأديان بطريق العقل، أمثال: محيي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، ومايستر إكهارت، وغيرُهم. يقول جلال الدين الرومي: “إن قدمَ أصحاب العقل والاستدلال قدمٌ خشبيةٌ مهزوزة غير ثابتة”. و”يروى أن الفخرَ الرازي مرَّ في الطريق وحوله أتباعه وتلامذته الكثيرون، فرأته عجوز مؤمنة في جانب الطريق فسألت: من هذا؟ فقالوا: هذا الفخر الرازي، الذي يعرف ألف دليل ودليل على وجود الله تعالى، فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك لما احتاج إلى ألف دليل ودليل، فلما سمع الفخر الرازي بذلك، قال: اللهم ايمانًا كإيمان العجائز”.

الإيمانُ حالةٌ روحية متسامية، الإيمانُ جوهرةٌ كيفية لا تخضع لقياسات كمية مادية، إنه شروعٌ في سفر وجودي للعروج نحو الحقّ. حينما لا يحيا الإنسانُ الدينَ كصلة حيّة متوثبة بالحق، بل يُقدّم للمرء بوصفه مقولات ومفاهيم وأفكارًا وشعارات، يجب أن يعتنقَها الكلُّ، ويحفظَها الكلُّ، ويتطابقَ فيها الكلُّ، فلن يرتوي القلبُ بالإيمان ولن يبتهج بلذة وصال الحق. يصير العقلُ مستودعًا يختزن مجموعةَ محفوظات، هي بمثابة مومياءات محنطة مفرّغة من أية شعلة روحية متوهجة. يكتب محيي الدين بن عربي: “إن الإيمان نور شعشعاني، ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، والمؤمنون فيه على قسمين: مؤمن عن نظر واستدلال وبرهان، فهذا لا يوثق بإيمانه، ولا يخالط نورُه بشاشةَ القلوب، فإن صاحبَه لا ينظر اليه إلا من خلف حجاب دليله، وما من دليل لأصحاب النظر إلا وهو معرّض للدخل فيه والقدح ولو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وهذا الحجاب بينه وبينه. والمؤمن الآخر الذي كان برهانُه عينَ حصول الإيمان في قلبه، لا أمر آخر، وهذا هو الإيمان الذي يخالط بشاشة القلوب، فلا يتصور في صاحبه شك، لأن الشكَ لا يجد محلًا يعمره فإن محله الدليل”.

الإيمانُ لايتحقّق بالنيابة، خلافاً للفهم والمعرفة، ففي عملية الفهم يمكن أن يتلقى الإنسانُ معارفَه من شخص آخر، أو يقلّد غيرَه في آرائه، الإيمانُ تجربةٌ تنبعثُ في روح الإنسان، إنه صيرورةٌ تنبعثُ بها الروحُ وتتوهجُ.

كما أن القلبَ هو الطريقُ إلى الله، هو أيضًا بوصلةُ بناء وترسيخ أثرى العلاقات الإنسانية في الحياة وأخصبها، وأغناها بالحميمية والتراحم،كعلاقات الأمهات والآباء بالأبناء، وكلِّ العلاقات الإنسانية في إطار العائلة الواحدة.كلُّ علاقة إنسانية أصيلة لا يمكن أن تنمو وتتغذّى وتتجذّر إلا بعواطف ومشاعر نبيلة تستقى من القلب.

الدينُ كائنٌ حيٌّ يطلبُ ما يمدُّه بالحياة

يظنُ بعضُ الناس خطأ أن الإيمانَ يمكن أن يتحقق ويُعبّر عن حضوره الفاعل في حياة الإنسان بلا دين، وبلا أن يتجسدَ كسلوك. الإيمانُ في آثاره العملية هو الدينُ في أفقه الروحي والأخلاقي. الإيمانُ حالةٌ وجودية كالفرح والمحبة، وليس صورةً ذهنية مجردة،كلُّ حالة وجودية لها آثار على شاكلتها، الفرح مثلًا تظهر آثارُه في مشاعر الإنسان، وتنعكسُ آثارُه على وجهه وتعبيرات جسده. تاريخُ الأديان لا يخبرنا بوجود إيمان يمكن أن يتحقّقَ في روح الإنسان من دون أن تنعكس آثارُه في حياته، وفي الواقع الذي يعيشُ فيه. الإيمانُ يتخذُ شكلًا من أشكال الحياة الروحية والأخلاقية، وهذا النوع من الحياة الروحية والأخلاقية هو ما نعنيه بالدين.

ليس بالضرورة أن يكون هذا الدينُ نسخةً لأحد الأديان المعروفة، إذ يمكن أن يتخذ الإنسانُ لنفسه دينَه الخاص، لكن هذا الدين الخاص يعجزُ عن الإفلات كليًا من البنية اللاشعوريّة لدين أهله، ولا تختفي نهائيًا آثارُ ذلك الدين المترسبة في أعماقه. يظل الدينُ الذي ورثه من أهله ومجتمعه وبيئته المولود فيها يعبّر عن نفسه في لغته وثقافته وعاداته وعلاقاته الاجتماعية، وأوضح تعبيراته تتجلى في الوفاء للقيم الإنسانية السامية في ذلك الدين. حتى في كتابات مفكرين أعلنوا إلحادَهم لا تختفي آثارُ دين الولادة والنشأة الأولى الكامنة في أعماقهم، ويمكن للخبير أن يقرأ ما تحجبه كلماتُهم ويتوارى في نصوصهم من إشارات لما هو غاطس من الدين.

لا يمكن أن يظل الإيمانُ حالةً خاملة أو كسولةً أو مضمرةً لا أثر لها في حياة الإنسان، الإيمانُ يكرّسُ الحياةَ الروحية والأخلاقية، الإيمانُ يتجسدُ في مواقف إنسانية نبيلة. الإيمانُ تتسامى فيه شخصيةُ الإنسان فيتخذ شكلَ تديّن رحماني وأخلاقي.كلُّ إيمان يكشف عن حضوره العملي في تديِّن الإنسان،كلُّ إيمان يتحقق في تديّن، وإن لم يكن كلُّ تديّن مرآةً ينعكس فيها الإيمانُ الأصيل، ‏التديّنُ الشكلي والشعبوي يضمحلُ فيه الإيمانُ المُلهم لأعذب معاني الحياة.

كي تظل جذوةُ الإيمان متوهجةً، ويواصل الدينُ حضورَه وفاعليته وتأثيره في الحياة يحتاجُ إلى وقود، العبادةُ هي الوقود. الدينُ كالمصباح الذي لا يضيء إلا عند اتصاله بمصدر الطاقة، في أية لحظة يتوقف وصولُ الطاقة ينطفيء ضوءُ المصباح. إنه كأصناف النباتات التي لاتعيش إلا إن كانت أرضُها مشبعةً بالماء. الدينُ كائنٌ حيٌّ يحتاج إلى ما يغذّيه، وإلى ما يوقظ نبضَ الحياة فيه على الدوام، إنه لا يستمدّ حضورَه وفاعليته وتأثيره إلا بالعبادة. في لقاءِ الله تُبهِجُ الأرواحَ المتعبَةَ السكينةُ، والقلوبَ المضطربةَ الطمأنينةُ، “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ”.

العبادةُ مكونٌ أساسي في ماهية كلِّ دين، حيثما كان الدينُ كانت العبادةُ والطقسُ، لأن الدينَ يعبّر عن الحاجة للصلة بموجود لا متناهٍ في وجوده وقدرته وعلمه وكلِّ شيء. ‏العبادةُ هي التعبيرُ الحي عن هذه الصلة. الصلةُ الوجودية مالم تظل متدفقةً دائمةَ الفيض، فإنها تتبدّد وتتلاشى، ومالم تظل مضيئةً باستمرار، فإنها لو انطفأت تصاب روحُ الإنسان بالوهن والعجز، ومالم تظل منهمرة، فإنها لن تبلغ غايتها فتروي الظمأ الوجودي.

العبادةُ الحقيقية تُثري رؤيةَ الدينِ للعالَم، ففي الإسلام تُثري الصلاةُ الصادقة رؤيةَ المسلم للعالَم، وتُلهمها بمعناها الروحي والأخلاقي، وتجعل من هذا المعنى أفقًا تتشكّل في ضوئه حياةُ الإنسان الخاصة وعلاقاتُه الاجتماعية المتنوعة. وحسب تعبير علي عزت بيغوفيتش: “ليست الصلاةُ مجرّد تعبير عن موقف الإسلام من العالَم، إنما هي أيضًا انعكاسٌ للطريقة التي يريد الإسلامُ بها تنظيمَ هذا العالَم”.

الإيمانُ كائنٌ حيّ يقظٌ فوّار، وهو أمرٌ وجودي، لا يتحقّق ويزدهر من دون روافد يستقي منها وجودَه، وتتجدّد بها حياتُه. إنه جذوةٌ مشتعلة، وهذه الجذوةُ بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئاً فشيئاً حتى تنطفئ. مالم تتكرّر الطقوسُ والصلاةُ في سياق تقليدٍ عباديٍّ مرسومٍ، يذبل الإيمانُ ويذوي حتى يصير حطاماً. الإيمانُ بمثابة حديقة الأزهار، مالم نواظب على سقيها تذبل وتموت وتندثر. الصلاةُ والطقوسُ كأنها ينابيعُ مياه عذبة صافية تسقي حديقةَ الإيمان، لولاها لاندثر وأصبح هشيماً تذروه الرياح.

اهتمَ كلُّ دين معروف اهتمامًا واضحًا بالعبادة، وحرصت كلُّ الأديان على رسم تفاصيلها بجلاء، وحذّرت مَنْ يتبع الدينَ من أدائها كيفما يشاء خارج رسمَها المحدّد، لأنه يهدرُ وظيفتَها ويمسخُ هويتَها. القولُ بأن لكلِّ شخص عبادته وصلاته الخاصة كلامٌ غريبٌ على منطق الأديان، وما ترمي إليه العبادةُ فيها، وأغربُ منه محاولات بعض الناس ترقيع والتقاط عناصر متضاربة من أديان مختلفة في عباداتها وطقوسها وشعائرها، وخلطها ببعضها ولصقها بصورة متناشزة مشوّهة، وممارستها بشكل يمحقُ الدينَ، وينتحلُ حالةً زائفة للإيمان.

إن تاريخ الأديان الطويل ينبؤنا بأن العبادات تشكِّل رافدًا يغذي الصلة الوجودية الحيّة بالوجود المطلق، الذي يتجلى في كلِّ دين على شاكلة شريعة أتباعه. وأن ما تتميز به العباداتُ يكمن في اشتراك ماهيتها وصورتها بين أتباع الدين الواحد. ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا عباداتهم خاج اطار شريعتهم، أو يلتقطون عناصرها من أديان متنوعة كيفما يشاؤون.

في ضوء هذا المفهوم للعبادة في الأديان، نجد الهندوسي يؤدي طقسَه وعبادتَه الخاصة في معبده، وفي المسيحية يؤدي المسيحي قدّاسَه في كنيسته، وفي الإسلام يؤدي المسلمُ صلاتَه في مسجده.كيفيةُ القداس الذي يؤديه المسيحي في الكنيسة، تختلفُ عن كيفيةِ طقس الهندوسي في معبده، وتختلفُ عن كيفيةِ صلاة المسلم في مسجده، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى.

لا ننكر التشابه في بعض عناصر العبادات والطقوس والشعائر في الأديان، الذي يعبر عن مشتركات الأديان والثقافات في المجتمعات المختلفة، إلا اننا لم نجد تطابقًا وتماثلًا كليًا بينها، لكلٍّ عبادة بصمتها الخاصة ولونها الذي يعكس صورةَ الديانة المشتقة منها. لكلِّ إنسان حياته الروحية، روحُ الإنسان تتغذّى من العبادات المشتركة في ديانته. صلاةُ الحلاج والبسطامي والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي ومحمد حسين الطباطبائي، وغيرهم من العرفاء، هي صلاةُ الإسلام ذاتها، غير أنهم تهذبوا وتسامت أروحهم بنور الله، وابتهجوا بمحبّته.

الحياةُ الروحية تتحقّق في سياق شريعة محدّدة، الحياةُ الروحية تتطلب أن تستقي على الدوام من العبادة الخاصة بهذه الشريعة، بوصفها من سنخها وترتسم فيها صورةُ الديانة، وينعكس فيها شيءٌ من عناصر البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان. فلو ركّبَ الإنسانُ على ديانته تقليدًا عباديًا مستعارًا من ديانة أخرى،كما لو أن مسلمًا كان يمارس تقليدًا طقوسيًا هندوسيًا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين طقس ترتسم فيه صورةُ ديانة غير ديانته، والحياة الروحية في أفق ديانته. لكلِّ ديانة طقسٌ خاص من جنسها، بمعنى أنه مشتقٌّ من طبيعة البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان، وكيفية رؤيتها للعالَم، وبصمة الحياة الروحية فيها.

الحياةُ الروحية للأديان في مختلف المجتمعات تُدلّل على ذلك، ففي المجتمعات الغربية التي يُمنَح الأشخاصُ فيها حريةً دينيةً واسعة، لا تسودها ظواهر، مثل: مسلم يصلي في معبد هندوسي، أو هندوسي يؤدي طقسَه في المسجد. وقلّما نعثر على أشخاص يتخبطون في تجريب الأديان وطقوسها، بغيةَ إرواء ظمئهم الأنطولوجي، وعادةً ما يعيش مثل هؤلاء ضياعًا وتمزقًا وقلقًا واضطرابًا، ذلك أنهم كشارب ماء البحر، كلّما شرب منه اشتدّ ظمؤه.

يُشاع أن العرفاء يبلغون مقامًا في سلوكهم الروحي يهجرون فيه العبادةَ، وهذا غير صحيح، لأن ذوي البصائر من العرفاء يشددون على أن: الشريعةَ توصل إلى الطريقة، إلا أن الشريعةَ لا تتعطّل عند بلوغ الطريقة، وأن الطريقةَ توصل إلى الحقيقة، إلا أن الشريعة لا تتعطّل عند بلوغ الحقيقة. لا طريقةَ بلا شريعة، لا حقيقةَ بلا طريقة. الشريعةُ غطاءُ الطريقة، الطريقةُ غطاءُ الحقيقة. هذا ما فسّروا فيه ما هو منسوب للنبي الكريم “ص”: “الشريعةُ أقوالي، والطريقةُ أفعالي، والحقيقةُ أحوالي”. “الشريعةُ أمرٌ بالتزام العبودية، والحقيقةُ مشاهدةُ الربوبية، وكلُّ شريعةٍ غيرُ مؤيدة بالحقيقة فأمرها غير مقبول، وكلُّ حقيقةٍ غيرُ مقيدةٍ بالشريعة فأمرها غير محصول. والشريعةُ جاءت بتكليف من الخالق، والحقيقةُ إنباءٌ عن تصريف الحق. فالشريعةُ أن تعبده، والحقيقةُ أن تشهده. والشريعةُ قيام بما أمر، والحقيقةُ شهود لما قضى وقدّر، وأخفى وأظهر”. حسب تفسير أبو القاسم القشيري. ويقول أحمد زروق: “الشريعةُ أن تعبده، والطريقةُ أن تقصده، والحقيقةُ أن تشهده. أو تقول: الشريعةُ لإصلاح الظواهر، والطريقةُ لإصلاح الضمائر، والحقيقةُ لإصلاح السرائر”.

السؤالُ الميتافيزيقي سؤالٌ فلسفي

مَنْ لا يعرفُ الإنسانَ لا يعرفُ الله. مَنْ يعرفُ شيئًا عن غرابة ‏الإنسان وغربته الوجودية وفقره وهشاشته، ويعرفُ شيئًا من الطبيعة الإنسانية، يمكنه أن يصلَ إلى الله. ‏معرفةُ الطبيعةِ لا تكفي لمعرفة الله.

يتنكرُ بعضُ المثقفين للميتافيزيقا وما وراء الطبيعة، على الرغم من أنه لا يعرف عنها شيئًا، وينفي وجودَ الله، لأنه لم يصل إليه بأدوات العلم التجريبي التي يثق بها فقط، ولا يثق بسواها. يجزم بالنفي من دون أن يتواضعَ ويكشفَ عن إخفاق عقله في إدراك ما لم يتمكن هو من إدراكه. لا يدري هؤلاء بأن البحثَ في الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة خارجَ أدوات العلم، وخارجَ وسائل اكتشاف العالَم الفيزيقي وقوانينه.

يُعلِن بعضُهم بصرامة بأنه لا يؤمن بوجود الله، ويقطع بعدم وجود ما وراء الطبيعة، بلا تأمّل وتدبّر وتبصّر، وينسى بأن الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة هو الموضوع الأثير للفلسفة منذ بدايات التفلسف حتى اليوم، وأن سؤالَ الايمان والإلحاد ليس سؤالًا علميًا، وأن أسئلةَ الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة أسئلةٌ فلسفية.كلُّ سؤال وجواب خارج عالَم الطبيعة سؤالٌ وجوابٌ فلسفي. إعلانُ الإلحاد ضربٌ من الجواب الميتافيزيقي، الإلحادُ يعكسُ ضراوةَ القلق الوجودي، وأقصى مديات ‏حيرة الجواب الميتافيزيقي. لحظةَ يعلن أحدٌ عن إلحادِه ينتقل من التفكير العلمي إلى التفكير الفلسفي، من دون أن يتنبه لذلك. نفيُ عالَم ماوراء الطبيعة كإثباته، الإثباتُ حكمٌ فلسفي، والنفيُ حكمٌ فلسفي. التفكيرُ في ماهية العلوم الطبيعية وماهية أيّ علمٍ هو تفكيرٌ فلسفي، العلمُ لا يُفكّر في ماهيته، التفكيرُ في ماهية العلوم خارجَ مجال العلوم، كلُّ تفكيرٍ من هذا النوع تفكيرٌ فلسفي.

في مقابلةٍ تلفزيونية على إحدى الفضائيات العربية مع معماري عراقي مثقف واسع الاطلاع، تحدّث فيها عن إلحاده بصراحة. يقول رفعت الجادرجي: “أنا ملحد بكل ما للكلمة من معنى”. ويضيف: “أن لديه وصية مكتوبة بأن تحرق جثته بعد موته ولا يُدفَن ولا يُصلَى عليه”[1].

ولد ونشأ المهندس المعماري رفعت الجادرجي في محيطٍ تقليدي ببغداد، أبوه كامل الجادرجي كان سياسيًا ومثقفًا غير تقليدي، وهو من أبرز رواد الديمقراطية ودعاتها في العراق. سمعتُ الحوارَ كلَّه بتأمل أكثر من مرة، رأيته يفسِّر الدينَ والمقدّسَ، وحاجةَ الإنسان للصلة بوجودٍ الله تفسيرًا سيكولوجيًا وسوسيولوجيًا وأنثربولوجيًا. لا يغور رفعت الجادرجي فلسفيًا ليرى الأبعادَ العميقةَ للحاجة الى الدين في وجود الإنسان، ولا يذهب تفكيره بعيدًا ليطلّ على الميتافيزيقا وعالَم ما وراء المادة. حاجةُ الإنسان للصلة بوجودٍ مطلق يفرضها نوعُ وجوده، ونتيجةً لها يفرض الدينُ حضورَه الأبدي، وينتقم لنفسه كلّ مرة تجري إزاحتُه فيها ليعود عاصفًا، مهما كانت محاولاتُ بعض الفلاسفة والمفكرين لرفضِه، والكشفِ عن بؤس تمثلاته وتطبيقاته العملية. الحاجةُ الوجودية لله أسعدتْ كبارَ ملهمي الروح المعلمين في إطار الأديان المعروفة وغيرَهم ممن عاشوا مُتيّمين بحب الله، وأشقت بعضَ البشر، عندما زجّتهم في صراعٍ مع أنفسهم والناس والعالَم من حولهم.

لا أريد أن أحكم على تفسيرِ رفعت الجادرجي وشعورِه وتعبيرِه الصريح عن موقفه، لأن كلَّ تفسيرٍ لا يمكن أن يتحرّر كليًا من بصمةِ الذات، وكيفيةِ نشأتها وتربيتها، وتكوينِها المعرفي، والبنى اللاشعوريّة الغاطسة فيها، واحتياجاتِها المتنوعة.

‏ الظواهرُ الدينية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ‏وكلُّ تمثلات الدين المجتمعية، تدرسها علومُ الإنسان والمجتمع الحديثة، ‏مثل: سوسيولوجيا الدين، انثربولوجيا الدين، سيكولوجيا الدين، وغير ذلك. التفسيرُ السيكولوجي والسوسيولوجي والأنثربولوجي والاقتصادي والسياسي والتاريخي للظواهر الدينية شديدُ الأهمية، لأننا لا يمكن أن ندرس تمثلاتِ الدين وتعبيراته في حياة الفرد والجماعة من دونه، غير أن هذا التفسيرَ لا نستطيع أن نرى بأدواته منشأَ الحاجة الوجودية لله، ولا يسعفنا في اكتشاف الجذرِ العميق لهذه الحاجة، لأنه يقف خارجَ فضاء الميتافيزيقا.

جذرُ هذه الحاجة وأصلُها لا تتمكن من الغوص في مدياته إلا الرؤيةُ الفلسفية، لأنها يمكن أن تطلّ على الميتافيزيقا. التفكيرُ في حقيقة الأشياء وماهياتِها تفكيرٌ فلسفي. ماهيةُ الدين لا يمكن التفكيرُ فيها خارجَ السؤال الفلسفي، أعمقُ سؤال فلسفي السؤالُ ميتافيزيقي، لا يستطيع العقلُ أن يفكِّر في العالَم الميتافيزيقي بلا منظارٍ فلسفي. ولا يحضر جوهرُ الدين الروحي إلا باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المضيئة الآسرة.

اللهُ، الوحيُ، النبوةُ، الآخرةُ، وغيرُ ذلك من عوالم الغيب، تبحثها فلسفةُ الدين، لأنها تحاول أن تغوص في ما هو ميتافيزيقي.كما تبحث فلسفةُ الدين كيفيةَ تجلي الإلهي في البشري،‏ وكيفيةَ شهود البشري للإلهي، ونمط ‏الحالة الروحية والعاطفية لحظة شهود البشري للإلهي.

العلومُ الطبيعية والبحتة والتطبيقية وعلومُ الإنسان والمجتمع لها مدياتٌ قصوى تقف عند تخومها ولا تتخطاها، إنها تظلّ مقيمةً في آفاق الزمان والمكان والحركة والمادة وأبعادها وخصائصها وشؤونها. يقول علي عزت بيغوفيتش: “إن علمَ الحفريات، وعلمَ هيئة الإنسان، وعلمَ النفس، كلَّها علومٌ تصفُ من الإنسان فقط الجانبَ الخارجي الآلي الذي لا معنى لهُ… إننا لا نستطيعُ تفسيرَ الحياةِ بالوسائل العلمية فقط، لأن الحياةَ معجزةٌ وظاهرة معًا. الإعحابُ والدهشةُ هما أعظمُ شكلٍ من أشكال فهمنا للحياة”.

مادامت مناهجُ وأدواتُ ووسائل العلم تجريبيةً فهناك قصورٌ ذاتي في هذه المناهج والأدوات والوسائل عن أن تطلّ على عوالم الميتافيزيقا، لذلك يعجز العلمُ عن عبور فضاء المادة وأحوالها وما يتصل بها، ولا يمكنه الكشفُ عن ماهية الأشياء وجوهرها، كما لا يمكنه الجواب عن السؤال الميتافيزيقي. ما يتناوله العلمُ يلبث في حدود المادة، بخلاف الفلسفة واللاهوت التي بوسعها إدراكُ شيء من أبعاد الميتافيزيقا وعوالمها وشؤونها. وفي العرفان تنكشف مواطنُ أشواق الروح البشرية وأحوالها واحتياجاتها العميقة، لحظة يعلن جوهرُ الدين عن حضوره المُضِيء باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المبهجة.

علّق هايدغر على عبارته المشهورة: “العلم لا يفكّر”، (بقوله: “إن هذه العبارة التي خلّفت كثيرًا من الضجيج إثر نطقي بها، تعني أن العلم لا يشتغل في إطار الفلسفة، إلا أنه، ومن غير أن يعلم، ينْشدّ إلى ذلك الإطار. فعلى سبيل المثال: إن الفيزياء تشتغل على المكان والزمان والحركة. إلا أن العلم، بما هو كذلك، لا يمكنه أن يحدّد ما الحركة، وما المكان، وما الزمان”. العلمُ إذًا لا يفكّر، بل إنه لا يمكن أن يفكّر في هذا الاتجاه باستخدام وسائله. لا يمكنني على سبيل المثال أن أقول ما الفيزياء باتّباع مناهج الفيزياء. ماهية الفيزياء لا يمكنني أن أفكّر فيها إلا عن طريق سؤال فلسفي)[2]. وكما يقول فتحي المسكيني: “الفلسفةُ شيء لا علاقةَ له بالعلم. وبعبارة واحدة لهيدغر: العلم لا يفكّر. والقصد هو لا يفكّر بشكل كوني في الكينونة، رغم أنّه ينتج معرفةً كلية بالكائن”.

تتوقف التفسيراتُ العلميةُ للدينِ عند معاينةِ حضورهِ الفردي والمجتمعي، ودراسةِ وتحليل آثاره المتنوعة في حياة الإنسان ومختلف تعبيراته، لكنها تخفقُ في البحث عن المديات الأعمق لأصل الحاجةِ للصلة بالله في الكينونة الوجودية العميقة للكائن البشري. تقودُ هذه التفسيراتُ بعضَ الناس أحيانًا إلى نفي الحاجةِ للدين، ويتمادى بعضُ مَنْ يتبناها ليقولَ بنفي وجود الله، من دونِ أن يسوقَ أيَّ برهانٍ على هذا النفي. ويزعمُ أناسٌ آخرون إن الإيمانَ مجردُ شعورٍ نفساني، تفرضُه على الإنسان سيكولوجيتُه وبيئتُه وتربيتُه وثقافتُه، وهي محاولةٌ أخرى لنفي وجودِ الله بلا دليلٍ.

الإنسانُ ليس عقلًا محضًا، الإنسانُ كائنٌ تتحكم فيه المشاعرُ والإنفعالاتُ والمصالحُ أكثرَ من العقل، الإنسانُ كائنٌ عاطفي قبل أن يكون كائنًا عقلانيًا. أسرف التنويرُ الغربي في الاعلاء من مكانة العقل والعلم، وتجاهلِ العواطف والمشاعر والأحاسيس والانفعالات، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، بنحو تسيّد العقلُ والعلمُ واستبدّا، فصادرا كلَّ شيء خارج حدودهما، وصار كلُّ شيء لا يصدق عليه عقل وعلم منسيًا. قراراتُ ووقائعُ حياة الإنسان تكذِّب ذلك، لأن الشعرَ والفنَ، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، ومكاشفاتِ الروح وإشراقاتها، لا يصدر كثيرٌ منها عن العقل. القرارات المصيرية في حياة الإنسان تصدر أحيانًا لحظةَ انفعال عاطفي، وطالما اتخذ الإنسانُ فردًا وجماعةً مواقفَ تغيب فيها حساباتُ العقل والعلم تمامًا.

ـــــــــــــــــــــــــ

[1] في مقابلة أجراها معه الإعلامي: ريكاردو كرم، متاحة على اليوتيوب.

[2] عبدالسلام بنعبدالعالي، “العلم هل يفكّر؟ كل ما يمكن أن يصبح ممكنًا تقنيًا لا يمكن السماح به”، مجلة الفيصل، 1 يناير 2021.