لغة الغيب في سياق مقولات الخلاص الكلامية
د. عبد الجبار الرفاعي
تسيّدت الحياةَ الدينية في الإسلام، منذ العصور التي تلت عصر البعثة، لغةٌ مشبعة برؤية المتكلمين، وأحكامٌ تستمد مشروعيتها من الفقه المؤسَّس على تلك الرؤية. لذلك يحضر في الذهن، عند التفكير في أي واقعة أو موقف أو فعل، معجمٌ محكوم بمقولات كلامية، ومشحون بدلالات فقهية. حين يواجه المسلم حادثةً ما، أو يريد أن يتخذ موقفًا معينًا، يتبادر إلى ذهنه السؤال: هل هذا حلال أو حرام؟ من دون أن يفكر غالبًا في دلالات الموقف الأخلاقية، أو معطياته الروحية، أو آثاره الجمالية. هكذا يغيب البُعد الأخلاقي في التفكير الديني، ويُقصى البُعد الروحي، ولا يتذوق الإنسان تجليات الله في الوجود. وتختزل العلاقة بالدين إلى منظومة أوامر ونواهٍ، يُختبر فيها الفعل بمعيار الحِلّ والحرمة، لا بأثره في الضمير، أو أثره في بناء الحياة الروحية، أو مساهمته في الحياة الأخلاقية.
تتكرر مفردات هذا المعجم في اللغة الدينية المتداولة في التعليم الديني، وخطب الجمعة، والدروس الدينية، ومنابر المساجد، ووسائل الإعلام والتواصل التي تتحدث في قضايا دينية، حتى غدت لغة الغيب أسيرة لذلك المعجم، مغلقة في حدوده، لا دلالة لها خارج مداراته. ما إن يُذكر الغيب أو أي شأن ديني، حتى يتداعى إلى ذهن المتلقي قاموس مألوف، تشبّع فيه لاوعيه الفردي والجمعي. قلّما يتخطى المتكلم أو الكاتب في الدين هذا المعجم، كذلك تلبث المعاني التي تتبادر إلى وعي المتلقي رهينة للدلالات المشبع فيها ذهنه.
في الحياة اليومية، حين يتحدث المسلم عن مسألة دينية، فإنه يعيد إنتاج المفاهيم ذاتها التي صاغها المعجم الكلامي، ويتحدث بلغته، سواء في أقواله أو في كتاباته، إن لم يمده وعيه الظاهر، تستفيق في وعيه الباطن مفردات ذلك المعجم. وحتى عندما يكتب كاتب يتوخى التعبير عن تجربة إيمانية، أو تأمل روحي، أو قلق وجودي، فإنه غالبًا ما يعيد تدوير مفردات ذلك المعجم، ويستنطق مفاهيمه، ويتكلم بلسانه، من غير أن يتحرر من رؤيته، ولو كانت تجربته الإيمانية تستدعي لغة مغايرة، أكثر إنصاتًا لنداء القلب، وأشد قربًا من
أشواق الروح إلى الأنوار الإلهية، وأرحب انفتاحًا على مكاشفات المعنى.
عند تأمل اللغة المتداولة في الكتابات العربية حول الدين، نلحظ أنها مشبعة بمقولات المتكلمين، ومقيدة بتراث جدلي مشروط بسياقاته التاريخية، ما يجعلها محدودة الدلالة، وأقل قابلية للتعبير عن أعماق التجربة الإيمانية. هذا النمط من الاستعمال يفقر لغة الغيب من طاقتها الرمزية، ويضيّق أفقها في الكشف عما تنطوي عليه آيات الغيب من إشارات وإيحاءات تتجاوز ظاهر المعنى. اللغة التي تشكلت في أفق الرؤية الكلامية غالبًا ما تعيد إنتاج المفاهيم ذاتها، ولا ترى في آيات الغيب إلا ما تسمح به أدوات علم الكلام التقليدي، ويُستعمل المصطلح الديني في الغالب في سياق هذا الأفق، الذي يحجب إمكانات الإيحاء، ويقفل نوافذ التأمل، ويختزل الدين في معايير الجدل وتفصيلات الأحكام.
قلّما تُستمد معاني المفاهيم الدينية من قيم القرآن التي تنير القلب، أو يُنظر إلى الآيات الحاكية عن الغيب بوصفها إشارات إلى أعماق التجربة الروحية، لا مجرد موضوعات للجدل الكلامي. اللغة التي رسّخها المتكلمون، وإن كانت اجتهادًا بشريًا في قراءة النصوص، لكنها ترسّبت في الوعي الفردي والجمعي في الحياة الإسلامية، واستحوذت على الفضاء الديني، حتى غدت تفهم كما لو أنها هي الدين نفسه. بذلك تعطلت دلالات كثير من الآيات الحاكية عن الغيب، وتجمدت في قوالب تلك اللغة، وانحسرت منابع التأمل، وخفَت الشعور بمعنى يتجاوز ظاهر اللفظ، وتراجع الوعي بما يشكّل جوهر التجربة الدينية. وانحسر حضور أسماء الله الحسنى، بوصفها ترسم صورة جميلة لله مشبعة بالرحمة والمحبة والجمال واللطف والعفو والمغفرة والسلام، وتغيّب أثرها في بناء الوعي الروحي. وبدلًا من ذلك غلبت على أسمائه، في التصور العام، دلالات التسلط والعقوبة والعذاب، ولم يتجلَ كما تشير إليه أسماؤه في هذه المعاني، وما تمنحه من طمأنينة للقلب وسكينة للروح.
تحوّلت أسماء الله الحسنى من رموز يتجلى من خلالها الحضور الإلهي، وتضيء بها مسالك القلب، وتنفتح بها نوافذ الوعي الروحي، إلى مفاهيم مغلقة تُشرح بمنطق الجدل، وتضيق دلالاتها في حدود المحاججات الكلامية، فخبت إشراقتها، وتراجعت طاقتها الرمزية في إنعاش الروح، وتنوير الضمير، واستنهاض الإيمان الحي. وبدلًا من أن تُفهم هذه الأسماء بوصفها شواهد على الرحمة والجمال والمحبة والسلام، غلب عليها المعنى السلطوي، وانحسرت صورتها في ضمير المؤمن إلى هيئة قاضٍ يعاقب ويعذب، وغابت عن هذه الأسماء صورة الله بوصفه الملاذ الآمن للمحبين، والملجأ الحميم للمنكسرين، والنور الذي تتضمّد به جراحات القلوب. وعلى الرغم الحضور الكثيف لأسماء الله الحسنى وصفاته، وما يتصل بالغيب في آيات الكتاب الكريم، فإن اللغة الدينية المتداولة، المشبعة برؤية المتكلمين للغيب والقوالب المسبوكة فيها هذه الرؤية، تحجب دلالات هذه الأسماء، وتكفّ إشاراتها عن الإيحاء، وتغلق نوافذها الرمزية، فلا تعود تنبض بالمعنى، ولا تُلهم القلب، ولا تسقي التجربة الروحية. ويتراجع بشكل كبير بعدها التأويلي، ويتآكل أفقها في بناء الإيمان، وتفقد قابليتها على وصل الإنسان بربه، والانعتاق من غربته الوجودية.
مادام مضمون لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علم الكلام، فإن تعريف الدين ومفهومه وحدوده ووظيفته في الحياة، وأدوات تفسير القرآن والسُّنة، ودراسة وتدريس علوم الدين، ودراسة التراث وتفسيره، تظل حبيسة رؤية المتكلم، ولا تتسع لاستيعاب الدلالات العميقة في آيات الغيب وتجلياتها على القلب. اللغة التي يُعاد من خلالها إنتاج صورة الله في وعي المسلم وتترسب في لاوعيه لا تستلهم دلالات نور الله في القرآن، لذلك لا تخاطب القلب، ولا توقظ الإحساس، ولا تهتم بالتذوق، بل تكرّر معجمًا كلاميًا موروثًا، جرّد لغة الغيب من طاقتها الإيحائية، وأضعف أثرها في الحياة الباطنية للإنسان. هذا المعجم، الذي تكرسه المؤسسة الدينية، وتسوده مقولات الكلام التقليدي، ولا تخرج عن اطار فهمه المبسط أدبيات الإسلام السياسي، لا يفسح المجال لتأويل يتجاوز ظاهر اللفظ، ولا يسمح بفهم الدين بوصفه تجربة حيّة تستجيب لما يعانيه الإنسان من ظمأ وجودي، وتخفض غربته الميتافيزيقية، وتعيد إليه شيئًا من الطمأنينة، وتنقذه من القلق الوجودي، واضمحلال المعنى.
مقولات انحصار الخلاص بفرقة واحدة، كما صاغها علم الكلام التقليدي، ترسّبت في اللاوعي الفردي والجمعي، وأعادت تشكيل وعي المسلم بالدين، حتى غدت مرجعيةً ضمنية يُحتكم إليها في تفسير النصوص الدينية، وتأويل الغيب، وإنتاج الأحكام. تلك المقولات عطّلت تبلور التصورات التي لا تتناغم مع منطق “الفرقة الناجية”، وأعاقت القراءة الرمزية والتأويل الروحي للآيات التي تتحدث عن الغيب والمصير والنجاة. بفعل هذا الإرث الكلامي، تشكّل وعيٌ ديني يعجز عن الانفتاح على إمكانات التعدد الديني، ويختزل صور الله في صورة أحادية محتكرة، محجوبة في إطار فرقة واحدة، لا ترى في الدين معنى خارج ما تراه هي، ولا تعترف بالخلاص خارج حدودها. لكن حين تُفسر آيات الغيب في سياقها القرآني، وبعيدًا عن إسقاطات مقولات المتكلمين الانحصارية، تتبدى هذه الآيات مصدرًا حيويًا لإنتاج تصورات رحبة عن الله، تتسع لاحتضان تنوع التجارب الدينية، وتبعث رؤية تحرر الخلاص من الانحصار بالفرقة الناجية، وتعيده إلى رؤية رحمانية، تتسع فيها الرحمة لكل شيء، كما تنص على ذلك الآيات القرآنية. لغة الغيب، كما تجلت في القرآن، لا تنتج تصورًا واحدًا لله، بل تنفتح على تصورات متنوعة، تتلون بأفق المتلقي، وبيئه، ومختلف المعطيات السائدة فيها، وتتجلى بقدر ما يتأهل القلب لاستقبالها. كلُّ قراءة تتذوق هذا البُعد الرؤيوي في لغة الغيب، تكتشف أن النص القرآني نداءٌ للرحمة، ودعوة للاعتراف بإنسانية المختلف، وإقرارٌ بتنوع سبل الهداية إلى الله.
انسداد آفاق التعددية الدينية، واحتكار الخلاص بفرقة واحدة، يفضي إلى تعطيل مختلف أنماط التعددية في المجتمع. انسداد آفاق التعددية الدينية يساهم في تجفيف روافد التعددية السياسية، والثقافية، واحتكار المجال العام، ولا يثري التنوع والتعدد في المجتمع، ولا يبنني أرضية لتوالد حق المواطن في أن يكون مختلفًا. حين تتجذر مقولات الفرقة الناجية في وعي الجماعة، ينغلق مفهوم الحقيقة على تصور أحادي، ويجري استبعاد أية رؤية أو تفسير لا ينسجم مع معتقد الجماعة. التعددية في المجال العام لا يمكن أن تنمو في بيئة يتسلّط فيها فكر ديني إقصائي، يحتكر الحقيقة بفهمه، ويختزل النصوص الدينية في تأويل واحد، ويعجز عن الاعتراف بالمساواة الإنسانية مع المختلف في معتقده. احتكار الخلاص يؤسّس نظامًا لإنتاج المعنى يحتكر الحق في رؤية الجماعة وفهمها، ويمنحها احتكار تمثيل الإرادة الإلهية، وتكليفها ضمنيًا بمحاسبة المخالفين ومصادرة حريتهم. إن تفكيك بنية هذا الاحتكار يبدأ من إعادة تأويل آيات الغيب بوصفها نداءً للرحمة، وشهادة على تنوع سبل الهداية، وإقرارًا بتعدد وجوه الإيمان، وتجليات الحضور الإلهي. لذلك فإن تحرير لغة الغيب من أسر مقولات الخلاص الانحصاري، يُعد شرطًا لتوليد وعي جديد، ينفتح على رحابة الحياة، وكرامة الإنسان وحريته، وحقه في أن يكون ذاته، بلا وصاية، ولا قسر، ولا إكراه.
حين تنغلق اللغة الدينية على مقولات الخلاص الكلامية، يغيب البعد الوجودي في لغة الغيب، ويتلاشى الأفق الذي كانت تنفتح من خلاله لغة الغيب الإلهية على إشارات لا تُدرك بالعبارة، بل تتذوقها الروح، ويتدفق بها ضوء البصيرة. وحين يغلق النص على التفسير الحرفي، وتنحبس دلالاته في قوالب المتكلمين، ينحسر إشعاع لغة الغيب، ويتراجع أثرها في القلب، وتتعطل قابليتها على بث الحياة الروحية في أعماق الإنسان. الكلمات الإلهية لا تنكشف للروح وتتجلى للقلب إلا بمقدار ما تنفتح عليها بصيرة القارئ، ويتأهل لتذوق أنوارها القلب، وتتهيأ لتلقي اشراقاتها الروح.
ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر المعجم الكلامي، وتعاد قراءتها بوصفها إشراقات تتكشف فيها الرحمة والمحبة والجمال والسلام، وتستنير بتجربة الإيمان الحي، سيبقى حضور الله باهتًا في وعي الإنسان، ويتحول الدين إلى سلسلة ممنوعات تصادر عليه شيئًا مما تتطلبه طبيعته البشرية من احتياجات، وتعجز عن أن تروي ظمأ قلبه، ولا تضيء ضميره، ولا تنقذه من غربته الوجودية. هناك حاجة ملحّة اليوم تتمثل في استعادة البُعد الرمزي للغة الغيب، وإحياء إشاراتها التي توقظ الشعور بحضور الله، وتبعث على التأمل، وتلهم الروح طمأنينة تستدعي شهود أنوار الله بوصفه الحبيب، والجميل، والرحمن الرحيم، والسلام، والملاذ الذي لا يخذل من لاذ به. الدين الذي لا يداوي جراح قلب الإنسان، وقلقه المرير، ولا يروي عطش المعنى، ولا يمنح الإنسان بصيص أمل في الغربة الموحشة للوجوده، يظل غريبًا عن مقاصد الوحي، وبعيدًا عن أهداف رسالة الأنبياء.
