الوجود الخوارزمي بوصفه قطيعة أنطولوجية

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما يتحدث مارتن هايدغر عن نمط وجود جديد فهو لا يقصد تغيرًا في الطبيعة البيولوجية للإنسان، وإنما يشير إلى تحول عميق في الكيفية التي ينكشف فيبها الوجود للإنسان، ويفهم عبرها ذاته والأشياء والزمان والمعنى. كل عصر تاريخي ينكشف فيه الوجود للإنسان بكيفية معيّنة، التقنية الحديثة ليست حيادية، بل طريقة مخصوصة يظهر بها العالم للإنسان. الوجود عند هايدغر ليس معطى ثابتًا، وإنما أفق انكشاف تاريخي، وكل عصر يفرض كيفيته الخاصة في هذا الانكشاف، وحين يتغير الأفق يتغير نمط الوجود نفسه. ماهية الوجود الخوارزمي ليست خوارزمية، يقول هايدغر: “ماهية التقنية ليست مطلقًا شيئًا تقنيًا”[1]، بمعنى أن التقنية الحديثة لا تُفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في الأدوات والآلات والأجهزة والمعادلات الرياضية، لأنها قبل ذلك نمط تاريخي لانكشاف الوجود. التقنية ليست مجرد وسائل وأدوات بيد الإنسان، إنما هي أفق شامل تظهر فيه الأشياء والعالم والإنسان نفسه من زاوية واحدة، هي زاوية الوظيفة والسيطرة والمعادلات الحسابية. هذا النمط من الانكشاف يسميه هايدغر الجهاز (Ge-stell)، وهذا الجهاز ليس آلة ولا منظومة تقنية بعينها، بل الإطار الكلي الذي تظهر فيه الموجودات ويضعها تحت الطلب. في هذا الجهاز يظهر كل ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان، بوصفه مخزونًا قابلاً للحساب والتنظيم والاستغلال. “الجهاز” هو الاسم الذي يطلقه هايدغر على ماهية التقنية الحديثة بوصفها نمطًا تاريخيًا لانكشاف الوجود، بنحو يفرض طريقة واحدة لرؤية العالم، ويقصي أنماط الكشف الأخرى التي تتيح التأمل، والإنصات للكينونة. بهذا المعنى لا تكون ماهية التقنية تقنية بل أنطولوجية، لأنها تحدد كيف يظهر العالم لنا، وكيف نفهم أنفسنا داخله. في هذا “الجهاز” يُستدعى كل ما هو موجود بوصفه مخزونًا جاهزًا للاستغلال والتنظيم بأقصى كفاءة، وتُعامل الطبيعة كمورد، فالأرض تصبح منجمًا للفحم، النهر يصبح مصدرًا للطاقة الكهرومائية، وحتى الإنسان نفسه يُختزل إلى موارد بشرية يمكن استعمالها كشيء من الأشياء. هذا التحويل يُفقد الأشياء أصالتها ويجعلها مجرد مخزون. الخطر ليس في التقنية نفسها، بل في هيمنة هذا النمط من الكشف الذي يحجب طرقًا أخرى لفهم الوجود، مثل الفن والتأمل.

خطر التقنية لا يقوم في أدواتها، وإنما في سلطانها على أفق المعنى، حيث يتحوّل الوجود إلى شيء معد للاستعمال. لم تعد التقنية مجرد وسيلة في يد الإنسان، إنما صارت إطارًا يطبع رؤيته للعالم، فتغدو الطبيعة مخزونًا للطاقة والمعادن، ويغدو الإنسان ذاته رقمًا أو وظيفة أو شيئًا كالأشياء. في هذا الأفق يتبدل نمط الوجود: السرعة تحلّ محل التمهل، الحساب يحجب التأمل، والجاهزية الدائمة تزيح الحضور العميق. يتسلل هذا النمط إلى وعي الإنسان من غير قرار واعٍ، فيفقد العالم أصالته، وتنغلق منافذ الانفتاح على إمكانات أخرى للفهم. وحده الوعي النقدي القادر على فتح علاقة أكثر حرية مع التقنية، وإبقاء سؤال الوجود حيًا في قلب التجربة الإنسانية.

أفق انكشاف الوجود يتبدّل ضمن ما يسميه هايدغر “الوجود-في-العالم”، حيث الإنسان ليس ذاتًا تقف خارج العالم، بل كائن منغمس في شبكة من المعاني والاهتمامات. العالم لا يظهر كمجرد أشياء مادية، بل كحضور مشبع بالدلالات، والإنسان لا يُفهم إلا من خلال صلته بهذا الحضور. التقنية الحديثة تفرض نمطًا من الكشف يحوّل الكائنات إلى موارد جاهزة للاستعمال، ويختزل الإنسان إلى وظيفة أو رقم، فتغدو السرعة بديلًا عن التمهل، والحساب بديلًا عن التأمل، والجاهزية الدائمة بديلًا عن الحضور العميق.

انكشاف الوجود لا يحدث خارج الزمان ولا يستقل عنه، فالزمان هو الأفق الذي تظهر فيه الكينونة أصلًا. الأشياء لا تُعطى دفعة واحدة، بل تتكشف ضمن عالم زماني يربط الإنسان بالماضي الذي يحمله، بالحاضر الذي ينخرط فيه، وبالمستقبل الذي يستبق إليه. الزمان عند هايدغر ليس تسلسلًا ميكانيكيًا للحظات، بل البنية التي يتحدد فيها وجود الإنسان نفسه. بهذا يصبح “الوجود-في-العالم” وصفًا أنطولوجيًا يكشف أن الإنسان لا يوجد كذات منفصلة تواجه العالم، بل ككائن منغمس في شبكة من المعاني والدلالات، حيث يتشكل وجوده دائمًا ضمن أفق زماني يفتح إمكان الفهم ويُبقي سؤال الكينونة حيًا. تخيّل شجرة في ساحة بيتك تراها ظلًا يخفف وطأة الحر، أو علامة حياة في أرض قاسية، أو ذاكرة صامتة لطفولة بعيدة، هذا الانكشاف لا يحدث خارج الزمان، بل يتشكل في سياق تاريخك معها، وفي لحظتك الراهنة، وفي أفق ما يمكن أن تصير إليه. أنت لا ترى الشجرة كما هي في ذاتها، وإنما كما تنكشف لك في زمانك، فيما تبقى وجوه أخرى من وجودها مستترة، حاضرة بالقوة لا بالفعل. هذا الاستتار ليس نقصًا في الشيء، وإنما تعبير عن كون الوجود زمانيًا، لا يكتمل في لحظة واحدة، ولا يمنح معناه دفعة واحدة. عند هايدغر يكون الفهم ممكنًا لأن الإنسان كائن زماني، يعيش المعنى في حركة لا في ثبات، ويختبر الوجود بوصفه مسارًا لا معطى جاهزًا. لو كان الوجود مكشوفًا بالكامل خارج الزمان لانغلق المعنى، ولتحول العالم إلى حضور جامد بلا أفق، ولتعطلت إمكانات السؤال والتأويل والتجربة. عدم الاكتمال هنا هو ثمرة الصلة العميقة بين الوجود والزمان. ما ينكشف اليوم قد يتبدل غدًا، وما يُفهم الآن قد يتعمق أو يتغير مع اتساع التجربة. هكذا يصبح العالم عالمًا حيًا، ويغدو الإنسان كائنًا يسكن الوجود عبر الزمان، لا يملكه ولا يستنفده، وإنما ينخرط فيه انخراطًا متجددًا، حيث الغموض ليس حجابًا يحجب الحقيقة، وإنما أثر زمانيتها، وشرط بقائها مفتوحة على المعنى.

اليوم يتخذ هذا التحول وتيرة أكثر كثافة وعجلة عبر الخوارزميات، إذ لا تكتفي الخوارزميات بتنظيم المعلومات، وإنما تشارك في تشكيل نمط خاص للوجود، وتوجيه الرغبات والاحتياجات، وترتيب الأولويات، وصناعة المعنى اليومي، فيتشكل الوجود الإنساني خوارزميًا من خلال ما ينكشف وما يُحجَب، وما يُقترح وما يُستبعد، وما يُسرّع وما يُهمَل. هكذا يغدو الإنسان حاضرًا في تدفقات رقمية متضخمة كشلال جارف، بينما يتآكل حضور الذات الداخلي، وتضيق المسافة بين الإحساس والفعل، فتضعف القدرة على السؤال والتأمل وبناء علاقة حيّة بالوجود.

هذا المنعطف الأنطولوجي ليس تحولًا تدريجيًا، بل هي قطيعة أنطولوجية حادة، أي انكسار في البنية الأساسية لحضور الوجود ووجوه انكشافه لنا، حيث لم يعد الإنسان هو المركز الوحيد للقرار والإنتاج، بل دخلت الخوارزميات كفاعل أنطولوجي جديد يشارك في صياغة العالم وتشكيل نمط وجود الإنسان وتعريفه لنفسه، والكيفية التي ينكشف له فيها وجوده في العالم. ما يتغير ليس ما يعرفه الإنسان فقط، وإنما كيفية ظهوره في العالم، إذ يتحول من كائن يسكن الوجود ببطء وتأمل إلى كائن يُدار وجوده عبر أنظمة خوارزمية، وتتشكل خبرته من خلال سرعة الاستجابة لا عمق الحضور. هذا التحول يضعنا أمام قطيعة غير مسبوقة في التاريخ البشري، لأن الوجود نفسه بات تعاد صياغته خوارزميًا، فينزاح مركز الثقل من التجربة الوجودية البشرية إلى الرقمنة، ومن المعنى المتولد من الذات إلى المعنى المقترح من الخارج.

من هنا يكون اقتراحنا لمصطلح “قطيعة أنطولوجية” توصيفًا واقعيًا لما نعيشه في فضاء نمط الوجود الخوارزمي، بنحو يصبح الوجود الخوارزمي طبيعة بديلة للإنسان، بما هو نمط وجود يتشكل عبر الخوارزميات، ويقطع مع أنماط سابقة كان الإنسان فيها مرجع حضوره ومعناه، قطيعة لا تُقاس بخسارة مهارات أو وظائف، وإنما بتغير تعريف الإنسان لذاته، والعالم الذي يسكنه، ومعنى أن يكون موجودًا فيه. نمط الوجود البديل لا يغيّر ما يفعله الإنسان فقط، وإنما يعيد صياغة إحساسه بذاته وبالعالم، ولا يجدُ إجابةً لمعنى كونه موجودًا، فيتحول السكن في الوجود إلى معطيات رقمية، ويتحول المعنى إلى ناتج معادلات حسابةي، ويصبح الخطر الحقيقي هو انغلاق أفق انكشاف الوجود في بُعد واحد، بُعد يحجب إمكانات أخرى للحضور الإنساني، مثل: الشعر، والإنصات، والمعنى، والتجربة الروحية، وهي الإمكانات التي نجد فيها منافذ لإنقاذ الإنسان من الذوبان في أفق تقني شامل، يحتجب في هذا الأفق الوجود، ويتحول فيه معنى الذات إلى معطى رقمي.

الوجود الخوارزمي البديل للإنسان لا يقتصر فعله على تنظيم المعرفة أو تسريع الوصول إلى المعلومات، وإنما يتغلغل تأثيره في بنية الوعي، ويعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمان، والعمل، والإنتاج، والدولة، والسياسة، والسلطة، واللغة، والثقافة، والقيم، والدين، وذاته. التسريع الفائق الذي تقوم به الخوارزميات لا يستهدف تحسين الكفاءة فحسب، وإنما يميل في عمقه إلى إنتاج نمط وجود بديل يقوم على العجلة الدائمة، والحضور المبتور، واستبدال التجربة الحيّة بمحاكاة رقمية، فيغدو الإنسان متلقيًا قبل أن يكون فاعلًا، ومُوجَّهًا قبل أن يختار، بعد أن تستلب الخوارزميات قدرته على الاختيار وتعطل قراره بالرفض.

ما يحدث اليوم يتبدّى كقطيعة أنطولوجية قبل أن يكون تحولًا إبستمولوجيًا. القطيعة الإبستمولوجية تظل محصورة في تبدّل أدوات المعرفة ومصادرها وكيفياتها وقيمتها، أما القطيعة الأنطولوجية فتتغلغل إلى عمق الكينونة والزمان معًا، حيث لا يقتصر التحوّل على طرائق الفهم، بل يمسّ أفق الانكشاف ذاته. في هذا الأفق تتبدّل بنية الزمان: الماضي يتحوّل إلى معطى جاهز، الحاضر ينضغط في لحظة حسابية سريعة، والمستقبل يتحوّل إلى توقع مبرمج. بهذا الانقلاب يفقد العالم أصالته، ويتغيّر نمط حضور الإنسان داخله، ويعاد تشكيل معنى الوجود والزمان في جذرهما الأصيل.

القطيعة الأنطولوجية تعني تبدّلًا في أفق انكشاف الوجود، حيث لا يعود الإنسان يشعر بوجوده كما كان، ولا يدرك العالم ومن يشاركه العيش بالطريقة نفسها. في هذا التحوّل تتغيّر علاقته بالزمان والمكان والعمل والمعنى، وتتراجع مركزيته بوصفه فاعلًا حرًا قادرًا على الاختيار والتأمل. نمط حضوره ينزاح من تجربة قائمة على الإنصات إلى حضور يُعاد تشكيله من خارج الذات، حيث تتقدّم الاستجابة الفورية على الوعي المتأني. هكذا لا تقتصر القطيعة على المعرفة وأدواتها، بل تمسّ كيفية الكينونة نفسها، وتعيد رسم معنى الوجود المشترك في عالم يتبدّل أفقه الوجودي على نحو غير مسبوق.

الذكاء الاصطناعي، حين يتدخل في تشكيل الاحتياجات والرغبات، وتوجيه الانتباه، وصناعة المعنى، لا يغير ما نعرفه فقط، وإنما يغير كيف نكون، إذ يزحزح الإنسان عن مركزه الوجودي، ويتسلط على توجيه الخيارات التي يتخلق فيها الوعي والمسؤولية وحرية الإرادة. في هذا الواقع يتعمق اغتراب الإنسان الوجودي، لأن الوجود التقني يستنزف وعي الإنسان وروحه وقلبه ويصيره هشيمًا، فيغدو الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، متصلًا بالشبكات ومنفصلًا عن ذاته، محاطًا بمعانٍ جاهزة ومحرومًا من اختبار المعنى بوصفه تجربة ذاتية حيّة. هذه القطيعة لا تشبه تحولات سابقة في التاريخ البشري، لأنها لا تمس أدوات العيش وحدها، وإنما تعيد هندسة العلاقة بين الإنسان ووجوده، بين الإنسان ومعنى حياته، بين الإنسان وذاته. إذا استمر التطور الفائق للذكاء الاصطناعي دون ضابط إنساني يوجهه إلى حماية حقوق الإنسان وكرامته وحرياته، فإن الخطر لا يتمثل في هيمنة الآلة بحد ذاتها، وإنما في انزلاق الإنسان إلى نمط وجود خوارزمي في وعيه ورؤيته للعالم ومشاعره وإحساسه بالعالم وسلوكه، حيث يتآكل حضور ذات الإنسان بوصفه إنسانًا، ويتحول الوجود إلى تدفق بلا معنى، واغتراب مرير.

لا يتوقف الذكاء الاصطناعي كل يوم عن سرعته الفائقة وتقدمه المدهش، إذ كشف وزير الخزانة الأمريكي بتاريخ 20.2.2026 عن أن: “الذكاء الاصطناعي تقدم خلال الشهرين الماضيين بمقدار يساوي ما حققه من تقدم خلال السنتين الأخيرتين”. تحدث مات شومر الخبير بالذكاء الاصطناعي في مقالته المعنونة: [2]“Something Big Is Happening” “تحوّل كبير يحدث”، تحدث عن أن العالم يقف على أعتاب تحوّل نوعي عميق في مسار الذكاء الاصطناعي، تحوّل لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تطور تقني تدريجي أو تحسين في الأداء، بل بوصفه انتقالًا يمسّ طبيعة المعرفة والعمل والإبداع الإنساني ذاته.ـ “الشيء الكبير” الذي يحدث، بحسب الكاتب، يتمثل في اقتراب نماذج الذكاء الاصطناعي من أنماط فهم تشبه الفهم البشري، حيث لم تعد تكتفي بتنفيذ الأوامر أو معالجة البيانات، بل باتت قادرة على توليد أفكار جديدة، وربط مجالات معرفية متباعدة، واقتراح حلول لم تُبرمج عليها بصورة مباشرة، الأمر الذي يجعلها شريكًا معرفيًا لا مجرد أداة محايدة. المقال صدر في 11 فبراير 2026 لكنه انتشر بسرعة فائقة على وسائل التواصل، إذ حصد عشرات الملايين من المشاهدات في أيامه الأولى. وبحسب تقارير تلي اليوم الأول، ترد إشارات إلى أن المنشور تجاوز 80 مليون مشاهدة على X وحدها بحلول صباح يوم لاحق، مما يعكس انتشاره الكبير في أوساط الجمهور الرقمي المتفاعل مع موضوعات الذكاء الاصطناعي.

يقول مات شومر: “على الرغم من أني أعمل في الذكاء الاصطناعي، لكن ليس لدي تقريبًا أي تأثير على ما سيحدث، وكذلك الغالبية العظمى من العاملين في هذا المجال. المستقبل يتشكَّل على يد عدد صغير بشكل مذهل من الأشخاص: بضع مئات من الباحثين في عدد قليل من الشركات: OpenAI، Anthropic، Google DeepMind، وغيرها. عملية تدريب واحدة، تُدار من قبل فريق صغير على مدى بضعة أشهر، يمكن أن تنتج نظام ذكاء اصطناعي يغيّر المسار الكامل للتكنولوجيا. معظمنا ممن يعملون في الذكاء الاصطناعي يبنون فوق أسس لم نضعها نحن. نحن نشاهد هذا يتكشف مثلك تمامًا، الفرق أننا قريبون بما يكفي لنشعر بالاهتزاز أولًا”. ويضيف مات شومر: الأمر يحدث بالفعل الآن ويجب أن تفهموه. السبب في أن كثيرًا من العاملين في مجال التقنية يطلقون التحذيرات لأننا نحن أول من واجه هذا التحوّل؛ لسنا نتنبأ بما سيأتي، بل نصف ما حدث بالفعل في وظائفنا ونحذّركم أن الدور سيأتيكم. لسنوات كان الذكاء الاصطناعي يتطور تدريجيًا مع قفزات متباعدة يمكن استيعابها، لكن في عام 2025 ظهرت تقنيات جديدة جعلت وتيرة التقدم أسرع بكثير.كل نموذج جديد لم يكن أفضل فقط من سابقه بل أفضل بفارق أكبر، والفاصل الزمني بين الإصدارات أصبح أقصر. في الخامس من فبراير أطلقت مختبرات كبرى نموذجين جديدين في اليوم نفسه: GPT‑5.3 Codex من OpenAI و Opus 4.6 من Anthropic. يضيف الكاتب عندها أدركت أنني لم أعد ضروريًا للعمل التقني نفسه؛ أصف ما أريد بلغة بسيطة فيُنجز الذكاء الاصطناعي العمل كاملًا بجودة تفوق ما كنت سأفعله بنفسي. اليوم يمكنني أن أطلب منه بناء تطبيق كامل: يكتب عشرات آلاف الأسطر البرمجية، يفتح التطبيق، يختبره بنفسه، ويعدل ما لا يعجبه حتى يصل إلى مستوى يرضيه، ثم يخبرني: “التطبيق جاهز للتجربة”، وعندما أجربه يكون غالبًا مثاليًا. النموذج الجديد الذي صدر مؤخرًا، GPT‑5.3 Codex، كان الأكثر تأثيرًا عليّ يقول شومر، لأنه لم يكتفِ بتنفيذ التعليمات بل اتخذ قرارات ذكية بدت وكأنها تحمل حكمًا وذوقًا، وهو ما كان يُقال إن الذكاء الاصطناعي لن يمتلكه أبدًا. هذه النماذج ليست مجرد تحسينات تدريجية، بل هي نقلة نوعية مختلفة تمامًا. الأهمية هنا أن مختبرات الذكاء الاصطناعي اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالتركيز أولًا على جعله بارعًا في كتابة الأكواد، لأن ذلك يمكّنه من تطوير نفسه بسرعة أكبر، وبناء نسخ أذكى باستمرار. لم يتغير عملي لأنهم استهدفوا المهندسين، بل لأن البرمجة كانت نقطة البداية التي تفتح الباب لكل شيء آخر. والآن، بعد أن نجحوا في ذلك، يتجهون إلى جميع المجالات الأخرى.

وينبه شومر إلى أن ما يعيشه العاملون في التقنية اليوم، بانتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى منجز للعمل بجودة تفوق البشر، هو ما سيعيشه الجميع قريبًا: في القانون، والمال، والطب، والمحاسبة، والاستشارات، والكتابة، والتصميم، والتحليل، وخدمة العملاء. ليس بعد عشر سنوات، بل خلال سنة إلى خمس سنوات، وربما أقل. النماذج الحالية مختلفة جذريًا عمّا كان متاحًا قبل عامين، والفجوة بين إدراك الناس والواقع أصبحت خطيرة لأنها تمنع الاستعداد. كثيرون ما زالوا يحكمون على الذكاء الاصطناعي من خلال النسخ المجانية المتأخرة، بينما مَن يستخدم النسخ المتقدمة يوميًا في عمله يدرك تمامًا ما هو قادم. حتى في مجالات مثل القانون، هناك شركاء كبار في مكاتب عالمية يستخدمون الذكاء الاصطناعي يوميًا ويعتبرونه بمثابة فريق من المساعدين الجاهزين فورًا، ويلاحظون أنه يزداد قدرة كل بضعة أشهر. هؤلاء لا يستخفون بالأمر، بل يستعدون له بجدية، لأنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي يسير بسرعة نحو أداء معظم أعمالهم. إن التجربة التي بدأت في عالم التقنية تتحول الآن إلى واقع شامل، حيث سيجد كل قطاع نفسه أمام ذكاء اصطناعي قادر على إنجاز العمل بكفاءة أعلى، وبوتيرة أسرع مما اعتدنا عليه، وهذا التحوّل ليس بعيدًا بل يطرق الأبواب بالفعل.

من هنا ينتقد شومر التصورات السائدة التي تشبّه الذكاء الاصطناعي بالآلة الحاسبة أو بمحركات البحث، مؤكدًا أن هذا التشبيه فقد صلاحيته، لأن ما نواجهه اليوم هو كيان يؤثر في طريقة تفكير الإنسان نفسه، ويعيد صياغة الأسئلة قبل الأجوبة. في هذا السياق يوضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان وظائف محددة، بل في التحول الجذري الذي يطال معنى المهارة وقيمة الذكاء التقليدي، إذ باتت مهام كانت تتطلب سنوات طويلة من التدريب تُنجز في وقت قصير، أو تُدعّم بأنظمة تتفوق أحيانًا على الإنسان، ما يفرض سؤالًا وجوديًا حول ما الذي سيبقى للإنسان في عالم تتغير فيه معايير الكفاءة والإبداع. كما يشير الكاتب إلى فجوة مقلقة بين سرعة ما يحدث فعليًا في المختبرات والشركات الكبرى، وبطء وعي المجتمع والإعلام وصناع القرار بهذه التحولات، وهي فجوة قد تولد ارتباكًا واضطرابًا واسعين إذا استمر تجاهلها.

ويعارض شومر الخطاب الذي يؤجل القلق إلى المستقبل، مؤكدًا أن التحول ليس أمرًا قادمًا، بل واقع بدأ يتجسد بالفعل في مجالات الكتابة والبرمجة والتعليم والتفكير، وأننا نعيش بداياته الآن لا لاحقًا. وعلى الرغم من خطورة الأسئلة التي يثيرها هذا التحول، لا يتبنى المقال دعوة تثير الهلع أو تتنبأ بالكارثة، بل نبرة دهشة وتأمل أمام حدث تاريخي يعيد تشكيل وجود الإنسان في العالم، إنه حدث يتجاوز تصنيفات الخير والشر الجاهزة. في خلاصة مقاله، يلمّح شومر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد امتداد ليد الإنسان، بل صار امتدادًا لعقله، وهو مرآة تعيد تعريف معنى الإنسانية نفسها ورؤيتها لذاتها والعالم، وهو ما يضع البشر أمام أسئلة غير تقنية تتعلق بالمعنى، والقيم، والهوية، وبكيفية التعايش مع معرفة لا تنبع من تجربة إنسانية وجودية حيّة، بل من محاكاة فائقة الاتساع والتشعب والتعقيد.

[1]  هايدغر، مارتن، التقنية-الحقيقة-الوجود، ترجمة: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط1، 1995م. الدار البيضاء-بيروت، ص 43.

[2] https://shumer.dev/something-big-is-happening?utm_source=chatgpt.com.

 

من مكاسب الذكاء الاصطناعي

د. عبد الجبار الرفاعي

مكاسب الذكاء الاصطناعي التوليدي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، إذ يمثل هذا الذكاء منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما يكون الأعظم في تاريخ تطور التكنولوجيا، من حيث آثاره المتنوعة في مجالات الحياة المتنوعة، منذ اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لبلادنا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمّق اغترابنا عن العصر.

من مكاسب الذكاء الاصطناعي تطوير التربية والتعليم بوصفه تحولًا في معنى التعلم ذاته، إذ ينتقل التعليم من نموذج التلقين إلى تجربة شخصية تتكيف مع شخصية المتعلم واستعداده وطرائق فهمه، فيتيح مسارات تعليمية مرنة تعالج الفجوات المعرفية منذ بداياتها، وتدعم التعليم المستمر، كما يمكّن المعلم من أداء دوره التربوي عبر تخفيف أعباء التصحيح والأعمال الإدارية، وتزويده بتحليلات دقيقة عن تقدم الطلبة واستجابتهم، واقتراح استراتيجيات تدريس أكثر ملاءمة، ويسهم في إثراء المحتوى التعليمي عبر المحاكاة، والواقع الافتراضي، والتجارب التفاعلية التي تحول المعرفة إلى خبرة معاشة، ويعزز تكافؤ الفرص التعليمية من خلال منصات ذكية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخدم المتعلمين في البيئات المضطربة.كما يفتح أفقًا واسعًا للتعليم الشامل عبر أدوات داعمة لذوي الاحتياجات الخاصة، من ترجمة فورية، وقراءة ذكية، وتكييف المحتوى، إلى جانب تحسين إدارة المؤسسات التعليمية عبر التنبؤ بالتسرب، واعداد المناهج، وتقييم جودتها بصورة مستمرة، ليغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا يعيد بناء التعليم بوصفه فعل فهم وتكوين إنساني، لا مجرد تكديس للمعرفة أو استبدال لدور المعلم والمتعلم.

كما يحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا عميقًا في الطب، إذ يسهم في تسريع تحليل البيانات الطبية الضخمة مثل السجلات الصحية والجينومات، مما يتيح فهمًا أدق للأمراض المعقدة، ويدعم التشخيص المبكر عبر تحليل صور الأشعة والرنين المغناطيسي والتصوير المجهري بدرجة عالية من الدقة.كما يمكّن من تطوير الطب الشخصي من خلال مواءمة العلاج مع الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مريض، ويساهم في تسريع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الجزيئية والتنبؤ بفاعلية المركبات قبل التجارب السريرية. إلى جانب دوره القادم عبر الروبوتات الجراحية التي تمكّن من تدخلات دقيقة طفيفة التوغل الجراحي، وتقلل الأخطاء الطبية، وتحدّ من النزف والمضاعفات، وتسرع تعافي المرضى، كما تسمح بإجراء عمليات معقدة عن بُعد بدقة عالية، إضافة إلى تحسين مراقبة المرضى والتنبؤ بتدهور الحالات الصحية قبل تفاقمها، ودعم القرار الطبي بما يرفع جودة الرعاية ويخفض المخاطر ويحفظ حياة الإنسان.

يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تطوير الصناعة الدوائية، إذ يغيّر جذريًا المدة والكلفة والطرق التقليدية لإنتاج الأدوية، فيسهم في تحليل البنى الجينية والبروتينية للفيروسات والبكتيريا بسرعة فائقة. في الصناعة الدوائية يساعد الذكاء الاصطناعي على فحص ملايين المركبات الكيميائية افتراضيًا لاختيار الأكثر نجاعة بالعلاج، والتنبؤ بفعاليتها وآثارها الجانبية في المراحل المبكرة، مما يقلّل من معدلات الفشل في التجارب السريرية، ويسرّع الانتقال من البحث إلى الإنتاج، كما يدعم تحسين تركيبات الأدوية، وضبط جرعاتها، وتطوير أدوية مخصصة وفق الخصائص الجينية للمرضى، إضافة إلى تحسين سلاسل الإمداد الدوائي والتنبؤ بالطلب، ليغدو الذكاء الاصطناعي عنصرًا مركزيًا في صناعة دوائية أكثر دقة وسرعة وكفاءة، منخفضة الكلفة، وقادرة على الاستجابة السريعة للأوبئة والأمراض المستعصية.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم على إحداث تحول عميق في اكتشاف اللقاحات وتطويرها، إذ لم يعد البحث العلمي فيها مسارًا بطيئًا قائمًا على التجربة العمياء، بل أصبح فعلًا ذكيًا يستند إلى نمذجة دقيقة للبنى البروتينية للفيروسات، والتنبؤ بالمناطق الأكثر قابلية لأن تُستهدف لقاحيًا. تمكّن هذه النمذجة من محاكاة التفاعل بين اللقاحات والجهاز المناعي داخل بيئات رقمية، فتختبر الفرضيات قبل الانتقال إلى المختبر، ويعاد ترتيب مسار البحث. ظهر ذلك جليًا في تسارع تطوير لقاحات كوفيد-19 بفضل استخدام الخوارزميات لتحليل بروتين الشوكة واختيار البنى الأكثر قدرة على تحفيز الاستجابة المناعية، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل لقاحات mRNA والتعاون الدولي واسع النطاق الذي وفر تمويلًا غير مسبوق. وقد أتاح نموذج AlphaFold لاحقًا تنبؤًا عالي الدقة ببنية البروتينات، مما فتح آفاقًا جديدة لتطوير لقاحات وأدوية ضد فيروسات سريعة التحور، وإن لم يكن دوره المباشر في اللقاحات الأولى كبيرًا. في هذا المجال، لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور الإنسان، بل يعزز معرفته ويجعل المرض أكثر قابلية للفهم، بحيث يصبح اللقاح ثمرة معرفة علمية تتقدم نحو مواجهة الفناء.

يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في السعي لاكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض العصية، عبر نقلة نوعية في فهم المرض وآلياته، إذ يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والبروتينية والسريرية لاكتشاف الطفرات الدقيقة والمسارات الخلوية المسؤولة عن نشوئه وتطوره، ويمكّن من التمييز بين أنماطه داخل النوع الواحد، فاتحًا الطريق أمام الطب الدقيق الذي يختار العلاج الأنسب لكل مريض وفق بصمته الجينية. كما يسرّع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الدوائية والتنبؤ بفعاليتها قبل التجارب السريرية، ويسهم في تطوير علاجات موجهة ومناعية أكثر فاعلية، وإعادة توظيف أدوية قائمة بآليات جديدة، وتحسين تصميم التجارب السريرية واختيار المرضى الأكثر استجابة. في الأمراض المستعصية مثل ألزهايمر والباركنسون، يساعد الذكاء الاصطناعي في كشف المؤشرات الحيوية المبكرة وفهم الشبكات العصبية المعطوبة، ممهدًا لتدخلات تستهدف جذور المرض لا أعراضه فقط. بذلك يغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا علميًا يحول السرطان والأمراض العصية من مصير مغلق إلى مسار علاجي مفتوح على الأمل، قائم على المعرفة الدقيقة والتشخيص المبكر والوقاية والسيطرة التدريجية.

يعود بطء اكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض المستعصية إلى تعقيد هذه الأمراض ذاتها، وإلى الفجوة بين الاكتشاف النظري والتحول السريري الآمن، إضافة إلى منطق السوق الرأسمالية القائم على تقديم الاهتمام بالأرباح وتكديسها، على التفكير بجودة حياة الإنسان، لذلك يهتم بالعلاجات الأقل مخاطرة مالية، ولا يشجع على توظيف رؤوس أموال هائلة في مسارات علاجية عالية الكلفة وغير مضمونة، فضلًا عن حدود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعتمد على بيانات غير مكتملة، ومع ذلك فإن ما ينجزه هذا الذكاء اليوم يعيد تفكيك المرض ويحوله من مصير مغلق إلى حالة يمكن إدارتها والسيطرة عليها تدريجيًا.

وعلى الرغم مما يثيره تسارع الذكاء الاصطناعي في الطب من وعود كبيرة في التشخيص والعلاج والوقاية، ومن دقة قراءة الفحوص الطبية إلى تصميم علاجات مخصَّصة لكل مريض، غير أن هذا التحول لا يقاس بإنجازه التقني وحده. الطب يمس الجسد والكرامة وحق الإنسان في الحياة، والخوارزميات المعتمدة على بيانات ناقصة أو منحازة قد تنتج تشخيصًا جائرًا أو علاجًا مؤذيًا، كما أن التلاعب بالبيانات يهدد مصداقية البحث العلمي ويقوض الثقة بالمعرفة الطبية، ويمكن أن يمارس التحايل في أنظمة التأمين ورفع كلفة الرعاية الصحية. ويتفاقم الخطر مع اتساع الفجوة الصحية بين الدول، حيث تحتكر المجتمعات المتقدمة تقنيًا أفضل العلاجات، فيما لا تتاح لغيرها من الدول الفقيرة هذه التقنيات وفرص العلاج والوقاية. لذلك لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي الطبي كأداة محايدة، إذ إن غياب الشفافية والمساءلة والأطر الأخلاقية والقوانين الصارمة يحول الوعد العلاجي إلى مصدر جديد للهيمنة واللامساواة، فيما تشكّل الأخلاقيات والقوانين البوصلة التي تضمن توظيف هذه التقنيات في حماية كرامة الإنسان وحقه في العدالة العلاجية.

أما في مجال التنبؤ بالمناخ والكوارث فيفتح الذكاء الاصطناعي أفقًا أوسع لقراءة تعقيد الظواهر الطبيعية، من خلال تحليل محطات زمنية متسلسلة من بيانات الطقس والمحيطات وحركة الصفائح الأرضية، بما يتيح فهمًا أدق لمسارات التحوّل في الطبيعة، ويسهم في تطوير نماذج أكثر موثوقية للتنبؤ بالأعاصير والفيضانات وموجات الجفاف والحرّ الشديد، ويعزّز قدرات الإنذار المبكر بالزلازل والانهيارات، كما يظهر ذلك في أنظمة الرصد المعتمدة اليوم التي تكشف الأعاصير المدارية وحرائق الغابات في مراحلها الأولى، فتمنح الإنسان فرصة الاستعداد وتقليل الخسائر، وتحول المعرفة العلمية من انتظار الكارثة إلى استباقها، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي المتصالح مع قوانين الطبيعة ومباغتاتها.

وفي التكنولوجيا والصناعة يعزّز الذكاء الاصطناعي الأتمتة الذكية التي لا تكتفي بتكرار العمل، وإنما تتعلّم وتصحح ذاتها، فيرفع الكفاءة الإنتاجية، ويخفض الهدر والأخطاء، ويحرر الإنسان من الأعمال الشاقة والخطرة. في الوقت نفسه يسهم في تقوية الأمن السيبراني عبر كشف الهجمات قبل وقوعها، وتحليل أنماط الاختراق الخفية التي تعجز عنها المراقبة التقليدية، كما يفتح أفقًا جديدًا لتطوير شبكات الطاقة الذكية القادرة على موازنة الإنتاج والاستهلاك لحظيًا، ويدمج مصادر الطاقة المتجددة بكفاءة، لا بوصفه سيدًا متغوّلًا، وإنما بوصفه عقلًا مساعدًا يعين الإنسان على فهم العالم المعقد الذي يعيش فيه، ويمكّنه من التعامل معه بأقل قدر من الخسارة، وأكبر قدر من الحكمة.

في البناء والهندسة يتيح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة عبر التصميم التوليدي الذي يولد حلولًا إنشائية متعددة تستجيب لمعايير السلامة والكلفة والاستدامة، والنمذجة ثلاثية الأبعاد التي تتيح محاكاة المبنى قبل تنفيذه ورصد أخطائه مبكرًا، كما يسهم في جدولة المشاريع بدقة عالية، وتقليل الهدر في المواد والوقت، وتعزيز السلامة في مواقع العمل عبر أنظمة مراقبة ذكية ترصد المخاطر قبل وقوعها. ويتولى البناء الروبوتي المهام الخطرة والمتكررة والشاقة بكفاءة وانتظام، فيسهم في خفض الكلفة والوقت، ورفع المتانة والديمومة، من خلال تنفيذ الأعمال الإنشائية بدقة عالية، تخفض الهدر وتقلص أخطاء التنفيذ، كما يتيح روبوت البناء إنجاز الهياكل في مدد أقصر، ويخفض الحوادث وكُلف التأخير في البيئات الوعرة والخطرة. وإلى جانب ذلك تسمح أنظمة البناء الروبوتي بدمج أجهزة استشعار ذكية تُدمَج داخل المباني أو الجسور أثناء عملية البناء، وظيفتها قياس ومراقبة حالات فيزيائية محددة بشكل مستمر، مثل الضغط والإجهاد، الاهتزاز، التشققات المختلفة، الرطوبة، والحرارة. تعمل هذه الأجهزة على جمع بيانات لحظية عن حالة الهيكل الإنشائي، ثم تُحلَّل هذه البيانات بواسطة أنظمة ذكية لاكتشاف أي خلل مبكر قبل أن يتحول إلى انهيار خطير، وهو ما يسمح بالصيانة الاستباقية بدل الانتظار حتى وقوع العطب. بهذا المعنى لا تكون أجهزة الاستشعار الذكية مجرد أدوات تقنية، بل عينًا دائمة داخل البناء تراقب صحته وتسهم في إطالة عمره، وتعزيز متانته، وضمان سلامة مَن يعيشون أو يعملون فيه.

كذلك يطور الذكاء الاصطناعي نماذج للمدن بوصفها مدنًا مستدامة عبر إعادة تنظيم علاقتها بالطاقة والموارد والإنسان، بواسطة أنظمة ذكية تدير الطاقة المتجددة بكفاءة عالية، فتتنبأ بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وتوازن بين العرض والطلب لحظيًا، وتخفض الهدر والانبعاثات. ويدير شبكات المياه والصرف الصحي والنفايات بذكاء، عبر التنبؤ بالاستهلاك والكشف المبكر عن التسرب وإعادة التدوير. ويعمل على تصميم عمراني مستدام عبر محاكاة المباني قبل تنفيذها لتحسين الإضاءة الطبيعية والتهوية وكفاءة الطاقة، فضلًا عن دعم الزراعة الحضرية الذكية، ومراقبة جودة الهواء، وتعزيز الاستجابة السريعة للكوارث، ليغدو الذكاء الاصطناعي عقلًا تشغيليًا للمدينة المستدامة، لا يكتفي بإدارة مواردها، بل يعيد توجيهها نحو انسجام أطول أمدًا بين الإنسان والبيئة.

ويطور الذكاء الاصطناعي أنظمة نقل ذكية تدير حركة المرور، وتخفض الازدحام والحوادث، ليغدو الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات أداة لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة والصناعة والتقنية، إذ يعمل على الانتقال من مراقبة حركة السير بعد وقوع الازدحام إلى استباقه قبل حدوثه، من خلال جمع وتحليل بيانات ضخمة من مصادر متعددة مثل الكاميرات الذكية، وأجهزة الاستشعار على الطرق، وإشارات المرور، وبيانات المركبات وتطبيقات الملاحة، ومعرفة الأنماط الزمنية والسلوكية لحركة السير، فيتنبأ بمناطق الاختناق وأوقاتها بدقة عالية، ويعدل توقيت الإشارات الضوئية تلقائيًا، ويعيد توجيه المركبات نحو مسارات بديلة، ويضبط السرعات المسموح بها للحد من التكدس والحوادث، كما يدمج بيانات الطقس والحوادث والأعمال الطارئة في نماذج تنبؤية تسمح بإدارة الأزمات المرورية لحظة بلحظة، ويطور أنظمة نقل ذكية تخفض الازدحام والتلوث عبر إدارة المرور التنبؤية وتشجيع النقل الكهربائي والمشترك. وبذلك تتحول إدارة المرور من استجابة متأخرة إلى إدارة ذكية استباقية، تقصر زمن الرحلات، وتحدّ من الانبعاثات، وتحسن سلامة الطريق وجودة الحياة في المدن.

كما يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى علم الآثار على نحوٍ واسع، إذ يتيح قراءة الكتابات البائدة وفكّ رموز الخطوط المندثرة مثل المسمارية والهيروغلوفية والفينيقية وغيرها، عبر تحليل الأنماط اللغوية والبصرية في النقوش والرقم الطينية والبرديات، ومقارنة آلاف الشواهد النصية في زمن قصير، بما يعين الباحثين على استعادة معاني نصوص ظلت غامضة آلاف السنين.كما يسهم في ترميم النصوص المتآكلة عبر التاريخ، وإعادة بناء الأجزاء المفقودة منها اعتمادًا على السياق اللغوي والتاريخي، وتظهر أمثلة ذلك في استخدام خوارزميات التعلّم العميق لقراءة الألواح المسمارية المكسورة في حضارات وادي الرافدين، وفي مشروعات رقمية لفكّ طبقات النص الهيروغليفي المتضرر على جدران المعابد المصرية، وفي تحليل النقوش الفينيقية المتناثرة على شواطئ المتوسط لربطها بسياقاتها التجارية والدينية والثقافية، فضلًا عن توظيف الذكاء الاصطناعي في مطابقة اللغات القديمة بنظائرها السامية أو الهندوأوروبية، مما يفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الإنساني، ويحول علم الآثار من قراءة شظايا صامتة إلى حوار حيّ مع أصوات الماضي ومعانيه.

كذلك يمكن أن يستعمل الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في تحليل النصوص الفلسفية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف البنى العميقة لها، ورصد تحولات المفاهيم والقيم، ودعم أبحاث علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية. ويمكن أن يتغلغل في الفنون والآداب ليفتح أفقًا جديدًا لمساعدة الفنان والأديب في التجريب، وإعادة قراءة التراث الفني والأدبي ورقمنته وحفظه، ليغدو الذكاء الاصطناعي أداة تعيد تنظيم علاقة الإنسان بالمعرفة والإبداع والعمل والبناء، وتوسّع إمكاناته في الفهم والتخييل والابتكار، شرط أن يدار هذا التحول ضمن أفق أخلاقي وإنساني يصون مكانة الإنسان كسيد في الأرض، ويحفظ للعلوم الإنسانية والفنون والآداب معناها بوصفها تعبيرًا عن تجربة الإنسان الوجودية لا بديلًا شكليًا عنها.

 

https://alsabaah.iq/127439-.html

 

 

الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق

د. عبد الجبار الرفاعي

يرى الخبراء أن العالم يقف على أعتاب طور جديد من الذكاء الاصطناعي، يسمى الذكاء الاصطناعي الفائق (Artificial Superintelligence – ASI)، وهو طور لا يشبه ما عرفه الإنسان من أدوات رقمية مساعدة، لأنه يؤسس لنمط من العقل الاصطناعي ربما يتجاوز العقل البشري في الفهم والتحليل والابتكار والتخطيط، ويتحرك في أفق ذكاء عام غير محصور بمهمة أو اختصاص. الذكاء الاصطناعي الفائق لا يكتفي بتنفيذ الأوامر، إنما يتعلم من ذاته، ويعيد تشكيل بنيته الداخلية باستمرار، ويطور أداءه بوتيرة متسارعة يعجز الإنسان عن ملاحقتها أو الإحاطة بمساراتها. في هذا الواقع لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان، بل يتحول إلى فاعل مستقل، يفرض أسئلة جديدة عن معنى العقل، وحدود السيطرة، ومصير الإنسان في عالم تتسارع فيه القدرة التقنية أسرع من حضور الضمير الأخلاقي وفاعليته، وتتجلى فيه الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مكانة الإنسان في العالم، وحقوقه وحرياته، ومعنى حياته في زمن يتغير فيه العقل ذاته.

يتمرد الذكاء الاصطناعي الفائق على قيود الذاكرة البشرية، وبطء المعالجة، والتحيزات، والانفعالات، فيغدو قادرًا على استكشاف العلاقات الخفية في البيانات، وبناء حلول نوعية لمسائل شديدة التعقيد، مثل: الأمراض المستعصية، وأزمات المناخ، ومسارات التنمية، وتنظيم الاقتصاد العالمي، والعلاقات الدولية، وإدارة الدولة والحوكمة. غير أن هذا التحول يوقظ مخاوف وجودية عميقة، تتصل بإمكان انزلاق السيطرة من يد الإنسان، إذا صاغ العقل التقني أهدافًا لا تتقيد بالقيم الإنسانية، أو استخدم في سباقات تسلح تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. عندئذ يتحول ظهوره المتوقع إلى لحظة فاصلة في مصير البشر، قد تفتح أفقًا لنهضة غير مسبوقة، أو تقود إلى تحولات يصعب التنبؤ بمآلاتها. مع ذلك، ما زالت الأنظمة الراهنة، على الرغم من اتساع قدراتها، تقف دون عتبة الذكاء العام الشامل والاستقلال الذاتي الكامل اللذين يمنحان هذا الذكاء وصفه الفائق.

لو تبلور الذكاء الاصطناعي الفائق في إطار أخلاقي يحرس كرامة الإنسان ويحمي حرياته وحقوقه، فإن أثره لا يقتصر على تسريع التقنية، بل يمتد إلى إعادة صياغة أنماط العيش المشترك ذاتها؛ ففي التربية والتعليم يؤسس هذا الذكاء لتعليم شخصي عميق يكشف الفروق الفردية ويعالج فجوات المعرفة، وينقل جودة التعلم إلى الهوامش المنسية، ويحرر المعلم من الأعمال الميكانيكية، ليغدو موقظًا للعقل، ومربيًا للضمير والشعور بالمسؤولية والذوق. في الصحة يتحول الطب إلى رعاية وقائية مصممة لكل جسد، بتشخيص أدق، واكتشاف أسرع للأدوية، ورعاية عن بعد تقلص اللامساواة بين المركز والهامش. في الاقتصاد والعمل يعيد تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع، ويخفض الهدر والفساد، ويمنح صانع القرار قدرة استباقية على اختبار السياسات قبل تنفيذها، ويخلق صناعات جديدة، بشرط سياسات انتقال عادلة تحمي الأفراد والمجتمعات من الإقصاء، وتعيد تعريف العمل بوصفه مشاركة في المعنى لا مجرد أداء وظيفة. في العلوم والتكنولوجيا يسرع البحث، ويربط الحقول المتباعدة، ويفتح آفاقًا للطاقة النظيفة والمواد المتقدمة والأمن السيبراني الدفاعي. في المناخ والتنمية يقدم رؤية أدق وأشد فعالية وكلفة، وزراعة ذكية، وتخطيطًا حضريًا أقل قسوة على الإنسان والطبيعة. على مستوى العلاقات الدولية والدبلوماسية يساعد في تفكيك أسباب النزاعات، وبناء مسارات تفاوض تحقق المكاسب المتبادلة، ويقلل من سوء الفهم اللغوي والمعرفي والثقافي، ويعزز التحقق من المعلومات إذا خضع لقواعد شفافة. في السياسة والإدارة العامة يبسط الخدمات، ويقوي الحوكمة المبنية على الأدلة، ويكشف أنماط الفساد، ويطور العدالة الإجرائية دون أن يحولها إلى آلة بلا روح. في الثقافة والمعرفة يخفف التضليل، وييسر الوصول إلى العلم، ويحيي التراث بتحقيقه وربطه بسياقاته التاريخية. وفي الحياة اليومية يمنح أدوات تعزز الاستقلالية والخصوصية، خصوصًا لذوي الإعاقة، وترفع الأمان وجودة العيش.

غير أن المكسب الأهم لا يكمن في اتساع القدرة التقنية ذاتها، إنما يتجلى مباشرة في أثر هذا الذكاء على العيش المشترك؛ فحين يصمم ليخدم ترسيخ القيم الإنسانية والحريات والحقوق، ويخضع للشفافية والمساءلة، وتغلق الأبواب أمام عسكرة استخدامه أو تحويله إلى أداة هيمنة، يمكنه أن يسهم في خفض الاستقطاب، وترميم الثقة المتآكلة بين الأفراد والجماعات، وتوسيع الفضاء العمومي بالحوار والمعرفة الرصينة، بحيث يتحول الاختلاف من مصدر تهديد إلى طاقة تنوع خلّاقة تعزز الحقوق والحريات وترسخ قيم العيش المشترك.

أما إذا انفلت من مرجعيته الأخلاقية، فسيتحول إلى قوة تضاعف اللامساواة، وتغذي نزعات التسلط والهيمنة، وتشرعن الإقصاء، وتقوض أسس السلم الأهلي والدولي. عندئذ يغدو الذكاء الاصطناعي الفائق اختبارًا حاسمًا لإنسانيتنا نفسها: إمّا أفقًا لترميم العالم، وتعميق العدل، وبناء عيش مشترك أكثر رحمة واتساعًا، أو اندفاعًا تقنيًا يسرّع الحركة ويفرغ الحياة من روحها ومعانيها الأجمل. ويحدث قطيعة حادة بين إنسان عصر هذا الذكاء وإنسان الأمس، في نمط الوعي والإدراك والمعرفة والثقافة والفنون والآداب، والمعتقدات والقيم والقوانين، والعيش المشترك، والحقوق والحريات، وكل شيء تتطلبه حياة الإنسان في الواقع الجديد.

إذا انزلق الذكاء الاصطناعي الفائق خارج أفق القيم والحوكمة، فإن أثره السلبي على صراع الهويات والمعتقدات والقوميات والحروب يتجاوز حدود التقنية ليصيب نسيج المعنى والعيش المشترك في العمق؛ إذ يمنح هذا الذكاء أدوات غير مسبوقة لإعادة هندسة الوعي الجمعي، عبر تضخيم السرديات الهوياتية الدينية والطائفية والقومية، وتخصيص الدعاية على مقاس الجماعات الدقيقة، وتغذية مشاعر الخوف والمهانة والذعر والتهديد الوجودي، فيتحول الاختلاف الثقافي أو الديني والطائفي أو القومي إلى وقود تعبوي دائم لتوليد النزاعات وتغذيتها.

ومع قدرة هذا الذكاء على تحليل البيانات السلوكية والنفسية، يستطيع توجيه الرسائل التي تعمق الاستقطاب، وتشيطن الآخر المختلف، وتكسر المساحات الرمادية التي تقوم عليها التسويات، فينكمش الفضاء العمومي، ويتراجع الحوار، وتترسخ هويات صلبة مغلقة ترى في ذاتها حقيقة مكتملة وفي غيرها خطرًا دائمًا. وعلى مستوى الحروب، يسرّع هذا الذكاء سباق التسلح، ويخفض عتبة القرار العسكري عبر أنظمة تنبؤ وتخطيط وضربات دقيقة، فيغدو العنف أكثر ضراوة وأقل كلفة سياسية آنية. وتضعف قدرة الكوابح الأخلاقية، وتتآكل المسؤولية تجاه الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن هويته الاعتقادية والعرقية، ويغيب الإحساس بالفزع من الفتك بالكرامة، والمعاناة المريرة للمختلف، وسفك الدماء. كما يتيح شن حروب هجينة طويلة النفس: سيبرانية، معلوماتية، اقتصادية، تدار من دون إعلان، وتستنزف فيها الدول وتشل المجتمعات من الداخل عبر تعطيل البنى، وتزييف الحقائق، وضرب الثقة بالمؤسسات. في الدول الهشة، يعمّق الذكاء الاصطناعي الفائق اختلال موازين القوة، ويمنح الفاعلين الأقوى ممن يمتلكونه قدرة على فرض نماذج هيمنة تعيد إنتاج التبعية، وتحول السيادة إلى مفهوم فارغ. هكذا لا يصنع هذا الذكاء حربًا أسرع فحسب، إنما يصنع صراعًا أطول عمرًا، أكثر تعقيدًا، أقل قابلية للحسم، لأنه يشتغل على العقول قبل الحدود، وعلى العبث بركائز الدول والمجتمعات قبل الأرض.

من دون اصطفافٍ قيمي يحرس المعنى، وضمير أخلاقي يقظ، وقوانين كونية تلزم الجميع، وشفافية تضيء العتمة قبل أن تتحوّل إلى سلاح ضد الروح، يظل الذكاء الاصطناعي الفائق مهددًا بأن يجعل العالم مسرحًا للاستقطاب الأبدي. تتقدم القدرة التقنية كإعصار مهول، فيما يتقهقر الوعي الأخلاقي إلى هوامش باهتة، ويتآكل العيش المشترك تحت وطأة خوف يديره ذكاء اصطناعي فائق أسرع من الإنسان وأقسى تسلطًا. هكذا يغدو المستقبل ساحة معلقة بين قوة بلا ضابط ووعي يتهاوى، حيث يختبر مصير الإنسانية في سؤال واحد: هل نستطيع أن نصوغ ميثاقًا يحمي المعنى قبل أن يبتلع في دوامة تسلط وهيمنة هذا الذكاء؟ خاصة مع الزيادة الكبيرة للإنفاق على تكنولوجيا المعلومات، إذ “تتوقع مؤسسة غارتنر أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025″، جريدة الشرق الأوسط، 4 يناير 2026.

 

https://alsabaah.iq/126387-.html