في سياق الادخار والتراكم والتدبير تولد الدولة

د. عبد الجبار الرفاعي

شهدت أرضُ الرافدين ولادات متعاقبةً لحضارات كبرى، انبثقت فيها بدايات الوعي الإنساني، وهو يخطو نحو تنظيم العالم وبناء المدن والدول. ابتدأت هذه المسيرة بحضارة سومر في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، حيث ابتكر الإنسان الرافديني الكتابة المسمارية، وأسس أولى المدن المنظمة، وأرسى ملامح القانون، وفتح آفاق المعرفة في الري والزراعة، والعمارة، والرياضيات، والفلك. كانت سومر لحظةً تأسيسية في تاريخ الإنسان، تجلت فيها قدرة العقل على تحويل الطبيعة إلى عمران حي، وإدارة نمط متناغم من الأرض والمياه للإنتاج وتدبير العيش. تلتها الحضارة الأكدية مع صعود سرجون الأكدي (2334–2279 ق.م)، الذي وحّد مدن سومر وأكد تحت سلطة واحدة، وأقام أول إمبراطورية في التاريخ، امتدت من الخليج إلى تخوم سوريا وإيران، فانتقل الإنسان من دولة المدينة إلى الدولة المركزية الكبيرة، ومن تشتت الكيانات إلى وحدة سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية. في هذا الامتداد، تواصلت روح الإبداع الرافديني، وتجذّر حضور بلاد الرافدين بوصفها فضاءً يتكوّن فيه التاريخ، وتنبثق فيه أشكال جديدة للسلطة والمعرفة والعمران، في سعي دائم إلى بناء عالم أكثر انتظامًا واتساعًا لتراكم رأس المال المادي والرمزي.

ثم ولدت حضارة بابل، وتواصلت في التاريخ نحو 1894 ق.م حتى سقوطها سنة 539 ق.م، في طور متقدم لتطور الوعي الرافديني. ففي بابل الأولى مع حمورابي (1792–1750 ق.م) يتجلى أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الإنسان، حين جرى تدوين “شريعة حمورابي” كمحاولة مبكرة لتأسيس القانون على قواعد مكتوبة تنظم حياة الناس وتحدد الحقوق والواجبات، وتمنح السلطة معنى يتصل بحماية المجتمع، فارتبط الحكم بفكرة العدالة، وتحول القانون إلى لغة تضبط العلاقات، وتسيطر على فوضى القوة. وفي حضارة بابل الثانية مع نبوخذ نصر (605–562 ق.م) بلغت الحضارة البابلية أوجها العمراني والرمزي، فكانت المدينة فضاءً يجمع القوة والجمال، وتجلى ذلك في أسوارها الشاهقة وبواباتها المهيبة وحدائقها المعلقة التي غدت رمزًا لالتقاء الطبيعة بالخيال الإنساني. في هذه المرحلة صارت الدولة تعبر عن روح حضارية ترى في الجمال امتدادًا للسلطة، وفي العمران لغة تجسد هوية الجماعة وذاكرتها. هكذا تواصلت بابل في مرحلتيها التاريخيتين كتجربة إنسانية يلتقي فيها القانون والعلوم بالعمران والجمال، في أفق يعكس سعي الإنسان إلى بناء عالم أكثر انتظامًا وأقرب إلى معنى التناغم والانسجام.

كذلك نشأت حضارة آشور في شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، واتخذت من مدينة آشور مركزًا لها منذ الألف الثالث قبل الميلاد. بدأت كقوة تجارية في مطلع الألف الثاني ق.م، ثم تحولت إلى دولة إقليمية في العصر الآشوري الوسيط، قبل أن تبلغ ذروة اتساعها في العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م) حين امتدت من الخليج إلى حدود مصر. تميزت آشور ببناء دولة مركزية تقوم على إدارة منظمة وتقسيم إداري للأقاليم، وتطوير جيش محترف متقدم في تقنيات القتال والحصار في ذلك العصر، كما شيدت مدنًا كبرى مثل نينوى ونمرود، واهتمت بالمعرفة والثقافة، فأنشأت مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث جُمعت آلاف الألواح المسمارية التي حفظت تراثًا رافدينيًا معرفيًا وأدبيًا واسعًا، وبذلك أسهمت في ترسيخ نظام حكم عسكري، وفي حماية تراث بلاد الرافدين ونقله إلى العصور اللاحقة.

قدّمت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور إسهامات تأسيسية في بناء الحضارات الإنسانية. ففي سومر ظهرت الكتابة المسمارية نحو 3200 ق.م، فكانت أول طريقة تدوين منظمة، استُخدمت على ألواح الطين لتوثيق شؤون الاقتصاد والقانون والأدب، وانتشر الخط المسماري في الكتابة في بلاد ما بين النهرين وما جاورها، واستمر استعماله أكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ تواصل حضوره في التدوين حتى القرن الأول الميلادي. وفي الألف الرابع ق.م نشأت المدن السومرية، مثل أور وأوروك، واخترعت العجلة نحو 3500 ق.م، وتم تطوير أنظمة الري قرابة 3000 ق.م، وجرى تدوين ملحمة كلكامش في الألف الثالث ق.م، بموازاة اختراع القيثارة وابداعات مبكرة في الفنون السمعية والبصرية. وفي أكد أسس سرجون الأكدي أول إمبراطورية مركزية نحو 2334 ق.م، مما رسّخ مفهوم الدولة الموحدة والإدارة المنظمة واللغة السياسية. أما في بابل فقد بلغت التشريعات ذروتها مع شريعة حمورابي نحو 1754 ق.م، وتقدمت الرياضيات بابتكار النظام الستيني في الألف الثاني ق.م، وتطورت علوم الفلك ورصد الكواكب بين القرنين الثامن والسادس ق.م، فأسهم ذلك في ضبط الزمن والتقويم. وفي آشور، ولاسيما بين القرنين التاسع والسابع ق.م، برز التنظيم العسكري والإداري، وجُمعت المعارف في مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث حُفظت نصوص اسطورية وأدبية وعلمية متنوعة. وهكذا أسهمت هذه الحضارات مجتمعة في ترسيخ أسس الكتابة والدولة والقانون والمعرفة.

وأخيرًا ولدت حضارة الإسلام في الكوفة والبصرة وبغداد، حيث تأسست علوم اللغة والفقه والكلام، ومدارس التفكير التي صاغت ملامح العقل الإسلامي في أطواره الأولى، ثم ازدهرت في بغداد حين غدت مركزًا للمعرفة والترجمة والعمران، وملتقى للثقافات، فانتقل فيها العقل من التلقي إلى الإبداع، ومن الشرح إلى التأسيس، وبلغت هذه الحضارة أوجها في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حين ازدهرت علوم الدين واللغة والأدب، والفلسفة والطب والرياضيات والفلك،  وتجلّى فيها تلاقي العقل والنص في إنتاج المعرفة الدينية، قبل أن تتعرض لانكسارها الكبير باحتلال هولاكو لبغداد سنة 1258م، ذلك الحدث الذي أحدث جرحًا في ذاكرة العراق الحضارية، وتدميرًا متوحشًا للعمران والثقافة والفنون والآداب، ترك أثره العميق في مسار العراق المستقبلي.

منذ أن سقطت بابل بيد الأخمينيين سنة 539 ق.م، بدأ ليل طويل من الاحتلالات في تاريخ بلاد الرافدين، غابت فيه الدولة التي تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة أهلها ومصالخهم. وتوالت عليه سلطات أجنبية متعاقبة، نقلت إليه أنظمتها وأديانها وعقائدها ومفاهيمها وثقافاتها، وأخضعته لحكم مركزي غريب عن نسيجه الاجتماعي والثقافي والقيمي والرمزي. أضحت بلاد الرافدين هامشًا لمراكز قوى خارجية، ترسم حدودها، وتحدد وظائفها، وتفرض عليها ما هو غريب عن استمراريتها الحضارية. حكم هذه البلاد الأخمينيون (539 ق.م – 331 ق.م) بعد أن احتل كورش مدينة بابل سنة 539 قبل الميلاد، منهيًا حكم الدولة البابلية الحديثة، وجاعلًا بلاد الرافدين إقليمًا تابعًا. استمر الحكم الأخميني قرابة قرنين، حتى جاءت معركة غوغميلا سنة 331 ق.م، حين هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوش الثالث، ودخل مدينة بابل، منهيًا الحكم الأخميني، ومحتلًا لبلاد الرافدين واخضاعها للإمبراطوريته الهلنستية، فاتحًا فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة تحت هيمنة الثقافة الإغريقية. بعد وفاة الإسكندر سنة 323 ق.م في بابل، تقاسم قواده إمبراطوريته، فكانت بلاد الرافدين من نصيب سلوقس الأول نيقاطور أو سلقيس الأول (358-281 ق. م)، مؤسس الدولة السلوقية. خضعت بلاد الرافدين في هذه المرحلة لحكم يوناني غريب عن ثقافتها وقيمها ومجتمعها، سعت السلطة السلوقية لفرض الهيلينية كثقافة ورؤية للعالم، غير أن هذا الفرض لم يجد جذورًا في أرض الرافدين، وبقي مفروضًا من علٍ، بلا تفاعل حي مع البيئة المحلية.

وتوالت الاحتلالات على هذه الأرض، وكان أطولها الاحتلال العثماني الذي بدأ سنة 1534 حين دخل السلطان سليمان القانوني بغداد، وامتد حتى سنة 1917 مع انسحاب العثمانيين منها، فاستغرق قرابة أربعة قرون، ظل خلالها العراق ساحةً لسلطةٍ تتبدل وجوهها وتتشابه آثارها، إلى أن تهيأت الشروط لولادة الدولة العراقية الحديثة سنة 1921.

بعد أفول هذه الحضارات، وتبدد ميراثها ورموزها، وانفصال الحاضر عن الماضي، تراجعت صلة الإنسان العراقي بإرثه الحضاري، ولم يتدرب حتى اليوم على التدبير، ولا على الادخار، ولا على إدارة الثروات والمهارات والخبرات والزمن، بوصفها مكونات أساسية لبناء الدولة. ما زال سلوك العراقي في مناسباته الاجتماعية والدينية حتى اليوم يعكس غياب ثقافة الادخار والتراكم، فهو يهدر الطاقات والثروات والمهارات والخبرات بلا وعي بالمستقبل، وكأنه لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة فاقدًا لبوصلة الغد. نرى الأموال تنفق بسخاء في الولائم الاجتماعية والمناسبات الدينية، من دون أن تتحول إلى رصيد منتج يعود بالنفع على الدولة والمجتمع، أو يسهم في بناء مشاريع تنموية. هذا النمط من الهدر المجاني يعكس بقايا نمط العيش البدوي، الذي كان يجد معناه في بيئة صحراوية لا تعرف الاستقرار ولا الادخار.

تقوم الدولة الحديثة على تدبير عقلاني للموارد، تحصي فيه الحكومة كل شيء بدقة، وتدير الإنسان وخبراته ومهاراته وزمنه وثرواته وأمواله ضمن رؤية علمية تعيد استثمار الإمكانات وتنميتها. في هذا الأفق تتحول السياحة الدينية إلى مورد وطني فاعل، يغدو اقتصادًا منتجًا يرفد التنمية ويعزز موارد المجتمع والدولة، كما تكشف تجارب بلدان متعددة أن مواسم الحج والعمرة والزيارات تمتلك قدرة حقيقية على توليد قوة اقتصادية مؤثرة. إذ تتصدّر المملكة العربية السعودية عالميًا بعائدات الحج والعمرة التي تتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع إلى 20–30 مليارًا مع احتساب إنفاق الخدمات والتسوق، ما يجعلها من أبرز مصادر الدخل غير النفطي. في المقابل يستقبل العراق قرابة ثلاثين مليون زائر إلى مراقده المقدسة، وذلك يكشف عن طاقة اقتصادية كبيرة لم تُستثمر بالكفاءة المطلوبة، ما يجعل العراق والسعودية معًا أكبر مركزين للسياحة الدينية من حيث الأعداد والتأثير الاقتصادي في العالم الإسلامي.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%af%d8%ae%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%aa%d9%88%d9%84/

 

الهوية الوطنية بمعنى والهوية العقائدية بمعنى آخر

د. عبد الجبار الرفاعي

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصاب الهوية الوطنية يتأسس على الانتماء إلى رقعة جغرافية، ومصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ تتوالى فيه التجارب، وذاكرة جمعية تتشكل في وعي الناس، وتتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة تتحذر في اللاشعور السياسي، لا تلغي الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، بل تحتضنها في أفق عيش مشترك. وتتكشف ملامح هذه الثقافة فيما يتراكم في العقل الجمعي من سرديات تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الممتدة في الزمن، بحيث تغدو الهوية الوطنية إطارًا جامعًا يمنح المعنى للانتماء، ويصون كرامة الإنسان بوصفه مواطنًا قبل كل انتماء آخر.كما تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة، وفي كل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه عبر التاريخ، وأسهمت في تشييد كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. وتنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية، وفي الأديان والمعتقدات، والأساطير والأمثال، والعلوم والمعارف المتنوعة. كذلك يكون الشعار الرسمي للدولة مرآة لهذه الهوية، مضافًا إلى النشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتستعيد ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا في وعي الجماعة. وتتكشف الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وفي كل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم جزءًا حيًا من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركين في مصيره، ومسؤولين عن تنميته وحمايته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تنغلق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. إنها هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وتؤمن بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بحق المواطن أن يكون مختلفًا في إطار كيان سياسي واحد، وعلى شراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته.

تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتؤسس للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص بوصفهما شرطًا للكرامة والعيش المشترك. وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ “العدالة بوصفها إنصافًا”، كما بلوره جون رولز (1921–2002) في كتابه “نظرية في العدالة”، حيث لا تتحقق العدالة إلا حين تُصان حقوق الجميع على قدم المساواة، وتُوزع الفرص بما يضمن لكل إنسان إمكانات متكافئة في بناء حياته والمشاركة في صناعة مصيره. وتخضع الجميع لسلطة القانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية، بل تعيد إدماجها في أفق الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فروعًا تلتقي جميعها فيه.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، حين يتحول هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية الأيديولوجية بالانغلاق، إذ تنبني على يقين مغلق يختزل العالم في ثنائية حادة: مَن ينتمي إليها، ومَن يقع خارجها. في أفقها يتضخم وهم الاصطفاء، ويتشكل وعي متعالٍ يستمد شرعيته من شعور بالتفوق المتخيل، فتغدو الهوية الجمعية مشروطة بنفي الآخر وإقصائه، لا بالانفتاح عليه أو الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. في هذا الواقع، لا يعود الانتماء للوطن مرجعية جامعة، إذ يتراجع لصالح ولاء ضيق يستمد معناه من الجماعة العقائدية، فتتآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا مشتركًا، وتختزل في كيان هش لا يحتمل التعدد. ومع هذا الاختزال، تُهمَّش المصلحة الوطنية، ويعاد ترتيب سلم القيم على نحو يجعل الولاءات الفرعية مقدمة على كل أفق جامع، فينحسر المعنى الإنساني للسياسة، وتفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معاني العيش المشترك الذي يؤسس للسلم والعدالة.

تنتج الهوية الأيديولوجية العقائدية خطابًا تعبويًا مشحونًا باليقين المغلق، لا يعترف بالتنوع، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يقر بحق الآخر في العيش المشترك. ينظر إلى الحقيقة بوصفها ملكًا حصريًا لا يقبل القسمة، فتتحول اللغة في هذا الواقع إلى أداة تعبئة، وتغدو الهوية سورًا يحاصر المعنى ويمنع انفتاحه، فيُختزل الإنسان في انتمائه، ويُختزل العالم في صورة واحدة لا ترى إلا ذاتها. في مقابل ذلك، تمثل الهوية الوطنية مشروعًا لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، يقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون، حيث تكون المواطنة أساس الانتماء، والعدالة شرط الشرعية، وأفقًا مفتوحًا تتعايش فيه الاختلافات وتتكامل فيه الخصوصيات دون أن تفقد وحدتها في إطار جامع. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار للمعنى والسلطة والوطن والمواطن، تختزل الحقيقة في تفسير واحد، وتختطف الوطن لحساب جماعة، فتقوض وحدة المجتمع، وتزعزع أسس الدولة الوطنية، لأن الكيان السياسي لا يستقر إلا حين يقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء، ولا على ادعاء امتلاك الحقيقة باسم العقيدة.

حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يجري ترحيله من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُعاد توطينه في حقول الصراع على السلطة والثروة، كما جرى في تجارب الأيديولوجيات القومية واليسارية. في هذا التحول يفقد الدين رسالته بوصفه أفقًا للمعنى، ويتحول إلى أداة للاستحواذ، ويُختزل في تنازع النفوذ والسيطرة، وتُسخَّر لغته لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. عندئذ تهبط رسالة الدين من غايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى وظيفة أيديولوجية مغلقة لا ترى في العالم إلا ساحة صراع. في هذا الواقع، لا تعترف الأصوليات بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، ولا تُقر بشرعية الدولة التي تقوم على هذه الهوية وتكفل استيعاب التنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، إنما تعمل على تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية، فتفكك المجال العام، وتُقوّض إمكان بناء دولة تحتضن الجميع على أساس المساواة والعدالة والمواطنة وحق كل مواطن أن يكون مختلفًا.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=385190

خذلان الجغرافيا لبلاد الرافدين

     د. عبد الجبار الرفاعي

قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.

لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.

مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.

أما بلاد الرافدين فكانت دومًا مطمعًا للغزاة، لما تنفرد به أرضها من خصوبة، ووفرة مياه، وغنى بالثروات، وافتقار إلى أسوار طبيعية تصد المحتلين. تمتد أرض الرافدين السهلية من الشمال إلى الجنوب، ويخترق سهولها نهران عظيمان، دجلة والفرات، فيمنحانها شروط الري ويوفران المياه بغزارة، وهي الشرط الضروري للزراعة ولأشكال الحياة المتنوعة. هذا الانفتاح الجغرافي لبلاد الرافدين جعلها هدفًا دائمًا للقوى الطامعة بثروتها الزراعية وغيرها وموقعها التجاري. منذ سقوط بابل تعاقبت على احتلالها إمبراطوريات وقوى خارجية متعددة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات متكررة في مسار التجربة التاريخية لإنسان هذه الأرض، فعطّل التراكم الاقتصادي والمعرفي والرمزي، وأضعف شروط تشكّل الدولة، وأخّر انبثاق وعي سياسي وطني وتجذره. هكذا أصبحت الجغرافيا التي أنجبت حضارات عظيمة في وادي دجلة والفرات هي نفسها التي جعلت هذه الأرض مكشوفة أمام الغزاة، فكان تاريخها سلسلة متواصلة من الصعود الحضاري تتخلله انقطاعات موجعة بسبب الغزو الخارجي.

لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.

لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.

الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.

 

https://alsabaah.iq/130095-.html