في سياق الادخار والتراكم والتدبير تولد الدولة

د. عبد الجبار الرفاعي

شهدت أرضُ الرافدين ولادات متعاقبةً لحضارات كبرى، انبثقت فيها بدايات الوعي الإنساني، وهو يخطو نحو تنظيم العالم وبناء المدن والدول. ابتدأت هذه المسيرة بحضارة سومر في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، حيث ابتكر الإنسان الرافديني الكتابة المسمارية، وأسس أولى المدن المنظمة، وأرسى ملامح القانون، وفتح آفاق المعرفة في الري والزراعة، والعمارة، والرياضيات، والفلك. كانت سومر لحظةً تأسيسية في تاريخ الإنسان، تجلت فيها قدرة العقل على تحويل الطبيعة إلى عمران حي، وإدارة نمط متناغم من الأرض والمياه للإنتاج وتدبير العيش. تلتها الحضارة الأكدية مع صعود سرجون الأكدي (2334–2279 ق.م)، الذي وحّد مدن سومر وأكد تحت سلطة واحدة، وأقام أول إمبراطورية في التاريخ، امتدت من الخليج إلى تخوم سوريا وإيران، فانتقل الإنسان من دولة المدينة إلى الدولة المركزية الكبيرة، ومن تشتت الكيانات إلى وحدة سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية. في هذا الامتداد، تواصلت روح الإبداع الرافديني، وتجذّر حضور بلاد الرافدين بوصفها فضاءً يتكوّن فيه التاريخ، وتنبثق فيه أشكال جديدة للسلطة والمعرفة والعمران، في سعي دائم إلى بناء عالم أكثر انتظامًا واتساعًا لتراكم رأس المال المادي والرمزي.

ثم ولدت حضارة بابل، وتواصلت في التاريخ نحو 1894 ق.م حتى سقوطها سنة 539 ق.م، في طور متقدم لتطور الوعي الرافديني. ففي بابل الأولى مع حمورابي (1792–1750 ق.م) يتجلى أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الإنسان، حين جرى تدوين “شريعة حمورابي” كمحاولة مبكرة لتأسيس القانون على قواعد مكتوبة تنظم حياة الناس وتحدد الحقوق والواجبات، وتمنح السلطة معنى يتصل بحماية المجتمع، فارتبط الحكم بفكرة العدالة، وتحول القانون إلى لغة تضبط العلاقات، وتسيطر على فوضى القوة. وفي حضارة بابل الثانية مع نبوخذ نصر (605–562 ق.م) بلغت الحضارة البابلية أوجها العمراني والرمزي، فكانت المدينة فضاءً يجمع القوة والجمال، وتجلى ذلك في أسوارها الشاهقة وبواباتها المهيبة وحدائقها المعلقة التي غدت رمزًا لالتقاء الطبيعة بالخيال الإنساني. في هذه المرحلة صارت الدولة تعبر عن روح حضارية ترى في الجمال امتدادًا للسلطة، وفي العمران لغة تجسد هوية الجماعة وذاكرتها. هكذا تواصلت بابل في مرحلتيها التاريخيتين كتجربة إنسانية يلتقي فيها القانون والعلوم بالعمران والجمال، في أفق يعكس سعي الإنسان إلى بناء عالم أكثر انتظامًا وأقرب إلى معنى التناغم والانسجام.

كذلك نشأت حضارة آشور في شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، واتخذت من مدينة آشور مركزًا لها منذ الألف الثالث قبل الميلاد. بدأت كقوة تجارية في مطلع الألف الثاني ق.م، ثم تحولت إلى دولة إقليمية في العصر الآشوري الوسيط، قبل أن تبلغ ذروة اتساعها في العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م) حين امتدت من الخليج إلى حدود مصر. تميزت آشور ببناء دولة مركزية تقوم على إدارة منظمة وتقسيم إداري للأقاليم، وتطوير جيش محترف متقدم في تقنيات القتال والحصار في ذلك العصر، كما شيدت مدنًا كبرى مثل نينوى ونمرود، واهتمت بالمعرفة والثقافة، فأنشأت مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث جُمعت آلاف الألواح المسمارية التي حفظت تراثًا رافدينيًا معرفيًا وأدبيًا واسعًا، وبذلك أسهمت في ترسيخ نظام حكم عسكري، وفي حماية تراث بلاد الرافدين ونقله إلى العصور اللاحقة.

قدّمت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور إسهامات تأسيسية في بناء الحضارات الإنسانية. ففي سومر ظهرت الكتابة المسمارية نحو 3200 ق.م، فكانت أول طريقة تدوين منظمة، استُخدمت على ألواح الطين لتوثيق شؤون الاقتصاد والقانون والأدب، وانتشر الخط المسماري في الكتابة في بلاد ما بين النهرين وما جاورها، واستمر استعماله أكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ تواصل حضوره في التدوين حتى القرن الأول الميلادي. وفي الألف الرابع ق.م نشأت المدن السومرية، مثل أور وأوروك، واخترعت العجلة نحو 3500 ق.م، وتم تطوير أنظمة الري قرابة 3000 ق.م، وجرى تدوين ملحمة كلكامش في الألف الثالث ق.م، بموازاة اختراع القيثارة وابداعات مبكرة في الفنون السمعية والبصرية. وفي أكد أسس سرجون الأكدي أول إمبراطورية مركزية نحو 2334 ق.م، مما رسّخ مفهوم الدولة الموحدة والإدارة المنظمة واللغة السياسية. أما في بابل فقد بلغت التشريعات ذروتها مع شريعة حمورابي نحو 1754 ق.م، وتقدمت الرياضيات بابتكار النظام الستيني في الألف الثاني ق.م، وتطورت علوم الفلك ورصد الكواكب بين القرنين الثامن والسادس ق.م، فأسهم ذلك في ضبط الزمن والتقويم. وفي آشور، ولاسيما بين القرنين التاسع والسابع ق.م، برز التنظيم العسكري والإداري، وجُمعت المعارف في مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث حُفظت نصوص اسطورية وأدبية وعلمية متنوعة. وهكذا أسهمت هذه الحضارات مجتمعة في ترسيخ أسس الكتابة والدولة والقانون والمعرفة.

وأخيرًا ولدت حضارة الإسلام في الكوفة والبصرة وبغداد، حيث تأسست علوم اللغة والفقه والكلام، ومدارس التفكير التي صاغت ملامح العقل الإسلامي في أطواره الأولى، ثم ازدهرت في بغداد حين غدت مركزًا للمعرفة والترجمة والعمران، وملتقى للثقافات، فانتقل فيها العقل من التلقي إلى الإبداع، ومن الشرح إلى التأسيس، وبلغت هذه الحضارة أوجها في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حين ازدهرت علوم الدين واللغة والأدب، والفلسفة والطب والرياضيات والفلك،  وتجلّى فيها تلاقي العقل والنص في إنتاج المعرفة الدينية، قبل أن تتعرض لانكسارها الكبير باحتلال هولاكو لبغداد سنة 1258م، ذلك الحدث الذي أحدث جرحًا في ذاكرة العراق الحضارية، وتدميرًا متوحشًا للعمران والثقافة والفنون والآداب، ترك أثره العميق في مسار العراق المستقبلي.

منذ أن سقطت بابل بيد الأخمينيين سنة 539 ق.م، بدأ ليل طويل من الاحتلالات في تاريخ بلاد الرافدين، غابت فيه الدولة التي تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة أهلها ومصالخهم. وتوالت عليه سلطات أجنبية متعاقبة، نقلت إليه أنظمتها وأديانها وعقائدها ومفاهيمها وثقافاتها، وأخضعته لحكم مركزي غريب عن نسيجه الاجتماعي والثقافي والقيمي والرمزي. أضحت بلاد الرافدين هامشًا لمراكز قوى خارجية، ترسم حدودها، وتحدد وظائفها، وتفرض عليها ما هو غريب عن استمراريتها الحضارية. حكم هذه البلاد الأخمينيون (539 ق.م – 331 ق.م) بعد أن احتل كورش مدينة بابل سنة 539 قبل الميلاد، منهيًا حكم الدولة البابلية الحديثة، وجاعلًا بلاد الرافدين إقليمًا تابعًا. استمر الحكم الأخميني قرابة قرنين، حتى جاءت معركة غوغميلا سنة 331 ق.م، حين هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوش الثالث، ودخل مدينة بابل، منهيًا الحكم الأخميني، ومحتلًا لبلاد الرافدين واخضاعها للإمبراطوريته الهلنستية، فاتحًا فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة تحت هيمنة الثقافة الإغريقية. بعد وفاة الإسكندر سنة 323 ق.م في بابل، تقاسم قواده إمبراطوريته، فكانت بلاد الرافدين من نصيب سلوقس الأول نيقاطور أو سلقيس الأول (358-281 ق. م)، مؤسس الدولة السلوقية. خضعت بلاد الرافدين في هذه المرحلة لحكم يوناني غريب عن ثقافتها وقيمها ومجتمعها، سعت السلطة السلوقية لفرض الهيلينية كثقافة ورؤية للعالم، غير أن هذا الفرض لم يجد جذورًا في أرض الرافدين، وبقي مفروضًا من علٍ، بلا تفاعل حي مع البيئة المحلية.

وتوالت الاحتلالات على هذه الأرض، وكان أطولها الاحتلال العثماني الذي بدأ سنة 1534 حين دخل السلطان سليمان القانوني بغداد، وامتد حتى سنة 1917 مع انسحاب العثمانيين منها، فاستغرق قرابة أربعة قرون، ظل خلالها العراق ساحةً لسلطةٍ تتبدل وجوهها وتتشابه آثارها، إلى أن تهيأت الشروط لولادة الدولة العراقية الحديثة سنة 1921.

بعد أفول هذه الحضارات، وتبدد ميراثها ورموزها، وانفصال الحاضر عن الماضي، تراجعت صلة الإنسان العراقي بإرثه الحضاري، ولم يتدرب حتى اليوم على التدبير، ولا على الادخار، ولا على إدارة الثروات والمهارات والخبرات والزمن، بوصفها مكونات أساسية لبناء الدولة. ما زال سلوك العراقي في مناسباته الاجتماعية والدينية حتى اليوم يعكس غياب ثقافة الادخار والتراكم، فهو يهدر الطاقات والثروات والمهارات والخبرات بلا وعي بالمستقبل، وكأنه لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة فاقدًا لبوصلة الغد. نرى الأموال تنفق بسخاء في الولائم الاجتماعية والمناسبات الدينية، من دون أن تتحول إلى رصيد منتج يعود بالنفع على الدولة والمجتمع، أو يسهم في بناء مشاريع تنموية. هذا النمط من الهدر المجاني يعكس بقايا نمط العيش البدوي، الذي كان يجد معناه في بيئة صحراوية لا تعرف الاستقرار ولا الادخار.

تقوم الدولة الحديثة على تدبير عقلاني للموارد، تحصي فيه الحكومة كل شيء بدقة، وتدير الإنسان وخبراته ومهاراته وزمنه وثرواته وأمواله ضمن رؤية علمية تعيد استثمار الإمكانات وتنميتها. في هذا الأفق تتحول السياحة الدينية إلى مورد وطني فاعل، يغدو اقتصادًا منتجًا يرفد التنمية ويعزز موارد المجتمع والدولة، كما تكشف تجارب بلدان متعددة أن مواسم الحج والعمرة والزيارات تمتلك قدرة حقيقية على توليد قوة اقتصادية مؤثرة. إذ تتصدّر المملكة العربية السعودية عالميًا بعائدات الحج والعمرة التي تتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع إلى 20–30 مليارًا مع احتساب إنفاق الخدمات والتسوق، ما يجعلها من أبرز مصادر الدخل غير النفطي. في المقابل يستقبل العراق قرابة ثلاثين مليون زائر إلى مراقده المقدسة، وذلك يكشف عن طاقة اقتصادية كبيرة لم تُستثمر بالكفاءة المطلوبة، ما يجعل العراق والسعودية معًا أكبر مركزين للسياحة الدينية من حيث الأعداد والتأثير الاقتصادي في العالم الإسلامي.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%af%d8%ae%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%aa%d9%88%d9%84/

 

العراقي ليس استثناء

د. عبد الجبار الرفاعي

لا تخلو آثارُ بعض الكتّاب في وطننا من أحكام سلبية يخصّ بها العراقي، وربما قدحٍ وهجاءٍ وتندّر بظواهر تطغى على سلوكِه وعلاقاتِه الاجتماعية وثقافتِه وطريقةِ تفكيره، وكأن الأفرادَ والمجتمعات الأخرى تخلو من تلك الظواهر. العراقي لا ينفرد بشخصيته وتاريخه وتحولاته عن غيرِه من البشر، طبيعتُه الإنسانية كغيره في مجتمعات أخرى. تاريخُ العراقي ليس مستقلًّا عن تاريخِ البشرية، وشخصيةُ العراقي ليست استثناءً من البشر. العراقي ليس أفضل إنسان ولا أسوأ إنسان، العراقي ككلّ الناس محكومٌ بما يتحكم بحياة ومآلات البشر من عوامل طبيعية ومجتمعية ترسم مصائرَه مع أمثاله من الناس. تطورُ العلوم والمعارف والتكنولوجيا يؤثر على حياة الكلّ بدرجات ليست متطابقة. ينفرد العراقي بعوامل وأحوال ووقائع تخصّه من دون سواه، مثلما ينفرد غيرُه في مجتمعات أخرى بظروف محلية خاصة.

توصيفاتُ وأحكامُ هؤلاء الكتّاب الصارمة بالازدواجية والتناشز والفصام لا يختصّ بها العراقي، يمكن تطبيقُها على أفراد ومجتمعات محكومة بسياقات دينية وثقافية واجتماعية مماثلة لما يعيشه الفردُ والمجتمع العراقي. لو عاش إيُّ إنسانٍ ظروفَ العراقي وتجرّع مرارات واقعه المفروض عليه، يصير سلوكُه مشابهًا لسلوك العراقي. قلّما رأيتُ مَن يعطي مجانًا في مجتمعات عرفتها، رأيتُ بعضَ العراقيين يبادرون فيفيضون محبتَهم ودعمَهم العاطفي وحتى أموالهم مجانًا. عشتُ في بلدان متعددة وعاشرتُ مجتمعات متنوعة، تلمستُ الازدواجيةَ والتناشز والفصام والمراوغة والتمويه والخداع في سلوك الإنسان. رأيتُ شخصيةَ الإنسان في بعض تلك المجتمعات أشدَّ غموضًا وتركيبًا ووعورةً من الشخصية العراقية. هذه ليست حالاتٍ شاذة أو مختصة بفرد أو مجتمع.كلُّ إنسان يحمل تناقضاتٍ في داخله، على وفق البنيةِ السيكولوجية لشخصيته، ونمطِ تربيته، وعقدِه النفسية والتربوية، ودرجةِ وعيه، وكيفيةِ رؤيته لذاته وللعالَم. الطبيعة الإنسانية في غاية التركيب والتعقيد والعمق، يقول علي الوردي: “إن طبيعةَ البشر هي من أصعب المواضيع النفسية والاجتماعية، إن لم تكن أصعبها جميعًا، فهي موضوعٌ متشعبٌ ومعقد إلى أبعد الحدود، والواقعُ أني كلما توغلت في دراسته شعرت بأني لا أزال في أول الطريق، وكلما بحثتُ في جانب منه ظهرت لي جوانبُ أخرى تحتاج إلى بحث. ظهرت في موضوع الطبيعة البشرية نظرياتٌ متعددة، ونشرت فيه دراسات لا تحصى، وأعترف أني أشعر بالعجز تجاه تلك النظريات والدراسات، فهي في غاية الصعوبة، بل من المستحيل استيعابها كلّها. أضف إلى ذلك أنها قد تتعارض وتتناقض، ولهذا يقف الباحثُ حائرًا لا يعرف ماذا يأخذ منها وماذا يترك”[1]. ويكتب ابن خلدون: “إنّ الإنسانَ ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال حتّى صار خلقًا وملكة وعادة، تنزّل منزلة الطبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميّين تجده كثيرًا صحيحًا”[2]، ويشرح في موضع آخر من المقدّمة كيف تتشكل شخصيةُ الإنسان في سياق الواقع الذي يعيشه بقوله: “ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو، كيف تجد الحضري متحليًا بالذكاء ممتلئًا من الكيس، حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله، وليس كذلك، وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية ما لا يعرفه البدوي، فلما امتلأ الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظن كلُّ من قصر عن تلك الملكات أنها لكمال في عقله، وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته، وليس كذلك، فإنا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته، إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق الصنائع والتعليم، فان لها آثارًا ترجع إلى النفس”[3].

لا فرقَ بين العراقي وغيره في مجتمعات أخرى، الإنسانُ محصلة تاريخ الإنسان. الإنسانُ في تلك المجتمعات كثيرًا ما يستطيع التحكّمَ بتناقضاته، ويخفي كثيرًا منها خلفَ أقنعة يتقن حياكتَها. العراقي محتقنٌ متفجر، نتيجة لمعطياتِ الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المفروض عليه، وظروفِ حياته المحكومة بتقاليد استبدادٍ وعنف متواصلة، لذلك غالبًا لا يستطيع إخفاءَ غضبه وتناقضات سلوكه، وهو أقلّ قدرةً على التحكم بانفعالاتِه وردودِ أفعاله الفجائية، إثر الغضب المكبوت زمنًا طويلًا بداخلة.

عندما تتشكّلُ هويةٌ في سياقٍ امبراطوري تتغذّى بنرجسية الإمبراطورية، وتولد وهي تشعر بأنها ممتلئةٌ ثرية، فخورةٌ تعتزُّ بذاتها، مركزيةٌ تتوهم القوةَ والتفوقَ على غيرها. وعندما تتشّكل هويةٌ في سياق احتلالاتٍ واستعبادٍ أجنبي، واستبدادٍ عنيف، تولد وهي تشعر بأنها أشلاءُ محطمةٌ معاقة، هامشيةٌ تحتقر ذاتَها وتنظر لها بازدراء، وتنظر لغيرها بهيبةٍ وإجلالٍ ورهبة، وتظلُّ تدرُ في آفاق وأحلام غيرها.كان العراقيّ من رعايا السلطنة العثمانية، معنى الرعية السلطاني غير معنى المواطنة الدستورية الحديثة، ومفهوم الرعايا غير مفهوم المواطنين. لم تتشكّل في العراق دولةٌ عراقية في العصر العثماني، وكلُّ محاولات تشكيل الدولة منذ عام 1921 حتى اليوم مازالت هشة. يتعذّر تشكّلُ ذاكرة دولة في غياب الدولة، غيابُ ذاكرة الدولة يغيّب مفهومَ الوطن والمواطن والوطنية. لذلك لم تتشكّل هويةٌ عراقية واضحة المعالم، ينغرسُ فيها انتماءُ العراقي لأرضه حتى اليوم. قلّما رأيتُ من يهجو وطنَه في مجتمعات أخرى، حتى إن كان أحيانًا يهجو نفسَه ومحيطَه، لكن العراقيّ يبادرُ فيهجو نفسَه ووطنَه ومواطنَه ومجتمعَه أحيانًا، لضمور مفهومِ الوطن والمواطن والوطنية في شعوره ولاشعوره السياسي العميق.

عند حديثهم عن طبيعة الإنسان العراقي لا يهتمّ هؤلاءُ الكتاب كثيرًا بما تشترك فيه الطبيعةُ الإنسانية للعراقي مع أيّ إنسان في كينونته الوجودية الأبدية. يمكننا التماسُ العذر لبعض هؤلاء الكتاب؛ لأن الرؤيةَ التي تتخطى ثقافةَ الإنسان وأحوالَه الاجتماعية وظروفَه المعيشية، تتطلب تكوينًا فلسفيًّا يتوغل في أنطولوجيا الإنسان وكينونتِه الوجودية، يغوص في أعماق البشر، وينشغل بالكشف عن شيءٍ من كينونتهم العميقة، التي هي أبعدُ من ظروف الإنسان المعيشية، والثقافة الموروثة في بيئته. عندما نتحدثُ عن الإنسان تارةً ننظر للإنسان من حيث هوياته الاجتماعية المتغيرة، أي الإنسان الذي عاش في بيئة وواقع ومجتمع، بمكان وزمان وعصر معين، وأخرى نتحدثُ عنه لا بوصفه الزماني والمكاني والتاريخي الخاص بعصر، بل ننظرُ للإنسان بوصفه إنسانًا، الإنسانُ بكينونته الوجوديه الذي يتسعُ لكل مصداق للإنسان في أيّ زمان ومكان، بغض النظر عن أية هوية متغيرة يكتسبها من المجتمع والثقافة والدين والبيئة والواقع والعصر الذي يعيش فيه. الإنسانُ بكينونته الوجوديه يشترك العراقي فيها مع كلِّ إنسان، مهما كان الزمانُ والمكان والواقعُ المجتمعي الذي يعيشُ فيه.

 

[1] وجهًا لوجه: د. علي الوردي، ود. جليل العطية، العربي “الكويت”، ع 360، نوفمبر 1988.

[2] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص 125.

[3] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص 434.

 

https://alsabaah.iq/88076-.html