ثناء على الجيل الجديد يتخطى مقولة صراع الأجيال[1]

عبد اللطيف الحاج اقويدر[2]

جاء كتاب ثناء على الجيل الجديد في أزيد قليلٍ من مئتي صفحة، موزعة على سبعة فصول، وكل فصل يتضمن عدداً من المقالات، وعنوانُه جاذب لافت، تخطى به الكاتب مقولة “صراع الأجيال”، ليطرح بدلَها مقولة “ثناء على الجيل الجديد”، تفطَّن بذكائه إلى أنَّ تجسير الهوَّةِ بين الأجيال، وتجنيب الصراع بينها يأتي عن طريق “الإحسان” الذي يستعبدُ القلوب، فكيف يكون وقْعُه وصداه إذا كان هذا الإحسانُ يُسْدى إلى فلذات الأكباد وبقايا الآباء، و”الثناءُ” رأسُ الإحسان.

جرتْ عادة المجتمعات الإنسانية أنْ يُمدح الأسلاف بما بذلوا وقدموا لأجيال أولادهم وأحفادهم، وغدا هذا تقليداً أخذ صفة الإطلاق. أراد عبد الجبار الرفاعي تصويب هذه القاعدة لإحقاقِ عدلٍ وتوجيهِ بوصلةٍ، فالثناء اعترافٌ لمُنجزٍ فيه خصوصيةٌ، وهو ليس متعلقاً بسنٍّ معيَّنةٍ، وتخصيصُها للفئات العمْرية المتقدمة، فيها ـ إلى جانب الاعتراف ـ رمزية وتعويضٌ معنوي، وكانتْ رؤيةُ الرفاعي أنَّه إذا استحقَّت الثناءَ فئاتٌ شبابيةٌ ما زالتْ تتدرجُ في مقتبل الحياة تتهيَّأ لتلج معتركها، فما المانع الذي يحول دون إظهار الفرح بذلك والاعتراف بهم، وإسداء آيات الثناء لهم، وقد ورد ذلك في مقدمة كتابه مؤكِّداً بأنَّها شهادتُه وقناعتُهُ نابعتيْن من تراكم تجاربه، فلا هو يقدم وروداً ونياشين، ولا هو يجامل مجاملةً غير مستحقَّةٍ، اعترافه وثناؤه على الأبناء تفرضه معطياتٌ موضوعيةٌ.

“ثناء على الجيل الجديد” عنوانُ فصله الأول، تضمَّن خمسَ مقالات، تحدثَ فيها عن واقع جيل الآباء الذي كان موبوءً بتلوثات السياسة والإيديولوجيا والانتكاسات ص24، وواقع الجيل الجديد المعقَّد المتشابك المنفتح على مصراعَيْ العالم والحياة، فيعيشُهما عياناً على المباشر وافتراضاً عبر مختلف الوسائط، ويدرك الكاتبُ أنَّه من الطبيعي أن تنتج هذه الوسائل معاييرها القيميَّة الخاصة ص27، وأن تفرض نمط حياتها، إذْ لا حياد في الحياة، وإذا كان جيلُ الآباء قد نشأ في فضاء تربوي يتَّسمُ بالعنف تعاملاً، وبالتلقين تعلُّمًا، فإنَّ الجيل الجديد لا يتحرَّجُ من إعلان رفضه استخدام العنف معه، واشمئزازه من أساليب التدريس البالية، فقد يسَّرتْ له وسائل الاتصال سبلَ المعرفة وأنواع أساليب التلقِّي، يفي منها ما يحتاجه، وبأيِّ كيفية يريدُها، ويأسف الكاتبُ من عدم تحلِّي الجيل القديم بشجاعة الاعتراف بثغرات أساليب التربية والتعليم لعصره، ولا بما حُظيَ به الجيل الجديد من سلاسة وتنوُّع ومرونة، وأن رهان الرقي والتطور معقود بناصيته، وإذا كانت صورة الدين لدى جيل الآباء هو ما  “صنعه ـ له ـ علم الكلام القديم وفقه التكفير” ص45، فإنَّ الجيل الجديد بما له من التنوُّع يسعى بما توفره له وسائط الاتصال على التعرُّف على الصورة المغرية لله تعالى، صور النور والرحمة والحب والبهجة، كما أدرك إمكانية تجاوز فتاوى تحريم الفنون، التي هي ليستْ أكثر من تجلياتِ الإنسان تعبيراً وتواصلاً مع الطبيعة والإنسان.

و”التربية خيارها الحصانة لا المنع” عنوان الفصل الثاني الذي تضمن ثلاث مقالات، يعترف فيها بأنَّ تكنولوجيات الاتصال قد شكلت تحديا للمجتمعات الإنسانية كلِّها لا على مجتمعاتنا فحسب، فقد أحدثتْ تصدُّعات في سلَّم القيم ص50، نتيجة الصدمة العنيفة التي أحْدثتْها  في منظومتيْ الأسرة والعلاقات الاجتماعية، ففكَّكت روابط التلاحم بين أفراد العائلة الواحدة، وفرضتْ على كلٍّ منهمْ نفياً انعزالياً، وبلبلتْ فيهم عواطفهم وأفكارهم ولغتهم ورؤاهم، بل إنها تكاد تشكِّل خطراً وجودياً على الفرد في سلامته الجسدية أو النفسية على ما نقله خبراء الطب والعلاج، ومع ذلك فهي الشرُّ الذي لا بد منه، ومع ذلك فهي الإفراز الطبيعي لعصرها عصرِ حقوقِ الإنسان والحريات وعصرِ إشاعة المعرفة والتعليم، في حينٍ كانت عصورُ الآباء عصورَ الرُّكود والسمع والطاعة.

و”الاستثمار في الحب صعبٌ” عنوان الفصل الثالث، وهو أوسعُ فصلٍ بسبع مقالات خصَّصها لعاطفة “الحب” الذي جفَّ معينُه أو يكاد، و”الحبُّ” في مشروع الرفاعي هو حجر الزاوية وأسُّه، يسوقُه رفيقَ دربٍ في الحياة، وزاد عملٍ للحياة الأخرى، وقد وردت مقالاته تباعاً على النحو الآتي: “الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان”، و”ويترجم القلب كلمات الحب بمعنى واحد”، و”مكافأة الحبِّ الحبُّ ذاتُه”، و”الاستثمار في الحب صعب”، و”حبُّ الإنسان طريقٌ لحب الله”، و”الإيمانُ بلا حب ورحمة عنيفٌ”، و”الكراهية ليست طارئة”، فالحب يُشحِن النفوسَ طاقةً وراحةً وسعادةً، يُشعِر الإنسان بكينونته ويُحفزه على العطاء، ومن غرس حبّاً جناه، والحبُّ الأكبرُ هو حبُّ الله الأبدي المشرقُ على القلوب الذي لا يعتوره كدرٌ، بخلاف صورة الألوهية في الإيمان الصراطي الذي اعتقد به جيلُ الآباء ورِثه عن الأسلاف، صورةٌ ظلمانية لا تراه إلا محصوراً بها دون غيرها، ومن خرج عن دائرتها لم يستحق الفوز ولا السعادة، بل قد يُسحق كما فعلت المجموعات الإرهابية التي روَّعت ودمَّرتْ وقتلتْ باسمه تعالى.

“الصمت الحكيم” هو فصل الكتاب الرابع بستِّ مقالاتٍ، ذكَّرَنا فيها الرفاعي بتلك القاعدة الذهبية التي ردَّدناها صغاراً دون إدراك أبعادها “إذا كان الكلام من فضَّةٍ فإنَّ السكوت من ذهب”، لم يغر الكاتبَ ذهبُ السكوت بل أغراه أَلَقُ الصمت ونفاستُه، وبين السكوت والصمت فرقٌ نوعي، فالصمتُ كلامُ الحكماء والعقلاء ومتنوري الثقافة. الصمتُ إرادةٌ ولغةٌ وفلسفة وفنٌّ وملجأ، ألا يقال “نلوذ بالصمت”. هو حاجزٌ يمنع التهور، ويصونُ أرواحاً، ويُشْرِقُ على أرواحٍ، والصمتُ أنواعٌ ودرجاتٌ، وتتَّخذه بعض مدارس التأمل طريقاً لاستجلاب الراحة للروح، وليس الصمت بالأمر الهيِّن ولا هو في متناول الجميع، لا يستطيعه إلا من ملك إرادته، وأنَّى له بملكها؟ وليس الصمتُ نقيض الكلام بل هو نقيض الثرثرة، فقد أراد حكيمٌ قديماً أن يستوثق من قيمة إنسانٍ يجهله، فقال:” تكلَّمْ لأراك”، فالكلام هو الرجل، ولكنَّ الذي يعجِزُ عن أنْ يُصغيَ يعجزُ أن يصمُتَ، ومن أتقنَ فنَّ الصَّمت أتقن فنَّ الكلام، فكم من متكلِّمٍ لا يكونُ كلامه إلاَّ أذى، وكم من كلمةٍ أودتْ إلى مقبرة أو مستشفى، لذا لفتَ الكاتبُ النَّظر إلى ضرورة تشجيع “تنمية ثقافة يمكن تسميتها بِـ “اقتصاديات الكلام” تتعلق بكمية الكلام وشكله ومضمونه وكيفيته” ص139.

“لا تراث خارج التاريخ” هو الفصلُ الخامسُ، الذي تضمَّن مقالاتٍ معرفية عميقة تشير إلى علاقة السلطة بالمعرفة، وقد امتلكت السلطةُ في تاريخنا القديمِ معرفتَها، وصنعت لها علماءَ وفقهاءَ يسوِّغون سياساتها ومشاريعها، وقام باحثون في العصر الحديث بقراءة هذه المعرفة التراثية باستعمال إحدى الطريقتيْن: إمَّا دراسة إحيائية أو دراسة تجديدية، أما الدراسة الأولى فتكرارية اجترارية لا تفيدُ إلَّا قليلاً، وأمَّا الدراسة الثانية فكاشفة لأنها سائلةٌ عن بنيتها الأساسية التي ترتكزُ عليها ص155. 156. تقومُ هذه الدراسةُ بتفكيك البنية التحتية للتراث مستثمرةً أدوات ومناهج ومقاربات هذا العصر من مدارس الفلسفة وتياراتها، وعلوم الإنسان والاجتماع واتجاهاتهما ونظرياتهما ص157، وتكشَّفَ لها أنَّ ما درجتْ عليه القرون تسميها ديناً وإيماناً كان في جزءٍ منه لا يعْدو أن يكون مقولة سياسيةً تلبسُ لباساً دينياً، فكثيرٌ من المرويات والأحاديث هيَّأ “الإسناد” لها طريقاً نحو الدين، والإسنادُ ذاتُه في حاجةٍ إلى جرحٍ وتعديلٍ، كما أنَّ تضخُّمَ الفقه يعود إلى “حجِّية الخبر الواحد”، الذي تحوَّل من رأيٍ إلى قاعدةٍ أصوليةٍ بفعلِ فاعلٍ، ومردُّ هذا الاكتشاف يعود إلى خبرة هذا العصر، إلى ميشال فوكو الذي توصَّل إلى أنَّ كلَّ سلطة تُنتج معرفة من جنسها وتحميها وكذا العكس ص162، فلا غرابة أن تطغى القراءة السلفية على المشهد الديني الإسلامي، وهي قراءة مغلقةٌ معطِّلةٌ للعقل، ورؤيا لا تنتمي للعصر ولا للواقع 167، ولا غرابة أنْ “يتسيَّد التراثُ المتشدِّدُ ويُقصَى التراث العقلاني”.

أما الفصل الأخيرُ، فعودٌ على بدءٍ إذْ يقدِّمُ ” تحية للجيل الجديد”، الذي اكتشفَ منه وجهاً مشرقاً في إحدى ندواته الأخيرة في مصر، التي جرى عنها الاعتقاد أنَّها انطفأتْ وانكفأتْ، ودخلتْ في نومٍ سباتي، لكنَّه اكتشف جيلاً جديداً يحدوه نشاطٌ حثيثٌ ورؤيا مشرقة تجاه وطنه، وراقه شوقهم إلى المعرفة والتواصل، وأسِف على تغييب أسماء مفكرين وفلاسفة وكتَّابٍ مشهوداً لهم بعمق الفكر وغنى المعالجة.

 

 

 

[1]  قراءة في كتاب: ثناء على الجيل الجديد، تأليف: د. عبد الجبار الرفاعي. منشورات تكوين، الكويت، ودار الرافدين، بيروت. ط1 ، 2024.

[2]  كاتب جزائري.

التعليم في عصر الهوية الرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة والإعلام في عصر الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والافتقار للإرادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشة، وعدم الحماس للانخراط في العصر الرقمي لدى القيادات، والافتقار للخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًّا لإنجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة لولادتها وتنميتها.

هوية جيل الألفية الجديدة رقمية، هذه الهوية وُلدت في فضاء وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، تواصل الهويةُ الرقمية ولاداتِها باستمرار في فضاء الذكاء الاصطناعي المتدفق كشلالٍ هادر. الهوية الرقمية لا تشبه أيّةَ هوية من الهويات الدينية والعقائدية والأيديولوجية والإثنية الموروثة، ‏الهوية الرقمية سيالة في صيرورة متعجّلة سريعة التحول، لا تستقرّ على حال أبدًا، ولا تلبث في حالةٍ واحدة لسنوات، أو حتى سنة واحدة. هذا يعني أن الجيل الجديد يتفاعل بنحو مختلِف مع الهويات الرقمية وينتمي إليها بطريقته، لا كما كان يجري في الانتماء ‏لهويات العصر ما قبل الرقمي، ما يحدث تناشزًا حادًا تزداد وتيرته وتتسع فجوته بسرعة، بين نظامِ التربية والتعليم التقليدي، والهويةِ الرقمية المتغيّرة والمتواصلةِ الولادات وإعادةِ التشكل. في عصر الهوية الرقمية يتفاقم اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، ويُحدث ذلك تناشزًا يتضخم كلَّ يوم بينهما، وينتهي إلى المزيد من الأمية المعرفية والثقافية والرقمية، التي تنعكس في الآتي:

  1. إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والرقمي، وليس الزمان بمعناه الفيزيائي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو واقع العالَم اليوم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن كلَّ شيء في ذلك الماضي صوابٌ أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ واقع العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي والعيش في الواقع، ووعي نمط وجوده في عصر الهوية الرقمية المتغيرة، واستثمار ما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة والذكاء الاصطناعي من جديد العلوم والمعارف والثقافات يوميًا.

2.كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي المشتقَّ منه والمتناغمَ مع إيقاع صيرورته، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. نمطُ الوجود في عصر الهوية الرقمية يفرض عقلانيتَه ورؤيتَه للعالم وقيمه وثقافته، لا يستطيع الإنسانُ التغلبَ عليه مهما عاند الانخراطَ في هذا العصر، أو الاحتماءَ من آثاره، والتحكمَ الكامل بحضوره الهائل. ذلك ما يدعو الإنسانَ في بلادنا لمواكبته، في سياق رؤية تتسع لاستيعاب مكاسبه، وبناء أخلاقيات تقي الإنسانَ من ارتدادته المربكة والعاصفة.

  1. النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ في عصر الهوية الرقمية، غيرُ النظام التعليمي التقليدي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ عصر الهوية الرقمية، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.
  2. العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوِّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.
  3. عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.
  4. تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بعصر الهوية الرقمية الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.
  5. الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سميراميس بنت ابنتي د. تُقى، عندما كانت بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدٌ طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.
  6. لا يهتم النظامُ التعليمي بالاختلاف بين استعدادت الأطفال ومواهبهم، وما يفرضه موقعهم الطبقي من تفاوت في تكوينهم المبكر. تكوين الأطفال يختلف تبعًا للإمكانات المتاحة لهم، كما كشفت عن ذلك دراسة في أمريكا عن الأثر الذي يحدثه تلقي الأطفال للغة في مرحلة مبكرة من حياتهم في بناء وعيهم ورؤيتهم للعالَم، وكيف يتناسب وعيهم مع ما يتلقونه من اللغة، فتبين وجود تفاوت فاحش في تلقي اللغة تبعًا للتفاوت الطبقي، إذ ان أبناء العوائل الغنية إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم يكونون قد استمعوا إلى 43 مليون كلمة، لكن أبناء العوائل الفقيرة إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم لم يستمعوا إلا إلى 13 مليون كلمة. والمعروف أن نضج الذهن ونموه يتناسب وامتلاك اللغة وحضورها وتفاعل الذهن معها في الصغر، فكلما كانت الحصيلة اللغوية أثرى نضج الذهن أسرع واتسعت آفاق الوعي أكثر.
  7. مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عصر الهوية الرقمية وهو لا يشبه عصرَهم أمس، عصرٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العصرُ مَن لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورُه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العصر، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في وجدانهم، والسطوةِ على مشاعرهم. الماضي مكوّنٌ عميقٌ للاوعي الأساتذة من جيل الآباء، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه.
  8. إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة.كما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا يرتقي بكفاءة أدائها،كذلك هو النظام التعليمي في عصر الهوية الرقمية ، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.
  9. لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين الأكاديمي والثقافي والرقمي في عصر لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في عصر الهوية الرقمية تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.
  10. يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة من التلميذ، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتعليم المستمر، وتنمية التكوين الأكاديمي، والحرص على الحضور في الفضاء الرقمي ومواكبة وتيرة تطوره الفائقة. وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ، ولا يوسّع متخيّله وأحلامه العلمية.

 

 https://alsabaah.iq/99240-.html