Category: فلسفة الدين

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

السؤالُ الميتافيزيقي سؤالٌ فلسفي

مَنْ لا يعرفُ الإنسانَ لا يعرفُ الله. مَنْ يعرفُ شيئًا عن غرابة ‏الإنسان وغربته الوجودية وفقره وهشاشته، ويعرفُ شيئًا من الطبيعة الإنسانية، يمكنه أن يصلَ إلى الله. ‏معرفةُ الطبيعةِ لا تكفي لمعرفة الله.

يتنكرُ بعضُ المثقفين للميتافيزيقا وما وراء الطبيعة، على الرغم من أنه لا يعرف عنها شيئًا، وينفي وجودَ الله، لأنه لم يصل إليه بأدوات العلم التجريبي التي يثق بها فقط، ولا يثق بسواها. يجزم بالنفي من دون أن يتواضعَ ويكشفَ عن إخفاق عقله في إدراك ما لم يتمكن هو من إدراكه. لا يدري هؤلاء بأن البحثَ في الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة خارجَ أدوات العلم، وخارجَ وسائل اكتشاف العالَم الفيزيقي وقوانينه.

يُعلِن بعضُهم بصرامة بأنه لا يؤمن بوجود الله، ويقطع بعدم وجود ما وراء الطبيعة، بلا تأمّل وتدبّر وتبصّر، وينسى بأن الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة هو الموضوع الأثير للفلسفة منذ بدايات التفلسف حتى اليوم، وأن سؤالَ الايمان والإلحاد ليس سؤالًا علميًا، وأن أسئلةَ الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة أسئلةٌ فلسفية.كلُّ سؤال وجواب خارج عالَم الطبيعة سؤالٌ وجوابٌ فلسفي. إعلانُ الإلحاد ضربٌ من الجواب الميتافيزيقي، الإلحادُ يعكسُ ضراوةَ القلق الوجودي، وأقصى مديات ‏حيرة الجواب الميتافيزيقي. لحظةَ يعلن أحدٌ عن إلحادِه ينتقل من التفكير العلمي إلى التفكير الفلسفي، من دون أن يتنبه لذلك. نفيُ عالَم ماوراء الطبيعة كإثباته، الإثباتُ حكمٌ فلسفي، والنفيُ حكمٌ فلسفي. التفكيرُ في ماهية العلوم الطبيعية وماهية أيّ علمٍ هو تفكيرٌ فلسفي، العلمُ لا يُفكّر في ماهيته، التفكيرُ في ماهية العلوم خارجَ مجال العلوم، كلُّ تفكيرٍ من هذا النوع تفكيرٌ فلسفي.

في مقابلةٍ تلفزيونية على إحدى الفضائيات العربية مع معماري عراقي مثقف واسع الاطلاع، تحدّث فيها عن إلحاده بصراحة. يقول رفعت الجادرجي: “أنا ملحد بكل ما للكلمة من معنى”. ويضيف: “أن لديه وصية مكتوبة بأن تحرق جثته بعد موته ولا يُدفَن ولا يُصلَى عليه”[1].

ولد ونشأ المهندس المعماري رفعت الجادرجي في محيطٍ تقليدي ببغداد، أبوه كامل الجادرجي كان سياسيًا ومثقفًا غير تقليدي، وهو من أبرز رواد الديمقراطية ودعاتها في العراق. سمعتُ الحوارَ كلَّه بتأمل أكثر من مرة، رأيته يفسِّر الدينَ والمقدّسَ، وحاجةَ الإنسان للصلة بوجودٍ الله تفسيرًا سيكولوجيًا وسوسيولوجيًا وأنثربولوجيًا. لا يغور رفعت الجادرجي فلسفيًا ليرى الأبعادَ العميقةَ للحاجة الى الدين في وجود الإنسان، ولا يذهب تفكيره بعيدًا ليطلّ على الميتافيزيقا وعالَم ما وراء المادة. حاجةُ الإنسان للصلة بوجودٍ مطلق يفرضها نوعُ وجوده، ونتيجةً لها يفرض الدينُ حضورَه الأبدي، وينتقم لنفسه كلّ مرة تجري إزاحتُه فيها ليعود عاصفًا، مهما كانت محاولاتُ بعض الفلاسفة والمفكرين لرفضِه، والكشفِ عن بؤس تمثلاته وتطبيقاته العملية. الحاجةُ الوجودية لله أسعدتْ كبارَ ملهمي الروح المعلمين في إطار الأديان المعروفة وغيرَهم ممن عاشوا مُتيّمين بحب الله، وأشقت بعضَ البشر، عندما زجّتهم في صراعٍ مع أنفسهم والناس والعالَم من حولهم.

لا أريد أن أحكم على تفسيرِ رفعت الجادرجي وشعورِه وتعبيرِه الصريح عن موقفه، لأن كلَّ تفسيرٍ لا يمكن أن يتحرّر كليًا من بصمةِ الذات، وكيفيةِ نشأتها وتربيتها، وتكوينِها المعرفي، والبنى اللاشعوريّة الغاطسة فيها، واحتياجاتِها المتنوعة.

‏ الظواهرُ الدينية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ‏وكلُّ تمثلات الدين المجتمعية، تدرسها علومُ الإنسان والمجتمع الحديثة، ‏مثل: سوسيولوجيا الدين، انثربولوجيا الدين، سيكولوجيا الدين، وغير ذلك. التفسيرُ السيكولوجي والسوسيولوجي والأنثربولوجي والاقتصادي والسياسي والتاريخي للظواهر الدينية شديدُ الأهمية، لأننا لا يمكن أن ندرس تمثلاتِ الدين وتعبيراته في حياة الفرد والجماعة من دونه، غير أن هذا التفسيرَ لا نستطيع أن نرى بأدواته منشأَ الحاجة الوجودية لله، ولا يسعفنا في اكتشاف الجذرِ العميق لهذه الحاجة، لأنه يقف خارجَ فضاء الميتافيزيقا.

جذرُ هذه الحاجة وأصلُها لا تتمكن من الغوص في مدياته إلا الرؤيةُ الفلسفية، لأنها يمكن أن تطلّ على الميتافيزيقا. التفكيرُ في حقيقة الأشياء وماهياتِها تفكيرٌ فلسفي. ماهيةُ الدين لا يمكن التفكيرُ فيها خارجَ السؤال الفلسفي، أعمقُ سؤال فلسفي السؤالُ ميتافيزيقي، لا يستطيع العقلُ أن يفكِّر في العالَم الميتافيزيقي بلا منظارٍ فلسفي. ولا يحضر جوهرُ الدين الروحي إلا باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المضيئة الآسرة.

اللهُ، الوحيُ، النبوةُ، الآخرةُ، وغيرُ ذلك من عوالم الغيب، تبحثها فلسفةُ الدين، لأنها تحاول أن تغوص في ما هو ميتافيزيقي.كما تبحث فلسفةُ الدين كيفيةَ تجلي الإلهي في البشري،‏ وكيفيةَ شهود البشري للإلهي، ونمط ‏الحالة الروحية والعاطفية لحظة شهود البشري للإلهي.

العلومُ الطبيعية والبحتة والتطبيقية وعلومُ الإنسان والمجتمع لها مدياتٌ قصوى تقف عند تخومها ولا تتخطاها، إنها تظلّ مقيمةً في آفاق الزمان والمكان والحركة والمادة وأبعادها وخصائصها وشؤونها. يقول علي عزت بيغوفيتش: “إن علمَ الحفريات، وعلمَ هيئة الإنسان، وعلمَ النفس، كلَّها علومٌ تصفُ من الإنسان فقط الجانبَ الخارجي الآلي الذي لا معنى لهُ… إننا لا نستطيعُ تفسيرَ الحياةِ بالوسائل العلمية فقط، لأن الحياةَ معجزةٌ وظاهرة معًا. الإعحابُ والدهشةُ هما أعظمُ شكلٍ من أشكال فهمنا للحياة”.

مادامت مناهجُ وأدواتُ ووسائل العلم تجريبيةً فهناك قصورٌ ذاتي في هذه المناهج والأدوات والوسائل عن أن تطلّ على عوالم الميتافيزيقا، لذلك يعجز العلمُ عن عبور فضاء المادة وأحوالها وما يتصل بها، ولا يمكنه الكشفُ عن ماهية الأشياء وجوهرها، كما لا يمكنه الجواب عن السؤال الميتافيزيقي. ما يتناوله العلمُ يلبث في حدود المادة، بخلاف الفلسفة واللاهوت التي بوسعها إدراكُ شيء من أبعاد الميتافيزيقا وعوالمها وشؤونها. وفي العرفان تنكشف مواطنُ أشواق الروح البشرية وأحوالها واحتياجاتها العميقة، لحظة يعلن جوهرُ الدين عن حضوره المُضِيء باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المبهجة.

علّق هايدغر على عبارته المشهورة: “العلم لا يفكّر”، (بقوله: “إن هذه العبارة التي خلّفت كثيرًا من الضجيج إثر نطقي بها، تعني أن العلم لا يشتغل في إطار الفلسفة، إلا أنه، ومن غير أن يعلم، ينْشدّ إلى ذلك الإطار. فعلى سبيل المثال: إن الفيزياء تشتغل على المكان والزمان والحركة. إلا أن العلم، بما هو كذلك، لا يمكنه أن يحدّد ما الحركة، وما المكان، وما الزمان”. العلمُ إذًا لا يفكّر، بل إنه لا يمكن أن يفكّر في هذا الاتجاه باستخدام وسائله. لا يمكنني على سبيل المثال أن أقول ما الفيزياء باتّباع مناهج الفيزياء. ماهية الفيزياء لا يمكنني أن أفكّر فيها إلا عن طريق سؤال فلسفي)[2]. وكما يقول فتحي المسكيني: “الفلسفةُ شيء لا علاقةَ له بالعلم. وبعبارة واحدة لهيدغر: العلم لا يفكّر. والقصد هو لا يفكّر بشكل كوني في الكينونة، رغم أنّه ينتج معرفةً كلية بالكائن”.

تتوقف التفسيراتُ العلميةُ للدينِ عند معاينةِ حضورهِ الفردي والمجتمعي، ودراسةِ وتحليل آثاره المتنوعة في حياة الإنسان ومختلف تعبيراته، لكنها تخفقُ في البحث عن المديات الأعمق لأصل الحاجةِ للصلة بالله في الكينونة الوجودية العميقة للكائن البشري. تقودُ هذه التفسيراتُ بعضَ الناس أحيانًا إلى نفي الحاجةِ للدين، ويتمادى بعضُ مَنْ يتبناها ليقولَ بنفي وجود الله، من دونِ أن يسوقَ أيَّ برهانٍ على هذا النفي. ويزعمُ أناسٌ آخرون إن الإيمانَ مجردُ شعورٍ نفساني، تفرضُه على الإنسان سيكولوجيتُه وبيئتُه وتربيتُه وثقافتُه، وهي محاولةٌ أخرى لنفي وجودِ الله بلا دليلٍ.

الإنسانُ ليس عقلًا محضًا، الإنسانُ كائنٌ تتحكم فيه المشاعرُ والإنفعالاتُ والمصالحُ أكثرَ من العقل، الإنسانُ كائنٌ عاطفي قبل أن يكون كائنًا عقلانيًا. أسرف التنويرُ الغربي في الاعلاء من مكانة العقل والعلم، وتجاهلِ العواطف والمشاعر والأحاسيس والانفعالات، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، بنحو تسيّد العقلُ والعلمُ واستبدّا، فصادرا كلَّ شيء خارج حدودهما، وصار كلُّ شيء لا يصدق عليه عقل وعلم منسيًا. قراراتُ ووقائعُ حياة الإنسان تكذِّب ذلك، لأن الشعرَ والفنَ، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، ومكاشفاتِ الروح وإشراقاتها، لا يصدر كثيرٌ منها عن العقل. القرارات المصيرية في حياة الإنسان تصدر أحيانًا لحظةَ انفعال عاطفي، وطالما اتخذ الإنسانُ فردًا وجماعةً مواقفَ تغيب فيها حساباتُ العقل والعلم تمامًا.

ـــــــــــــــــــــــــ

[1] في مقابلة أجراها معه الإعلامي: ريكاردو كرم، متاحة على اليوتيوب.

[2] عبدالسلام بنعبدالعالي، “العلم هل يفكّر؟ كل ما يمكن أن يصبح ممكنًا تقنيًا لا يمكن السماح به”، مجلة الفيصل، 1 يناير 2021.

الإنسانُ كائنٌ غريبٌ في العالَم

الحياةُ لغزٌ، الموتُ لغزٌ، طبيعةُ الإنسان لغزٌ. ما أشدَّ غربةَ الإنسان وما أقساها، يعيشُ الإنسان غريبًا ويموتُ غريبًا. الإنسانُ غريبٌ في هذا العالَم، غريبٌ عن وجوده المادي في الحياة، غريبٌ عن الزمان والمكان، غريبٌ بعد الموت في العالَم الآخر. يكتب دوستويفسكي: “إن الإنسانَ سرٌّ بالنسبة لي، وهذا السرُّ ينبغي أن يُفسَّر، أن يُشرَح، وسوف أمضي حياتي كلّها في البحث عن هذا السرّ: من أين جاء الإنسان، ومن هو الإنسان، والى أين المصير؟ ولماذا يعتدي الإنسان على أخيه الإنسان؟ ولماذا يكون طيباً أحيانًا، وشريرًا أحيانًا أخرى؟”.

وحدُه لحظةَ الموتِ يخوضُ الإنسانُ تجربةً وجودية عصيبة للمرة الأولى والأخيرة، تجتمع فيها أشرس تحديات حياته وأقساها، وكأنها تختصر كلَّ تجارب عيشه الباهظة. تجربةُ الموت متفردةٌ في كلّ شيء، لا تحدث للإنسان إلا مرة واحدة، لا تشبهها أيةُ تجربة كان يخوضها الإنسانُ في حياته. الموتُ هو الحدثُ الوحيدُ الذي يختزل كلَّ أحداثِ حياةِ الكائن البشري المريرة، وأيامِه الموحشة، وامتحاناتِه الحزينة، وذكرياتِه الكئيبة، ومحنه القاسية. تجربةُ الموت حدثٌ فردي تتوقف فيه رحلةُ الحياة الدنيا، لا يكرر الموتُ تجاربَ الحياة اليومية، ولا يتموضع في خبرات الكائن البشري المعروفة، ولا تنكشف للإنسان حقيقتُه ما دام حيًا.

الموتُ حدثٌ مذهل يشطبُ فورًا على كلِّ الفوارق العنصرية والثقافية والدينية والسياسية والمالية والاجتماعية والطبقية، وكلِّ تمييز احتقاري فرضه الإنسانُ المستعلي على الإنسان البائس والضعيف والفقير. في الموت يتوحد الكلُّ رغمًا عنهم، يمحو الموتُ لحظةَ حدوثه كلَّ العناوين والألقاب والرتب والامتيازات والفوارق. يتساوى في الموت: الرئيسُ والمرؤوس، الغنيُ والفقير، القويُ والضعيف، الشريفُ والحقير، وغير ذلك من عناوين فرضتها المجتمعاتُ وصنّفت على وفقها الناسَ تراتبيًا. الموتُ يلغي كلَّ قناع زائف يتلفع فيه الطواغيتُ والجبارون والمتكبرون والمغرورون والمتغطرسون، يضعهم بعد علوّهم، يصفع هؤلاء بشراسة فيمزق غطرستهم، يوقظهم ليستفيقوا فزعين من سكرتهم مذعورين، يسقطهم فجأةً من عليائهم، ليجدوا أنفسَهم بحالة مزرية يتمنون عندها لو كانوا كمَنْ ينظرون إليهم بازدراء واحتقار من قبل، الموتُ يختطف كلَّ الأضواء والشهرة والاستعلاء الذي ظنوا أنه أبدي لن يفتقدوه. الموتُ هو اللحظة التي يرضخ فيها الإنسان كُرهًا للإعلان عن هشاشته وفقره الوجودي وفاقته وإملاقه، لحظةَ الموت يستحقّ كلُّ إنسان الشفقةَ والعطفَ مهما كان مقامُه في الحياة الدنيا.

حدثُ الموت يُخرِس كلَّ اللغات، وتكفّ عن دلالاتها عند مداهمته كلُّ الكلمات. كي نفهمَ معنى الموت لا بدَّ أن نمتلك لغةً تحكي خبرةً جديدةً خارجَ سياق ما تعرفه لغتُنا من دلالات. لن تبوح اللغةُ بمعنى الموت مالم تكن منبثقة من فضاء الموت. تعجزُ لغتُنا البشرية عن القبض على حقيقة الموت، لأن هذه اللغةَ ولدت وتنوعت وتغذّت من أحداثِ حياتنا وتجاربِ عيشنا المألوفة. اللغةُ معطى يختزن خبراتِ تعاطي الإنسان مع كلّ ما حوله من بشر وكائنات حيّة وغير حيّة، تتسع اللغةُ لتصوير أكثرِ أفكارِ الإنسان ومشاعرِه وأحلامِه ومتخيلِه، وتعجز عن التعبير عمّا لا يدرك الذهنُ صورتَه، فتنتقل دلالتُها إلى رمزية، كما في دلالتها على الله والغيب.

الموتُ مأزقٌ وجودي، عند مواجهة الإنسان للموت تصمت كلُّ الفلسفات والآداب والفنون والثقافات واللغات، كلُّها تعجز عن إسعاف الإنسان لحظةَ الموت، لا يُسعِف الإنسانَ في تلك اللحظة إلا صوتُ الله والإيمانُ به. سؤالُ معنى الحياة والموت سؤالٌ ميتافيزيقي، وكلُّ سؤالٍ ميتافيزيقي سؤالٌ فلسفي. لا جوابَ مقنعًا لمعنى الحياة والموت خارج الدين، يتعذر تفسير معنى الحياة والموت ميتافيزيقيا وفقًا للعلوم ولقوانين الطبيعة، ‏في الدين فقط يمكن ان نعثر على معنى للحياة، ‏ومعنى للموت بوصفه طورًا جديدًا لوجود الإنسان، وحياةً أخرى على شاكلة ذلك الوجود.

لا يصنع الكائنُ البشري حاجتَه للدين، الحاجةُ للدين مستودعةٌ في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن، ما يصنعه هو أشكالُ تديّنه في حياته الفردية والمجتمعية. ويدلّ على ذلك حضورُ الدين ورموزُه وتعبيراتُه المتنوعة في حياته منذ ظهوره على الأرض حتى اليوم. ‏لا يموت الدينُ إلا أن يموتَ الموت، ولا يستطيع الإنسانُ أن يدفع الموتَ عن نفسه مهما حاول.

أقسى أشكال الغربة غربةُ الروح في هذا العالَم، تغتربُ الروحُ بسبب اختناقها في سجنها المادي.  الروحُ حين تفتقرُ للصلة بالله تأكلها وحشةُ الوجود المادي، وتستنزفُ طاقتَها ظلماتُه، فتتيه وينتابها القلقُ والخوفُ والحزنُ والألم، وأحيانًا الهلع. الألمُ قدرُ الإنسان حيثما كان، كلٌ منا يتألمُ على شاكلته، مَنْ لا يتألمُ لا يتكاملُ.

الإنسانُ مخلوقٌ ضعيفٌ هشٌّ يستحقُّ الشفقةَ والعطف والرعاية، عجزُه عن تخليص نفسه من الموت هو ما يفضح هشاشتَه وضعفه. الإنسانُ ضحيةٌ لجهله بنفسه وغربته واغترابه ومصيره. الحياة ُكأنها مكوثٌ في فندق على عجل، لمدة لا تتجاوز ليلة أو ليلتين في أقصى الأحوال، ومثل هذا المكوث السريع جدًا ‏يتطلب: الصمتَ أكثر من الكلام، التأملَ أكثر من الغفلة، الحضورَ داخل الذات أكثر من الحضور بين الناس، السعي الدائم لتأمين منابع إلهام السلام الباطني، وتغذيتها باستمرار بما يثريها ويرسخها. السلامُ الباطني هو المنبع للحياة الهادئة المطمئنة، السلامُ الباطني مفتاحُ سلام المجتمع. حين يفتقدُ الإنسانُ السلامَ الباطني يعيشُ كئيبًا، يتمزقُ من الداخل، يعجزُ عن اطفاء نار الكآبة المستعرة داخله، وتتحول حياتُه إلى سلسلةٍ لا تنتهي من المكابدات النَكَدة المنهكة. ‏

غرورُ الإنسان، وجهلُه بمحدودية قدراته، وعجزُه عن اكتشاف أعماق نفسه، من أشدِّ أسباب غربته في هذا العالَم، وهذه ليست حالةٌ شاذةٌ في بني آدم. لا يتنبهُ الإنسانُ لعجز جسده، وقصورِ معرفته، وهشاشة عاطفته، وخوائِه الروحي. توهمُ الإنسانُ بقوته الخارقة، وغطرسته وتباهيه بأن علمَه يمكن أن يحيطَ بكلِّ شيء، وإحساسُه بأنه يستطيعُ أن يعيشَ في الأرض، ويؤمِّن لنفسه متطلباته المادية والمعنوية، ويتخلص من خوائِه الروحي، من دون أن يحتاح لغيره، وتوهمه بأن الموتَ يمكن أن يقعَ على كلِّ الناس إلا هو، أو على الأقل شعورُه بأن الموتَ يمهله ويمنحه فرصةً بلا نهاية، حتى فراغه من إنجاز كلِّ طموحاته واستيفاء مختلف أحلامه. تتضخم طموحاتُ أكثر الطموحين وأحلامُهم أكثر من قدراتِهم الآنية والمستقبلية بآلاف المرات، ومع ذلك يظلون يلهثون وراءها بلا أن يتوقفوا برهةً ليعيدوا النظرَ في حدود ذواتهم وافتقارهم للإمكانات التي يتعذر عليهم تأمينُها ما داموا أحياء.

غفلةُ الإنسان عن السعي لاكتشاف قدراته، وجهلُه بحدود امكاناته يشعره بعدم القناعة، ويستلب منه الهدوء والشعور بالسلام، ويوقع مشاعره في انفعال متّقد يستنزفه. ما يمكنه إنجازُه بالفعل ضئيل جدًا مقارنةً بما تورطه فيه أوهامُه عن قدراتِه اللامحدودة. يلبث الإنسانُ مسجونًا في اغترابه الوجودي، مادام لا يستطيع التحرّرَ من غروره وجهله بقصور قدراته، ويتنكر لاحتياجه إلى الله. اعترافُ الإنسان بشيء من ضعفه، وانتباهُه لقصور قدراته عن أن تنال كلَّ ما يتمناه من شأنه أن يحرّره من الشعورِ الزائف بالاكتفاء بذاته، والاستغناءِ عن الله، وعدمِ الاحتياج للإيمان الذي ينقذه من اغترابه الوجودي. يقول علي عزت بيغوفيتش: (إن التسليمَ لله هو الطريقةُ الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروف الحياة المأساوية التي لا حلَ لها ولا معنى، إنه طريقٌ للخروج بدون تمرد، ولا قنوطَ، ولا عدميةَ، ولا انتحار. إنه شعورٌ بطولي “لا شعور بطل”، بل شعور إنسان عادي قام بأداء واجبه وتقبّل قدره).

للإيمان والدين أثرٌ إيجابي بنّاءٌ على الصحة النفسية، وحمايةِ الإنسان من اضطرابات الشخصية، ولولا الدينُ وما يغذّيه من المحبة والرحمة والشفقة والتضامن وكلِّ القيم السامية، لما استطاع النوعُ الإنساني الاستمرارَ في العيش على الأرض كلَّ هذه الأحقاب التاريخية.

ولا يعني ذلك أن الإيمانَ والدين يقيان كلَّ إنسانٍ من الاكتئاب والقلق والهلع وغير ذلك من الأمراض النفسية. الإيمانُ والدين ليسا بديلين عن العلاج والطب النفسي. للأمراض النفسية أسبابٌ مختلفة وعواملُ معقدة متشابكة، يتطلب الكشفُ عنها والتعرّفُ عليها وسائلَ علمية ومهارات خبراء متخصصون، ولا يمكن الشفاءُ منها إلا بمراجعة عيادات نفسية متخصصة، وأحيانًا يتطلب علاجُ الحالات الحادة سنوات طويلة، وتختلف مدةُ العلاج وأساليبُه تبعًا لنوع المرض وشدّته. الإيمانُ يظهر أثرُه بوضوح إن كان الإنسانُ يتمتع بسلامة نفسية، وفي حالات المرض النفسي غير المستعصية يمكن أن يخفضَ الإيمانُ من ضراوةِ المرض وفتكِه بالإنسان، ويجعلَ طريقةَ العلاج أسهلَ ومدّتَه أقصر.

تختلف أنماطُ التديّن تبعًا لاختلافِ النَّاس

الدين أبدي؛ إنه موجودٌ بوجود آدمَ الأوَّل، وسيبقى حتى آدم الأخير. الدين موجود في عصرنا كما كان موجودًا على الدَّوام في كلِّ عصر. يتمكَّن الإنسانُ في هذا العصر من تجديد مناهج فهمه للدين، وتجديد أدوات تفسير نصوصه في ضوء متطلَّبات هذا الواقع، كما فعل الإنسانُ في الماضي.

 

الدينُ كائنٌ حي ينمو ويتطوَّر ويمرض، وقد يصاب بداءٍ مزمن. فكم من ديانةٍ منفتحة انغلقت، وكم من ديانةٍ مغلقة انفتحتْ. مفسّرو النصوص المقدسة تتحكمُ في فهمِهم للدين وتفسيرِهم لنصوصه؛ رؤيتُهم للعالَم وثقافتُهم ونمطُ نشأتهم وتربيتُهم وتكوينُهم المعرفي، وأحكامُهم المسبقة، وآفاقُ انتظارهم من الدين.

من هنا تأتي الحاجةُ إلى تتابع النبوَّات وظهور المجدِّدين والضرورات الأبدية لإصلاح الأديان وتجديد فهمها وإعادة تفسير كتبها المقدسة. ثم إن الضرورة إلى تجديد الفكر الديني تشتدُّ في كلِّ عصر يحتجب فيه الله عن العالم، من أجل تحرير فهم الدين من التعصُّب الأعمى، وبعثِ الإيمان، وحمايةِ الاعتقاد من الاستغلال فيما ينهك الحياة.

إنَّ دراسةَ أثر كلِّ دين وأنماط التديُّن التي تتشكّل في فضائه تتطلَّب أن يعتمدَ الدارسُ معادلةً مثلثةً للفهم؛ إذ لا بدَّ من أن يعاينَ الدارسُ ذلك الدين بوصفه نصًّا مقدَّسًا أولًا، ويتعرّفَ ثانيًا إلى شخصيَّة الإنسان المُعْتَقِد بهذا النصِّ فَرْدًا ومُجْتَمَعًا، ويكتشفَ طبيعةَ الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسانُ وكلَّ ما يحفل به عصرُه ثالثًا. تشكل هذه العناصرُ الثلاثةُ توليفةً متفاعلةً تؤثّر كلٌّ منها في الأخرى وتتفاعل معها. لذلك تختلف أنماطُ التديّن تبعًا لاختلافِ النَّاس أفرادًا ومجتمعاتٍ، ولاختلافِ واقعهم وعصرِهم وثقافتهم، ولطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، ولاختلافِ كيفية تلقِّي النصوص المقدَّسة. ربما يكون التديُّنُ دافئًا، ليِّنًا، رقِيقًا، رحيمًا، كما هو لدى قليل من الأشخاص الذي يُولدون في واقعٍ يستمعون فيه إلى صوتِ المَحَبَّة والعطف والشفقة والتَّراحم، ويحظون بتربيةٍ وتعليمٍ سليمَين. وربما يكون التديّنُ شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرَّضون للاضطهادٍ وعنفٍ في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمَين.

تنشأ الثَّغراتُ في دراسة الأديان من إهمال أحد أضلاع المعادلة المُثلثة للفهم، لذلك تتطلَّب دراسةُ الأديانِ أنْ يتعاطَى الدَّارسُ مع نصوصِها المقدّسةِ وتراثِها الدينيّ بمنطقِ الباحث الذي يعتمدُ مناهجَ البحثِ العلميِّ، وينشدُ فهمَ المغزى العميقِ لهذه النصوص، ويهمُّه التعرُّفُ إلى دلالات التُّراث في فضاء السياقات الخاصّة التي تَشَكَّل فيها، والسعيُ لاكتشاف الآثارِ الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتْها نصوصُ هذه الأديان، وكيفياتِ تمثُّلها في الحياة البشرية. ولا أظنُ أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها؛ لو كان الدارسُ مولعًا بالتبشيرِ بمعتقده ولا يريد إلّا ترويجَه، والحرص على إدخالِ المختلف فيه، بوصف معتقده هو الحقّ وكل ما سواه باطل.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لم تَعُد المناهجُ المكرّرة في دراسة الأديان تضيف إلى الباحث نتائجَ حاسمة؛ ذلك لأن التراث فيها لا يزال يتحدّثُ إلى التراث. إن الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفيةِ نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدِّراسات الدينيَّة من الرؤيةِ التقليديَّة -التي كانت ترى الدين ونصوصَه المقدَّسة مرجعيةً نهائيةً في تفسير كلِّ شيء وفهمه- إلى رؤيةٍ تُخضِع تعبيراتِ الدين وتجلياتِه في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تَمَثُّلاتٍ بشريةً، وكلّ ما هو بشري يقع في مداراتِ عقلِ الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. إن كانت نصوصُ الدين مقدّسة؛ غير أنَّ تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلَّى فيه الأُفُقُ التاريخيُّ الذي يتموضعُ فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابرًا للإطار المعرفيّ لذلك الإنسان.

إن تطبيقَ المناهج العلميَّة في دراسة الأديان وفِرَقِها ومذاهبها جميعها هو ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ إلى كيفية ولادتها وصيرورتها التاريخية، والآثارِ المزمنة لها في الحياة البشرية. تولد الأديان في عصر مؤسِّسيها، لكنها تظلُّ تتخلَّق وتنمو في صيرورةٍ لا تتصرَّم عبر الزمان والمكان في سياقاتِ نسيجِ المتطلَّبات المتنوّعة لحياة الإنسان فردًا وجماعةً، والعلاقاتِ العضويَّة بين السلطة والمعرفة.

ليستْ هناك ديانةٌ أو نصٌّ دينيٌّ خارج طرائق عيش الإنسان وطبائع العمران، فالإنسانُ يخضع لمشروطيَّاتٍ تَفْرِضُ عليه نمطَ حياته، وتؤثّر في سلوكه؛ وهي: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان. لا يتجسَّد الدينُ في حياة الإنسان إلّا تبعًا لهذه المشروطيَّات؛ أي إنَّ فهمَ الدِّين وتفسير نصوصِه يتنوَّع بتنوُّع أنماط حياة النَّاس وطرائق عيشهم. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

إن الرؤية اللَّاتاريخية للدين ترى الأديانَ قارَّةً ساكنةً، وكأنَّ الأديانَ تؤثِّر في المجتمعات وتعمل على تغييرها، من دون أنْ تتغيّر هي أو تتأثَّر. الرؤيةُ التاريخيةُ العلميَّةُ تذهب إلى أنَّ الأديانَ تتأثَّر بطبيعةِ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المتنوِّعَةِ، تبعًا لتنوُّع الزمانِ والمُحيط والإثنيَّة والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أنَّ هناك تأثيرًا وتأثُّرًا متبادَلًا بين الدين والمجتمع، فمثلما يؤثّر الدينُ في المجتمع، ويسهم في إنتاجِ رؤيتِه للعالَم، ويعمل على صوغ نمطِ حياتِه، يعمل المجتمعُ أيضًا على إنتاجِ صورتِه الخاصَّة للدين، وصياغةِ نمطِ التديّن الذي يشبهه. مثلًا لو ظهرت البوذيةُ في الجزيرة العربيّة لأضحتْ مُشَابِهَةً للمجتمع العربيّ، ولو ظهرت الهندوسيةُ في اليونان لأضحت مشابهةً للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحيةُ في الصِّين لأضحت مشابهةً للمجتمع الصيني، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. كما تؤثّر المجتمعاتُ في الأديان؛ تؤثر الأديانُ في المجتمعات، ما فعلتْه الأديانُ في المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ المجتمعات بالأديان.

الموقفُ الأخلاقي يفرض على أتباع كلّ دين الكشفَ عن أرشيفات الماضي، وإعلانَ كلِّ ما يختبئ فيها، وفضحَ منابع التعصب والكراهية في تراثه مثلما يفضحها لدى غيره، والاعترافَ بأخطائه كما يتحدّث عن أخطاءِ غيره.

ليستْ هناك دينٌ يحتكرُ المحبَّةَ والحرياتِ والحقوقَ واحترامَ كرامة الإنسان، وليس هناك تاريخُ دينٍ مُنَزَّهٌ عن التعصُّب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان. ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصحّ نسيانُ مظالمِ الفتوحات، مثلما لا يصح نسيانُ مآسي الحروب الصليبية، وجرائمِ الصهيونيّة في فلسطين.

المعروفُ عن البوذية أنها ديانةٌ غيرُ تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سِلمًا، لم يتحدّث لنا التاريخُ عن حروبٍ تم خوضُها أو دماءِ أبرياءٍ سُفكت باسمها، كما هو معروف عن دياناتٍ أخرى، لكن مع كلّ ذلك تناقلتْ وسائلُ الإعلام صورًا ومشاهدَ لأعمالِ عنف مأساويّة ضد مُسْلِمِي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعاتٌ بوذيّة بتحريضِ رهبان بوذيين متطرّفين.

من الضروري الارتقاءِ بالحوار بين الأديان، والانتقالِ به من الكلام المكرّر إلى اعتماد المناهل الروحية والقيم الأخلاقية المشتركة، والبناءِ عليها بوصفها منطلقاتٍ للبحث في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. وفي ضوء هذا الموقف ينبغي رفض مواقفَ كلّ من يستخفّ بمعتقدات أيّ دين آخر أو يسفهها. التفكيرُ في كلّ ديانة يمتلك حججَه وأدلتَه وقناعاتِه داخل تلك الديانة، ولا تصحّ مناقشةُ هذه الحجج والأدلة والقناعات من دون أن ينخرطَ المناقشُ في أفق تفكير الديانة، ويستوعبَ نصوصَها وتراثَها وخبراتها الروحية.

تمثلات الدين فردية ومجتمعية

لا يتوقفُ أثرُ الدينِ على حياة الفرد كما يرى جماعةٌ ممن لا ينظرون للواقع بتأملٍ دقيق، ما فعلتْه الأديانُ في حياة المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ الأديان في حياة الأفراد. يحضرُ الدينُ في حياة الفرد مثلما يحضرُ في حياة المجتمع، لا دينَ بلا تديّن فردي ومجتمعي،كلُّ ما يؤثرُ في حياة الفرد يؤثرُ في حياة المجتمع. يُعبِّر الدينُ عن حضوره بشكلٍ ظاهر في تفكير الفرد ولغته وثقافته ومواقفه وسلوكه، كما تظهرُ تمثلاتُ الدين في تفكير المجتمع ولغته وثقافته ومواقفه وسلوكه. يتوغل الدينُ بشكل خفي في اللاشعور الفردي، وهكذا يتوغل بعمق ليكون بنيةً راسخة في اللاشعور الجمعي.

 لا نرى دينًا في الحياة ألا ويكون مؤثرًا ومتأثرًا بكيفيةِ حياة الناس ومتفاعلًا مع طرائقِ عيشهم. لا يستقلُّ الدينُ عن التديّن الفردي والمجتمعي، التديّنُ هو كيفية تَمثُّل الدين وتعبيره في حياة مَنْ ينتمي للدين. حتى أولئك الذين يتمردون على دين مجتمعهم يظلُّ الدينُ مكونًا خفيًّا لهويتهم وغاطسًا في ذاكرتهم، ويعلن عن حضوره أحيانًا في علاقاتهم الاجتماعية ولغتهم وثقافتهم ورؤيتهم للعالَم وطريقة عيشهم، ولا تغيب بصمتُه عن شيء من مواقفهم المتنوعة في الحياة.

كلُّ حضورٍ للدين في حياة الإنسان هو تديّن، لا دينَ في الأرض خارج ذلك، التديّنُ يتحقّق في سلوك الإنسانِ وتفكيره وتعبيره. لا يستقلّ الدينُ عن ثقافةِ الإنسان وذاكرته الفردية وهويته الجمعية ونمطِ تمدّنه وعمرانه. يحضرُ الدينُ في حياة الفرد والمجتمع بأنماط تديّن فردية ومجتمعية متنوعة، ويختلف التديّن باختلاف مستوى ونوع الثقافة، ودرجة التطور الحضاري، وكيفيةِ رؤية العالَم، ومختلفِ العوامل المنتجة لطريقة عيش الفرد والمجتمع.

إن تحقّقَ الدين في الحياة الشخصية يعني تحقّقَه في الحياة الاجتماعية،كلُّ بصيرة ومعنى ديني مُلهِم عندما ينتج تحوّلًا روحيًّا وأخلاقيًّا وجماليًّا في شخصية الفرد فإن هذا التحوّل يجد صداه المباشر في المجتمع. لا نجد تديّنًا فرديًّا مُلهِمًا من دون أن يكون له أثرٌ بنّاء في الفضاء المجتمعي. إن كان التديّنُ يبني الحياةَ الروحيةَ والأخلاقيةَ للفرد ويمنحه رؤيةً جماليةً للعالم، فإن أثرَه الإيجابي سيظهر في بناءِ القيم الروحية والأخلاقيةالسامية في المجتمع وتهذيبِ ذوقه الفني.

فهمُ الدين ونصوصه نسبي، يختلف باختلاف المجتمعات والأفراد. الدينُ ليس نصوصًا مقدّسة فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ منخرط في التاريخ. الدينُ كأي ظاهرة تاريخية لا يمكن أن تتخلص من المشروطيات المتنوعة للاجتماع البشري، يخضع الدينُ لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، على وفق صيرورة الزمان والمكان والأحوال والبيئة المجتمعية الحاضنة له. تختلفُ تجلياتُه باختلاف المجتمعاتِ وثقافاتِها ودرجةِ تطورها الحضاري، بل يختلفُ التعبيرُ عنه أحيانًا باختلاف الأفراد في مجتمع واحد.

إذا أردنا إنتاجَ فهم روحي وأخلاقي وجمالي للدينِ ونصوصِه المقدّسة يجب العملُ أولًا على تغيير وعي الإنسان وظروفِه المادية وثقافتِه. قلّما نجد فهمًا عنيفًا متوحشًا للدين ونصوصه في مجتمعات متحضِّرة، حتى لو وجدنا في هذه المجتمعات فهمًا عنيفًا للدين أحيانًا، فإنه يظلُّ محصورًا في نطاق أفراد أو جماعات محدودة، ولا يتحول إلى موجٍ يعصف بالبناء الاجتماعي كلِّه،كما يحدث لدى بعض مجتمعاتنا اليوم.

لا يتحقّقُ أيٌّ من الأديان في الواقع إلا في إنسان يعتنقه وتظهر تعبيراتُه في حياته الشخصية والاجتماعية، بوصفه فردًا ينتمي لجماعة تعتنق هذه الديانة. قراءاتُ النصّ الديني وتأويلاتُه هي أولى أشكال تمثّلات الدين في حياة الإنسان، وهي المنبعُ الرئيسُ الذي تُسْتَقَى منه سلوكياتُ ومواقفُ من يعتنق معتقدات هذا الدين. تراثُ الأديان وبعضُ التفسيرات المغلقة لنصوصها هو ما يورّط أكثرَ معتنقيها بكراهية المختلِف في المعتقد. تلك التفسيراتُ رسمتْ صورتَها الخاصة لله، ونمّطتها في إطارٍ يحاكي كلَّ ظروف وملابسات الحياة السائدة في زمان ومكان وبيئة متشدّدة في الماضي، وهي صورةٌ طالما عملتْ على تشريع أشكالٍ متنوعة لمناهضةِ العقل، وقمعِ الإيمان الحرّ، ومصادرةِ الحقوق والحريات، وسوّغت الاستبدادَ والتمييزَ بين البشر.

بمرور الزمان لم تصبح تلك التفسيراتُ للنصّ الديني وحدها مقدّسة، تستعصي على المراجعة والنقد والغربلة، بل غالبًا ما يمسي مفسّرُ النصّ مقدّسًا أيضًا، لا يخضع للمساءلة فيما يقول ويفعل. وهي ظاهرةٌ بشريةٌ عامةٌ لا تختص بدين، بل استبدّتْ في كلِّ الأديان في التاريخ، لكن بعضَ الأديان استطاعتْ الحدَّ منها، عندما شدّدتْ على عدمِ الخلط بين مكانةِ مفسّر النصِّ والنصِّ ذاته، إذ بدأتْ تعمل على وضع كلٍّ منهما في نصابه.

هنا تظهر الحاجةُ ماسّةً لتوظيف الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، بغيةَ اختراقِ الطبقات الكثيفة للقراءات المتراكمة عليه بمرور الزمان، والعملِ على تحيينه واستحضارِ معناه الذي يتحدّث للمسلم اليوم، ويجيب عن أسئلة عصره، ويصغي لآلامه ومشكلاته باهتمام، وكيف عجزتْ الصورةُ النمطيةُ لله المتوارثةُ من عصور الاستعباد عن حلِّها.

 ينبغي أن نعمل على إحضار صورة الله المغيَّبة، الصورة التي تنشد الحقَّ والخيرَ والعدل والسلام والعطاء والتضامن والرحمةَ والحبَّ والجمالَ. في ضوء هذه الصورة يمكن أن يظهر في حياتنا تديّنٌ لا يخاف العقل، ويتصالح مع الزمان والمكان، ولا يتمسك بمنطق أحاديّ يرفض الواقع. تديّنٌ ليس حَذِرًا أو وَجِلًا من مكاسب الغير في العلوم والمعارف والتكنولوجيا المتنوّعة. تديّنٌ ليس مصابًا بشيزوفرينا من المختلِف. تديّنٌ لا يطلب من المسلم مواجهةَ البشرية وإعلانَ الحرب على العالَم الذي يعيش فيه.

ولا يعني ذلك تسلطَ الدين على الفضاء العام أو تحكّمَه بالحياة الخاصة للفرد. التضحيةَ بفردية الإنسان والغفلةَ عن آثار ما يتركه استلاب الذات من هشاشة في المجتمعات، وما ينتج عن ذلك من تفشّي النفاق والازدواجية في سلوك أفرادها، كما نرى الكثيرَ من ذلك في بلادِنا المستباحةِ فيها الحياةُ الخاصة، والمُنتهكَةِ فيها الكرامةُ الشخصية، بفعل تحكّم القيم المتشددة للقبيلة، والفهمِ المغلق للدين، والتفسيرِ العنيف لنصوصه. لا يمكن القبولُ بأن نضحّيَ بحرية الضمير الفردي، ونبدّدَ حرمةَ حياة الإنسان الخاصة، وننحرَ كرامتَه وحريتَه وحقوقَه لأجل الجماعة. أعلم أنها معادلةٌ صعبةٌ جدًا في مجتمعاتنا، لكن لا يمكن أبدًا قبول ما ينتهي إلى عبوديةِ الفرد للمجتمع ومحوِ الذات لأجل الجماعة.

التمييزُ الذي نشدِّد عليه بين الدينِ بوصفه ظمأً أنطولوجيًّا متجذّرًا في كينونة الإنسان، وتمثّلاتِ الدينِ في حياة الفرد والمجتمع تمييزٌ نظري. ذلك أن تمثّلاتِ الدين في حياة الإنسان ليست سوى ما يظهر في الأفعال والمواقف المتنوعة لحياته، فكيف نفصلُ بين الإنسانِ وأفعالِه ومواقفِه وعلاقاته وطريقة عيشه التي لا يحضرُ إلا من خلالها في العالَم.

تكرّر هذا التمييزُ كثيرًا بصيغٍ عدة في أدبيات عصر النهضة، وما زلنا نسوّغُ به كلَّ سلوك خاطئ يصدر عن المتشدّدين تجاه المجتمعات الأخرى حتى اليوم.كلّما صدر فعلٌ لاأخلاقي ولاإنساني من مسلم في الغرب والشرق نقول هذا فعلٌ لا يمثّلنا، ونعبر عن ذلك بالقول المكرّر: «إن الدين غير التديّن، والمتديّن غير الدين». طالما ناقشني بعضُ الشباب حول السلوك المتوحش للإرهابيين، مثل انتحاريي داعش وغيرهم، ممن يتخذون آثارَ ابن تيمية وبعض الفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين والمحدّثين مرجعيةً تسوّغ أفعالَهم اللاإنسانية، من الذين ما زال ميراثُهم حيًّا وفاعلًا ومؤثّرًا في تربية وتنشئة وتثقيف الشباب، وممن تبجّلهم وتحرص على نشر آثارهم جماعاتٌ ومساجدُ ومؤسّساتٌ كثيرة في بلاد متعدّدة، ويعتمدون مؤلفاتِ أولئك الأَعلام وكتاباتِ تلامذتهم أمس واليوم، بوصفها ملهمةً للقيم وموجهةً للفقه الذي يقودهم في الحياة.

يمكن التمييزُ النظري بين إسلام الرسالة وإسلام التاريخ، أو إسلام الرسالة وإسلام التراث، أو إسلام الرسالة وإسلام الفتوحات، أو إسلام الرسالة وإسلام فهم المسلمين، أو إسلام الرسالة الصافية وإسلام التطبيق، وإسلام الرسالة الأصيل والإسلام الدخيل. غير أن هذه الحدود تتطلب تأملًا دقيقًا يدرك أن التمييزَ بينها نظريٌّ يقع على الدوام خارج مجال الفعل والتطبيق، إذ لا رسالةَ بلا إنسان يعتنقها وتنعكس معتقداتُها وقيمُها وشريعتُها على مواقفه وسلوكه، ولا رسالةَ بلا تاريخ، ولا رسالةَ بلا تراث، ولا رسالةَ بلا فهمٍ بشري تتموضع فيه نصوصُها المقدّسة وتعبّر عن حضورها فرديًا ومجتمعيًا.

الفهمُ ضربٌ من تحقّق الموجود

أبديةُ الكتب المقدسة لا يحقّقها في مختلف الأزمان إلا تعدّدُ قراءتها وتنوّعُ فهمها. تفسيرُ النصوص الدينية لا يمكنه أن يواصلَ الحضورَ إن لم يتأسّس على تعدّد الفهم وتنوعه، تبعًا لتعدّد وتنوع الأحوال والأزمان، لذلك تتوقّف المعرفةُ عندما تكفُّ عن الاستمرار في توالد الفهم وتعدّد المعنى وتنوّعه.

رفضُ التعدّد والتنوع في الفهم يعني أن الواقعَ يلبثُ ساكنًا، والقرآنَ يظلُ صامتًا، لا يبوحُ برؤية يتكشّف فيها المعنى الذي يستجيبُ لما تفرضه حياةُ الإنسان وأنماطُ عيشه المتغيرة. كأن الإنسانَ مكثَ منذ لحظة وجوده في الأرض كما هو؛ لا يتحرك، لا يتحوّل، لا يتغير، لا يتطور. واقعُ حياة الإنسان في الأرض يكذِّب ذلك. الإنسانُ يختلفُ عن الحيوان، الحيوانُ يستمرُ كما هو في حياته مهما كان عمرُه، لا يخرجُ على ما فعله نوعُه بأي شيء. كلُّ نسخة من ذلك النوع مطابقةٌ لأول نسخة منه بكلِّ شيء، لا يتغيرُ سلوكه، حتى لو مضت آلافُ السنين ولبثَ حتى نهاية الحياة في الأرض. طبائعُ النمل مثلًا وسلوكُه في: تأمينِ قوته، وحمايةِ نفسه، وحفرِ ملاذاته، كانت ومازالت وتبقى كما هي، منذ وجدت أول نملة في الأرض.

في الدين الحقيقةُ واحدةٌ في ذاتها، إلا أنها نسبيةٌ في معرفتها. نسبيةٌ بمعنى تنوعِ وجوهها، وتتعدّدِ الطرقُ إليها، ويختلفُ تصوّرُها باختلاف الطرق الموصلة إليها. يحتكرها مَنْ يقول بأن الطريقَ إليها واحدٌ لا يقبلُ التعدّد، عندما يرى كلَّ طريق آخر، خارج ما يؤمن به، لا يوصلُ إليها. يعودُ هذا الموقفُ إلى فهمٍ لا يقبل التنوعَ في إدراك صور الله. التصوّرُ المتعدّد لإدراك الحقيقة الدينية ينشأ من القولِ بتنوع إدراك صور الله، وعدمِ احتكار طرق الوصول إليه بطريق واحد. يرى هذا القولُ الأديانَ طرقًا تتكشف فيها تجلياتٌ متنوعة للحقيقة الدينية، يقرأ فيها كلُّ دينٍ تعبيراتٍ متنوعة لوجوه هذه الحقيقة، ويتخذ أساليبَه الخاصة للتعبير عنها. على أساس هذا الفهم يمكن القولُ بتنوع طرق الوصول إلى الله. هذا هو معنى الاعتراف بحقّ الاختلاف في المعتقد، الذي هو أساسُ قبول التعدّدية الدينية والعيش المشترك.

تفسيرُ القرآن وكلّ الكتب المقدّسة في الأديان، أفهمه فلسفيًّا بوصفه تحقّقًا أنطولوجيًّا لذاتٍ تمارس الفهم. الفهمُ ضربٌ من ظهور الموجود وانكشافه، إنه تحقّقٌ للذات بطور وجودي جديد. تكرارُ الفهم ذاته في كلّ زمان تعبيرٌ عن تكرارِ الموجود لذاته، وتعطّلِ حركته الجوهرية وصيرورته الوجودية. وهذا يعني توقفَ توالد المعرفة ونموّها، بعد أن يكفَّ الفهمُ عن التعدّد والتنوع. تكرارُ فهمٍ واحد لآيات الكتاب الكريم في كلِّ زمانٍ ينتهي إلى تكرار المعرفة. تكرارُ المعرفة يعني توقّفَها، وتوقّفُها يعني غيابَ آيات الكتاب عن مواكبة الواقع المتغير، وجفافَ منابع إلهام المعنى الديني الذي تتطلّبه الحياةُ في مختلف الأزمان والأحوال والوقائع.

أبديةُ معاني القرآن وعبورُها الزمان والمكان قائمةٌ على تعدّد قراءتها وتنوع فهمها، وتعدّد المعنى الذي يتلقاه القارئ لها، بالانطلاق من تساؤلات الذات الواعية لمناهج الفهم والقراءة. لا ديمومةَ لفهمٍ يدّعي الفهمَ النهائي والأبدي للقرآن.

مفهومُ الذات يتوفّرُ على إمكانٍ وجودي، يوفِّر هذا الإمكانُ الفهمَ، وعملياتِه المختلفة: التفكير، التساؤل، مكوّنات التساؤل، الأفهام العلمية السابقة لهذا الفهم، شبكة العلاقات بين مكونات الفهم، بنية الفهم، منطق الفهم، وغيرها. يبدأ الفهمُ بفهمنا لذواتنا، الذاتُ بوصفها مرآة تنكشف فيها لنفسها. هذا النحو من الانكشاف للذات هو وجودها بطورٍ جديدٍ في كلِّ عملية فهمٍ، وتحقّقها داخلَ عملية الفهم الذي تنتجه وجوديًّا، أي إن الذات تشتبك وجوديًّا مع النصّ حالةَ الفهم. الفهمُ يشاكلُ الذات، الفهمُ ضربٌ من تحقّقِها بوجودٍ جديد. هذه هي تجربةُ الفهم بما هي صيرورةٌ وجودية يعيشها قارئُ النص الحاذق.

كلُّ ذات في الوقت الذي تكتشفُ فيه النصَّ تتكشّفُ هي أيضًا فيه، لذلك تتغير انطلاقًا من الفهم الجديد الذي تنتجه هي. نرى هنا معادلةً أطرافها ثلاثة: “الذات – الفهم – التغيّر”.

تبتني صيرورةُ الفهم على منظارين عميقين أنطولوجيًّا:

1. اختلاف الذوات.

2. اختلاف المنظورات.

ما تقدّمَ ملخّص شديد لرؤيتي لتنوّعِ فهم القرآن الكريم وتفسيره، ومواكبةِ المعنى الديني فيه لتنوع وتعدّد العصور. ومن دون ذلك لا يمكننا القولُ باستمرار القرآن لإنتاج معنىً روحي وأخلاقي وجمالي للحياة، تبعًا لاختلاف الأحوال والأزمان والواقع. وهي رؤية تتكشّف فيها الإمكاناتُ المعرفية والإبستيمولوجية لكلّ القراء، لبناء فهمهم المتجدّد لآيات القرآن، وهكذا غيره من الكتب المقدّسة في الأزمنة المتوالية.

يستمدّ كلُّ إنسان فهمَه من ذاتِه ووجودِه الخاص، وأحكامِه السابقة، وأفقِ انتظاره. يتلوّن الفهمُ على الدوام بفضاء الذات وخبراتها. لا يُفهم الإيمانُ إلا في فضاء الإيمان، ولا تُفهم الحياةُ الروحية إلا في فضاء الحياة الروحية، فما لم يتحقّق الإنسانُ بهذه الحياة ليس بوسعه تقديمُ فهمٍ لها. مثلما لا يفهم طبيعة الحُبّ إلا من يتذوق الحُبّ، ولا يفهم البهجةَ إلا من تشرق نفسُه ابتهاجًا بالنور، ولا يفهم القلقَ إلا من يمزقه القلق. تفشلُ الكلمةُ في الإخبار عن ذاتها، فكيف تُخبِر عن تجربة الروح. يستمدّ العشّاقُ أشواقَ الروح من الحقّ، تضيء قلوبَهم أنوارُ الحقّ، تمتلئ أرواحُهم بوجود الحقّ، يغيبون في حضرته، يحضرون في غيبته، تصير غيبتُهم عن رؤيته رؤيةً، ورؤيتُهم غيبتَه غيبةً. كلُّ محبوب سواه هو، وكل ما تحسبه العينُ ليس هو، ببصيرة أنواره يراه القلبُ هو، وإن تمثّلَ بوجودٍ سواه. يرتوي ظمأ العشّاق، فيفيضون على سواهم، حيث يخطّ الحقُّ الأسرارَ على قلوبهم، تتحوّلُ عناصرُ وجودهم إلى صفات الحقّ، لتكونَ بها هي. يفتقر سواهم لكلِّ ذلك، فيغرقون في الوهم، ويتهافتون على كلِّ ما هو زائف، بغيةَ إرواء ظمئهم الأنطولوجي، الذي لن يرويه الغيرُ أبدًا.

مَنْ يعيشُ حالاتِ الروح النورانية وإشراقاتِها البهيجة يجدُ العباراتِ تختنقُ في التعبير عن الحالات. الكلمةُ لا تبوحُ بمضمونها، فكيف تشي بحالاتِ الروح وتساميها. يتسامى أحيانًا بعضُ أصحاب التجارب الروحية إلى حالاتِ نورٍ بهيج في باطنهم، بنحو يتلمسون فيه، أنه كلما أمعن يقينُهم في أن يكونَ يقينًا، رأوا ببصيرتهم أن ما يحدثُ لهم هو الارتواءُ من حوض النور الذي لا ينضب. كأنهم اغتسلوا بالنور، وأبصروا بالنور، وعشقوا بالنور، بل صاروا نورًا، تلك هي رحلةُ العاشق إلى الحقّ. هكذا يتذوقون مراحلَ نموّ صيرورتهم وتخلّقهم، تبتسم لهم حنايا الكون كلما تأملوها. يشعرهم وجودُ الحقّ بفرحة قدومهم للارتواء من النور، تدلّهم بصيرتُهم على البؤرِ المضيئة في الإنسان، وتجلياتِ جمال الوجود. يرون الظلام، لكنهم قادرون على أن يشيحوا عنه نظرَهم. ذلك النورُ هو منجمُ الصبر والصمت، وهو منبعُ السلامِ في أرواحهم والطمأنينةِ في قلوبهم. يرون الوجودَ مشرقًا بهيجًا، تترسخُ أُلفتُهم له وتذوقُهم لتجلياته كلما اتسعت بصيرتُهم. تداوي تجلياتُه أحزانَهم، وتخفّف وحشتَهم وغربتَهم في الأزمات والصراعات والحروب والأوبئة.

 

رابط النشر:

كل القيم تجد معناها في حمايتها للكرامة

الكرامة هي القيمة المركزية في حياة الكائن البشري. الإنسانُ الأصيل يضحّي بحياته من أجل أن تُخلِّد ذاكرةُ الوجود كرامتَه. الكرامةُ مكونٌ لكينونة الإنسان الوجودية، عنوانُ تكريم خلق الإنسان هو كرامتُه لا شيء آخر سواها، لأن انتهاكَ الكرامة يفضي إلى انتهاك كلّ حريات الإنسان وحقوقه.

الكرامةُ والحريةُ من أوضح تجليات رحمة الله بالإنسان، الذي خلقه اللهُ “فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”، التين، 4. وجعل التكريمَ بصمةً وجودية يختصّ بها الإنسانُ دون سواه في الأرض، وأوكل إليه مهمة استثنائية وهي خلافته في الأرض، واستأمنه على مخلوقاته المتنوعة، ووضعها تحت تصرفه، عندما سخّرها جميعها له.

اللهُ لم يكرِّم بني آدم إلا بوصفهم النوعي العام الذي يصدق على كلّ إنسان، لا يتخلف أو يختلف استحقاق الإنسان للكرامة مهما اختلفت طبقاتُ الناس في المجتمع وأجناسُهم وألوانُهم ومهنُهم وثقافاتهم وأديانهم، كلُّ إنسان مكرّم بغضّ النظر عن أيّة صفة أو إضافة أو هوية أو عنوان آخر له يصطنعه المجتمع له أو تفرضه عليه ظروف حياته وأقداره.

الإنسانُ يرفضُ بطبيعته الاستعباد، لأن جوهرَ إنسانية الإنسان كرامتُه، وجوهرُ الكرامة الحرية، وجوهرُ الحرية المسؤولية. الكرامةُ وعيُ الإنسان بالحرية، لا يرضى أيُّ إنسان عاقل سَوَّى غير مدجن التنازلَ عن حريته. الاستعبادُ يهدر الكرامةَ، ويستلب كلَّ أشكال الحرية، إهدارُ الكرامة والحرية نفيٌ لمسؤولية الإنسان حتى عن نفسه. ليس هناك إنسانٌ يقبل بسلب كرامته وحريته ومسؤوليته عن نفسه، إلا إن كان مدجنًا على الطاعة العمياء. الإنسان وفقًا لطبيعته البشرية تواقٌ للكرامة، تواقٌ للحرية، تواقٌ للمسؤولية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقار يثيرُ الفزعَ في كيان أيّ كائن بشري، مهما كان بَلِيدًا وأبْلَهًا في نظر البعض. هتكُ الكرامةِ والاحتقار ينتجُ عملياتِ الثأر العنيفة، وكلَّ الثورات، والأشكالَ المتنوعة للمقاومة، جميعُها ليست إلا مساعٍ لاستردادِ الكرامة، وإن أخطأت مراميها أحيانًا.

ولو غضضنا النظرَ عن الموقف الأخلاقي والديني والقانوني من الانتحار، وحاولنا أن نفهمه من منظور مختلف، نرى ‏بعضَ من يُقدِم على الانتحار تبلغ لديه قيمة الكرامة حدًا لا ترقى إليه أيةُ قيمة، حتى قيمة الحياة يشعر أن كرامتَه أغلى منها، لذلك يُضحّي بحياته أن يحمي كرامتَه، ومن أجل تقدير ذاته، ومن أجل أن يعترفَ الناسُ به. لستُ هنا في مقام بيان الموقف من الانتحار، ولا بيان أسبابة المختلفة والمعقدة، وأعمقها اشتعال القلق الوجودي والاكتئاب إلى درجة تحترق فيها كينونةُ الإنسان ويتحول باطنُه إلى رماد، ويغرقه الشعور بعثية كل شيء في الحياة، ولا جدوى العيش فيها.

نصابُ الكرامة في القيم يتفوق على كلِّ ما سواه،كلُّ القيم تجد معناها في حمايتها للكرامة وصيانتها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما ترسّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعل الحياة تستحق أن يعيشها الإنسان، وهي شرط تذوق معناها. الكرامةُ هي القيمةُ المركزية العليا التي تستمدّ منها كلُّ قيمةٍ قيمتها، حمايةُ كرامة الإنسان شرطُ وجود كلِّ قيمة سامية، فلا حريةَ بلا كرامة، لا مساواةَ بلا كرامة، لا عدلَ بلا كرامة، لا إحسانَ بلا كرامة، لا احترامَ بلا كرامة، لا تواضعَ بلا كرامة، لا تهذيبَ بلا كرامة، لا محبّةَ بلا كرامة، وهكذا الحالُ في كلِّ القيم الأخلاقية السامية والحريات والحقوق فإنها تنفي مضمونها عندما تصادر كرامةَ الإنسان.

الإنسانُ بوصفه انسانًا لا غير، يستحق الكرامةَ والحريات والحقوق. الإنسانيةُ قيمةٌ كونية عابرة للأثنيات والثقافات والأديان، الكرامةُ هي الاطار الأخلاقي الذي تتوحّد فيه قيمة الإنسان ومكانته وتقديره لذاته وتقدير الغير له. الكرامةُ تضمن إنسانيته، وتحميها من كل تمييز وتعصب واحتقار ينشأ على أساس عرقي أو ثقافي أو جغرافي أو ديني أو غير ذلك.

الكرامةُ أفعالٌ لا أقوال، في بلادنا كثيرٌ من الكلام عن الكرامة إزاءَ قليلٍ من المواقف العملية. الزعماءُ السياسيون يتحدثون عن كرامة الأمة، قادةُ الأحزاب يتحدثون عن الكرامة الوطنية، شيوخُ القبائل يتحدثون عن كرامة العشيرة، الوعاظُ يتحدثون عن كرامة الدين والمتدين. الكلُّ يتحدث عن الكرامة، لكن قلما نرى من يتبنى الكرامة بوصفها قيمة كلية تتسع لاستيعاب الحريات الخاصة، وتحمي حقوق الإنسان الطبيعية والمدنية والسياسية. وقلما نرى مَنْ يكف عن الكلام وينتقل للفعل، فيطبق الكرامةَ كبرنامج للعمل والسلوك في المجتمع، ينشدُ توفيرَ فرصٍ للعيش الكريم، وضمانَ احتياجاتِ الإنسان الأساسية في التربية والتعليم والصحة، وتأمين الأمنَ والحماية القانونية، ويحرص على تكافؤ الفرص وتحقيق المساواة بين الكلّ.

لا كرامَة بلا مساواةٍ بين البشر، كلُّ تمييزٍ موروث يولد بولادة الإنسان، ويظل بصمة لتميز هذا الإنسان وشعوره بالتفوق على سواه من الناس، هو ضد المساواة، سواء أكان ذلك الشعور بالتفوق على أساس عرقي أو ثقافي أو جغرافي أو ديني أو طائفي أو غيره. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيق المساواةٍ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامة الإنسان. يقول جان جاك روسو: “القضاة الذين يعلنون بجسارة أن ابن العبد ولِد عبدًا، يقرِّرون بكلمات أخرى أن الإنسان لم يولد إنسانًا”[1].

أتحدث عن التمييز ظلمًا، الذي يتأسس على ما يرثه الإنسان من انتماءات يمتلكها من العرق واللون والدين والمذهب والثقافة والطبقة والهوية والجغرافيا التي يولد فيها، فتشعره بالتفوق على غيره. أما ما يكتسبه الإنسان بجهوده من أخلاق وقيم فاضلة وأدب وسلوك مهذب ومواقف نبيلة وعطاء كريم، وعلوم ومعارف وثقافة وفنون ومهارات، فينبغي أن يكرّم كلُّ إنسان بمقدار استحقاقه وعطائه، ويوضع في الموضع الذي يستحقه منجزُه ومواقفُه وسلوكُه، ويكافأ بحجم ما يهبه للحياة، على ألا يُلحِق ذلك حيفًا بغيره.

ليس هناك جماعة بشرية تتفوق على غيرها، أو تمتلك الوصاية على سواها، أو هي اسثناء من البشر، تستحق أن تمنح التكريم والحرية والحقوق دون سواها. لا معنى لحرية أي إنسان من دون حرية الآخر. الحرية في التفكير والتعبير والحق في الاختلاف تتضمن بالضرورة حرية الآخر في التفكير والتعبير وحقه في الاختلاف. حقيقة الحرية واحدة، لا تتعدد ولا تتنوع بتعدد وتنوع الشعوب والمعتقدات. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانة بما ترسخه من قيمة للكرامة والحرية والحقوق والحق في الاختلاف، وبجهودها من أجل تحرير الإنسان من الاستعباد، وقدرتها على حمايته من الإذلال والاحتقار.

المساواة وكلّ حقوق الإنسان كونية، لا تختص بأثنية أو ديانة أو طائفة أو هوية. خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخر إنسانيته ناقصة، لا يتفوق إنسانٌ على غيره بدمه أو أي عنصر اضافي يختص به في خلقه ووجوده دون غيره من الناس. إن “كلَّ فرد يحملُ بداخله الإنسانية جمعاء، فالشروط الإنسانية فريدة ومتساوية لكلِّ الناس، على الرغم من الاختلافات الحتمية في الذكاء والموهبة واللون الطول… إلخ”[2].

احترامُ الكرامة الإنسانية مقصدُ مقاصدِ الدين وأسمى أهدافه، وذلك يفرض أن يُعاد تفسير كلّ نصّ ديني بما لا ينقض الكرامةَ أو ينتقص منها.كلُّ نصٍ يتعارض مع هذا المقصد الكلي، وينتهي إلى التمييز بين البشر، سواء كان آيةً أو رواية، مثل تشريع الرقّ وما يماثله يُطرح وينتهي العمل بأحكامه، لأنه ينتمي للتاريخ ويعكس ظروفَ عصر البعثة. تكريمُ الإنسان بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضّلًا من أيّ أحد. الكرامةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، هي جوهرُ إنسانية كلِّ دين، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم.

فضحُ السلوكِ المتوحش الذي يضطهدُ الإنسان يفرضه الضميرُ الأخلاقي الذي يدعو الكلّ لإشاعة وعيٍ مجتمعي ينشدُ حمايةَ كرامة الناس بغضّ النظرِ عن جنسهم ومعتقدهم ولونهم. حمايةُ كرامة الناس معناه حمايةُ كرامتنا من الانتهاك، لأن الكرامةَ واحدةٌ لا تتجزأ،كرامتُنا لا تتحقق من دون تكريم كلِّ إنسان. من لا يحترم كرامةَ الإنسان لا يحترمه اللهُ ولا يكرّمه، الكرامةُ أسمى قيمة وجودية وهبها الله لبني آدم، اللهُ يثأر من أولئك الذين يمارسون ضربًا من الاغتيال المعنوي للإنسان، عبر هدر ِكرامته وتجريدِه من إنسانيته واحتقاره واضطهاده.

إن اللهَ يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، لأن رحمتَه “وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ”[3]، و”كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ”[4]. غير أن عدالةَ الله تقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر ممن يحتقر الإنسان وينتهك كرامته، ويعاقب من ضيّع حقوقَ خلقه عقابًا أليمًا. يأتي عقابُ كلِّ من ارتكب انتهاكات لحقوق الخلق على شاكلة فعله القبيح.

تكريمُ الله يبدأ بتكريم الإنسان، احترامُ الله يبدأ باحترام الإنسان، الدفاعُ عن الله يبدأ بالدفاع عن كرامة الإنسان، حفظُ حقوق الله يبدأ بحفظ حقوق الإنسان، وصيانةِ حرياته. لا يمر الطريق إلى الله إلا عبر احترام الانسان ورعايته وتكريمه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تشومسكي، نعوم، غريزة الحرية: مقالات في الفلسفة والفوضوية والطبيعة البشرية، ترجمة: عدي الزعبي، مؤيد النشار، ص 22، ط 2، 2018، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، دمشق.

[2] فروم، إريك، حب الحياة: نصوص مختارة، تقديم: راينر فونك، ترجمة: حميد لشهب، ص 60.

 [3] الأعراف، 156.

[4] الأنعام، 54

الدين والمقدس

يلتقي الدينُ بالمقدّس، لكنهما لا يتطابقان مفهومًا، ولا يتحدان مصداقًا دائمًا، إذ تتقدّس أشياءُ خارجَ الدين، كما أن هناك أشياءَ في الدين ليست مقدّسة. المقدّسُ والدين أحيانا تتحد وظيفتُهما، ويلتقيان ببعض مصاديقهما، وأحيانا تتنوع وظيفتُهما، ويختلف كلٌّ منهما عن الآخر في مصاديقَ أخرى.

ليس كلُّ مقدّس دينًا، وليس كلُّ ما في الدين مقدّسًا. في كلِّ دينٍ ما هو مقدّسٌ وما هو غيرُ مقدّس. حضورُ المقدّس الحقيقي محدودٌ جدًا في الأديان أو نادرٌ لحظةَ نشأتها، لكن المقدّسَ يتوالد بالتدريج بمرور الأيام، تبعًا لتضخّمِ المخيلة، وتوسع الميثولوجيا لدى أتباع الدين. كلما اتسع فضاءُ الميثولوجيا في الدين اتسع فضاءُ المقدّس، وكلما غاص الدينُ في باطنيةٍ غائمة تنامى فيه حضورُ المقدّس، لذلك نرى لدى الفرق الباطنية في الأديان تضخمًا للمقدّس وابهامًا والتباسًا في الرؤية، إلى الحدِّ الذي يصل أحيانًا إلى أن يبتلعَ المقدّسُ الدينَ كلَّه، فلا نجد شيئًا في الدين الباطني إلا مقدّسًا.

عندما نعودُ إلى التاريخ ونتفحصُ لحظةَ ظهور الأديان السماوية، خاصة الإسلام، وهو الدينُ الذي لم يتأخر تدوينُ السيرة والسنة فيه كثيرًا عن البعثة النبوية، في تلك اللحظة لا نعثر بوضوحٍ على غزارة في حضور صور المقدّس وأشكاله. مَنْ يبحث عن المقدّس لا يرى له حضورًا لافتًا له في إسلام عصر البعثة. كان الصحابةُ يتعاملون مع النبي محمد “ص” بشكل عفوي، بوصفه بشرًا مثلهم، بلا كُلفةٍ أو خوفٍ أو رهبة. يعيشُ النبي الكريم كما يعيشون، يأكلُ كما يأكلون، يلبسُ كما يلبسون، ويتحدّثُ كما يتحدثون. يتعاملُ معهم كأحدهم، ويرفضُ التعاملَ معه مثلما يتعامل الأتباع مع ملوكهم. لم يجدوا في تعامله بروتوكولًا، ولم يروا من حوله حاجبًا أو حارسًا أو حاشية أو بلاطًا، مثلما كان يفعل الملوكُ والسلاطينُ والزعماء في زمانه وفي أزمنة أخرى. ومن التبس عليه الأمرُ وتخيّل أن النبي الكريم “ص” ليس بشرًا نبهّهُ القرآنُ الكريم بقوله: “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ”، الكهف، 110. “قلْ لا أقولُ لكم عندي خزائِنُ الله ولا أعلمُ الغيبَ ولا أقولُ لكم إنِّي مَلَكٌ إن أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ”، الأنعام، 50. “قلْ لا أملكُ لنفسي نَفعاً ولا ضرَّاً إلاَّ ما شاءَ الله ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لاستكثرتُ من الخيرِ وما مسَّنيَ السُّوءُ إن أنا إلاَّ نذيرٌ وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون”، الأعراف، 180. شدّد القرآنُ على بشرية النبي، مع إشارته إلى اختصاصه بالوحي من دونهم. متخيّلُ المسلمين بعد عصر البعثة ظلّ يطمح لتضييق حدود بشرية النبي باستمرار، بنحوٍ انتهى بعضُ المسلمين بعد عدة قرون إلى تضخيم البعد الغيبي في شخصيته، إلى الحدّ الذي تلاشت معه حدودُ بشريته، وتحوّلت صورته إلى ميتافيزيقية، انطمست فيها بشريتُه.

لحظةَ ظهور أكثر الأديان في آسيا، كالبوذية والكونفوشيوسية وغيرها، لا نرى فيها ما هو مقدّس، كان مؤسّسوها حكماء، لم يقولوا أنهم يتصلون بالغيب، تعاليمُهم أقرب لحكمة الثقافة منها إلى روح الدين. لم يكن أشخاصُ المؤسّسين مقدّسين: بوذا أو كونفوشيوس، ولا كتبُهم، ولا إرشاداتُهم ووصاياهُم وتعاليمُهم، ولا رفاقُهم، ولا أيُّ شيءٍ ينتسب إليهم. إلا أن ذلك لم يستمر طويلا، فكلّما ابتعد الدينُ عن لحظة التأسيس لم يعد الواقعُ كافيًا لإشباع مخيلة الأتباع، لأنهم يرون الواقعَ ضحلًا واضحا لا يبوح بسرّ، ولا لغز فيه، والإنسانُ الديني مولعٌ بالأسرار، وبما هو ساحرٌ ملغز، ينجذب لما ينطوي على غموضٍ وحيرةٍ وابهام.

المقدَّسُ سرّ، المقدَّسُ مبهم، كنهُهُ مجهول. للمقدَّسِ سحرٌ وهالةٌ يشعرُ معها الإنسانُ الذي يعتقدُ به بهيبةٍ وسطوة، وصمتٍ ودهشة وذهول أحيانًا. المقدَّسُ قريبٌ بعيد، المقدَّسُ قريبٌ يشعرُ معه الإنسانُ كأنه حاضرٌ، المقدَّسُ بعيدٌ لا يمكن أن يقبضَ عليه الإنسانُ أو يراه أو يتلمس وجودَه حسيًا، لا يتجلّى المقدَّسُ إلا عبرَ آثاره.

المقدَّسُ يشعرُ القلبُ بهيبته ورهبته وقوته، ويتلذّذُ مَنْ يعتقد به بالتواصل معه وتحسّس حضورَه. المقدَّسُ تجاوزيٌ، عابرٌ للزمان والمكان. وإن كان العقلُ يجهلُ ماهيةَ المقدَّس، غير أنه يكتشفُ تجلياتِه وتمثلاتِه، وشيئًا من فاعلياته في إثارة عواطف الناس، وطاقته المثيرة بتأجيج مشاعرهم وإيقادها.

مَنْ يعتقد بمقدّسٍ معيّن يراه متجاوزًا للمادة، ولكلٍّ حدودها وأبعادها وكيفياتها وأشكالها وأحوالها. فضاءُ المقدّس رحبٌ لا يخضع لشيءٍ من قيود ومضايق المحسوس. المقدَّسُ عابرٌ للمتناهي والمحدود والحّسي.

يتقدّسُ: الإنسانُ، والمكان، والزمان، والحيوان، والنبات، وكائنات أخرى، بل يمكن أن يتقدّسَ أيُّ شيء في الأرض والسماء. مَنْ يعتقد بمقدّس يفتّشُ عن ماهيته خارج حدود المكان، خارج حدود الزمان، خارج حدود الواقع المحسوس، خارج حدود التاريخ. يحتفظ المقدّس بقداسته الأبدية، ويظلّ مبهمًا عصيًا على الفهم. المقدّس متلفّع بالغموض، كأنه سرٌّ أبدي، يتغلب على الهشاشة والفناء.

ربما لا يستغني عن المقدَّسِ إنسانٌ، حتى الملحد أحيانًا لديه مقدّساتُه الخاصة، أحيانًا يراه في شخصيات استثنائية، يعتقدُ أنها خارقةٌ تتجاوز تناهي الكائنِ البشري وقدراتِه المحدودة، ويتخيّلُ أنها عابرةٌ لحدود الطاقة البشرية. يتخيّلُ رموزًا وأشياء متنوعة يحسب فيها تمثّلاتٍ للمقدّس، وإن كان يُعلِن عن تنكّره لذلك.

يمكن أن يتقدّسَ الإنسانُ والحيوانُ والنباتُ والمكانُ والزمان وكلُّ شيء، ‏وكثيرًا ما يغدو رجلُ الدين مقدسًا في أديان سماوية وأرضية، وأوضحُ مثال على ذلك ما نراه في الأديان الهندية، وأديان متنوعة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وغيرها في مجتمعات مختلفة.

أكثرُ الملوك والأباطرة والزعماء في التاريخ خلقوا لأنفسهم هالةً مقدّسة، إذ صوّروا أنفسَهم وهم يقفون بمحاذاة الآلهة، فمثلًا نرى حمورابي ملك بابل “1792 ق.م – 1750ق.م” يقف بمحاذاة إله الشمس “شمش” الجالس، ليتسلم منه الشرائع المدونة على المسلة المعروفة باسمه، والمشهورة بأنها أقدم وأوسع وأثرى شريعة مدونة ذلك العصر في تاريخ الحضارات البشرية.

لم تتبدّد هالةُ الملوك والأباطرة والزعماء التي يصنعونها لأنفسهم حتى اليوم، فما زال بعضُ الناس يشعرُ بهالة ورهبة وسطوة زعماء سياسيين، مثل: لينين، وماو تسي تونغ، وهتلر، وغيرهم، ويشعر كثيرٌ من أتباع الزعماء الروحيين في الأديان السماوية والأرضية بأن هؤلاء الزعماء شخصياتٌ استثنائية مقدّسة.

يزحف المقدَّسُ على ما هو دنيوي، فتتقدّسُ أشياءٌ وأيامٌ وأماكنُ وكائناتُ غيرُ مقدّسة بمرور الأيام، ويطمسُ المقدَّسُ الزائف ما هو أخلاقي في الدين، وتنضبُ منابعُ إلهام الروح فيه. لحظتها ينامُ العقل، وتتفشّى ظاهرةُ تقديس أشخاص لا يمتلكون الحدَّ الأدنى من طهارةِ الروح، وسلامةِ القلب، وصحوةِ الضميرِ الأخلاقي.

إذا غابت العقلانيةُ النقديةُ تقدَّس غيرُ المقدَّس وتملّكَ مشاعرَ الناس، واستحوذَ على عواطفِهم، واستعبدَ عقولَهم. وتزامن مع ذلك تفشي الجهلِ في المجتمع، وانهيارُ أنظمة التربية والتعليم، وتجفيفُ روافد العلم والمعرفة. تضخّمُ المقدَّس وتغوّله، وتمدّدُه أُفقيًا ورأسيًا، يفرضُ سطوتَه بضراوة على الحياة، بنحوٍ يسقطُ كلُّ شيء في قبضة المقدَّس، ويستحوذ عليه مَنْ ينطق باسم المقدَّس. يستنزف تقديسُ غير المقدَّس طاقاتِ الفرد والمجتمع، ويستعبدُ العقلَ، ويعطّلُ قدراتِ الابداع، والتفكيرَ الخلّاق، ويطفئ جذوةَ الروح، ويستلبُ الضمير.

لا يقع المقدّس موضوعًا للعقل النقدي، أو موضوعًا للعلم، لأن المقدَّسَ خارج حدود العلم وأدوات كشفه، ولا يخضع لـ “معيار قابلية التكذيب”. كلُّ فكرةٍ لا تقبل الدحضَ والإبطالَ والتكذيبَ لا ينطبق عليها عنوانُ العلم، على وفق “منطق الكشف العلمي” لكارل بوبر.

الحيثية الأساسية والحيثية الإضافية للدين عند وحيد الدين خان

في رده على المودودي يميّز وحيدُ الدين خان (1925 – 2021) بين الحيثيته الأساسية والحيثيته الإضافية للدين، ويرى أن المودودي أهمل الحيثيته الأساسية وهي الأصل في الدين، واختزل الدين في الحيثيته الإضافية، قبل ذلك كان وحيدُ الدين خان أحد أتباع المودودي.

درسَ وحيدُ الدين خان في جامعة الإصلاح العربية الإسلامية بالهند، وعملَ لعدة سنوات في لجنة التأليف التابعة للجماعة الإسلامية، ثم المجمع الإسلامي العلمي التابع لندوة العلماء بلكهنؤ. ونشرَ كتاباته في عدة صحف ومجلات، وأصدرَ مجلةَ “الرسالة” الشهرية، وهي مطبوعةٌ مستقلةٌ تلقاها القراءُ باهتمام، وتواصل صدورُها سنوات عديدة.

أمضى وحيدُ الدين خان خمسة عشر سنة من حياته عضوًا في الجماعة الإسلامية، غير أنه انفصل عنها بعد ذلك، وقدّمَ نقدًا جريئًا لفهم المودودي للدين، بعنوان: “خطأ في التفسير”، هذا الكتاب نقد ذكي لفكر المودودي، كتبه خبيرٌ بفهم المودودي للدين ومنهجه في التفسير، ” خان، وحيد الدين، خطأ في التفسير، صدرت طبعتُه الأولى بالأردية 1963، وبالعربية 1992″. يقول وحيدُ الدين خان في مقدمة كتابه هذا: “نظرًا للعلاقة التي كانت تربطني بالجماعة، والتي استمرت خمسة عشر سنة، فقد رأيت أن للجماعة علي حق النصح لها، ولا يمكن القيام بهذا العمل وأنا في وسط الجماعة، مما اضطرني للانفصال عنها لأداء هذه الفريضة… بقيت في الجماعة الإسلامية مرتبطًا بها طيلة خمسة عشر سنة، ثم قدمت استقالتي في 15 أكتوبر 1962 لكنها لم تقبل إلا في 25 أبريل 1963″، “خان، وحيد الدين، خطأ في التفسير، ص 12، 17”.

تنبّه وحيد الدين خان للتمييز بين الدين بوصفه نظامًا دستوريًا قانونيًا وسياسيًا، والذي هو مظهرٌ للدين وحيثيةٌ إضافية، وبين الدين بوصفه علاقة بين الله والإنسان، وهي الحيثيتهُ الأساسيةُ التي أهملها المودودي، يقول وحيد الدين في بيان ذلك: “الأصل في الدين هو كونه عنوان العلاقة بين الرب وعبده. إن الدين ليس محض نظام دستوري قانوني وسياسي، على غرار سائر الأنظمة الدنيوية، بل هو مظهر العلاقة النفسية للعبد مع الله. إن الدين عند تنفيذه يشمل عناصر كثيرة، يمكن أن يطلق على مجموعتها بأنها (نظام الحياة)، ولكن هذا مظهر من مظاهر الدين، وحقيقة من حقائقه. إنها حيثية إضافية من حيثيات الدين، وليست هي الحيثية الأساسية… إن جميع هذه الأخطاء قد وقع فيها التفسير الآنف الذكر للإسلام. لقد جعل هذا التفسير النظام محور التصور الديني وحكمته الجامعة، ولذلك أصبح (النظام) الحيثية الأولى للإسلام في هذا التفسير، فلم يعد بالإمكان فهم الإسلام إلا في ضوء النظام”، “خان، وحيد الدين، خطأ في التفسير، ص 127 – 128”.

وضع فهمُ الدين الذي نضجَ لدى وحيد الدين خان تفكيرَه في طريق مستقل مغاير لتفكير المودودي وجماعته. بعد أن طلّق وحيد الدين الفكر السياسي للمودودي، رحلَ إلى فضاء أرحب في فهمه للدين وحدود رسالته، وتفسيره للقرآن والسُّنة، كما انعكس ذلك بوضوح على نوع كتاباته في السنوات اللاحقة من حياته الطويلة التي امتدت إلى العام الماضي.

اكتشف وحيد الدين طريقًا أدرك فيه الحاجة الماسة إلى إعادة بناء التفكير الكلامي، ففي عام 1964 أوضح في مقدمة كتابه: “الإسلام يتحدّى” المسوغات التي دعته لتأليف كتابه هذا، فشدّد على ضرورة التحرّر من منهج علم الكلام القديم، لأن “طريقة الكلام وأسلوبه قد تغيرا بتغير الزمن، ولذلك علينا أن نأتي بعلم كلام جديد لمواجهة تحدّي العصر الحديث”، “خان، وحيد الدين، الإسلام يتحدّى: مدخل علمي للإيمان، تعريب: ظفر الإسلام خان، مراجعة، وتحقيق، عبدالصبور شاهين، الكويت، دار البحوث العلمية، ط 6، 1981، ص 24”. لكن كتابه هذا لم يكن سوى محاولة للتوفيق بين الدين والعلم، والتمسك بشيء من مكاسب العلوم الطبيعية في الاستدلال على وجود الله. ولم يفلح في استبصار أُفق بديل للتفكير خارجَ الكلام القديم، ولم نرَ فيه ضوءًا يدلّنا على قول جديد في الوحي، أو ما يكشف عن محاولة شجاعة لبناء أسس كلام جديد.

وبعد ذلك بسبعة أعوام أصدر وحيد الدين خان كتابه الكلامي الثاني “الدين في مواجهة العلم”، “نقل هذا الكتاب إلى العربية نجل المؤلف ظفر الإسلام خان، ونشرته دار الاعتصام بالقاهرة سنة 1972”. وأردفه بعد مدة بمقالة أعدّها بعنوان: “نحو علم كلام جديد”، ألقاها في ندوة “تجديد الفكر الإسلامي” التي عقدتها الجامعة الملّية الإسلامية بدلهي في 27 ديسمبر 1976، “نقل هذه الدراسة إلى العربية: ظفر الإسلام خان، ونشرتها دار النفائس في بيروت، في كتاب يضمّ مجموعات دراسات أخرى للمؤلف بعنوان “الإسلام والعصر الحديث” سنة 1983م”.

حاول وحيد الدين خان محاكاة ما بدأه محمد إقبال شكليًا في “تجديد التفكير الديني في الإسلام”، لكن كتاب “الإسلام يتحدّى” وكتابات وحيد الدين الأخرى أخفقت في تمثل رؤى إقبال الفلسفية الحرّة في بناء علم الكلام الجديد. لبث وحيد الدين خان يفكر في إطار علم الكلام التقليدي، لذلك لا نقرأ في كتابه “الإسلام يتحدّى” أو غيره من كتاباته رؤية اجتهادية تتخطى آفاق تفكير الكلام القديم، وترتقي به للتفكير في الأُفق الرحب للكلام الجديد. على الرغم من أن كتاب “الإسلام يتحدّى” تُرجم إلى العربية ونشر قبل أكثر من أربعين عامًا، إلّا أنه لم يجد صدىً له في الدراسات الدينية حتى اليوم بالعربية.

لا ينطبق على أعمال وحيد الدين خان المعيارُ الذي وضعناه لتحديد الأساس الذي يبتني عليه علم الكلام الجديد، وكيفية التعرّف على المتكلّم الجديد، والذي يتمثّل في كون المتكلم الجديد يجتهد في إعادة بناء فهمٍ للوحي، بالشكل الذي لا يكرّر فهم مؤسّسي الفرق، وفهم المتكلّمين التقليدي.

كما لا يصحّ توصيف وحيد الدين خان بالمتكلّم الجديد، أو إدراج أعماله في علم الكلام الجديد، كذلك لا يصحّ إدراج أعمال أكثر المفكرين الذين يصنّفون خطأ لدى بعض الباحثين على علم الكلام الجديد، لأنها تكرّر الفهم التقليدي للوحي، ولا تقول شيئًا مختلفًا يخرج على تكرار اجتهادات مؤسّسي الفرق ومجتهديها.

على الرغم من الطريق المستقل في التفكير الديني الذي سعى أن يختطه وحيد الدين خان إلا أنه وقعَ تحتَ تأثير تيار أهل الحديث الذي تفشّى في الإسلام الهندي في القرن الأخير، وأحدث انسدادا في التفكير الديني. حاول وحيد الدين خان في دعوته الإصلاحية اعتماد المناهج والأدوات والمقولات التراثية ذاتها، فلبثَ كمعظم المصلحين الذين يبدؤون بدعاوى وشعارات لافتة، لكن تفكيرهم فيها سرعان ما يقع أسيرًا لمنطق التراث وأدواته ورؤيته للعالَم، فيظلون يدورون في حلقة تبدأ من التراث وتنتهي بالتراث.

مصطلح الإنسانيَّة

يؤكد أندريه لالاند في موسوعته الفلسفية أن مصطلحَ “الإنسانيَّة” لم يولد في العصر الحديث إلّا في مطلع القرن التاسع عشر سنة 1806، عندما استعمله أحدُ المفكرين الألمان في ذلك التاريخ، وكان يريد به: “النظام التربويّ التقليديّ الذي يرمي إلى تكوين الشخصيّة الكلّيّة والإنسانيَّة بواسطة الإنسانيّات”. ويصف لالاند الـ “إنسانويّة” بأنها: “حركة فكريّة، يمثّلها إنسانويّو النّهضة، وهي تتميّز بمجهود لرفع كرامة الفكر البشريّ، وجعله جديرًا، ذا قيمة، وذلك بوصل الثقافة الحديثة بالثقافة القديمة، فيما يتعدّى العصر الوسيط والمدرسيّة”. ويضيف لالاند: “ليس الإنسانوي هو الذي يعرف القدامى، ويستوحي منهم، إنّه ذلك الذي يكون منبهرًا، منسحرًا بنفوذهم وسحرهم، لدرجة أنّه يقلّدهم حرفيًّا، يحاكيهم، يكرّرهم، يتبنّى نماذجهم، أمثلتهم، آلهتهم، روحيّتهم ولغتهم. إنّ حركةً كهذه مدفوعةً إلى أقاصيها المنطقيّة، لا تنزع إلى شيء أقل من إلغاء الظاهرة المسيحية”. يشي توصيفُ لالاند لـ “الإنسانويّ” بأن المجتمعَ كان ينظر بنظرةِ ارتيابٍ إليه، والى عدمِ تفهّمه دعوتَه وجهودَه، وكيف كان أيُّ تفكيرٍ وفهمٍ خارجَ فضاء الدين أو انشغالٍ بتعلّم شيءٍ غيرِ دينيّ يقلق الناس، لفرط ما ألفوه من احتكارِ الدين لفهمِ وتفسير ِكلّ شأنٍ ديني ودنيوي، إلى الحدّ الذي صار فيه الدينُ ونصوصُه بوابةَ الفهم والتفسير الوحيدة لكلّ شيءٍ في السماء والأرض، وأمست تفسيراتُه للاهوت والناسوت من البداهات الراسخة.

الفيلسوف الهولندي إيراسموس 1466 – 1536

سبقت فلورنسا في إيطاليا غيرَها من المدن الأوروبية في ظهور دُعاة النزعة الإنسانيَّة الأوائل في القرن الرابع عشر، واشتُقّت تسميةُ “الإنسانيَّة” من تخصّص “الإنسانيَّات” الذي يدرس تراث وثقافاتِ الأقوام الماضية. كان المصطلحُ يستعمل ابتداءً لتوصيف من يهتمّ بفلسفةِ وآدابِ وفنونِ المجتمعات القديمة، ثم تطورت دلالتُه في عصورٍ لاحقة فأصبح يُطلق على من يقول بمركزيةِ الإنسانِ واكتفائِه بذاته. وكانت الدعوةُ لـ “الإنسانيَّة” إيذانًا بالانطلاق للخلاصِ من مصادرة المؤسسات الدينية للفهم البشري في أوروبا، واعتمادِ مرجعياتٍ أخرى في فهم العالَم بموازاة الدين، مثلِ الفلسفة اليونانية وثقافاتِ المجتمعات الماضية ومعارفِها. وازدهر على أثرِ ذلك تعلّمُ اللغة اليونانية، ونشطت حركةُ التنقيبِ والبحثِ عن مخطوطاتِ مؤلفاتِ اليونان في المكتبات والأديرة والكنائس، وصار الاتجارُ بها يحقّق أرباحًا جيدة. وأنتجت الجهودُ في القرنين الرابع عشر والخامس عشر تحقيقَ وتصحيحَ نصوص الفلسفة والآداب في العصر اليوناني وترجمتها إلى اللاتينية.

اتسع مفهومُ “الإنسانيَّة” بمرور الوقت، فلم يعد يقتصر على التخصّص في لغاتِ المجتمعات القديمة ودراسةِ فلسفتها وآدابها وعلومها ومعارفها، بل صارت “الإنسانيَّة” حسب لالاند:”تدلّ على تصوّرٍ عامٍّ للحياة، فهي تقوم على الاعتقاد بخلاص الإنسان بالقوى البشريّة وحدِها. وهذا اعتقادٌ يتعارض بشدّة مع المسيحيّة، التي كانت في المقام الأوّل هي الاعتقاد بخلاص الإنسان بقدرة الله وحده وبالإيمان”. وهو يعني أن فكرةَ “الإنسانيَّة” كأيّة فكرةٍ ينتجها البشرُ في التاريخ، فحين تظهر، في زمان ومكان ومجتمع، تتطور دلالتُها ويتكرّس معناها ويتبلور، وتتنوّع مصاديقُها وتتعدّد على وفق مراحلِ صيرورتِها المجتمعية، واستمراريتِها وتواصلِ حضورها في المجالات المختلفة.

فرانشيسكو بترارك ( 1304 – 1374)

لم تحتفظ دلالة “الإنسانيَّة” بمعناها كما هو لحظة البدايات، بوصفها تمثل اتجاهًا لغويًا أدبيًا جماليًا يهدف لإحياء التراث اليوناني والروماني، بل اكتسب ذلك المعنى مضمونًا فلسفيًا يتحدث لغة العقلانية النقدية، ويكتسي منطق التنوير ومقولاته ورؤيته للعالَم، وواصل معنى “الإنسانيَّة” صيرورته تبعًا لما ينعكس عليه من إضافات ومكاسب الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ورؤية العالَم المتغيرة من عصر إلى آخر. وتنوع معنى “الإنسانيَّة” تبعًا لتنوع الموقف الميتافيزيقي، وكيفية فهم الطبيعة الإنسانية، ونمط الرؤية للعالَم. وذلك ما أشار إليه رالف بارتون بري في كتابه: “إنسانية الإنسان”، بقوله: “ليس هناك من تعريف دقيق، منطقيا كان أم رياضيا للمذهب الإنساني، فإن المعاني المختلفة التي ارتبطت بهذا التعبير ما هي إلا انعكاسات لتفكير حقب مختلفة من تاريخ الإنسانية، ولمضامين شخصية واجتماعية متنوعة”. ويرى هيدغر: “إذا كنا نفهم من النزعة الإنسانية بوجه عام الجهد الرامي إلى جعل الإنسان حرًا من أجل إنسانيته، وإلى تمكينه من اكتشاف كرامته، فإن النزعات الإنسانية ستختلف حسب التصور الذي يكون لدينا عن الحرية وعن طبيعة الإنسان، وستتباين بنفس الكيفية وسائل تحقيقها، فالنزعة الإنسانية لدى ماركس لا تتطلب أية عودة إلى القديم، تمامًا كما هو الشأن بالنسبة للنزعة الإنسانية التي يتصورها سارتر تحت اسم الوجودية، وبالمعنى العام المشار إليه سالفًا تكون المسيحية أيضا نزعة إنسانية، من حيث إن كل شيء في مذهبها يرتبط بخلاص النفس وأن تاريخ الإنسانية يندرج في إطار تاريخ الخلاص. غير أنه مهما اختلفت أشكال النزعة الإنسانية من حيث الهدف والأساس، والصيغة ووسائل التحقيق، تتفق رغم ذلك حول هذه النقطة وهي كون إنسانية الإنسان الإنساني تكون محددة انطلاقا من تأويل وضع قبلًا: للطبيعة، للتاريخ، للعالم، لأساس العالم أي للموجود في كليته”.

كانت بداياتُ النزعة “الإنسانيَّة” أدبيةً، لكنها تمدّدت بالتدريج فاستوعبت الفلسفةَ والعلومَ والفنونَ والمعارفَ البشرية المتنوّعة، واللاهوتَ وكلَّ ما يتصل بالمعارف الدينية. وأعلن الإنسانيون موقفَهم الواضحَ الذي أعاد الثقةَ بقدرةِ العقل والاهتمامِ بدوره البنّاء في حياةِ الإنسان وتكوينِ معارفِه وخبراتِه المتنوّعة، واستوعب مفهومُ “الإنسانيَّة” بالتدريج القيم الأخلاقيةَ، والحقوقَ البشريةَ التي يستحقّها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، من دون نظر لجنسه أو معتقده أو هويته العرقية. وتمادى بعضُ الإنسانيَّين في تشديدِهم على استغناءِ الإنسان واكتفائِه بذاته، والإعلاءِ من قيمته والارتقاءِ به إلى الحدّ الذي يضعه فوق كلّ شيء، بالنحو الذي صادر فيه الإنسانُ مكانةَ الله في العالَم.

بموازاة ذلك اهتم إنسانيَّون آخرون باستردادِ القيمة المهدورة للإنسان، لكنهم لم ينصّبوا الإنسانَ بديلا لله في العالَم. ومع أنهم وضعوا الدينَ في حدودِ اللاهوت ومعارفِ الدين الخاصة، ورفضوا مصادرتَه للعلم والأدب والفن، لكنهم رفضوا أيضًا الدعوةَ لاستغناءِ الإنسان واكتفائِه بذاته، وتنبهوا إلى أن الإنسانَ يظل بحاجةٍ أبديةٍ إلى صلةٍ بوجود مُطلَق يتخطّى وجودَه الشخصي، تتكرّس به كينونتُه، ويمنح حياتَه المعنى المسكونَ الإنسان باكتشافه.

وعلى الرغم من أن الإنسانيين الروادَ كانوا مؤمنين بالدين المسيحي، بل كان إيراسموس الهولندي “1469-1536” لاهوتيًا ومترجمًا للكتاب المقدّس، وحاول أن يقدّم قراءةً جديدةً للإنجيل تضع المسيحيةَ أفقًا لديانة عالمية. يصف هاشم صالح إيراسموس بأنه: “الشخصية التي جسدت مثل عصر النهضة والنزعة الإنسانية في أرقى تجلياتها، ولكن لا يفهمنّ أحد من هذا الكلام انه كان مضادا للدين. على العكس، لقد كان مؤمنا مستنيرا راسخ الإيمان ولأنه كان مستنيرا، فإنه وقع في صدام مع رجال الدين في عصره: أي مع جمهور الكهنة والرهبان الذين كانوا يشكلون عددا غفيرا في ذلك الزمان، وأكبر بكثير مما هو عليه الحال في أوروبا الحديثة الحالية”.

كذلك كان الإيطالي فرانشيسكو بترارك “1304- 1374” يرى للسيد المسيح مكانةً ساميةً يتفوّق فيها على غيره، إلا أن إنسانيّين آخرين دعوا في وقتٍ لاحقٍ إلى “إنسانيّة” بعيدةٍ عن الدين، فاتخذت الدعوةُ لـ “الإنسانيَّة” لنفسِها مسارَين:

1. مسار متصالح مع الدين، وإن كان لا يقبل بتأميمِ الدين ومصادرتِه لكافة أشكال المعرفة البشرية، بل يخصّ المعرفةَ الدينيةَ باللاهوت والكتاب المقدّس.

2. مسار آخر لا صلةَ له بالشأن الديني، وهذا المسارُ هو الذي اكتسب حضورًا لافتًا في الفكر الغربي منذ القرن الثامن عشر، وتعاظم نفوذُه وتأثيرُه في القرنين التاسع عشر والعشرين، وترك بصمتَه في العلومِ والآدابِ والفنونِ المختلفة، والحياةِ الفردية والمجتمعية. بناء على أن كل عصر يمتلك معاييره الخاصة للمعرفة والزمن والجمال وغيرها، لأن “العصور المختلفة محكومة بمعاييرها الخاصة” كما يرى هيغل.