الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق

د. عبد الجبار الرفاعي

يرى الخبراء أن العالم يقف على أعتاب طور جديد من الذكاء الاصطناعي، يسمى الذكاء الاصطناعي الفائق (Artificial Superintelligence – ASI)، وهو طور لا يشبه ما عرفه الإنسان من أدوات رقمية مساعدة، لأنه يؤسس لنمط من العقل الاصطناعي ربما يتجاوز العقل البشري في الفهم والتحليل والابتكار والتخطيط، ويتحرك في أفق ذكاء عام غير محصور بمهمة أو اختصاص. الذكاء الاصطناعي الفائق لا يكتفي بتنفيذ الأوامر، إنما يتعلم من ذاته، ويعيد تشكيل بنيته الداخلية باستمرار، ويطور أداءه بوتيرة متسارعة يعجز الإنسان عن ملاحقتها أو الإحاطة بمساراتها. في هذا الواقع لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان، بل يتحول إلى فاعل مستقل، يفرض أسئلة جديدة عن معنى العقل، وحدود السيطرة، ومصير الإنسان في عالم تتسارع فيه القدرة التقنية أسرع من حضور الضمير الأخلاقي وفاعليته، وتتجلى فيه الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مكانة الإنسان في العالم، وحقوقه وحرياته، ومعنى حياته في زمن يتغير فيه العقل ذاته.

يتمرد الذكاء الاصطناعي الفائق على قيود الذاكرة البشرية، وبطء المعالجة، والتحيزات، والانفعالات، فيغدو قادرًا على استكشاف العلاقات الخفية في البيانات، وبناء حلول نوعية لمسائل شديدة التعقيد، مثل: الأمراض المستعصية، وأزمات المناخ، ومسارات التنمية، وتنظيم الاقتصاد العالمي، والعلاقات الدولية، وإدارة الدولة والحوكمة. غير أن هذا التحول يوقظ مخاوف وجودية عميقة، تتصل بإمكان انزلاق السيطرة من يد الإنسان، إذا صاغ العقل التقني أهدافًا لا تتقيد بالقيم الإنسانية، أو استخدم في سباقات تسلح تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. عندئذ يتحول ظهوره المتوقع إلى لحظة فاصلة في مصير البشر، قد تفتح أفقًا لنهضة غير مسبوقة، أو تقود إلى تحولات يصعب التنبؤ بمآلاتها. مع ذلك، ما زالت الأنظمة الراهنة، على الرغم من اتساع قدراتها، تقف دون عتبة الذكاء العام الشامل والاستقلال الذاتي الكامل اللذين يمنحان هذا الذكاء وصفه الفائق.

لو تبلور الذكاء الاصطناعي الفائق في إطار أخلاقي يحرس كرامة الإنسان ويحمي حرياته وحقوقه، فإن أثره لا يقتصر على تسريع التقنية، بل يمتد إلى إعادة صياغة أنماط العيش المشترك ذاتها؛ ففي التربية والتعليم يؤسس هذا الذكاء لتعليم شخصي عميق يكشف الفروق الفردية ويعالج فجوات المعرفة، وينقل جودة التعلم إلى الهوامش المنسية، ويحرر المعلم من الأعمال الميكانيكية، ليغدو موقظًا للعقل، ومربيًا للضمير والشعور بالمسؤولية والذوق. في الصحة يتحول الطب إلى رعاية وقائية مصممة لكل جسد، بتشخيص أدق، واكتشاف أسرع للأدوية، ورعاية عن بعد تقلص اللامساواة بين المركز والهامش. في الاقتصاد والعمل يعيد تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع، ويخفض الهدر والفساد، ويمنح صانع القرار قدرة استباقية على اختبار السياسات قبل تنفيذها، ويخلق صناعات جديدة، بشرط سياسات انتقال عادلة تحمي الأفراد والمجتمعات من الإقصاء، وتعيد تعريف العمل بوصفه مشاركة في المعنى لا مجرد أداء وظيفة. في العلوم والتكنولوجيا يسرع البحث، ويربط الحقول المتباعدة، ويفتح آفاقًا للطاقة النظيفة والمواد المتقدمة والأمن السيبراني الدفاعي. في المناخ والتنمية يقدم رؤية أدق وأشد فعالية وكلفة، وزراعة ذكية، وتخطيطًا حضريًا أقل قسوة على الإنسان والطبيعة. على مستوى العلاقات الدولية والدبلوماسية يساعد في تفكيك أسباب النزاعات، وبناء مسارات تفاوض تحقق المكاسب المتبادلة، ويقلل من سوء الفهم اللغوي والمعرفي والثقافي، ويعزز التحقق من المعلومات إذا خضع لقواعد شفافة. في السياسة والإدارة العامة يبسط الخدمات، ويقوي الحوكمة المبنية على الأدلة، ويكشف أنماط الفساد، ويطور العدالة الإجرائية دون أن يحولها إلى آلة بلا روح. في الثقافة والمعرفة يخفف التضليل، وييسر الوصول إلى العلم، ويحيي التراث بتحقيقه وربطه بسياقاته التاريخية. وفي الحياة اليومية يمنح أدوات تعزز الاستقلالية والخصوصية، خصوصًا لذوي الإعاقة، وترفع الأمان وجودة العيش.

غير أن المكسب الأهم لا يكمن في اتساع القدرة التقنية ذاتها، إنما يتجلى مباشرة في أثر هذا الذكاء على العيش المشترك؛ فحين يصمم ليخدم ترسيخ القيم الإنسانية والحريات والحقوق، ويخضع للشفافية والمساءلة، وتغلق الأبواب أمام عسكرة استخدامه أو تحويله إلى أداة هيمنة، يمكنه أن يسهم في خفض الاستقطاب، وترميم الثقة المتآكلة بين الأفراد والجماعات، وتوسيع الفضاء العمومي بالحوار والمعرفة الرصينة، بحيث يتحول الاختلاف من مصدر تهديد إلى طاقة تنوع خلّاقة تعزز الحقوق والحريات وترسخ قيم العيش المشترك.

أما إذا انفلت من مرجعيته الأخلاقية، فسيتحول إلى قوة تضاعف اللامساواة، وتغذي نزعات التسلط والهيمنة، وتشرعن الإقصاء، وتقوض أسس السلم الأهلي والدولي. عندئذ يغدو الذكاء الاصطناعي الفائق اختبارًا حاسمًا لإنسانيتنا نفسها: إمّا أفقًا لترميم العالم، وتعميق العدل، وبناء عيش مشترك أكثر رحمة واتساعًا، أو اندفاعًا تقنيًا يسرّع الحركة ويفرغ الحياة من روحها ومعانيها الأجمل. ويحدث قطيعة حادة بين إنسان عصر هذا الذكاء وإنسان الأمس، في نمط الوعي والإدراك والمعرفة والثقافة والفنون والآداب، والمعتقدات والقيم والقوانين، والعيش المشترك، والحقوق والحريات، وكل شيء تتطلبه حياة الإنسان في الواقع الجديد.

إذا انزلق الذكاء الاصطناعي الفائق خارج أفق القيم والحوكمة، فإن أثره السلبي على صراع الهويات والمعتقدات والقوميات والحروب يتجاوز حدود التقنية ليصيب نسيج المعنى والعيش المشترك في العمق؛ إذ يمنح هذا الذكاء أدوات غير مسبوقة لإعادة هندسة الوعي الجمعي، عبر تضخيم السرديات الهوياتية الدينية والطائفية والقومية، وتخصيص الدعاية على مقاس الجماعات الدقيقة، وتغذية مشاعر الخوف والمهانة والذعر والتهديد الوجودي، فيتحول الاختلاف الثقافي أو الديني والطائفي أو القومي إلى وقود تعبوي دائم لتوليد النزاعات وتغذيتها.

ومع قدرة هذا الذكاء على تحليل البيانات السلوكية والنفسية، يستطيع توجيه الرسائل التي تعمق الاستقطاب، وتشيطن الآخر المختلف، وتكسر المساحات الرمادية التي تقوم عليها التسويات، فينكمش الفضاء العمومي، ويتراجع الحوار، وتترسخ هويات صلبة مغلقة ترى في ذاتها حقيقة مكتملة وفي غيرها خطرًا دائمًا. وعلى مستوى الحروب، يسرّع هذا الذكاء سباق التسلح، ويخفض عتبة القرار العسكري عبر أنظمة تنبؤ وتخطيط وضربات دقيقة، فيغدو العنف أكثر ضراوة وأقل كلفة سياسية آنية. وتضعف قدرة الكوابح الأخلاقية، وتتآكل المسؤولية تجاه الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن هويته الاعتقادية والعرقية، ويغيب الإحساس بالفزع من الفتك بالكرامة، والمعاناة المريرة للمختلف، وسفك الدماء. كما يتيح شن حروب هجينة طويلة النفس: سيبرانية، معلوماتية، اقتصادية، تدار من دون إعلان، وتستنزف فيها الدول وتشل المجتمعات من الداخل عبر تعطيل البنى، وتزييف الحقائق، وضرب الثقة بالمؤسسات. في الدول الهشة، يعمّق الذكاء الاصطناعي الفائق اختلال موازين القوة، ويمنح الفاعلين الأقوى ممن يمتلكونه قدرة على فرض نماذج هيمنة تعيد إنتاج التبعية، وتحول السيادة إلى مفهوم فارغ. هكذا لا يصنع هذا الذكاء حربًا أسرع فحسب، إنما يصنع صراعًا أطول عمرًا، أكثر تعقيدًا، أقل قابلية للحسم، لأنه يشتغل على العقول قبل الحدود، وعلى العبث بركائز الدول والمجتمعات قبل الأرض.

من دون اصطفافٍ قيمي يحرس المعنى، وضمير أخلاقي يقظ، وقوانين كونية تلزم الجميع، وشفافية تضيء العتمة قبل أن تتحوّل إلى سلاح ضد الروح، يظل الذكاء الاصطناعي الفائق مهددًا بأن يجعل العالم مسرحًا للاستقطاب الأبدي. تتقدم القدرة التقنية كإعصار مهول، فيما يتقهقر الوعي الأخلاقي إلى هوامش باهتة، ويتآكل العيش المشترك تحت وطأة خوف يديره ذكاء اصطناعي فائق أسرع من الإنسان وأقسى تسلطًا. هكذا يغدو المستقبل ساحة معلقة بين قوة بلا ضابط ووعي يتهاوى، حيث يختبر مصير الإنسانية في سؤال واحد: هل نستطيع أن نصوغ ميثاقًا يحمي المعنى قبل أن يبتلع في دوامة تسلط وهيمنة هذا الذكاء؟ خاصة مع الزيادة الكبيرة للإنفاق على تكنولوجيا المعلومات، إذ “تتوقع مؤسسة غارتنر أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025″، جريدة الشرق الأوسط، 4 يناير 2026.

 

https://alsabaah.iq/126387-.html

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.

هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها[1].

الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ[2].

الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.

لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: “الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء… وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء”[3]. ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: “افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام… افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة”[4]. نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.

لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير. التكفيرُ يصادر كلَّ هذه الحقوق ويتنكّر لها، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا يعتقد إلا بوجود صورةٍ واحدةٍ لله، وتصورٍ واحد لصفاته، وطريقٍ واحد إليه، وقوالبَ جزميةٍ للاعتقاد به، وكلماتٍ أبديةٍ في التعبير عنه.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟

إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.

[1]الرفاعي، عبدالجبار، الحب والايمان عند كيركغورد، ص 12، 2016، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

[2] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 119 – 120، ط 2، 2019، دار التنوير، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

 كنت، إيمانويل، الأخلاق عند كنت، ص 58، 1979، وكالة المطبوعات، الكويت. [3]

[4]  كنت، إيمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، ص 11، ط1، 2002، منشورات الجمل، كولونيا – ألمانيا.

 

رابط النشر: