الهوية والمواطنة

د. عبد السلام فاروق[1]

لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه “الهوية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.

يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا. وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية – تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.

 معادلة المواطنة

يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟

إن انقلاب هذه المعادلة – بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن – هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.

يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر “أدنى” من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.

هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.

يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى “غنيمة يتقاسمها المنتصرون”. هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.

إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.

إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.

الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.

الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة

تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته “صناعة الهوية” – وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.

المواطنة المشروطة

أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة – سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.

هذه “المواطنة المشروطة” تخلق نظامًا طبقياً سياسياً، حيث يتحدد مركز الفرد في الدولة ليس بناء على كفاءته أو إنسانيته، بل بناء على انتمائه العرقي. وهذا بدوره يخلق دوامة من الاستياء والاحتقان، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتنفجر.

الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل

تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:

– نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة

– نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة

– نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية

والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث – رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.

 الثنائية المنسية

قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات. كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟

 من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة

إن تحول الوطن من “غنيمة” للجماعة الغالبة إلى “شركة” بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب. فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟

[1] كاتب مصري.

https://almothaqaf.org/readings-2/984331

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

د. عبد الجبار الرفاعي

بعضُ الأدباء والمثقفين العراقيين يظن أن المتدينَ لا يمكن أن يكون مثقفًا، ‏والمثقفَ لا يمكن أن يكون متدينًا. في الشهر السادس سنة 2003 دعاني المعهدُ الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت لمؤتمرٍ لدراسة تداعيات الاحتلال وآثاره على العراق.كنا جماعةً من المدعوين العراقيين جالسين في الاستقبال مع لزلي ترامونتيني معاونة رئيس المعهد. حلَّ وقتُ آذان المغرب، فقلت: استأذنكم أصعد للغرفة أصلي، أجابني مثقف معروف قائلًا: أنت رجل مثقف عقلاني، إلا أن الغريب أنك تصلي، وهذا لا يليق بمثقف. رددتُ غاضبًا: رجاء لا تجرح ضميري الديني، أنا إنسان مؤمن أصلي منذ البلوغ، ولن أترك الصلاةَ مادمتُ حيًّا. الصلاة معراجي إلى الله الذي يطمئن به قلبي، ويملأ روحي سكينةً وسلامًا. لماذا تشترط على المثقف العقلاني ألا يكون مؤمنًا، وينبغي ألا يصلي؟ عددٌ من الفلاسفة مثل “امانويل كانت” فيلسوف التنوير كانوا مؤمنين بالله، كيركغورد كان مؤمنًا عارفًا، محيي الدين بن عربي أعظم حكيم عارف ظهر في الإسلام كانت استبصاراتُ روحه ساطعة. فوجئ الرجلُ بهذا الجواب الصريح، فاعتذر بكلماتٍ مرتعشة، ماتتْ في شفاهه.

الدينُ حاضرٌ في كلِّ شيء في حياتنا، تجاهلُ آثاره الإيجابية والسلبية كليًا، انتهى إلى اغتراب ثقافتنا ومثقفنا عن مجتمعه. يذهب بعضُ المثقفين إلى استفزاز الضمير الديني لك لو علم أنك تؤمن بالدين، يتحدث معك بكلماتٍ جارحة أحيانًا بلا مقدّمات. قبل سنة قابلتُ شخصًا كان يسأل عني ويريد أن يتعرف عليّ، حييته باحترام واهتمام واحتفاء، بعد التحية مباشرة، لم أكن أفكر بالحديث معه عن أيِّ شأن يتصل بالدين، غير أنه استبقني وهو يقول بتوتر وانفعال: “أنا لا أؤمن بكل شيء ينتمي للدين جملة وتفصيلًا، ولا أطيق أن أقرأ أو أستمع أي كلام من أي إنسان يتحدث عن ذلك”، فانصرفتُ مباشرة.

الثقافةُ العراقية اليوم مغتربة عن محيطها، والمثقفُ العراقي مغترب عن مجتمعه. يعرف المثقفُ والأديب الأدبَ والشعرَ اليوناني أكثر مما يعرف الجاحظَ والتوحيدي والمعري، ويستشهد بالميثيولوجيا والآلهة اليونانية أكثر مما يستشهد بآلهة الحضارات العراقية القديمة الراسخة الجذور في حضارات وادي النهرين. يهتمّ بقراءة الكتب المقدّسة الوحيانية وغير الوحيانية للأديان المختلفة وتراثها الديني، وقلّما يعود للقرآن الكريم، ولو حاول أن يلتقط نصًا من التراث الإسلامي، كأن يستشهد بشذرةٍ للحلاج أو النفّري أو ابن عربي أو جلال الدين الرومي لا ينظر للنهر الذي استقتْ ونبتتْ في تربته هذه الشذرة. عندما يقتطف ثمرةً لا يرى الشجرةَ العظيمة المثمرة ولا جذورَها، ولا الأرضَ المغروسة فيها. يحتفي بأفراح وأحزان أديان متنوعة، ويمتنع أو يتردّد كثيرًا وأحيانًا يخجل من الاحتفاء بأفراح وأحزان أمه وأبيه وأهله ومجتمعه. أعرف أن الثقافةَ والأدب والفن العراقي الحديث ولدت في أحضان أيديولوجيا اليسار الأممي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتغذّت لاحقًا من أيديولوجيا اليسار القومي، غير أنها بعد مضيّ نحو قرن من الزمان مازالت أسيرةَ آباء اليسار، وتلبث حتى اليوم في رعاية أبناء وأحفاد أولئك الآباء.

الغريب أن تبجيلَ شعر الحلاج وشذرات النفري وأمثالهما من العرفاء يرادفه تجاهلُ العرفان ونصوصه لدى أكثر المثقفين العراقيين. نادرًا ما أرى ومضاتٍ مضيئة في النثر والأدب العراقي الحديث مرآةً لرؤية فيلسوف وذوق عارف في الأدب العراقي. يكتب فتغنشتاين: ‏”إن الشعور بالعالم ككل هو الشعور الصوفي”. إن ثقافةً لا تتشبّع بالفلسفة ولا تتذوق العرفانَ تظلّ فقيرة، تحاول أن تغطي فقرَها بفائض الألفاظ. مثلُ هذه الثقافةِ تجهل الحاجةَ للدين، وتعجز عن رؤية أعماق الحياة الروحية.

في العراق موقف المثقف من الدين والتدين ملتبِس، أحيانًا يبلغ الموقفُ حدَّ النفور والاشمئزاز من كلِّ ما يمتّ للدين بصلة، من دون نظرٍ وتأملٍ في الدين بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة البشرية، ومن دون نظر وتدبر بتنوع قراءات النصوص الدينية، واختلافِ تأويلها عند المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والعرفاء، ومن دون تمييزٍ بين أنماطِ التدين وتعبيراتِه المتنوعة في الحياة.كلُّ شيء يتصل بالدين والتديّن يوضع في سلةٍ واحدة. المشكلة في العراق أنك نادرًا ما تجد في الوسط الثقافي، الذي يحتكره اليسارُ تاريخيًا، مَن يكتب في الدين، أو يقدم تفسيرًا علميًا لقوة حضورِه وتأثيرِه الواسع في حياة الفرد والمجتمع، بل تجد من يهزأ بالكتابة في الدين ويسخر من الحديث عنه. أحدُ حاملي الدكتوراه، بدلًا من أن يتجنب الخوضَ خارج تخصّصه، يقول: كيف يمكن أن يكون الإنسان مثقفًا وهو يعتقد بـ “‏ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”[1]، لو قرأ هذا الدكتور شيئًا من الدراسات الحديثة في لغة الدين لأدرك أن لغةَ الكتب المقدّسة لا تُقرأ من دون أدواتها الخاصة. ترسّخت عقدةُ ازدراءٍ للدين والتديّن في الثقافة العراقية الحديثة، إلى الحدّ الذي يمكن أن نجد المثقفَ عقلانيًا في أكثر كتاباته، إلا أنه لحظةَ يكتب عن الله والدين والتدين يتحول إلى كاتبٍ لا عقلاني ولا منطقي، وأحيانًا يصير شتّامًا، يكتب بتهكّم وسخرية.

‏ لم أجد مثقفًا جادًا أو أديبًا مبدعًا من أصدقائي خارج وطني إلا وتكوّن تكوينًا فلسفيًا رصينًا.كلُّ ثقافة فاعلة تتأسّس على أرضيةٍ فلسفية، ورؤيةٍ جمالية للعالَم، ولا تفتقر لنكهةٍ عرفانية، ترى ذلك يتجلّى في: الدين، والميثولوجيا، والشعر، والفنون السمعية والبصرية. لولا ابن رشد وابن عربي وابن طفيل وابن سبعين، وغيرهم من الفلاسفة والعرفاء، لنُسي الوجهُ الثقافي المضيء للأندلس.

المثقف الحقيقي يتبنى العقلانيةَ النقدية، يرى في النقد حياةَ العقل، يتعلّم من النقد العلمي، ويتعلّم من المتعلمين، وحتى من غير المتعلمين. في الثقافة العراقية الحديثة مفهومُ النقد مضلّل، نادرًا ما تقرأ في وسائل التواصل نقدًا عقلانيًا، بعضُهم يتهجّم ويستهزىء بمؤلفات ثمينة من دون أن يقرأها. وأحيانًا يهجو غيرَه، لا لسببٍ إلا لأنّ مزاجَه لا يقبله، وربما يلجأ للعنف اللفظي، وإذا سألته: لماذا تكتب هكذا، يجيبك: هذا نقدٌ، وكأن النقدَ ازدراءُ الأشخاص والسخرية منهم، وليس محاكمةَ الأفكار وغربلتَها وتمحيصَها. هذا مأزق مستحكِم في الثقافة العراقية الحديثة، وهو في ظني أعمقُ عامل للطلاق البائن بين المثقف والمجتمع.

عشتُ في بلدان متعدّدة وتعرّفت على نخب ثقافية عربية وغير عربية، قلّما رأيتُ مفكرين معروفين جادّين يفهمون الدينَ بتبسيطٍ مريع، وحانقين على التديّن إلى الدرجة التي عليها بعضُ مثقفينا. محمد عابد الجابري ختم حياتَه بتفسيرٍ للقرآن الكريم، وهكذا كان إنتاجُ خريف عمر عبد الرحمن بدوي كتابَ “دفاع عن القرآن”، و” دفاع عن محمد”، وأصدر عبد الله العروي كتاب “الإصلاح والسنة” في خاتمة رحلته الطويلة، وكرّس حسن حنفي السنوات الأخيرة من حياته لتفسير القرآن. ورأينا أمثالَهم مفكرين كبارًا منتمين إلى مجتمعات عالَم الإسلام وغيرها يختمون إنتاجَهم الفكري بكتابات دينية. لا أدعو لأن يفعل الشعراءُ والأدباء والفنانين ذلك في مجتمعنا، ولا أريد أن يتحول المثقفُ إلى مبشِّر ديني، وليس هدفي تقييمُ تلك الكتابات لمفكرين معروفين لا يعنيهم الشأنُ الديني قبل نهاية مشوارهم في التأليف، والتنقيبُ عن الدوافع الخفية في خريف العمر، مثل قلق اقتراب الموت والشعور الحزين بوحشة القبر، التي تحفزّهم لمثل هذا النوع من الكتابات. أردتُ فقط التنبيه إلى وعي مفكرين عرب كبار، وإن كان متأخرًا، للحضور الفاعل للدين والتديّن في مجتمعاتنا.

الغريبُ أن بعضَ المثقفين كثيرًا ما يكرّر الدعوةَ لنبذ العنف والدعوة للـ “السلام”، ويراكم مقالات متنوعة حول ذلك، غير أنه ينفر من كلمة “السلام” حين تقترن بتحية الإسلام. من حقِّ كلّ إنسان أن يحيّي الناسَ بما يحلو له وبما تربى عليه، إلا أن بعضَهم يرفض حقَّك في استعمال تحيتك المعبِّرة عن ذوقك وتربيتك وأخلاقك ودينك. لا يطيق آخرون الترحّمَ المتعارف على الميّت والدعوةَ له أن تشمله رحمةُ الله الواسعة، فلو ترحمتَ عليه ودعوتَ له، يعاندك بلغةٍ مباشرة تشي بإنكارِ الحياة الأخرى، وكأن عزاءَه لك في إنكارها. رثيتُ قبل مدة أحدَ علماء الدين من الأصدقاء الأعزاء الذين تمتدّ صلتي بهم إلى نصف قرن، عرفته بمواقفِه العنيدة المناهِضة لفاشية صدام، وجهودِه الدينية والاجتماعية والثقافية، ومشاريعِه الخيرية باحتضان الأيتام ورعاية الفقراء، ارتبطتُ بعلاقة احترام متبادل معه، وتربطني علاقاتٌ ودية بأبنائه الكرام وعائلته. عندما استيقظتُ صباحًا قرأتُ في التعليقات كلامًا مستهجنًا يزدري رثائي، ويتهجم على الميت بلغة حانقة مبتذلة، وكأن هناك ثأرًا مكبوتًا حانتْ لحظةُ استيفائه، مما اضطرني لحذفِ الرثاء، وحظرِ كل مَن يكتب بهذه اللغة الهابطة.

كلُّ مثقف مسؤول يزعجه مَن يجرح الضميرَ الديني للمختلِف في دينه ومعتقده وتفكيره، لا يليق أخلاقيًا وذوقيًا أن نتهكم على الطاوية أمام إنسان طاوي، أو نلعن بوذا أمام إنسان بوذي، أو نتهجم على زرادشت أمام إنسان زرادشتي، أو نزدري نبي أي ديانة أو مؤسّسها أمام إنسان يختلف عنّا في ديانته. ينبغي أن نحترم معتقدات المختلِف في الدين،كما ينبغي له أن يحترم معتقداتنا، وألا يتّهم النبيَّ الكريم “ص” الذي نؤمن بنبوته ووحيه ورسالته السماوية، مثلما يحترم المختلِفين عنه في معتقداتهم من غربيين وشرقيين.

أعني بالثقافة في العراق الشعرَ والأدبَ كما هي مختزلة بذلك، وأخصُّ به الشعرَ المفرّغ من أيّ مضمون فلسفي ورؤية معرفية، ومن أية بصيرة حاذقة، ومن أية كثافة دلالية. مركزية الشعر في الثقافة العراقية عملت على إسقاط أو تهميش كلِّ ما هو خارج الشعر والأدب، فلا ينصرف مفهومُ الإبداع إلا لها، ولا ينصرف مفهومُ مثقف إلا للشاعر، بل حصرت معنى الثقافة بالشعر والأدب والفن. هُمشّت الفلسفةُ وعلومُ الانسان والمجتمع وعلوم الدين، قلّما نلتقي بها في أنشطة وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والكتاب ومؤتمراتهم وندواتهم ومطبوعاتهم. غالبًا لا تكترث الوزارةُ واتحادات الكتّاب والأدباء وغيرها من منتديات ثقافية عراقية بالإنتاج الفكري في حقل العلوم الإنسانية والفلسفة والعرفان والدين، أو تمنح الباحثين الجادّين في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والدين منصاتها، أو تكرمهم. ‏جوائز وزارة الثقافة وغيرها من المؤسّسات ودور النشر تختصّ غالبًا بالشعر والرواية والسرد. ولا تحتفي اتحاداتُ الأدباء والكتاب في العراق بأية جائزة كبيرة تمنح خارج الوطن لمنجز فكري عراقي، إن كانت لا تقع ضمن هذا الضرب من الكتابة.

‏ الثقافة في العراق تعيش خارج الوسط الأكاديمي، الأكاديميا في وطننا لا تهتمّ كثيرًا بالثقافة بمعناها الأشمل إلا في حالات قليلة، حتى لو بادر بعضُ الأكاديميين للكتابة خارج تخصّصه فإنه لا يتجاوز الشعر والرواية والنقد. ‏الأكاديمي حبسته ‏قراراتُ وزارة التعليم العالي والجامعة ‏في الانشغال بأبحاثٍ لأغراض الترقية واللقب العلمي، وهي في الغالب أبحاث شكلية، وأغرقته في أعمال لجان وإدارة تعليمية أكثرها ينبغي أن ينجزه موظفون إداريون خارج مهنة التعليم العالي والبحث العلمي. تقوقع الأكاديمي على نفسه، ودخل حالةَ غياب عن الثقافة هو ‏وإنتاجُه الفكري، بعد أن سجنت عقلَه القوالبُ الأكاديمية المهنية الصارمة، وعجز عن التفكير خارج اطارها المغلق.

ربما ينشأ الموقفُ السلبي من الدين من الخلط وعدم التمييز بين الإيمان من جهة والدين من جهة أخرى، وبين تمثلات الدين وأنماط التديّن في حياة الفرد والمجتمع من جهة ثالثة. الإيمان يعبّر عن تجربةٍ روحية ووصالٍ مع الله يعيشه المؤمن، وهي حالةٌ للروح لا تتحقّق إلا فرديًا،كلُّ إنسان يعيشها على وفق وعاء روحه وقدرتها الوجودية على الانبساط والاتساع. ينعكس الإيمانُ في يقظة الروح واستبصاراتها، ويؤثر في نمطِ رؤية الإنسان للعالَم، وقدرتِه على تذوق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. أما الدينُ وتمثلاتُه وأنماطُ التديّن في حياة الفرد والمجتمع فهو ظاهرة فردية ومجتمعية، تعبّر عن حضورها في أخلاق الإنسان وثقافته ومواقفه وسلوكه ومختلف أحواله، تؤثر هذه الظاهرة وتتأثر بطبيعةِ الفرد وظروفِ عيشه، ونمطِ حياة المجتمع، والمؤسساتِ المسؤولة عن تدبير الشؤون الدينية، والسلطات السياسية. أسوأ ما يجري فيه توظيفُ الدين هو استثمارُه في استعبادِ الإنسان، والصراعِ على السلطة والثروة، والسعي للاستحواذ على المجال الخاص بالعقل والعلم والمعرفة، وإخضاعُ الآداب والفنون والثقافة لمنطقه اللاهوتي، ورفضُ استعمال المنطق العلمي، واستعمالُ الدين في إدارة الاقتصاد والمال والإدارة وبناء الدولة وصياغة نظمها، وتجاهلُ معطيات الخبرات البشرية المتراكمة عبر عشرات آلاف السنين، ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة.

من الظواهر المثيرة اليوم تفشي ظاهرة الحكواتيين، وطغيانُ حضورهم في الفضائيات ووسائل التواصل، يتحدثون بتكهنات وافتراضات في الدين وعلومه والميثيولوجيا والآثار، من دون تأهيلٍ أكاديمي تخصّصي في علوم الدين والميثيولوجيا والآثار، ولا معرفةٍ بقراءة الخط المسماري ولغات الحضارات العراقية القديمة مثلا، وبلا مطالعاتٍ عميقة للمراجع الأساسية في هذه التخصّصات العلمية الدقيقة.

لهذه الأسباب وغيرها تظل الثقافةُ العراقية مغتربةً غيرَ فاعلة بمجتمعها، منفصلةً عن واقعه وصيرورته وتحولاته، قاصرةً عن التعبير عن آلام الناس وآمالهم، وبؤسهم وأحزانهم وهمومهم وواقعهم المرير الذي يعيشون فيه ويحلمون بتغييره،كأن الثقافة غيرُ معنية بالإنسان العراقي.

[1]  البقرة، 2

https://alsabaah.iq/88442-.html?fbclid=IwAR3VIHfRmz0p3_WqZAxu0DylpCNCLUBuABzkwIDetNfkRquYLKdV1U2zmeY

علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أقرأ لعالم اجتماع باللغة المتداوَلة في كلام الناس ومحادثاتهم اليومية في مختلف القضايا كعلي الوردي، يكتب بهذه اللغة وهو لا يكفّ عن الإثارة والتحرّش بتابوات الدين والأيديولوجيا والعشيرة والسلطة ومؤسساتها المتنوعة. ويتحرش حتى في انتخاب عناوين كتبه، التي يختارها وكأنها لافتاتٌ تحريضية، مثل: “وعّاظ السلاطين”، “أسطورة الأدب الرفيع”، و”مهزلة العقل البشري”.

علي الوردي يتقن مهارةً إنشائية ينفرد بها، فهو يكتب في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والسيكولوجيا، يصف ويحلّل وينقد مختلفَ الظواهر في المجتمع العراقي بأسلوبٍ مباشر، يفهمه كلُّ الناس، بما يسوقه من أمثال وحكايات وفلكلور، بلغةٍ لا تخلو من تهكّم وسخرية لاذعة أحيانًا،كأنه يتحدث في مقهى قديم يدمن روادُه الإصغاءَ له بوصفه قصاصًا. يختتم الوردي مقدمتَه لكتابه “أسطورة الأدب الرفيع” متهكمًا بقوله: “وصف أحد الأدباء كتبي السابقة كجبة الدرويش ليس فيها سوى الرقع. وأظن أنه سيصف كتابي هذا بمثل ذلك. ولست أرى في ذلك بأسًا، فخير لي أن أكون رقّاعًا أخدم الناس بالملابس المهلهلة، من أن أكون خياطًا ممتازًا أصنع الملابس المزركشة، التي لا تلائم الأجساد ولا ينتفع بها أحد”[1].

لبث الوردي غريبًا، يرفضه المجتمعُ، ولم تتفاعل أيديولوجيات اليسار الأممي والقومي والأصولي مع أفكاره في وطنه. تجلّت غربةُ علي الوردي الأقسى بحضوره في هذا اللون من الثقافة العراقية، ثقافةٌ يتمركز كلُّ شيء فيها حول الشعر، ثقافةٌ متيمةٌ بالشعر إلى الحدِّ الذي قلّما تحتفي فيه بمعرفةٍ أو فكرٍ أو ثقافةٍ لم يمسسها الشعر، ولا يندرج في اهتماماتها أيُّ صاحب منجز فكري إن لم يكن أديبًا وشاعرًا، وغالبًا ما لا تصنّفه على الثقافة، وربما تبخل عليه حتى بعنوان “مثقف”، ولا يدخل في اهتمامها وندواتها ومنتدياتها ومهرجاناتها من لم يكن شاعرًا، أو عاشقًا أو صديقًا أو متذوقًا للشعر والأدب، حتى صار احتكارُ عنوان المثقف في العراق بالشاعر كاحتكار الخلاص في الفرقة الناجية.

لم يكن علي الوردي شاعرًا، ولم يُعرف عنه ارتيادُ منتديات الشعراء، ولم يكتب مديحًا لشعر أو شاعر، حتى تعاطي الشواهد الشعرية شحيحٌ جدًا في كتاباته،كان على الضدِّ من توثين الشعر والأدب وتسيده في الثقافة العراقية. الوردي سبق من قبله، ولم أقرأ لأحد جاء بعده في الثقافة العراقية، مَن يتجرأ على نقد الشعر بأسلوبٍ تهكمي في: “أسطورة الأدب الرفيع”، إذ يكتب تصديرًا لكتابه هذا بقوله: “أهدي كتابي هذا إلى أولئك الأدباء الذين يخاطبون بأدبهم أهل العصور الذهبية الماضية، عسى أن يحفزهم الكتاب على أن يهتموا قليلًا بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه، ويخاطبونهم بما يفهمون، فلقد ذهب عهد الذهب، واستعاض عنه الناس بالحديد!”[2]. لا يكفّ الوردي عن نقدِ الشعر القديم والدعوةِ لتجاوزه، بوصفه مرآةَ العصر الذي أنتجه بكلِّ ما يحفل فيه. بلغت الجرأةُ به أن يزدري “طريقة الاستجداء لكسب العيش”، وطريقة تكسّب بعض الشعراء، ويعلن بصراحة: “إنهم شحاذون، ويدّعون بأنهم ينطقون بالحق الذي لا مراء فيه، والويل لمن يجرأ على مصارحتهم بالحقيقة المرة أو تكذيبهم فيما يقولون”[3].

لم ينشغل الوردي بنقاشاتِ وردودِ التهم المُثارة ضدّه، وثرثراتِ الوعّاظ الذين أغاظهم كتابُه “وعّاظ السلاطين” وكتاباتُه الأخرى، ولم يكترث بهذر بعض الأدباء والشعراء الذين امتعضوا من كتاباتِه المثيرة عن الشعر، وسخريتِه بـ “الأدب الرفيع”. في حالات استثنائية كان يصغي لبعض الباحثين الجادّين، كما فعل مع عبد الرزاق محيي الدين، الذي كتب نقدًا لآراء الوردي في الأدب، فأجابه بسلسلة مقالات نشرها في كتابه: “أسطورة الأدب الرفيع”. يشير الوردي إلى قصة تأليفه كتابه “أسطورة الأدب الرفيع” فيقول: “بدأت القصة منذ بضعة أشهر، حيث كنت قد نشرت في جريدة الحرية بعض المقالات، نعيت فيها على الأدباء تمسكهم بالتقاليد الأدبية القديمة، وقلة اهتمامهم بما يحدث في هذا العصر من انقلاب اجتماعي وفكري عظيم. فهب الأدباء من جراء ذلك هبة واحدة، وأخذوا ينتقدونني ويتهجمون، ويصولون ويجولون. فلم أجد بدًا من الرد عليهم بمناقشة الآراء التي جاءوا بها… ولسوف أقتصر في هذا الكتاب على إعادة نشر مقالات الدكتور محيي الدين وحدها، تلك التي نشرتها في جريدة البلاد، وكان لها صدى بين القراء لا يستهان به. ومقالات الدكتور هذه، والحق يقال، من خير ما كتب في الموضوع. فهي تمثل وجهة نظر جديرة بالدرس والعناية. وأحسبها لا تخلو من أصالة”[4].

كلُّ شيء في الثقافة العراقية متمركزٌ حول الشعر. سرق اغواءُ الشعر أثمن المواهب في جيلنا، ومازال مقبرة للأذكياء، فجيل الأبناء لم يتحرر كليًا من غوايته. لا نحتاج إلى المزيد من هذا اللون الزائف والكتابة الغزيرة فيه وعنه، الذي يسمى خطأ بـ “الشعر”، وهو ضربٌ من الهذيان اللفظي. أغلبُ ما يُكتب ويُنشر عن الشعر تكديسُ كلامٍ على كلام، وليس شعرًا بالمعنى الذي تتكشّف فيه رؤيا مبدِعة، ومعرفةٌ مكتنزة، وبصيرةٌ مُلهمة. نادرًا ما نقرأ اليوم شعرًا يلوح لنا فيه أنه يختصر معرفةً في جملة، وصورةً في عبارة، وجمالًا في لوحة.

بلغ اغواءُ الشعر أن تتمركزَ الثقافة العراقية حوله، وأن تستندَ إليه كمرجعية ومعيار في خلع لقب “مثقف” على كلِّ مَن ينشر شعرًا، بنحو استنزف عقولَ ومواهب شباب مؤهلين للعطاء الثمين في مجالات أخرى. أوقع إغواءُ الشعر هؤلاء الشباب، ممن يفتقرون لموهبة الشاعر، في محاولات للتجريب المتواصل للقصيدة بلا جدوى، من أجل أن تسجل اسماؤهم في لائحة الشعراء. حتى اليوم لم يسجل الشعرُ العربي، فضلًا عن الشعر العالمي اسما لأحد من هؤلاء، على الرغم من ضياع أعمارهم في اللهاث وراء صنعة “شاعر”.كان يمكن لهؤلاء أن يبدعوا في الرياضيات أو العلوم الطبيعية أو الفلسفة والعلوم الإنسانية أو الآداب والفنون الأخرى.

“مركزية الشعر في الثقافة العراقية” الحديثة رسخها الدورُ الطليعي للعراق في تدشين الحداثة الشعرية، بولادة الشعر الحر في أربعينيات القرن الماضي في قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وغيرهما؛ ما عزّز اختزالَ الثقافة بالأدب خاصة، والمثقف بالشاعر.كلُّ مَن يحلم أن يكون مثقفًا ينبغي أن يكون شاعرًا أولًا وقبل كلِّ شيء. اتسع فضاءُ الكتابة الشعرية لمن لا يمتلكون موهبةً، وأغوى الأذكياء الذين يمتلكون مواهبَ في غير الشعر، ممن تعِدُ مواهبُهم بولادة مثقف كبير، لو شاؤوا أن يتكونوا تكوينًا علميًّا صبورًا. طغيان الشعر في ثقافتنا انتهى إلى تسيّد الكلام وضمور الأفكار، واختباء العقل والغرق في الإنشاء وتكديس الألفاظ. الكلام سلطة، غالبًا ما يوظّف بديلًا لبراهين العقل وحججه في الاقناع والوثوق. الشاعر يمتلك مهارة استثمار هذه السلطة لتسويق وترسيخ أية عقيدة أو أيديولوجيا أو مقولة أو اسطورة، وإن كانت مناهضة لأحكام وأدلة العقل، وحتى بداهاته أحيانًا.

انشغلت الثقافةُ العراقيةُ ببعضِ شعراء القصيدة العمودية إلى الحدّ الذي صارَ فيه كلُّ من يطمح أن يكتسبَ عنوانَ مثقف عليه أن يحفظَ بعضَ قصائدهم المحاكية لشعر العصر العباسي، ويكتبَ عنهم. لم يحضر بدر شاكر السياب كحضور هؤلاء الشعراء، وكأن السيابَ عوقب لأنه تجرّأ على التمرّد على ميكانيكية القصيدة العمودية فكسر تصلبها، ولأنه انتقل بالشعر العربي إلى أفقِ العصر، وذوقِه الفني، ولغتِه الرمزية، وكثافةِ معانيه، واتساعِ رؤيته. الإصرار على القصيدة العمودية يعكس ميكانيكيةَ العقل وتصلبه، وعجزَه عن الإصغاء لديناميكيةِ شعر السياب وأنسي الحاج، وأمثالهما، والعجز عن تذوق تناغم إيقاع هذا الشعر مع لغة ورؤية العصر. تسيّدُ الرؤية التراثية وتسلطُها على اللاشعور الفردي والجمعي هو الذي يجعلنا لا نتذوق إلا قصيدةَ الأزمنة القديمة الغريبة على زماننا.

لا أتبنى كلَّ ما يراه الوردي في الشعر، وليست لدي مخاصمةٌ مع ما هو حقيقي منه، ولا تصفيةُ حسابٍ مع شاعر، وأنا المولع بذلك اللون من الشعر، الذي وصفه هايدغر بقوله: “إن الشعرَ تسميةٌ مؤسِّسة للوجود ولجوهر كلِّ شيء، وليس مجردَ قول يقال كيفما اتفق”[5].

أخيرًا بدأت الثقافةُ العراقيةُ تنفتحُ على الرواية بجدّية وغزارة، وهو تحوّل في الاتجاه الصحيح. ‏الروايةُ الحقيقية تتسع لكلِّ الأجناس الكتابية، وتتغذّى من مختلف المعارف البشرية، الروايةُ الخالدة هي ما تكشف للقارئ أعماقَ الإنسان، وتفضح تناقضاتِه الداخلية. الروايةُ تُفتضح فيها تابواتُ المجتمع، وما تخفيه الأعرافُ والتقاليد والثقافة المحلية، وتفسّر فاعليةَ الهويات المغلقة وتسلطَها، وأثرَها في الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وأثرَ المخيال في الثقافةِ الجمعية، وأنماطِ التدين وتمثلاتِ الدين المتنوعة في حياة الفرد والجماعة، وينقِّب الروائي الحقيقي في أرشيف اللاشعور الجمعي، والمستور الذي يتكتم عليه ظاهرُ العلاقات في العائلة والمجتمع والدولة، والأهداف المضمَرة للسلطات السياسية والدينية والحزبية والعشائرية.

[1] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، دار كوفان، ط 2، ص 13.

 

[2] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 5.

[3] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 9 – 11.

[4] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 7، ط 2، 1994، دار كوفان، لندن.

[5] هيدغر، مارتن، إنشاد المنادي: قراءة في شعر هولدرلن وتراكل، تلخيص وترجمة: بسام حجار، ص 62، ط1، 1994، المركز الثقافي العربي، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/86449-.html?fbclid=IwAR1YhP3aXhxPeLhkJr-lxwhLHUM_z4AcF2mr9kJHipMAbfi6eJK5uIo3nuk