Category: علم الكلام الجديد

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

نقد التراث وتجديد الفكر الديني .. الجابري والرفاعي نموذجًا

نقد التراث وتجديد الفكر الديني .. محمد عابد الجابري وعبد الجبار الرفاعي نموذجًا

بهاء سوادي[1]

منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، تتوالى دعوات إصلاح الفكر الديني وإحيائه وتجديده، وتتباين مناهجها وأدواتها في النقد والمراجعة. ويكشف تتبع مساراتها عن محاولات تستثمر هذه الدعوات في استمالة عواطف الناس، وتوظف المراوغات اللفظية لإزاحة أيديولوجيا وإحلال أخرى محلها، من دون مراجعة جادة للأسس التي تنتج الانغلاق والجمود.

نستبعد من نقاشنا هذا النوع من المشاريع، ونركز على المشاريع التي تمنح النظر العقلي والحجاج النقدي موقعًا أساسيًا في مقاربتها للفكر الديني. ويمكن تصنيف هذه المشاريع، بحسب طبيعة النقد وأهدافه، إلى اتجاه يغلب عليه التفكيك والتقويض، وينشغل بكشف تناقضات الموروث ومساءلة مرجعياته، واتجاه يتجه نحو التركيب والبناء، ويسعى إلى تقديم فهم متجدد للدين وعلاقته بالإنسان والحياة. ويتداخل الاتجاهان في بعض المشاريع، إذ يمهد التفكيك لإعادة البناء، ويستند البناء إلى مراجعة نقدية لما سبقه.

برز في الفكر العربي المعاصر مشروعان اهتما بمساءلة التراث ومرجعياته المعرفية، مع اختلاف مجال اشتغالهما وأولوياتهما: مشروع المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري، ومشروع المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي. انشغل الجابري بنقد العقل العربي وتحليل النظم المعرفية التي أسهمت في تكوينه، فيما ركز الرفاعي على تجديد الفكر الديني وإعادة النظر في أسس علم الكلام ومقولاته. وقد أخضع كلاهما الموروث للمساءلة والنقد، واختلفا في طبيعة المعالجة والأهداف التي توخاها كل مشروع. يغلب على مشروع الجابري تحليل البنى المعرفية ونقدها، في سياق سعيه إلى إعادة بناء العقل العربي على أسس عقلانية؛ لذلك يصعب اختزاله في التفكيك والتقويض. أما الرفاعي، فيتداخل في مشروعه نقد المنظومة الكلامية التقليدية مع بناء رؤية للدين تنطلق من إعادة تعريف الإنسان وحاجاته الوجودية، وتتخذ من المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي أفقًا لتجديد الفكر الديني.

لكي يتضح المقصود بهذه المشاريع، ينبغي تحديد دلالات مصطلحات التقويض والتفكيك، والتركيب والبناء، كما نستعملها في هذا السياق. يشير التقويض إلى زعزعة الأسس والمسلمات والبداهات الراسخة، عبر مساءلة مشروعيتها والكشف عن مواطن الضعف والتناقض فيها. أما التفكيك، فيشير إلى قراءة نقدية لبنية الأفكار والأنظمة المعرفية، تكشف العلاقات التي تنتظم فيها، والافتراضات التي تستند إليها، وما تنطوي عليه من توترات وتناقضات. ويتداخل التفكيك والتقويض، مع اختلاف التركيز في كل منهما؛ إذ ينصب التفكيك على كيفية تشكل البنية واشتغالها، فيما يتجه التقويض إلى زعزعة الأسس التي تمنحها تماسكها وسلطتها. يتمثل التركيب في إعادة تنظيم العناصر والأفكار وربطها ضمن علاقات جديدة، بينما يتسع البناء ليشمل صياغة المفاهيم وتأسيس المرجعيات والمناهج التي ينهض عليها تصور معرفي جديد. ولا تقتضي هذه العمليات تعاقبًا ثابتًا، فقد يتداخل النقد مع البناء في المشروع الواحد، وقد تقود المراجعة إلى تجاوز بعض عناصر الموروث والاحتفاظ بعناصر أخرى بعد إعادة فهمها وصياغتها.

اتخذ الجابري من نقد العقل العربي محورًا لمشروعه، فتجاوز نطاق الفكر الديني إلى مساءلة النظم المعرفية التي أسهمت في تشكيل الثقافة العربية الإسلامية. وسعى إلى تحرير العلاقة بالتراث من التسليم بسلطته، والدعوة إلى قراءته قراءة نقدية تستوعب شروط تشكله التاريخية، وتستثمر إمكاناته في التفكير والتجديد. وميز في تحليله بين ثلاثة أنظمة معرفية: البيان والعرفان والبرهان.

يرتكز البيان، في تصنيفه، على اللغة والنص وآليات الاستدلال، ومنها القياس، ويتجلى في علوم اللغة والفقه وأصوله والكلام. ويستند العرفان إلى الكشف والإلهام والتأويل الباطني، بينما يقوم البرهان على الاستدلال العقلي المنضبط بقواعد المنطق، ولا سيما في صورته الأرسطية. درس الجابري علاقات التداخل والصراع بين هذه الأنظمة، وما أدته العوامل السياسية والأيديولوجية من أدوار في توجيهها.

لا يستقيم القول إنه رأى العرفان والبرهان معًا ضحيتين للتهميش والإقصاء؛ فقد انتقد العرفان بشدة، وربط جانبًا من حضوره بما سماه “استقالة العقل”، في حين منح البرهان مكانة أساسية في مشروعه، واحتفى بمحاولات إعادة تأسيس العلاقة بين البيان والبرهان على أسس عقلانية، خاصة لدى ابن حزم وابن رشد والشاطبي. لذلك يحتل البناء موقعًا في مشروعه، ويتجلى في سعيه إلى تجديد أدوات التفكير وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث.

ومع ذلك، تختلف أولويات هذا المشروع عن أولويات مشروع الرفاعي؛ فبينما يتركز عمل الجابري على نقد النظم المعرفية وآليات إنتاج المعرفة، يتجه الرفاعي بصورة أوضح إلى إعادة تعريف الدين ووظيفته في حياة الإنسان، وتجديد المفاهيم الكلامية في ضوء حاجاته الوجودية والروحية والأخلاقية والجمالية. وتكشف هذه المقارنة عن اختلاف في مركز الاهتمام وطبيعة البناء، مع اشتراك المشروعين في ممارسة النقد والسعي إلى التجديد.

يجمع مشروع الرفاعي بين نقد الأسس المعرفية لعلم الكلام التقليدي، والعمل على بناء رؤية كلامية جديدة، ويتداخل هذان المساران في كتاباته؛ إذ يواكب نقد المفاهيم الموروثة اقتراح مفاهيم بديلة وإعادة تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان. ينصب نقده على المقولات والتفسيرات التي أنتجها المتكلمون في سياقات تاريخية محددة، ثم اكتسبت لدى أتباعهم سلطة جعلتها تتجاوز المساءلة والمراجعة. لذلك يميز بين الدين وطرائق فهمه، ويدعو إلى التعامل مع التراث الكلامي باعتباره معرفة بشرية تعكس أسئلة عصرها وحدود علومه وثقافته، وتحتاج إلى نقد علمي متجدد كلما تطورت معارف الإنسان وتغيرت ظروف حياته.

ويتجه الجانب البنائي في مشروعه إلى تأسيس “علم كلام جديد” ينطلق من إعادة تعريف الإنسان، والتعرف إلى أبعاد شخصيته وحاجاته المتنوعة، والاستفادة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم حياته الدينية. وإعادة تعريف الدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. في هذا السياق، يعيد الرفاعي النظر في وظيفة علم الكلام، ويوسع اهتمامه ليشمل أسئلة المعنى، والقلق الوجودي، والظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، وعلاقة الإيمان بالحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.

ويكثف تعريفه للدين الوجهة التي ينتظم فيها هذا البناء، إذ يقول: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية”. يضع هذا التعريف حاجة الإنسان إلى المعنى في صميم فهم الدين، ويربط حضوره بما يمنحه للحياة من عمق روحي، وما يلهمه من مسؤولية أخلاقية، وما يوقظه من إحساس بالجمال. يتجلى المعنى الروحي في تنمية صلة الإنسان بالله، وإثراء حياته الباطنية، وتغذية الأمل والسكينة في مواجهة الألم والفناء؛ ويتجلى المعنى الأخلاقي في حماية كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وتنمية الرحمة والمحبة والمسؤولية تجاه الآخرين؛ أما المعنى الجمالي فيتصل بقدرة الإيمان على تهذيب الذوق، وتنمية الإحساس بتجليات الجمال في الوجود والحياة والعلاقات الإنسانية.

على هذا الأساس، تتضح دعوته إلى تدين روحي أخلاقي جمالي تتجسد آثاره في سلوك الإنسان وكيفية تعامله مع نفسه وغيره والعالم. ويغدو نقد الموروث في مشروعه جزءًا من جهد بنائي يعيد وصل المعرفة الدينية بحاجات الإنسان، ويختبر أثرها في إثراء حياته وحماية كرامته وحريته.

كتبت سابقًا عن مشروع الرفاعي، ووصفت جهده بأنه استثنائي، لا سيما في سعيه إلى تأسيس علم كلام جديد. وتتضح خصوصية هذا الجهد في جمعه بين الاشتغال بفلسفة الدين وتجديد التفكير الكلامي؛ إذ يستثمر الأسئلة والمناهج الفلسفية والعلوم الإنسانية في مراجعة المقولات الكلامية، ثم يقدم رؤيته. لذلك تبدو العلاقة بين فيلسوف الدين والمتكلم الجديد في مشروعه علاقة تداخل وتكامل، ويصعب اختزالها في انتقال من موقع إلى آخر أو تعاقب مرحلتين منفصلتين. تمنحه فلسفة الدين أدوات لفهم الظاهرة الدينية وتحليل تمثلاتها ولغتها وطرائق إنتاج المعنى فيها، فيما يتجه اجتهاده الكلامي إلى إعادة بناء فهم الدين ومقولاته في ضوء معارف الإنسان وأسئلته المعاصرة.

في هذا المسار، يسائل الرفاعي عددًا من المسلمات والبداهات الراسخة في المنظومة الكلامية التقليدية، ويفكك بنيتها المفاهيمية، ويكشف صلتها بالتصورات الفلسفية والمعرفية والظروف التاريخية التي نشأت فيها. ويواكب هذا النقد العقلاني عمل على إعادة النظر في المفاهيم الدينية الأساسية، وفي مقدمتها الوحي والنبوة، وما يتصل بهما من فهم الشريعة والتكليف، وحدود الوظيفة الدينية في حياة الإنسان. تحتل إعادة تعريف الوحي موقعًا تأسيسيًا في تصوره لعلم الكلام الجديد؛ لأن فهم الوحي يوجه فهم النبوة والنص الديني وطبيعة لغته ودلالاته، ويؤثر في تحديد مجال الدين وعلاقته بالعقل والخبرة البشرية. فكل تصور للوحي ينطوي على تصور لطبيعة الصلة بين الإلهي والبشري، ولموقع النبي في تلقي الوحي وإبلاغه، ولعلاقة النص باللغة والثقافة والتاريخ. وتمتد آثار مراجعة هذا المفهوم إلى طرائق قراءة النصوص وتأويلها، وإلى فهم الأحكام ومدى ارتباطها بسياقاتها، وتحديد ما يندرج في الهداية الروحية والأخلاقية، وما يتصل بتدبير الإنسان لشؤون حياته اعتمادًا على عقله وعلومه وخبراته المتراكمة. وبهذا المعنى، تمثل إعادة تعريف الوحي مدخلًا لإعادة بناء شبكة مترابطة من المفاهيم، ضمن رؤية تسعى إلى الاستجابة لحاجة الإنسان إلى الدين، وإلى حماية كرامته وحريته وحقه في التفكير والاختلاف.

أسهم المشروعان إسهامًا مهمًا في تجديد الفكر العربي والإسلامي، مع اختلاف منطلقاتهما ومجالات اشتغالهما وأولوياتهما. انشغل الجابري بتحليل بنية العقل العربي، والكشف عن نظمه المعرفية وآليات إنتاج المعرفة فيه، ومساءلة سلطة المرجعيات الموروثة حين تتحول إلى عائق أمام التفكير والتجديد. واقترن هذا النقد بتوجه بنائي يسعى إلى ترسيخ العقلانية وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث، عبر قراءة تستوعب شروط تشكله التاريخية وتستثمر إمكاناته في الحاضر.

أما الرفاعي، فيتركز مشروعه على تجديد الفكر الديني، لا سيما تأسيس علم كلام جديد يعيد النظر في المفاهيم الاعتقادية ومرجعياتها المعرفية، وينفتح على الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. يتداخل في هذا المشروع نقد المقولات التقليدية مع إعادة بناء فهم الدين ووظيفته، انطلاقًا من معرفة الإنسان وحاجاته الوجودية، وما ينشده من معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته.

يتضح الاختلاف بين المشروعين في طبيعة الأسئلة التي يمنحها كل منهما الأولوية، وفي المجال الذي يتجه إليه جهده البنائي؛ إذ يسعى الجابري إلى تجديد أدوات التفكير وتأسيس علاقة نقدية عقلانية بالتراث، بينما يتجه الرفاعي إلى تجديد الفهم الكلامي للدين، وإعادة وصل الإيمان بحياة الإنسان وكرامته وحريته. ويتيح هذا التمييز تقدير إسهام كل مشروع، مع الانتباه إلى أن النقد والبناء يحضران فيهما معًا، وإن اختلفت صورهما وحدودهما وغاياتهما.

[1] طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

https://almothaqaf.com/aqlam-3/990495

مدخل إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد

مدخل إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي

في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد

إبراهيم العروي[1]

يمثل عبد الجبار الرفاعي، المولود في محافظة ذي قار جنوب العراق سنة 1954، واحدًا من أصحاب المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة الأكثر اتساقًا ومثابرة واستمرارًا. كرس أكثر من ثلاثة عقود لتأسيس أرضية معرفية لحقلين متداخلين لم يترسخ حضورهما بعد في الفضاء العربي: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. بلغ إنتاجه الفكري نحو ستين كتابًا، فضلًا عن رئاسته تحرير مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” منذ تأسيسها سنة 1997 حتى اليوم، وإدارته مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وإشرافه على سلاسل مرجعية صدر فيها أكثر من ثلاثمئة كتاب في بيروت.  لم يقتصر مشروعه على التعريف بفلسفة الدين ونقل مباحثها إلى العربية، إذ عمل على بناء رؤية خاصة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وتفسر الدين استجابة لحاجة وجودية عميقة إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. أعاد في ضوء هذه الرؤية قراءة الوحي والنبوة والإيمان والتجربة الدينية ولغة الدين، وسعى إلى تحرير علم الكلام من أسئلته الموروثة ومقولاته المغلقة، ونقله من الدفاع عن العقائد إلى فهم الإنسان وحاجاته الوجودية في العالم الحديث. لا يدعي هذا المدخل الإحاطة بمختلف أبعاد المشروع وامتداداته، ويسعى إلى رسم خريطته العامة، وتتبع منطلقاته وتحولاته، والكشف عن أدواته في التفكير، وتحليل مفاهيمه المحورية، وبيان ما يميزه من المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، ومناقشة أبرز الأسئلة والاعتراضات التي أثارها خصومه ومحاوروه.

تلقى عبد الجبار الرفاعي علوم الدين في حوزة النجف الأشرف ابتداء من سنة 1978، واضطر إلى مغادرة العراق سنة 1980، فواصل دراسته في حوزة قم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، وصار لاحقًا أحد أساتذتها. حصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية سنة 1988، والماجستير في علم الكلام سنة 1990، والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005 بتقدير امتياز، ونال درجة الأستاذية سنة 2012. أشرف على أكثر من ثمانين رسالة وأطروحة لدرجتي الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها، ونوقشت حتى اليوم اثنتان وثلاثون رسالة ماجستير وأطروحة دكتوره تناولت مشروعه التجديدي، في جامعات عراقية وعربية وأجنبية. نال الرفاعي عددًا من الجوائز، من أبرزها: “الجائزة الأولى للبطريركية الكلدانية لأفضل الأعمال الفكرية” سنة 2020، و”الجائزة الأولى للإنجاز الثقافي والتفاهم الدولي” في الدوحة سنة 2017، و”الدرع الذهبية للحركة الثقافية” في أنطلياس بلبنان سنة 2013، إلى جانب جوائز أخرى.

من التكوين التقليدي إلى تجديد الفكر الديني

تمثل التحول الحاسم في مسيرة عبد الجبار الرفاعي في انتقاله التدريجي من الاشتغال بعلم الكلام القديم، الذي انصرف إلى الدفاع عن العقائد وإثباتها ودحض عقائد الخصوم، إلى بناء “علم الكلام الجديد”. بدأ الرفاعي هذا المشروع قبل أربعة عقود تقريبًا، وأصدر في سياقه، مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1994-1997، صدرت هذه المجلة بدعم مالي من صديقه المرحوم الشيخ مهدي العطار. وأسس مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” سنة 1997، فاحتضنت مباحث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وعرفت القارئ العربي بأبرز أعلامهما ومفاهيمهما وأسئلتهما واتجاهاتهما، وترجمت دراسات ونصوصًا أساسية فيهما، ومازالت تصدر حتى اليوم. أسس الرفاعي أيضًا مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ليكون فضاء للبحث والترجمة والنشر والحوار في هذين الحقلين. وما زال يراجع مشروعه ويعمقه ويطور مفاهيمه في مؤلفاته المتعاقبة.

لم يكن هذا التحول قطيعة مفاجئة مع التراث الكلامي، فقد جاء ثمرة مراجعة نقدية طويلة لمناهج ومقولات ووظائف وحدود الكلام القديم، في ضوء مكاسب الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية وفلسفة الدين. تجلى هذا المشروع في عدد من مؤلفاته، من أبرزها: “مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد”، و”مقدمة في علم الكلام الجديد”، و”الدين والظمأ الأنطولوجي”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، و”الدين والكرامة الإنسانية”، و”الدين والنزعة الإنسانية”، و”مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، و”مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وصولًا إلى عمله الأخير “موسوعة فلسفة الدين” في ثمانية أجزاء، التي وصفها بعض الدارسين بأنها أول موسوعة عربية في فلسفة الدين، وجاءت ثمرة أكثر من ربع قرن من البحث والعمل المتواصل.

منح هذا المسار مشروعه سمة مميزة؛ فقد انتقل من التكوين الحوزوي التقليدي إلى المراجعة النقدية لمناهج هذا التكوين ومقولاته وأدواته في إنتاج المعرفة الدينية. يصدر نقده من خبرة عميقة بالتراث الديني وعلومه ومناهج تدريسه، لا من موقع الغريب عنه. إنه نقد من داخل علوم الدين التراثية، يعيد فحص الموروث، ويتجاوز تكراره واجتراره، ويفتحه على أسئلة الإنسان وتحديات العالم الحديث.

يتفرد مشروع الرفاعي في تجديد الفكر الديني بانتقاله من النقد إلى البناء، ومن التفكيك إلى التركيب. لا يقف عند تفكيك علم الكلام القديم والكشف عن محدودية أسئلته ومناهجه ووظائفه، وتشديده على احتكار الخلاص بفرقة واحدة، ولا يكتفي بنقد الصورة التي رسمها هذا العلم لله والإنسان والعالم، فقد عمل الرفاعي على تركيب رؤية بديلة تستند إلى مركزية الإنسان وكرامته، وتعيد تعريف وظيفة الدين في حياته. يبدأ التفكيك عنده بفحص البنية العميقة للمعرفة الدينية، والتمييز بين الدين ومعرفة البشر للدين، وبين المقدس وما ينتجه المتخيل الديني، والكشف عن تاريخية الفهم البشري للنصوص، ونقد توظيف الدين في الاستبداد والعنف وإهدار الكرامة.

يفضي هذا التفكيك لدى الرفاعي إلى مرحلة التركيب، إذ يبني منظومة مترابطة من المفاهيم، في مقدمتها: الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والكرامة الإنسانية، والإنسانية الإيمانية، والنزعة الإنسانية في الدين، ولغة الدين، وعلم الكلام الجديد. لا تعمل هذه المفاهيم منفصلة، إذ ينتظمها سؤال مركزي واحد: كيف يستطيع الدين أن ينتج معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا لحياة الإنسان في العالم الحديث؟ ينطلق الرفاعي من حاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، ويرى أن الدين يستجيب لهذه الحاجة عندما يوقظ الحياة الروحية، ويحمي الكرامة، ويغذي الضمير الأخلاقي، ويثري الحس الجمالي. في سياق هذا البناء، صاغ الرفاعي تعريفاته الخاصة للدين والوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وأعاد تحديد وظائفها وحدودها وصلتها بالإنسان وحاجاته الوجودية. هكذا لا يترك القارئ الباحث عن المعنى في الدين عند حدود الشك والنقض وتفكيك الموروث، ويرسم له خريطة فكرية تنتقل من تشخيص أزمة المعرفة الدينية إلى بناء فهم جديد للدين يتمحور حول الإنسان، ويصل الإيمان بالحرية، والتدين بالأخلاق، ومعرفة الله بصيانة كرامة الإنسان.

مرجعيات مشروع الرفاعي

يصعب فهم مشروع الرفاعي بمعزل عن تعدد مرجعياته وتفاعل رافدين أساسيين في تكوينه. ينتمي الرافد الأول إلى التراث الإسلامي؛ فالرفاعي متخرج في المدرسة الحوزوية في علم الكلام والفقه وأصوله، ودارس لتراث الفلسفة الإسلامية لدى الفارابي وابن سينا، والحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، والعرفان النظري والعملي لدى ابن عربي ومدرسته. لا يمثل هذا التراث لديه زخرفًا معرفيًا، فهو رافد روحي حاضر في رؤيته للروح والقلب والضمير، وفي تأكيده أن العقل النظري المجرد لا يستقل بإنتاج الإيمان، وأن الأدلة الكلامية القديمة استنفدت طاقتها في إيقاظ التجربة الروحية وإرواء حاجة الإنسان إلى المعنى. ينتمي الرافد الثاني إلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة، التي ينفتح عليها الرفاعي انفتاحًا نقديًا وانتقائيًا لا مذهبيًا. يظهر ذلك في استثماره نقد كانط لحدود العقل النظري وتمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا، وإفادته من شلايرماخر في تفسير الدين في أفق الشعور بالاعتماد المطلق، لا في حدود الأنساق العقائدية، ومن بول ريكور في التأويل وفلسفة الرمز، ومن غادامير في تاريخية الفهم. ويمكن استكشاف صدى أسئلة هيدغر عن الوجود والقلق والعدم في بعض أبعاد مفهوم “الظمأ الأنطولوجي”، من دون اختزال هذا المفهوم في مرجعية هيدغر، لما ينطوي عليه من روافد دينية وعرفانية ووجودية متعددة. لا يستنسخ الرفاعي منظومات هؤلاء الفلاسفة، ولا ينتسب إلى فلسفة أحد منهم، ويعيد توظيف ما يلائم أسئلته داخل أفقه الخاص في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يظل تحديد طبيعة هذا التأثر ومقداره، وما إذا كان استعارة اصطلاحية أو استثمارًا لمفهوم أو تبنيًا لبعض عناصر المنهج، من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين دارسي مشروعه. لا تكفي لحسمه قراءة عابرة، إذ يستدعي دراسة مقارنة دقيقة بين كتابات الرفاعي ونصوص هؤلاء الفلاسفة، تتتبع المفاهيم في سياقاتها وتكشف ما أدخله عليها من إعادة تفسير وتركيب.

يقوم مشروع الرفاعي على مجموعة من المفاهيم المتشابكة، يستمد كل مفهوم منها دلالته من موقعه داخل المشروع وصلته بسائر مفاهيمه. يأتي “الظمأ الأنطولوجي” في مقدمة هذه المفاهيم وأكثرها تداولًا، ويعني به الحاجة الوجودية العميقة في كيان الإنسان إلى الاتصال بالوجود المطلق، والبحث الدائم عما يروي ظمأه إلى المعنى. لا يكتمل الإنسان بذاته، ولا تستطيع الأشياء المادية وحدها إشباع حاجاته الوجودية، إذ يظل محتاجًا إلى أفق يتجاوز وجوده المحدود، ويمنح حياته معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. على أساس هذا المفهوم ينقد الرفاعي الصياغة الأيديولوجية للدين، لأنها تفرغه من طاقته الروحية، وتختزله في أداة للسلطة والتعبئة والصراع والعنف، أو تحوله إلى هوية مغلقة تفصل الإنسان عن سواه. عندما يخضع الدين للأيديولوجيا، يحتجب حضوره الروحي خلف الشعارات، ويعجز عن إرواء الظمأ الأنطولوجي الذي يمثل وظيفته الوجودية الأساسية. يرتبط بمفهوم “الظمأ الأنطولوجي” مفهومُ “الاغتراب الميتافيزيقي”، الذي يفسر شعور الإنسان بالوحشة والضياع والغربة الوجودية عندما تنقطع صلته بالمطلق، ويفتقر وجوده إلى المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. لا ينشأ هذا الاغتراب من غياب الدين دائمًا، فقد ينشأ داخل أنماط من التدين تستنزف روح الإنسان، وتزرع الخوف في داخله، وتقدم له صورة قاسية لله، وتغرقه في الشعور بالإثم والاحتقار. من هنا يعمل الرفاعي على اكتشاف الصور المضيئة لله، وإعادة بناء صلة الإنسان به على أساس الرحمة والحب والرجاء، لتصبح التجربة الدينية مصدرًا للسكينة وإثراء الوجود، لا منبعًا للرعب واستلاب الذات.

ويمثل “علم الكلام الجديد” الإطار النظري الذي تنتظم فيه هذه الرؤية. لا يختزل الرفاعي هذا العلم في تحديث لغة الكلام القديم أو إضافة مسائل حديثة إلى موضوعاته، إذ يعيد بناء موضوعه ومنهجه ويضع له معيارًا واضحًا هو الفهم الجديد للوحي ووظيفته. ينقل مركز اهتمام علم الكلام من الدفاع عن العقائد ودحض الخصوم، إلى تفسير الإيمان، وفهم معنى الدين ووظيفته وحدوده، وقراءة مفهوم الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وتحليل حاجة الإنسان إلى المعنى.

يستفيد الرفاعي من الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية في فحص المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها، ويميز بين الحقيقة الدينية في ذاتها وما يفهمه الإنسان منها. يفتح هذا التمييز أفقًا لتعدد التأويلات والحوار، ويحرر المتكلم من وهم امتلاك الحقيقة النهائية والاستئثار بتمثيلها. ويحتل التمييز بين الدين والتدين والمعرفة الدينية موقعًا محوريًا في المشروع. يعرف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. أما التدين فهو تمثل الإنسان للدين وطريقة عيشه والتعبير عنه في الواقع، في حين تمثل المعرفة الدينية الفهم البشري للنصوص والمعتقدات والرموز. يخضع التدين والمعرفة الدينية لانتاجها في المتخيل الفردي والجمعي، وللتاريخ واللغة والثقافة والبيئة والمصالح البشرية. يتيح هذا التمييز نقد أنماط التدين العنيف والمغلق، ونقد المعرفة الدينية الموروثة، من دون اختزال الدين في أحد أشكال حضوره التاريخي.

وتأتي الهرمنيوطيقا لتكشف أن الإنسان لا يتلقى النص خارج لغته وتاريخه وآفاق انتظاره. يستفيد الرفاعي من مناهج التأويل الحديثة، ويحاور ما قدمه غادامير وغيره في فهم النص والرمز وتاريخية الوعي. لا يعني ذلك إخضاع النص لإرادة القارئ أو نفي دلالته، وإنما يعني أن الوصول إلى النص لا يحدث من دون فهم بشري، وأن كل فهم يتشكل داخل أفق لغوي وتاريخي معين. تتجدد قراءة النص بتجدد أسئلة الإنسان ومعارفه وتحولات حياته، وتظل دلالاته أوسع من أن يستنفدها تفسير واحد أو يحتكرها مذهب بعينه.

 الجدل العربي حول مشروع الرفاعي

أثار مشروع الرفاعي اعتراضات صدرت من اتجاهات متباينة. يتحفظ بعض ممثلي الاتجاه الديني التقليدي على تأكيده تاريخية المعرفة الدينية وتعدد الفهم، ويرون في ذلك تقليصًا لسلطة التفسير الموروث وفتحًا للدلالة على قراءات غير منضبطة. وينظر بعض السلفيين إلى أدواته الفلسفية والهرمنيوطيقية على أنها وافدة من بيئة معرفية غربية لا تنسجم مع منهجهم في فهم النص. في المقابل، يرى بعض العلمانيين أن مشروعه يحتفظ للدين بموقع مركزي في تفسير الإنسان وحاجته إلى المعنى، ولا يذهب إلى القطيعة التي يدعون إليها بين الدين والمعرفة الحديثة. ويسائل بعض الباحثين في الفلسفة دقة استعماله لبعض المصطلحات الغربية، وحدود استفادته من كانط وهيدغر وغادامير، ومقدار التحول الذي تخضع له مفاهيمهم عندما يدمجها في مشروعه. تكشف هذه الاعتراضات، على اختلاف منطلقاتها، عن الموقع الذي يشغله المشروع بين مسارات متعارضة. فهو لا يكرر علم الكلام الموروث، ولا يتبنى القطيعة مع الدين، ولا يستنسخ فلسفة غربية بعينها. يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا يستبقي الحاجة الوجودية إلى الدين، ويخضع المعرفة الدينية للنقد، ويجعل كرامة الإنسان معيارًا في تقويم أنماط التدين وتأويل النصوص. يمنحه هذا الموقع قدرته على إثارة الأسئلة، ويعرضه في الوقت نفسه لنقد التقليديين ودعاة القطيعة مع الدين وبعض المتخصصين في الفلسفة.

لا تتجاوز الصفحات السابقة رسم خريطة أولية لمشروع واسع ومتعدد المسارات. يتطلب تقويم هذا المشروع فلسفيًا دراسة تطور مفاهيمه عبر مراحل كتاباته، وتحليل الروابط التي تصل الظمأ الأنطولوجي بالاغتراب الميتافيزيقي والكرامة الإنسانية والإنسانية الإيمانية وعلم الكلام الجديد، وفحص اتساق هذه المفاهيم وقدرتها التفسيرية. كما يستدعي مقارنة نصية دقيقة بين كتابات الرفاعي والمرجعيات الإسلامية والغربية التي يحاورها، للتمييز بين استثمار المفهوم، وإعادة تفسيره، وإدماجه في تركيب جديد. لا تكفي في ذلك الملخصات ولا التشابهات اللفظية، فالحكم على أصالة المشروع يقتضي الرجوع إلى النصوص الأصلية، وتتبع المفاهيم في سياقاتها، والكشف عما أحدثه الرفاعي فيها من تحويل وإعادة بناء. يؤسس هذا المدخل لتلك الدراسة الموسعة، ويمهد لقراءة المشروع من داخله، في ضوء أسئلته وغاياته ومساره الخاص.

[1] كاتب سعودي متخصص بالفلسفة.

https://almothaqaf.com/aqlam-3/989107-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

مشروع عبد الجبار الرفاعي.. قراءة تفكيكية في الدين والإنسان والمعنى

مشروع عبد الجبار الرفاعي

قراءة تفكيكية في الدين والإنسان والمعنى

 د. تحسين الشيخلي *

أبتعد اليوم عما دأبت عليه في السنوات الأخيرة من الانشغال بالأنظمة الذكية والتحولات الرقمية، وما تفتحه التقنية من أسئلة حول الإنسان والعقل والمستقبل، لأعود إلى حقل لا يقل تعقيدًا وخطورة، هو حقل الدين والمعنى وتأويل المقدس. والعودة هنا ليست انتقالًا من سؤال إلى آخر، بقدر ما هي عودة إلى الجذر الذي تتفرع منه أسئلة الإنسان كلها: كيف نفهم وجودنا؟ وكيف يتشكل معنى العالم في وعينا؟ وكيف تتحول النصوص من كلمات مقروءة إلى سلطات ورؤى ومؤسسات وأنماط عيش؟

وقبل أن أدخل في هذه القراءة، أود الإشارة إلى ملاحظة أراها ضرورية. قد يتساءل بعض الأصدقاء: ما الذي يدفع رجلًا جاء من عالم علوم الحاسوب والهندسة إلى قراءة مشروع في علم الكلام الجديد؟ وهو سؤال مشروع، غير أنه يفترض أن الأفكار الكبرى لا يجوز الاقتراب منها إلا من داخل حدود التخصص الضيقة، وأنا لا أشارك في هذا الافتراض.

لا أكتب هذه القراءة بوصفي متكلمًا أو فقيهًا أو متخصصًا في الدراسات الدينية، ولا أناقش مسائل العقيدة من داخل علم الكلام التقليدي، وإنما أقرأ مشروعًا فكريًا من منظور الفلسفة ونقد الخطاب والتفكيك، وهي أدوات لا تقل شرعية في مقاربة المشاريع الفكرية الكبرى. وحين يتحول علم الكلام الجديد إلى مشروع فلسفي يستعين بالهرمنيوطيقا وفلسفة الدين والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية، فإنه يغادر بطبيعته حدود التخصص المغلق، ويدعو إلى حوار متعدد الحقول.

لعل خلفيتي العلمية نفسها منحتني حساسية خاصة في قراءة البنى المعرفية، وكيف تتشكل المفاهيم، وكيف تعمل الأنظمة الفكرية، وما الذي تفترضه مقدماتها قبل أن تعلن نتائجها. لا أبحث هنا عن صحة قضية كلامية أو خطئها، وإنما أحاول تفكيك منطق الخطاب نفسه، والكشف عن افتراضاته وحدوده وإمكاناته، وهذا هو مجال الفلسفة بامتياز. لقد تعلمت خلال سنوات دراستي في فرنسا أن الفكر لا يعترف بالحدود الصارمة بين التخصصات، وأن الفلسفة كانت، ولا تزال، مساحة يلتقي فيها الفيزيائي بعالم الاجتماع، والمهندس باللاهوتي، والمؤرخ بعالم اللغة. فالأفكار الكبرى لا تنتمي إلى أصحاب الاختصاص وحدهم، وإنما إلى كل من يمتلك أدوات قراءتها قراءة رصينة ومسؤولة.

من هنا، ليست هذه المقالة محاولة للحديث باسم علم الكلام، وإنما هي محاولة للحوار مع أحد أبرز مشاريعه المعاصرة، بالاستفادة من أدوات التفكيك الفلسفي التي أجدها قادرة على الكشف عما تقوله النصوص، وما تؤجله، وما تفترضه، وما تتركه مفتوحًا أمام القارئ. أفعل ذلك وأنا أقرأ مشروع صديقي، المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من دون أن أتعامل معه مشروعًا مكتملًا ينبغي الاحتفاء به من خارجه، أو خصمًا فكريًا ينبغي نقضه، وإنما نصًا حيًا يستحق أن ندخل معه في حوار عميق، وأن نفكك منطقه الداخلي، ونستخرج توتراته، وننصت إلى ما يقوله وما يتعذر عليه قوله في الوقت نفسه. إن تكريم مشروع فكري كبير لا يكون بتحويله إلى موضوع للمديح، وإنما بجعله قادرًا على تحمل الأسئلة التي يثيرها، وربما الأسئلة التي يحاول تأجيلها أيضًا.

ينطلق الرفاعي في مشروعه من تشخيص واضح لمأزق علم الكلام القديم. لا يكتفي بالدعوة إلى إدخال مسائل جديدة في منظومته، وإنما يطالب بتجديد موضوعاته وأهدافه ومناهجه ولغته ومبانيه وهندسته المعرفية. كما يميز بوضوح بين الإحياء والإصلاح والتجديد؛ فالإحياء عنده يعيد القديم كما كان، والإصلاح يرمم البناء من دون أن يمس أسسه العميقة، أما التجديد فهو تفكيك البنية التحتية التي أنتجت معارف الدين، ثم إعادة بنائها في ضوء الفلسفات والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة.

يجعل الرفاعي “الفهم الجديد للوحي” معيارًا للتمييز بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد. ليست هذه النقلة بسيطة في بيئة اعتادت أن تنظر إلى علوم الدين الموروثة وكأنها امتداد مباشر للمقدس ذاته. تكمن أهمية مشروع الرفاعي في فصله بين نص الكتاب المقدس والأدوات البشرية التي أنتجت فهمه التاريخي، وتأكيده أن مناهج التفكير ونظريات المعرفة وأدوات النظر التي صاغت معارف الدين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية مشروطة بزمانها وثقافتها. من هنا يفتح نافذة واسعة لإعادة التفكير في التراث، لا باعتباره كتلة واحدة ينبغي قبولها أو رفضها، وإنما مجالًا للصراع بين ما هو حي ومحيي، وما هو ميت ومميت.

القراءة التفكيكية لا تتوقف عند الإقرار بهذه الجرأة، وإنما تبدأ منها. إنها تسأل: هل ينجح المشروع بالفعل في مغادرة البنية التي ينتقدها، أم أنه يعيد إنتاج بعض افتراضاتها بلغة جديدة؟ هل يكفي أن نستبدل أدوات علم الكلام القديم بأدوات الهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وفلسفة الدين لنكون قد غادرنا منطقه؟ أم أن المركز القديم قد يتراجع اسمه ويعود في صورة مركز آخر، أكثر مرونة وجمالًا وإنسانية، لكنه يظل مركزًا يتحكم في إنتاج المعنى؟ التفكيك، كما تعلمناه من دريدا، لا يعني هدم النص من خارجه، ولا البحث عن ثغرات لغوية لإسقاطه، وإنما يعني تتبع الحركة التي يعمل بها النص ضد استقراره المعلن. كل نص يؤسس نظامه على تمييزات: أصل وفرع، حضور وغياب، حقيقة وتأويل، دين وتدين، مقدس وبشري، حي وميت، جوهر وعرض. لكنه لا يستطيع المحافظة على نقاء هذه الحدود إلى النهاية؛ فكل طرف يحتاج إلى الآخر ليتحدد، ثم يتسرب الآخر إليه ويزعزع استقلاله. النص يقول شيئًا، لكن طريقة قوله تفتح إمكانًا يتجاوز ما يريد تثبيته.

 

يمكن أن نبدأ بالسؤال عن التمييز المركزي في مشروع الرفاعي بين الدين ومعارف الدين، أو بين المقدس وفهم البشر للمقدس. هذا التمييز ضروري للتحرر من هيمنة التراث؛ إذ ينزع القداسة عن الفقه والكلام والتفسير والتصوف، ويعيدها إلى مصدرها. لكنه يفترض، في الوقت نفسه، إمكان وجود دين خلف تراكمات الفهم التاريخي، دين يمكن إعادة اكتشاف وظيفته الأصلية في إمداد الحياة بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. هنا تتقدم القراءة التفكيكية لتسأل: أين يوجد هذا الدين قبل أن يتحول إلى فهم ولغة وتأويل؟ كيف يمكن الوصول إليه خارج الوسائط البشرية التي يظهر من خلالها؟ وهل نستطيع التمييز بالفعل بين الدين في ذاته وأشكال حضوره في التاريخ؟

لا نعرف الدين إلا عندما يدخل اللغة، ولا يصل النص إلينا إلا عبر قراءة، ولا تتحول التجربة الروحية إلى معنى إلا عندما تسكن رمزًا، أو حكاية، أو مفهومًا، أو طقسًا. التأويل ليس مجرد غطاء بشري يضاف لاحقًا إلى حقيقة دينية مكتملة، وإنما هو أحد شروط ظهورها لنا. لا يعني هذا إنكار وجود الوحي أو اختزاله إلى اللغة، وإنما يعني أن حضور الوحي في العالم البشري لا يحدث خارج التاريخ واللسان والذاكرة والتلقي. وبذلك تصبح الحدود بين المقدس وتأويله أقل صلابة مما تبدو عليه. حين يقول الرفاعي إن كل عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدسة، فإنه يضع بيده المبدأ الذي يمكن أن يزعزع فكرة المعنى الأصيل القابل للاستعادة. فإذا كان كل عصر ينتج فهمه، فإن المعنى لا يكون وديعة ساكنة داخل النص تنتظر قارئًا أكثر كفاءة ليستخرجها، وإنما يكون حدثًا يتشكل في العلاقة المتغيرة بين النص والقارئ والتاريخ. وعندئذ يتحول السؤال من: ما المعنى الحقيقي الذي ينبغي استرداده؟ إلى: كيف ينتج المعنى في كل مرة؟ ومن يملك شروط إنتاجه؟ وما السلطات والمؤسسات واللغات التي تسمح لبعض المعاني بالظهور، وتدفع معاني أخرى إلى الهامش أو الصمت؟

الرفاعي واع بسلطة إنتاج المعنى، ومن هنا يمنح المتخيل الديني مكانة أساسية في مشروعه. ويرى أن من يمتلك وسائل إنتاج هذا المتخيل يمتلك السلطة والتحكم في حاضر الناس ومستقبلهم، وأن المقدس نفسه يتسع تاريخيًا تحت تأثيره. وهذه واحدة من أخصب أفكار المشروع؛ إذ تنقل النقاش من مضمون المعتقد إلى الشروط الثقافية والنفسية والسياسية التي تصنع حضوره. غير أن التفكيك يدفع بهذه الفكرة إلى مداها الأبعد: إذا كان المتخيل يسهم في تكوين المقدس واتساعه، فهل يبقى بالإمكان رسم حد نهائي بين ما هو مقدس في ذاته وما أنتجته المخيلة الدينية؟ وهل المتخيل مجرد غشاوة ينبغي للعقل النقدي أن يضعها في حدودها، أم أنه عنصر لا غنى عنه في كل علاقة بالمقدس؟

ليس الإنسان كائنًا يعيش بالمفاهيم العقلية وحدها، فهو يسكن الاستعارات والرموز والصور والطقوس والذكريات المؤسسة. حتى أكثر الخطابات عقلانية لا تعمل من دون متخيل خاص بها. العقلانية نفسها قد تبني صورة خلاصية عن العقل، والحداثة قد تنتج أساطيرها، والتجديد قد يتخيل أصلًا نقيًا أو مستقبلًا متصالحًا لم يوجد قط. ومن ثم، ليس المطلوب وضع المتخيل في مقابل العقل، كأن الأول مصدر التضليل والثاني مصدر الخلاص، وإنما تفكيك الطريقة التي يسكن بها المتخيل كل ممارسة عقلية، بما فيها ممارسة التجديد نفسها.

يعلن الرفاعي أن بوصلة التجديد هي إعادة تعريف الإنسان والدين ووظيفة الدين، وأن ما يمكن للدين أن يقدمه يتمثل في إشباع الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجمالية، ومنح الروح السكينة، والقلب الطمأنينة، والحياة الرحمة والرفق. ويذهب إلى أن ما يقع خارج ذلك ينبغي أن يستمده الإنسان من العقل والعلوم والمعارف والخبرات البشرية. تمثل هذه الرؤية انقلابًا إنسانيًا على لاهوت الهيمنة الذي جعل الإنسان تابعًا للمؤسسة والعقيدة والسلطة. إنها تنقل مركز الاهتمام من الدفاع عن المعتقدات إلى حماية الحياة الداخلية للإنسان، ومن تضخم الدين في المجالين السياسي والاجتماعي إلى استعادته أفقًا للمعنى.

لكن السؤال التفكيكي هنا هو: من الإنسان الذي يصبح بوصلة للتجديد؟ وهل “الإنسان” مفهوم محايد ومستقر، أم أنه بدوره نتاج تاريخي وفلسفي؟ حين نعيد تعريف الدين انطلاقًا من احتياجات الإنسان، فإننا نفترض تصورًا سابقًا لماهية الإنسان واحتياجاته الأصيلة. لكن الإنسان ليس جوهرًا واحدًا يظل ثابتًا عبر الثقافات والعصور. حتى مفاهيم الروح والسكينة والجمال والكرامة والحرية ليست خارج التاريخ، فدلالاتها تتغير وخبراتها تتعدد.

ربما يكون مشروع الرفاعي قد انتقل من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان، لكنه لم يتخل تماما عن الحاجة إلى المركز، والمركز الجديد، وإن كان أكثر إنسانية من المركز القديم، يظل معرضًا لأن ينتج استبعاده الخاص. فمن يحدد حاجات الإنسان الروحية؟ وما الذي يجعل تجربة دينية ما أصيلة وأخرى زائفة؟ وما معيار التمييز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”؟ لا شك في أن التمييز بينهما يمتلك قيمة أخلاقية وتحررية واضحة، خاصة حين يتحول التصوف إلى طاعة عمياء لشيخ الطريقة واستسلام يفتك باستقلال الفرد. لكن كل ثنائية من هذا النوع تحتاج بدورها إلى تفكيك؛ فالحرية قد تنشأ، في أغلب الأحيان، داخل تقاليد الطاعة، كما قد تتحول خطابات التحرر نفسها إلى سلطات رمزية جديدة.

لا يقلل هذا من أهمية الانحياز الأخلاقي في مشروع الرفاعي، ويكشف الرهان العميق الكامن فيه. فهو لا يقدم نظرية وصفية محايدة في الدين، إذ ينحاز إلى صورة محددة له: دين الرحمة والحب والسلام والكرامة والمعنى والجمال. هذا الانحياز مصدر قوة المشروع، ويمثل في الوقت نفسه افتراضه الذي ينبغي التصريح به. المشروع لا يستخرج هذه القيم من النصوص وحدها؛ إذ يدخل إليها حاملًا حساسية أخلاقية حديثة، تشكلت تحت تأثير فلسفات الإنسان والحرية والحقوق والكرامة. إنه يعيد قراءة الدين من داخل أفق إنساني معاصر، لا من خارج كل أفق. هنا لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر على أنه نقص ينبغي إخفاؤه، على العكس، تصبح قوة المشروع أكبر عندما يعترف بأن التجديد ليس اكتشافًا لمعنى صاف كان موجودًا منذ البداية، وإنما هو إنتاج مسؤول لمعنى ديني يحتاجه الإنسان اليوم. والفرق مهم بين من يزعم أنه يستعيد الجوهر الأبدي للدين، ومن يقر بأنه يدخل في عملية تأويل تاريخية وأخلاقية لا تستطيع الادعاء بأنها الكلمة الأخيرة.

إن رؤية “الفهم الجديد للوحي”، التي يجعلها الرفاعي معيارًا لعلم الكلام الجديد، تحمل في داخلها هذا التوتر. فالجديد لا يكون جديدًا إلا إذا اختلف عن القديم، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل فهمًا للوحي ذاته. وهذا يعني أن المشروع يتحرك بين الوفاء والاختلاف، بين المحافظة على هوية المرجع وتغيير نظام دلالاته. لا يمكنه الانفصال تماما عن القديم، وإلا فقد اسمه كلامًا دينيًا، ولا يمكنه البقاء داخله، وإلا تحول إلى تكرار. إنه يقيم في منطقة برزخية، لا تنتمي بكلياتها إلى التراث ولا تنفصل عنه، ولا تذوب في فلسفة الدين الحديثة ولا تبقى أسيرة لعلم الكلام الموروث. هذه المنطقة الوسطى ليست عيبًا، فهي موضع الخصوبة الحقيقي في المشروع.

غير أن الخطابات التجديدية تميل عادة إلى إخفاء هذا التردد، إذ تحتاج إلى رسم حدود واضحة بين القديم والجديد. يعيد التفكيك الاعتبار إلى التردد، لا باعتباره ضعفًا، فهو اعتراف باستحالة القطع النهائي مع ما ننتقده. نحن لا نغادر التراث كما يغادر المرء بيتًا قديمًا؛ فاللغة التي ننتقده بها مشبعة بآثاره، والأسئلة التي نوجهها إليه ولدت في داخله أو في الصراع معه. كما أننا لا نستورد الحداثة أداة محايدة؛ فالهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة الغربية تحمل هي الأخرى تاريخها وتحولاتها ومركزياتها وأزماتها.

عندما يدعو الرفاعي إلى توظيف الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة في قراءة النص الديني، فإنه يقوم بخطوة ضرورية، لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا: هل هذه العلوم أدوات خارجية نستخدم منها ما يصلح ثم نعيدها إلى مكانها، أم أنها خطابات تعيد تشكيل موضوعها بمجرد دخولها إليه؟ لا يمكن للأنثروبولوجيا أن تدرس الدين من دون أن تغير مفهومنا عنه، ولا يمكن للتحليل النفسي أن يقترب من التجربة الروحية من دون أن يعيد توزيع العلاقة بين الوعي واللاشعور والرغبة والرمز. كذلك لا تدخل الهرمنيوطيقا إلى التفسير أداة كالمطرقة أو المجهر، فهي تمثل تحولًا في مفهوم الحقيقة والفهم واللغة. من هنا يبدو مشروع الرفاعي أكثر ثورية مما يصرح به في الغالب. فالقبول الحقيقي بهذه المناهج لا يقتصر على تغيير أجوبة علم الكلام، وإنما يغير طبيعة أسئلته وحدود موضوعه، وربما يزعزع اسمه نفسه. وقد لا تنتهي العملية إلى “علم كلام جديد” بالمعنى الدقيق، وإنما إلى حقل يقع بين فلسفة الدين والهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا واللاهوت والنقد الثقافي. يلاحظ الرفاعي نفسه غياب الحدود الدقيقة بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، لكنه يبقي على اسم علم الكلام، ربما حفاظًا على الصلة بالذاكرة الإسلامية، واستمرارًا للحوار مع المؤسسة الدينية.

غير أن الاسم ليس تفصيلًا بريئًا، فالاحتفاظ باسم “علم الكلام” يمنح المشروع شرعية داخل التراث، لكنه يحمل معه أيضًا آثار تاريخ طويل ارتبط بالدفاع عن العقيدة، وترسيم حدود الإيمان، والفرقة الناجية، والخصم المخالف. فهل يستطيع الاسم القديم احتواء تحول معرفي جذري من دون أن يعيد إخضاعه لذاكرته؟ أم أن الجديد يظل معرضًا لخطر التحول إلى هامش داخل بنية القديم؟ هنا يظهر الاختلاف بين التجديد والتفكيك. التجديد يفترض إمكان إعادة بناء المنظومة على أسس أصلب وأكثر ملاءمة للعصر. أما التفكيك فيتردد أمام فكرة البناء النهائي؛ إذ يرى أن كل بنية جديدة تحمل في داخلها شقوقها، وأن كل مركز يؤسس هامشه، وكل تعريف ينتج ما يستبعده. التجديد يريد نظامًا بديلًا لإنتاج المعنى الديني، بينما يسأل التفكيك: هل يمكن امتلاك نظام يحكم المعنى من دون أن يتحول إلى سلطة جديدة عليه؟

لكن التفكيك الذي أدافع عنه هنا لا يدعو إلى ترك المعنى في فوضى مطلقة، ولا إلى مساواة التأويلات بعضها ببعض. إنه يطالب فقط بأن تظل عملية إنتاج المعنى واعية بحدودها، ومتواضعة أمام ما تستبعده، وقادرة على مراجعة نفسها. لا نحتاج إلى معنى بلا قرار؛ نحتاج إلى قرار يعرف أنه ليس أبديًا. ولا نحتاج إلى تأويل بلا معيار؛ نحتاج إلى معيار أخلاقي لا يدعي أنه خارج التاريخ أو فوق السؤال. في هذا الجانب يلتقي مشروع الرفاعي مع الروح الأعمق للتفكيك، حتى حين يختلف معها فلسفيًا. فالدعوة إلى دين يحمي الكرامة، ويمنح الإنسان الحب والرحمة والسكينة والجمال والسلام، ليست مجرد إعادة تعريف لعلم الكلام؛ إنها مقاومة لأنظمة دلالية استعملت المقدس في إنتاج الخوف والطاعة والإذلال. والتفكيك، في جوهره الأخلاقي، هو أيضًا انحياز إلى من تستبعدهم البنى المغلقة، وإلى الأصوات التي لا يسمح المركز بسماعها.

من هنا لا أقرأ عبد الجبار الرفاعي مجددًا يبحث عن طلاء حديث لبناء قديم؛ أقرأه مفكرًا يحاول نقل الفكر الديني من سؤال: كيف نحمي العقيدة؟ إلى سؤال: كيف نحمي الإنسان من التأويلات التي تحطم روحه وكرامته؟ وهذه النقلة هي الإنجاز الأهم في مشروعه. غير أنه، مثل كل مشروع كبير، يفتح أسئلة تتجاوز الأجوبة التي يقدمها: هل يمكن تحرير الدين من التاريخ من دون أن نفقد تاريخية ظهوره؟ هل نستطيع فصل الوحي عن سلسلة تأويلاته؟ هل الدين أفق للمعنى نعثر عليه، أم أفق نسهم في بنائه باستمرار؟ وهل الانتقال من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان يلغي المركز، أم يمنحه اسمًا جديدًا؟

ربما لا تتمثل قيمة مشروع الرفاعي في تقديم أجوبة نهائية عن هذه الأسئلة؛ إذ تكمن قيمته في جعل طرحها ممكنًا من داخل الثقافة الدينية نفسها. لقد فتح الباب من داخل البيت، لا ليحرقه، ولا ليعيد ترتيب أثاثه فقط، وإنما ليسمح بدخول هواء لم تعتده غرفه المغلقة. أما مهمة القراءة النقدية فهي أن تبقي الباب مفتوحًا، وألا تسمح للغة التجديد بأن تتحول بدورها إلى يقين جديد أو مؤسسة جديدة تحتكر تعريف الدين والإنسان والمعنى.

أكتب هذه القراءة تكريمًا لمشروع صديقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأفهم التكريم هنا اعترافًا بحق المشروع في أن نقرأه بجدية، ونفككه بحب، ونضعه في مواجهة أصعب الأسئلة التي يوقظها. المشاريع الصغيرة وحدها تحتاج إلى المديح كي تبقى، أما المشاريع الحية فتزداد حيوية كلما دخلت في حوار واختلاف.

لعل أفضل ما يمكن قوله عن مشروع الرفاعي أنه لم يعد يسمح لنا بأن نتحدث عن الدين بعده بالطريقة نفسها التي كنا نتحدث بها قبله. غير أن الوفاء الحقيقي لروحه التجديدية يقتضي ألا نتعامل حتى مع مفاهيمه كنهايات. الدين، مثل اللغة، لا يمنح معناه دفعة واحدة، والإنسان لا يستقر في تعريف، والنص لا يغلق أبوابه بعد قراءة واحدة. وما نسميه تجديدًا لا يعني الوصول إلى المعنى الأخير؛ إنه إبقاء المعنى قادرًا على الولادة، وإبقاء السؤال حيًا في وجه كل سلطة تريد أن تعلن أن الكلام قد اكتمل.

 

د. تحسين الشيخلي: أكاديمي عراقي، حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في هندسة المعلوماتية من فرنسا، وأستاذ مشارك في جامعة كينغستون في لندن، ومدير مركز دراسات وبحوث المستقبل في لندن.

 

https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/988702-%D8%AA%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89

 

عبد الجبار الرفاعي وإعادة تعريف المفاهيم الدينية

عبد الجبار الرفاعي وإعادة تعريف المفاهيم الدينية

بهاء سوادي[1]

عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد عقل الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاحتماعية، ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة.

بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية”. وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ : الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.

لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة.

إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها.

عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن “نظرية المعرفة في الإسلام” حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: “أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات”. علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.

علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه.

يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو “استئناف ما كان في الماضي كما هو”. أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره.

في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجهها الإنسان اليوم.

[1] كاتب عراقي، طالب في المرحلة السادسة بكلية الطب في جامعة البصرة.

https://al-aalem.com/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7/

نحو لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان عند عبد الجبار الرفاعي

نحو لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان

قراءة نقدية لـ “علم الكلام الجديد” عند عبد الجبار الرفاعي

إيمانويل بيزاني[1]

منذ ثمانينيات القرن العشرين، عرّف عدد من المثقفين المسلمين أنفسهم بأنهم ينتمون إلى “علم كلام جديد”، أو دعوا إلى تطويره. ومن بينهم الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي، الذي ألّف كتابًا تمهيديًا في هذا الحقل الناشئ، دعا فيه إلى قطيعة إبستمولوجية والتخلي عن علم الكلام التقليدي، لأنه، بحسب رأيه، عاجز عن الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الحداثة. ويسعى هذا المقال، في الوقت نفسه، إلى الإسهام في التعريف الأكاديمي بمفكر ما يزال قليل الحضور في الغرب، وإلى تقويم الإطار النظري الذي يقترحه في ضوء الحوار بين الأديان. ذلك أن علم الكلام التقليدي تشكّل أساسًا ضمن موقف دفاعي اعتذاري، مما جعله غير مهيأ للانخراط في حوار ديني بنّاء يحترم إيمان الآخر من دون السعي إلى تحويله أو استقطابه.

ومن هنا يطرح المقال السؤال الآتي: هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم. إن “اللاهوت الجديد” أو “علم الكلام الجديد” صار اليوم اسمًا لحقل معرفي يُدرَّس في المعاهد وكليات العلوم الدينية، ويحظى باهتمام أكاديمي متزايد. هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم.

من بين المجلات التي تُعنى بـ”علم الكلام الجديد” في إيران: “نقد ونظر”، و”هفت آسمان” (السماوات السبع). أما مجلة “إسلاميات” فتصدر عن لاهوتيي مدرسة أنقرة، وفي العراق تصدر: “مجلة قضايا إسلامية معاصرة”، التي أصدرها عبد الجبار الرفاعي قبل 30 عامًا، وقد صدر عددها الأخير الشهر الماضي، أصدرت هذه المجلة 82 عددًا مرجعيا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفيما يتعلق بنشأة علم الكلام وتشكّله في مدارس كبرى، يُحال إلى دراسات جوزيف فان إس حول بدايات اللاهوت الإسلامي، وإلى أعمال أخرى تناولت تشكّل الفلسفة الإسلامية فيما بعد العصر الكلاسيكي وفلسفة علم الكلام.

ويشير عبد الجبار الرفاعي في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” إلى أن هذا العلم نشأ من التساؤل حول طبيعة كلام الله ومعناه. ومع ذلك، فإن الرؤية والتشخيص اللذين يقدمهما الرفاعي لعلم الكلام يتعلقان أساسًا بالعالم العربي، ولا ينصفان، بحسب كاتب المقال، الحيوية التي عرفها الفكر اللاهوتي الإسلامي في فضاءات جغرافية أخرى، وهو ما عبّر عنه المفكر شهاب أحمد بمفهوم “المجال الممتد من البلقان إلى البنغال”، وهو فضاء واسع يمتد من جنوب شرق أوروبا إلى البنغال في جنوب آسيا، ويشمل الدولة العثمانية وإيران وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية. ويستعمل شهاب أحمد هذا المفهوم لبيان ثراء وتنوع التعبيرات الإسلامية، ومنها الفكر الكلامي، في المدة الممتدة بين 1350 و1850، وهي مرحلة شهدت ازدهارًا فكريًا وفنيًا وروحيًا واسعًا.

في هذا السياق، سعى عدد من المفكرين، منذ القرن التاسع عشر، إلى تطوير علم الكلام واستعادة الروح التي تأسس عليها في بداياته. ومن هذه الدينامية وُلد “علم الكلام الجديد”، الذي يُنتظر منه أن يستجيب للحاجات والتطلعات المعاصرة انطلاقًا من الكلمة الإلهية، ومن ثم من ظاهرة الوحي نفسها. غير أن هذا التيار لا يقدم نفسه بوصفه مدرسة موحدة، إذ يضم تحت هذه التسمية مفكرين تختلف افتراضاتهم وأطرهم الإبستمولوجية.

وفي هذا الإطار كرّس الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي، المولود سنة 1954 في ذي قار بالعراق، مشروعه الفكري لعلم الكلام الجديد في العالم العربي. وبعد دراسات متنوعة شملت دبلومًا زراعيًا سنة 1975، ودراسات دينية تقليدية في النجف وقم، ثم بكالوريوس في العلوم الإسلامية سنة 1988، وحصل على ماجستيرًا في علم الكلام سنة 1990، ودكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005، ونال لقب الأستاذية سنة 2012. ويترأس اليوم مركز فلسفة الدين في بغداد. ألّف الرفاعي ستين كتابًا، من أبرزها “مقدمة في علم الكلام الجديد”، واستلهم في مشروعه أعمال مفكرين هنود وباكستانيين، مثل شاه ولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، إضافة إلى الفلسفات المعاصرة والهرمنيوطيقا. ويسعى الرفاعي إلى استعادة الحيوية الروحية للدين، وعمقه الأخلاقي، وبُعده الجمالي، عبر القطيعة مع التكرار العقيم الذي لم يعد قادرًا على الإجابة عن القلق الوجودي المعاصر، والذي يفضي أيضًا إلى شرعنة إقصاء الآخر، ورفض التعددية الدينية، وإنكار أي أساس لاهوتي للحوار بين الأديان.

ومن خلال هذه المقاربة، يسعى عبد الجبار الرفاعي إلى استعادة تفكير خلاق وحدسي ورمزي، يتيح بناء تفسير جديد للوحي الإلهي. وهو يرى أن تجديدًا جذريًا للمقولات اللاهوتية وحده القادر على استعادة الطاقة الروحية للإسلام، وفي الوقت نفسه تأسيس حوار ديني صادق بين الأديان. ويهدف “علم الكلام الجديد”، في هذا الأفق، إلى القطيعة مع كل أشكال الشرعنة اللاهوتية للتمييز والعنف التي تستمد مبادئها وأسسها من علم الكلام التقليدي.

من هنا يطرح الرفاعي السؤال الآتي: هل تشكل الافتراضات الإبستمولوجية، والمقولات اللاهوتية، والغايات التي يتصورها لعلم الكلام الجديد، جهازًا لاهوتيًا فعّالًا حقًا لبناء لاهوت منفتح على الحوار بين الأديان، بوصفه السدّ الوحيد في مواجهة أخطار الصراعات الجديدة التي تغذيها القراءات المغلقة والإقصائية؟ وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ. وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها عبد الجبار الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ المؤسسة لعلم الكلام الجديد، قبل تقويم مدى قدرته الفعلية على إعادة تأسيس فضاء لاهوتي مهيأ للحوار بين الأديان.

أولًا: عجز علم الكلام عن الحوار بين الأديان

يرى عبد الجبار الرفاعي أن عجز علم الكلام عن تقديم أطر لاهوتية صالحة للحوار، سواء مع أتباع الديانات الأخرى أو مع العالم الحديث، يعود إلى عدة عوامل. فمن جهة، تحمل هذه المنظومة الكلامية تصورًا لاهوتيًا لله يقوم على منطق السيد والعبد. ومن جهة أخرى، ظلّ علم الكلام مشبعًا بوظيفته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن الإسلام وحمايته، الأمر الذي قاده كثيرًا إلى ممارسة التكفير، وهي ممارسة ما تزال آثارها حاضرة، على الأقل في الذهنيات، رغم تخلي مؤسسات أكاديمية عديدة، مثل الأزهر الشريف، عن استعمالها الصريح. كما أن مساواة علم الكلام بالدين نفسه أسهمت في تجميد الفكر اللاهوتي الإسلامي، وحكمت عليه بالتكرار المستمر، في مفارقة لافتة.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ “مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه.

هكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”، أصبح من المتعذر، بحسب عبد الجبار الرفاعي، قيام أي حوار صادق أو تعايش حقيقي. ولذلك يخلص إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويبيّن الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في بداياته.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإن كثيرًا من علماء الكلام المسلمين يرفضون اليوم أي حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من آثار في تفكيرهم اللاهوتي. المفارقة، بحسب عبد الجبار الرفاعي، أن المبرر الذي يُقدَّم لهذا الرفض يقوم على الخوف من “تغريب” علم الكلام، أي من أن يؤدي الانفتاح على فلسفات نشأت خارج الثقافة الإسلامية إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة نوع من المساواة بين علم الكلام والدين نفسه، بحيث تُعدّ كل محاولة لتجاوز المدرسة الأشعرية أو نقدها أو الانفتاح على آفاق جديدة بمثابة طعن في الدين برمته. ولهذا تُفسَّر كل معارضة بوصفها علامة على إنكار الضروري أو بدعة، حتى غدا علم الكلام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه “أشرف العلوم”، مصفوفة جامدة منغلقة على ذاتها، كثيرًا ما تحظى بدعم السلطات السياسية التي تستمد منه شرعية حكمها.

يرى الرفاعي أن الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان لا تتجاوز غالبًا حدود المجاملات واللياقات الأخلاقية من دون أثر حقيقي، لأنها تبقى خارج البنية اللاهوتية التقليدية، ولا تدفع اللاهوت الإسلامي إلى إعادة التفكير في نفسه انطلاقًا من ضرورة الحوار والاعتراف بالآخر. كما أن عجز علم الكلام عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي حكم المتكلمين الأوائل حرم اللاهوت الإسلامي من امتلاك المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. ويرى الرفاعي أن جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل كرامة الإنسان، وهي فكرة تقع في صميم تشكل الذات الحديثة وحقوق الإنسان، مع أن القرآن، بحسب رأيه، يتيح تأسيسًا لاهوتيًا واضحًا لها. ومن هنا يدافع الرفاعي عن ضرورة بناء “علم كلام جديد”، ويتساءل الكاتب عن مفاهيم هذا العلم الجديد وطبيعته ومنظومته القيمية ومنهجيته.

ثانيًا: علم الكلام الجديد، دعوة إلى قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرة محورية، إذ لا يتعلق الأمر عنده بإصلاح أو إحياء بالمعنى التقليدي، وإنما بضرورة التفكيك والقطيعة مع الرؤى اللاهوتية القديمة. فالرفاعي، وهو يفكر خارج الأسوار التقليدية، يسعى إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات الموروثة، ومن الشروح على الشروح والحواشي على الحواشي. يرى الرفاعي أن أول من استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو المفكر الهندي شبلي النعماني، غير أن الدلالة التي قصدها تختلف عن المعنى الذي يمنحه الرفاعي لهذا المفهوم اليوم. فشبلي النعماني كان يريد معالجة قضايا جديدة فرضتها الحداثة، من دون اقتراح إطار إبستمولوجي جديد للتفكير فيها. فقد انشغل موضوع “علم الكلام الجديد” لديه بقضايا مثل الانتحار، والرق، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بقصد الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي، من غير أن يفتح مسافة نقدية تجاه التصورات الكلامية عن الله، إذ بقي اشتغاله محصورًا في مستوى الشريعة، ولم يتناول بنية المعتقدات نفسها. أما هذا التحدي تحديدًا فهو ما يريد الرفاعي مواجهته. ولا يرى الرفاعي أن “علم الكلام الجديد” يمثل مدرسة مغلقة، وإنما يعدّه جزءًا من تيار عام يمتد في أثر مفكرين هنود مثل سيد أحمد خان. كما يدرج ضمن هذا التيار أسماء مثل محمد إقبال وأمين الخولي، الذي كان يؤكد أن “تطور العقائد واجب”. ويرى بعض المفكرين، مثل حسن حنفي، أن المطلوب هو ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان من أجل بناء “لاهوت للتحرر”، في حين يدعو آخرون، مثل محمد عابد الجابري، إلى توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة، بينما يرى محمد أركون ضرورة تجديد المنهج.

ويرى آخرون ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر إدخال المقاربة التاريخية النقدية مثلًا، من أجل فهم كيفية تشكّل المقولات والبُنى الفكرية الموروثة من القرون الماضية وسياقات إنتاجها. ومن ثم فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة، إذ ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في الوسط الشيعي مع مفكرين مثل: عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور. وهذه الرؤية تنقض الاعتقاد بأن الفكر الكلامي التقليدي يمثل حقيقة ثابتة ونهائية، لأن أطروحات المتكلمين، بحسب عبد الجبار الرفاعي، ليست سوى “أجوبة ظرفية” عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والظروف التي عاشوا فيها. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية تبقى بطبيعتها أسئلة أزلية، غير أن الإجابات عنها ترتبط دائمًا برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”. لذلك يرى ضرورة استيعاب “المنعطف الهرمنيوطيقي”، الذي لا يعني التحرر من الدين نفسه، وإنما التحرر من البُنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتغذي أحلام الجماعة وطموحاتها ونرجسيتها، بحيث تبقى الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية. ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد الذي دعا إليه عدد من اللاهوتيين لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه أو التحول إلى معرفة متداولة على نطاق واسع في التعليم الديني، لأن “المفكرين الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب بدع أو نزعات هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية التي تعلن حاجتها إلى التجديد، مثل الأزهر الشريف، بقي خطابها، بحسب رأيه، خطابًا بلاغيًا في معظمه، لأن علم الكلام الذي يُدرّس فعليًا ما يزال هو علم الكلام الأشعري التقليدي. كما أن كثيرًا من الداعين إلى تجديد أصول الدين لم ينجحوا في فتح الطريق نحو تفسير متجدد للوحي، مع أن هذا التفسير يمثل الشرط الضروري لكل تجديد حقيقي. ولذلك يرى الرفاعي ضرورة إنجاز جينالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح المختلفة، وتحليل أسباب إخفاقها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد على ولادة التجديد اللاهوتي المنشود وانتشاره. وفي هذا الأفق يؤكد الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد…”.

في هذا الأفق يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وتشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. ويرى أن هذا التحول الجذري وحده القادر على إتاحة فهم مختلف تمامًا للحقائق اللاهوتية. فلم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما هو غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات الدينية ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. وهذا يقتضي، بحسب الرفاعي، ممارسة جدلية نقدية حتى تجاه السلطات النصية نفسها، أي الانخراط فيما سماه غاستون باشلار “فلسفة الرفض”، حيث يتقدم العقل العلمي لا بالتأكيد وحده، وإنما أيضًا برفض المعارف السابقة وتصحيحها. ويستدعي هذا التجديد إعادة تعريف الدين ضمن أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تهتم بالإنسان في ذاتيته وقلقه الوجودي وسعيه إلى المعنى وفق حاجاته العميقة. ومن منظور تداولي وسياقي، ينبغي إعادة تعريف الدين لكي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. كما يدعو الرفاعي إلى هرمينوطيقا نقدية حية للتراث الديني، ترتكز على فلسفة دينامية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي وتدعو إلى تجدد دائم يقوم على التحليل والسياق والعقل النقدي. ويمنح الرفاعي العقل مكانة مركزية، إذ يعدّه المعيار الأساسي للحكم على الحقيقة، ويرى أنه يتقدم على النقل، لأنه يضيء الحقائق الدينية بصورة تدريجية ومتطورة تبعًا لما يتيحه تطور المعرفة الإنسانية. ومن هنا يقترح لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يقوم على فهم تطوري للحقيقة الدينية. الرفاعي لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يضعها في مواجهة العقل والتجربة الإنسانية. كما أن العقل نفسه ليس ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم ومعرفة الإنسان بذاته وبالعالم. ولذلك تبقى الحقيقة الدينية، بحسب هذا التصور، حقيقة جزئية تتكشف تدريجيًا، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو ثابتة للعقائد. العقائد ليست مطلقات مغلقة، وإنما صيغ مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي وُلدت فيه. لهذا يرفض “علم الكلام الجديد” بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات الكلاسيكية ونهائيتها، ويدعو بدلًا من ذلك إلى هرمينوطيقا مفتوحة تأخذ بعين الاعتبار نضج الوعي الإنساني وتطوره المستمر.

يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بُعديه الإلهي والإنساني، والتخلي عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي. كما يدعو إلى استبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بصورة العلاقة القائمة على المحبة، مع التأكيد على أن الله هو الذي يبادر إلى الحب، وأن الإنسان يمتلك الحرية في الاستجابة لهذا الحب. ومن هنا يطرح الرفاعي إعادة تشكيل وجدانية وتفاعلية للعلاقة بالله، تستلهم التصوف الإسلامي، وترتكز على أن الإنسان قادر على أن يحب ويُحب من الله، وعلى أن المبادرة الإلهية بالمحبة تشكل أساس هذه العلاقة، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. وينبثق من هذا التصور ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية”، تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني، بحسبه، هو صورة أنثروبولوجية تنطلق من الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الثقافي أو الإيديولوجي. ولذلك لا يختزل الرفاعي “الإنسان القرآني” في صورة “المسلم التقي” بالمعنى الضيق، وإنما يراه كل إنسان يحمل، في ضوء القرآن، كرامة أنطولوجية، واستعدادًا روحيًا، وقابلية للحوار. إنه نموذج إنساني كوني، منفتح ومتعدد، يقوم على مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تتأسس على الانتماء المذهبي أو الطاعة لأحكام فقهية بعينها، وإنما على الاعتراف بالإنسان حاملًا لجوهر مشترك لا يُنتهك، يتجاوز كل الانتماءات الطارئة. ومن هنا يمثل هذا التصور قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي، الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد، على حساب الكرامة والحرية والاستخلاف في الأرض. ومع أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بأنه ضعيف وجحود ومغرور، فإن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات إمكانًا معاكسًا، إذ يرى أن الإنسان، رغم ضعفه وهشاشته، يمتلك القدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتجلى في “الاستخلاف”، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، ويمثل “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. وهكذا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يخضع الإنسان لأوامر قهرية، ويدعو بدلًا من ذلك إلى بناء صلة تتأسس على الحب المتبادل.

ويدعو عبد الجبار الرفاعي إلى بناء “أنطولوجيا إنسانية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة الدائمة لتطلعاته المتجددة. ويقتضي هذا التصور التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل، وبين القيم الأخلاقية الكونية ذات الطابع الإنساني العام. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يستلزم منهجًا يدمج البعد النقدي والتعددي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الانتباه إلى التجربة المعيشة وتعقيد السياقات المعاصرة، ولذلك تتخذ هذه المقاربة موقفًا مضادًا للحرفية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد استعمال المخيال الديني وضبطه، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى وتفكك مسلّماته، من أجل الحيلولة دون تحوله إلى أداة اغتراب أو هيمنة. كما يشجع على اعتماد مقاربة مقارنة بين الأديان، وعلى دراسة كيفية تشكّل مؤسساتها الدينية وتطورها التاريخي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل موقعًا مركزيًا في كتاباته، فإن تحديد معالمه وتعليمه يمثلان أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”. فلم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى من أجل الرد عليها أو التحصن ضدها أو تفنيدها، وإنما دراستها لاكتشاف قيمها الإنسانية المشتركة، وتأسيس حوار بنّاء يحترم الآخر. ومن هنا يتضح أن “علم الكلام الجديد” يجعل الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي. غير أن الكاتب يطرح في النهاية سؤالًا حاسمًا: كيف يدرس هذا اللاهوت الجديد الآخر فعليًا؟ وكيف ينظر إلى تاريخ الأديان الأخرى وأشكال تدينها المختلفة؟ وكيف يوفق بينها وبين الإسلام ورسالته الكونية؟

ثالثًا: مكانة الآخر والأديان الأخرى في “علم الكلام الجديد”، أساس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي أن دراسة الأديان تقتضي أولًا القيام بمراجعة نقدية داخلية تكشف ما في الدين ذاته من عناصر قد تُنتج خطاب كراهية تجاه الآخر، أو سبق أن أفضت تاريخيًا إلى ذلك. ويرى أن هذا الوعي ضروري لحماية الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية” التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية جذابة، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع إلى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة نقد ذاتي متواضع، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الدين، في تجلياته التاريخية، لم يكن دائمًا وفيًا لوعوده الإنسانية أو لقيمه الأخلاقية العليا.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط عبد الجبار الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ”مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه. وهكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”.

ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية” في مواجهة سائر الفرق المحكوم عليها بالنار، لا يستطيع علم الكلام، بحسب عبد الجبار الرفاعي، إلا أن يُفشل كل محاولة صادقة للحوار والتعايش. ولذلك يخلص الرفاعي إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويشرح الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في القرون الأولى والفلسفة القديمة، وكذلك المسيحية واليهودية.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإنّ كثيرًا من اللاهوتيين المسلمين اليوم يرفضون أيّ حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وبهذا الموقف يعجزون عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من دلالات في تأملاتهم الفكرية. والحجة التي يسوقونها لتبرير هذا الرفض لا تخلو من مفارقة؛ إذ يرون في الانفتاح على الفلسفات المنبثقة من ثقافة غير إسلامية خطر “تغريب” علم الكلام، بما قد يفضي إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة، بحسب المؤلف، نوعٌ من المماثلة بين علم الكلام والدين نفسه. وضمن هذا التصور، تُعدّ كل محاولة للانفتاح، أو للتجاوز، أو لنقد المدرسة الكلامية الأشعرية، التي تهيمن اليوم على العالم السني إلى حدّ بعيد، ضربًا من التشكيك في الدين برمّته، لذلك تُفسَّر كل معارضة بوصفها تعبيرًا عن نزعة إنكارية لدى “منكر للضروري”، أو عن بدعة تصدر عن “مبتدع”. وهكذا أصبح علم الكلام، الذي يُنظر إليه بوصفه “العلم الأعلى رتبة”، والذي تتوقف عليه حركة تطور سائر العلوم، بنيةً جامدةً منغلقةً على ذاتها، وغالبًا ما يحظى بدعم السلطات السياسية التي يستند إليها في إضفاء الشرعية على سلطانها. وانطلاقًا من ذلك، يرى الرفاعي أنّ كل الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان ليست سوى جلسات مجاملة ولطف لا تترك أثرًا حقيقيًا. فهذه الدعوات السخية تبقى خارج البنية اللاهوتية الكلاسيكية، ولا تتيح لعلم الكلام أن يعيد التفكير في نفسه على ضوء ضرورة الحوار الديني والاعتراف بالآخر. إنّ هذا العجز عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي تشكّل داخله علم الكلام لدى المتكلمين الأوائل يحرم اللاهوت الإسلامي من المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي أثارها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. كما أنّ جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل قضية الكرامة الإنسانية، وهي فكرة تقع في قلب تشكّل الذات الحديثة، وتشكل أساس حقوق الإنسان، مع أنّ الرفاعي يرى إمكان تأسيسها لاهوتيًا في القرآن الكريم. ولهذا السبب يدعو الرفاعي إلى “علم كلام جديد”، غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مفاهيم هذا العلم الجديد؟ وما طبيعته، ومنظومته القيمية، ومنهجه؟

رابعًا: علم الكلام الجديد: مرافعة من أجل قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة التجديد “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرةً جوهرية في مشروعه الفكري، فهو لا يقصد بها الإصلاح “الإصلاح”، ولا الإحياء “الإحياء”، وإنما يحيل بها إلى ضرورة تفكيك الرؤى اللاهوتية القديمة والقطيعة مع أنماط التفكير الكلامي الموروث. ومن خلال التفكير خارج الأسوار التقليدية، يسعى الرفاعي إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد الجامدة والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات المستعادة، ومن الشروح على الشروح، والحواشي على الحواشي، والتعليقات التي لا تنتج معرفة جديدة. فالتجديد عنده لا يكتفي بإعادة صياغة الخطاب الديني، وإنما يطمح إلى إعادة بناء أفق التفكير الديني نفسه، والانفتاح على أسئلة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي وحاجته إلى المعنى.

ويرى الرفاعي أن أول متكلم استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو شبلي النعماني (1878-1914)، غير أنّ المعنى الذي قصده النعماني يختلف عمّا يقصده الرفاعي اليوم. فقد أراد النعماني معالجة قضايا حديثة ترتبط بالتحولات الاجتماعية والسياسية للعصر الحديث، من دون أن يقترح إطارًا إبستمولوجيًا جديدًا للتفكير الديني، لذلك انشغل علم الكلام الجديد عنده بموضوعات مثل الانتحار، والعبودية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بهدف الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي وحمايته من النقد الحديث. ولهذا بقي مشروعه في حدود الشريعة والأحكام، ولم يمتد إلى مساءلة البنية العميقة للعقائد أو نقد التصورات التقليدية عن الله والوحي والإنسان والعالم. أما الرفاعي، فيرى أن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا تحديدًا: من إعادة التفكير في أنماط الفهم الموروثة، وتحرير الدين من الانغلاق الكلامي والفقهي الذي عطّل أبعاده الروحية والأخلاقية والجمالية. ولا يشير “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي إلى مدرسة مغلقة أو مذهب محدد، وإنما يندرج ضمن تيار فكري واسع تشكل في العالم الإسلامي الحديث، ويمتد في أثر مفكرين مثل السيد أحمد خان (1817-1898)، وقاسم النانوتوي (1833-1880). ويمكن إدراج أسماء عدد من المفكرين ضمن هذا الأفق، مثل محمد إقبال (1877-1938)، الذي حاول إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام على ضوء الفلسفة الحديثة، أو أمين الخولي (1895-1966)، الذي أكد أن “تطور العقائد واجب”، في إشارة إلى أن العقائد ليست معطيات جامدة خارج التاريخ، وإنما تتطور تبعًا لتحولات وعي الإنسان وخبرته بالعالم. كما يلتقي هذا التيار مع مشاريع متعددة في الفكر العربي والإسلامي الحديث؛ فالفيلسوف المصري حسن حنفي (1935-2021) دعا إلى ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان نحو “لاهوت للتحرر”، بينما رأى الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) ضرورة توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة ونقد البنية المعرفية للعقل العربي. أما محمد أركون (1928-2010)، فقد شدد على ضرورة تجديد مناهج دراسة الفكر الديني، والانفتاح على علوم الإنسان الحديثة، وتفكيك السياجات المغلقة التي فرضها التراث الكلامي والفقهي على فهم الدين.

وفي هذا الأفق يتحرك مشروع الرفاعي، ساعيًا إلى تأسيس فهم للدين ينحاز إلى كرامة الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية، ويحرر الإيمان من القوالب الجامدة التي أفقدته قدرته على إرواء “الظمأ الأنطولوجي” للإنسان المعاصر.

كما يرى بعض المفكرين، وفي مقدمتهم محمد أركون، ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر توظيف المقاربة التاريخية النقدية لفهم ظروف نشوء المفاهيم والمقولات الفكرية الموروثة وإنتاجها في سياقاتها التاريخية والثقافية. لذلك فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة تمامًا، فقد ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في العالم الشيعي مع مفكرين مثل محمد مجتهد شبستري، ومحسن كديور، ومصطفى ملكيان. وقد جاءت هذه المشاريع لتفنّد الادعاء القائل بثبات الحقيقة الكلامية التقليدية وكونها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة، ذلك أن أطروحات المتكلمين لا تمثل، بحسب عبد الجبار الرفاعي، سوى “أجوبة ظرفية عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والشروط المختلفة التي عاشوا فيها”. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية ذات طبيعة أزلية، غير أن الإجابة عنها تبقى مرتبطة برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”، أي ذلك المخزون الثقافي والتاريخي الكامن الذي يوجّه التفكير ويصوغ أنماط الفهم من غير وعي مباشر به. لذلك يرى الرفاعي ضرورة الانتباه إلى المنعطف الهرمنيوطيقي، الذي يمثل في نظره تحريرًا، لا من الدين نفسه، وإنما من البنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتُبقي الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها عن ذاتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية، حتى تغدو عاجزة عن رؤية الواقع خارج تلك الصور المتخيلة.

ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد، على الرغم من الدعوات الكثيرة إليه، لم ينجح حتى اليوم في أن يفرض حضوره الواسع في المؤسسات التعليمية والدينية. فهؤلاء “المفكرون الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بريبة، وكأنهم أصحاب نزعات متمردة أو هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية الكبرى، مثل جامعة الأزهر، التي تعلن الحاجة إلى التجديد، بقي خطابها ـ بحسب الرفاعي ـ محصورًا في مستوى بلاغي وشعاراتي، بينما ظل التعليم الفعلي قائمًا على تدريس علم الكلام الأشعري التقليدي كما هو. كذلك فإن كثيرًا من المفكرين الذين دعوا إلى تجديد أصول الدين لم يتمكنوا من فتح الطريق نحو تفسير جديد للوحي، مع أن تجديد فهم الوحي يمثل الشرط الحاسم لأي تجديد حقيقي في التفكير الديني.

ومن هنا يؤكد الرفاعي ضرورة إنجاز جينيالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح السابقة، وتحليل أسباب تعثرها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تمهد لولادة تجديد لاهوتي أكثر عمقًا وتأثيرًا. وفي هذا السياق، يرى الرفاعي أن على اللاهوت الإسلامي أن يُحدث قطيعة إبستمولوجية مع أنماط التفكير الموروثة، من أجل بناء “فهم جديد للدين”، فهمٍ ينفتح على تحولات المعرفة الحديثة، ويعيد قراءة الوحي والعقيدة والإنسان والعالم في ضوء خبرة الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية الجديدة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن هذا التحول يقتضي بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وإعادة تشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. فهذا التحول الجذري وحده يتيح فهم الحقائق اللاهوتية بطريقة مغايرة جذريًا. ولم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما يُعدّ غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. لذلك يدعو الرفاعي إلى إقامة علاقة جدلية نقدية مع السلطات النصية والتراثية، والانخراط فيما يشبه “فلسفة الرفض” التي صاغها غاستون باشلار، حيث تتقدم المعرفة العلمية لا عبر الإثبات وحده، وإنما أيضًا عبر نقد المعارف السابقة وتصحيحها وتجاوزها. ويتحقق هذا التجديد، بحسب الرفاعي، من خلال إعادة تعريف الدين في أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تنشغل بالشرط الإنساني، وبالذات في قلقها وسعيها إلى المعنى تبعًا لحاجاتها الوجودية. ومن منظور سياقي وعملي، ينبغي إعادة تعريف الدين كي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. لذلك يقترح الرفاعي هرمنيوطيقا نقدية وحية للتراث الديني، تستند إلى فلسفة ديناميكية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي، وتؤسس لتجدد دائم يقوم على التحليل والتأويل والسياق والعقل النقدي. فالعقل “العقل” عنده هو معيار الحكم على الحقيقة، وهو متقدم على النقل “النقل”. والعقل لا يكتشف الحقائق الدينية دفعة واحدة، وإنما ينيرها تدريجيًا تبعًا لتطور المعارف التي يكتسبها الإنسان. لذلك يؤسس الرفاعي لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يرتكز على فهم تطوري للحقيقة الدينية. ومن خلال تقديمه العقل على النقل، لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يعرضها على العقل والخبرة الإنسانية. والعقل نفسه ليس معطًى ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم وعلم النفس ومعرفة الإنسان لنفسه وللعالم. ولهذا تبقى الحقيقة الدينية دائمًا جزئية ومنفتحة على التحقق التدريجي، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو مطلقة لا تقبل المراجعة. فالعقائد لم تعد تُفهم بوصفها حقائق أبدية مكتملة، وإنما بوصفها صيغًا مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي تشكلت فيه. لذلك يرفض “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات التقليدية ونهائيتها، ويدعو إلى هرمنيوطيقا مفتوحة تراعي النضج المتزايد للوعي الإنساني. وفي هذا الأفق يضع الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر.

ويضع عبد الجبار الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر: إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بعديه الإلهي والإنساني، والكف عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي؛ واستبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بعلاقة تقوم على المحبة؛ وإبراز أن الله هو الذي يبتدئ المحبة، وأن الإنسان يمتلك القدرة على الاستجابة لها بحرية. ومن هنا يدعو الرفاعي إلى إعادة تشكيل العلاقة بالله على أساس وجداني تفاعلي، يستلهم التصوف الإسلامي، ويرتكز على أن الإنسان كائن قادر على أن يُحب ويُحبَّه الله، وأن المبادرة الإلهية بالمحبة تسبق استجابة الإنسان، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. ويترتب على ذلك ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية” تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني عنده هو صورة أنثروبولوجية تستند إلى الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، خارج كل انتماء أيديولوجي أو ديني أو ثقافي ضيق. لذلك لا يقصد الرفاعي بالإنسان القرآني “المسلم التقي” بالمعنى الفقهي المغلق، وإنما كل إنسان يُنظر إليه في ضوء القرآن بوصفه حاملًا لكرامة أنطولوجية، وطاقة روحية، وقابلية للحوار. إنه مثال إنساني كوني، مفتوح ومتعدد، يتمحور حول مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تستند إلى الانتماء الطائفي أو الامتثال لأحكام قانونية محددة، وإنما إلى الاعتراف بالإنسان بوصفه حاملًا لجوهر إنساني مشترك، لا يجوز انتهاكه، ويتجاوز كل الانتماءات العارضة. وتمثل هذه الرؤية قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد والخضوع، على حساب كرامته وحريته ووظيفته الاستخلافية في الأرض.

صحيح أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بوصفه كائنًا ضعيفًا وجحودًا ومغرورًا، غير أن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات، بخلاف القراءة الكلامية التقليدية، تأكيدًا على إمكان مضاد يسكن الإنسان نفسه؛ فالإنسان، على الرغم من ضعفه وهشاشته، يمتلك قدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتمثل في الاستخلاف، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، والذي يعدّه الرفاعي “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. ومن هنا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يفرض على الإنسان أوامر قهرية، ويقترح بدلًا منها فهمًا لعلاقة الله بالإنسان يقوم على الرحمة والمحبة والحرية والكرامة الإنسانية.

ومن هنا يعمل عبد الجبار الرفاعي على بناء ما يسميه “كينونة وجودية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة لتطلعاته المتجددة باستمرار. وتقتضي هذه الرؤية التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل التاريخية، وبين القيم الأخلاقية الكونية التي تتجاوز تلك الظروف وتحتفظ بطابعها الإنساني الشامل. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يفرض اعتماد منهج يدمج البعد النقدي والتداخلي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الإصغاء إلى الخبرة الحية وتعقيد السياقات المعاصرة. لذلك تتخذ مقاربته موقفًا مناهضًا للحرفية، وتسعى إلى تحرير النصوص الدينية من القراءة الجامدة التي تفصلها عن شروطها التاريخية والإنسانية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد المخيال الديني وضبط استعمالاته، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى، وتفكك المسلمات الخفية التي تتحكم في الفهم الديني، من أجل الحيلولة دون توظيف الدين بطريقة اغترابية أو استلابية. كما يؤكد أهمية المقاربة المقارنة بين الأديان، ومعرفة الكيفية التي تشكلت بها مؤسساتها الدينية وتاريخها التأويلي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل مركز الصدارة في كتاباته، فإنه يمثل أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”، إذ لم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى بهدف الرد عليها أو التحصن منها أو دحضها، وإنما دراستها لاكتشاف ما تنطوي عليه من قيم إنسانية كونية، وتأسيس حوار يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر. ومن هنا يغدو الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي عند الرفاعي، لأنه ينظر إلى الآخر لا بوصفه تهديدًا للعقيدة، وإنما بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى والحقيقة والكرامة الإنسانية.

خامسًا: مكانة الغيرية والأديان الأخرى في علم الكلام الجديد: أسس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة القيام، قبل دراسة الأديان، بجردٍ نقدي يكشف ما يمكن أن يتضمنه الدين الخاص بالإنسان من عناصر أسهمت، أو يمكن أن تسهم، في إنتاج خطابات كراهية تجاه الآخر. فهذه اليقظة النقدية ضرورية، في نظره، لتحصين الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية فاتنة”، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع حتى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة مراجعة داخلية متواضعة للذات، لأن الحوار بين الأديان لا يتحقق إلا حين يعترف كل دين بأن تمثلاته التاريخية لم تكن دائمًا وفية لوعوده الإنسانية، ولا منسجمة على الدوام مع القيم الروحية والأخلاقية التي يحملها في جوهره.

ومن منظور بنّاء، يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى الاعتراف بأن “لا دين يحتكر وحده المحبة، أو الحريات، أو الحقوق، أو احترام الكرامة الإنسانية، كما لا يوجد تاريخ ديني خالٍ من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة”. غير أن هذا العمل النقدي في استعادة الذاكرة ومراجعتها، على الرغم من كونه “واجبًا أخلاقيًا”، لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يترافق مع دراسة لاهوت الأديان الأخرى. وهذه المقاربة نادرة، غير أنها موجودة، ويشير الرفاعي في هذا السياق إلى أبحاث وليد البعاج حول اليهودية. ويرى أن دراسة الأديان الأخرى تمثل شرطًا للحوار الأصيل، لأن معرفة الآخر في عمق إيمانه، وفي طريقته في الحديث عن الله، تسهم في تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تنتجها التقاليد المغلقة، والتي تتحول غالبًا إلى مصدر للتعصب والإقصاء. فالالتباسات والأحكام السلبية تجاه المختلف تُفضي دائمًا إلى مواقف إقصائية ترفضه وتنفيه. ولا تتوقف الدراسة المقارنة للأديان عند مجرد إبراز التشابهات أو القيم المشتركة، وإنما تنخرط في دينامية أعمق، لأنها تدفع الإنسان إلى نوع من التوغل في عالم إيمان الآخر، وفي نصوصه ورموزه وتجربته الروحية. وهذا “الانغماس” لا يوسّع الأفق المعرفي فحسب، وإنما يدخل في حوار داخلي مع إيمان الإنسان نفسه، ويكشف قدرة الأديان على بناء الصلة الإنسانية، وإنتاج أخلاق للعلاقة، وفتح فضاء مشترك للتفاهم. لذلك يشدد الرفاعي على الوظيفة التحويلية العميقة للدراسة المقارنة، التي لا تهدف إلى إقامة تراتبية بين الأديان، وإنما إلى الكشف عن غنى كل تجربة دينية وفرادتها. فلا يتعلق الأمر بتنصيب دين ما معيارًا للحقيقة المطلقة أو للكمال الذي ينبغي أن تخضع له بقية الأديان، وإنما بالدخول في منطق التعايش. ومن هنا يرى أن “الدراسة المقارنة للأديان تسهم في ترسيخ العيش المشترك، لأنها تؤسس لقبول الاختلاف العقدي والثقافي، وتفتح أفقًا لاحترام حق الاختلاف، واحترام من لا تشبهنا معتقداتهم وثقافاتهم”. ويؤكد الرفاعي أن هذا النمط من الانفتاح المعرفي والتربوي لا يمكن أن يتشكل داخل أفق علم الكلام التقليدي، كما يتجلى في نموذج محمد جواد البلاغي (1865-1933)، الذي درس الأديان الأخرى بهدف مقارنتها بالإسلام والكشف عما يراه تحريفًا فيها. لذلك فإن تأسيس لاهوت إسلامي للحوار يقتضي، مرة أخرى، مغادرة الأطر التقليدية لعلم الكلام، والانتقال من المقارنة الدفاعية المغلقة إلى المقاربة المقارنة المنفتحة التي تبحث عن الفهم لا عن الإدانة، وعن التعارف لا عن التفوق والإقصاء.

وفي هذا الأفق، تتحول دراسة الأديان عند عبد الجبار الرفاعي إلى فعل أخلاقي، وإلى التزام بالاعتراف بالآخر في فرادته وتميزه. فهي تدعو إلى النظر إلى كل تقليد ديني لا بوصفه منظومة مغلقة على ذاتها، وإنما بوصفه منبعًا لطاقة روحية وأخلاقية قادرة على الإسهام في السلام الاجتماعي. كما أنها لا تحبس المؤمنين داخل صورة جامدة من الماضي، وإنما تكشف الطاقة الخاصة بكل إيمان: قدرته على إنتاج المعنى، وإحداث التحول الداخلي، وبناء الجماعات الإنسانية. وهذه الطاقة لا تظهر عبر اختزال الأديان في صيغة واحدة، ولا عبر إذابة الفروق بينها، وإنما عبر مجاورة تأويلية تحترم خصوصية كل تجربة دينية. ومن هنا فإن المقارنة بين الأديان لا تعني حيادًا باردًا أو مسافة معرفية جافة، وإنما تُشرك المؤوِّل في تجربة اعتراف متبادل، حيث لا يمكن فهم أي دين فهمًا حقيقيًا إلا من خلال انفتاحه على الأديان الأخرى وتفاعله معها. لذلك يؤكد الرفاعي أن الإنسان لا يعرف دينه معرفة عميقة إلا حين يضعه في أفق الأديان الأخرى. وهذه المقاربة لا تنتهي إلى نسبية تلغي الحقيقة، ولا إلى توحيد قسري للمعتقدات، وإنما تكشف الحيوية المعقدة للظاهرة الدينية، وقدرتها على حمل المعنى للإنسانية كلها. غير أن مقاربة الرفاعي للآخر والأديان لا تصدر عن موقع “فيلسوف الأديان” بالمعنى الأكاديمي المحايد، وهو يحرص على التنبيه إلى ذلك، وإنما تصدر عن موقع “المتكلم الجديد”، أي المؤمن الذي يسعى إلى تجديد صورة الله والدين بحيث تصبح صورة سلام وسكينة. فالمتكلم الجديد، بحسب الرفاعي، “يحرر صورة الله من كل استعمال يجعلها ذريعة لسفك الدماء، أو اضطهاد الناس، أو إرهابهم، أو استنزاف طاقات البناء والتنمية”. ومن أجل ترسيخ هذه الرؤية يستند الرفاعي إلى تعليم محيي الدين بن عربي، وخاصة مفهومه عن “وحي النبوة العامة”، أي إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية عبر التجربة الوجودية والحدس الروحي، من غير أن تكون مرتبطة بالضرورة بوحي تشريعي أو بكتاب منزل. وهذه الإحالة إلى ابن عربي ليست هامشية في فكر الرفاعي، فهو يرى فيه مصدرًا يساعد على “بناء فهم للوحي لا يضحي بمضمونه الميتافيزيقي المتعالي، وفي الوقت نفسه يتحرر من القوالب المغلقة للفهم الكلامي”. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا من قراءة ابن عربي، يعترف الرفاعي بأنه اكتشف فيه معلمًا يفتح أفق “لغة أخرى للإسلام”، لغة تتجاوز الانغلاق العقدي، وتنفتح على التجربة الروحية والبعد الوجودي للدين. ففي رؤية ابن عربي، كما يقرأها الرفاعي، يظهر “الدور الوجودي للدين” بوصفه حاجة ملازمة للإنسان في كينونته، لا تتحقق إلا من خلال الصلة الوجودية بالله. وعلى ضوء هذا التعليم يؤسس الرفاعي ملامح لاهوت تعددي منفتح على الأديان الأخرى، سواء أكانت أديانًا كتابية أم غير كتابية. وفي تفاعل مع تعليم ابن عربي، ومن منظور أكثر فلسفية، يحاول الرفاعي، مستعينًا بالفلسفة الحديثة، البرهنة على استحالة اختزال الحقيقة الدينية في تمثيل واحد مغلق أو احتكارها داخل حدود جماعة بعينها.

ويرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان يعجز عن امتلاك الحقيقة الإلهية امتلاكًا مطلقًا، كما يعجز عن الإحاطة الكاملة بها. ومن هنا يستنتج أن هذا العجز نفسه يفسر تعدد التقاليد الدينية ويبرره، لأن كل دين يمثل محاولة نسبية لبلوغ حقيقة إلهية تتجاوز الجميع. لذلك يؤكد الرفاعي أن فرض دين واحد على البشرية أمر مستحيل واقعيًا وتاريخيًا، إذ “لم تتوحد الإنسانية يومًا حول دين واحد، ولو حاول دين ما احتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضوره عبر القضاء على أتباع الأديان الأخرى، فلن ينجح في ذلك”. ومن هنا يدافع الرفاعي عن “إبستمولوجيا التواضع”، التي تتجلى خصوصيتها في جمعها بين التفكير الميتافيزيقي، والتصوف، وعلوم الدين المعاصرة. كما أن إدماج الأديان الأخرى وطاقاتها الروحية في بناء لاهوت إسلامي للغيرية والحوار يستند أيضًا إلى ثورة أنثروبولوجية وأخلاقية.

وفي هذا السياق يصوغ الرفاعي مفهوم “الإنسانية الإيمانية”، ويقصد به رؤية تعتبر أن الغاية الأساسية للإيمان هي خدمة الإنسان بما هو إنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني. ويندرج هذا المفهوم ضمن أخلاق إنسانية غائية يعمل الرفاعي على بنائها في ضوء الفلاسفة والمفكرين الذين يستند إليهم. فهذه الأخلاق، التي تتمحور حول خير الإنسان، تتضمن بعدًا نفعيًا من جهة، لأن قيمة الأفعال تُقاس بنتائجها وآثارها النافعة على البشر، كما تتضمن بعدًا كانطيًا من جهة أخرى، لأنها تؤكد القيمة الذاتية للإنسان، بغض النظر عن معتقداته وآرائه. وعلى خطى إيمانويل كانط، يرى الرفاعي أن الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة. ومن منظور علم الكلام الإسلامي، تمثل هذه الرؤية قطيعة مع الأشعرية التي تجعل معيار الخير مستندًا إلى الوحي لا إلى العقل. لذلك يعيد الرفاعي إحياء الحدوس المعتزلية المتعلقة بإمكان معرفة الخير بالعقل، وينتقد التصورات الإقصائية للخلاص والقيمة الدينية للأفعال، وينحاز إلى لاهوت رحمة يتمحور حول الإنسان في ذاته، لا حول انتمائه العقدي. ومن هنا تقف “الإنسانية الإيمانية” على الضد من كثير من التصورات الكلامية التقليدية التي تشترط صحة الفعل الأخلاقي بانتماء صاحبه إلى العقيدة الإسلامية. فالخير عند الرفاعي لا يستمد قيمته من الإيمان وحده، وإنما من كونه يحقق خير الإنسان وكرامته. لذلك تسبق الإنسانية الهوية الدينية، ويصبح الإنسان، بما هو إنسان، موضوع الأخلاق الأول. وهذه الفكرة تمتلك جذورًا داخل التراث العقلي الإسلامي نفسه، وخاصة في الفكر المعتزلي، الذي يرى أن العقل البشري قادر بذاته على إدراك الحسن والقبح، أو ما يعرف بمبدأ “الحسن والقبح العقليين”. وقد شكل هذا المبدأ أحد الأسس الكبرى للأخلاق المعتزلية، لأن الفعل الحسن عندهم لا يكتسب قيمته فقط من الأمر الإلهي، وإنما من كونه حسنًا في ذاته، ومدركًا بالعقل الإنساني.

فالفعل الحسن، في الرؤية المعتزلية التي يستلهمها عبد الجبار الرفاعي، ليس حسنًا لأن الله أمر به، وإنما يأمر الله به لأنه حسن في ذاته. وهذه الرؤية تقطع مع التصور الإرادوي والوضعي للخير كما يظهر في الأشعرية، حيث لا يكتسب الفعل صفة الخير إلا من خلال الأمر الإلهي. ومن خلال تعريفه للفعل الأخلاقي بوصفه كل جهد يسعى إلى تحسين حال الإنسان وخدمته، بصرف النظر عن عقيدته، يحاول الرفاعي الاستجابة لتحديات التعددية الدينية والأخلاق الكونية في العالم المعاصر. لذلك لم يعد لاهوته ينطلق من عدالة الله فحسب، وإنما من الكرامة غير المشروطة للإنسان. ومن هنا لا يمثل مشروعه مجرد عودة إلى الاعتزال، وإنما تجاوزًا له نحو “الإنسانية الإيمانية”، حيث تصبح غاية الإيمان خدمة العالم والإنسان، لا تبرير خلاص احتكاري مغلق. وانطلاقًا من هذه الرؤية للآخر، ومن إدماجه في بنية “علم الكلام الجديد”، ومن الأسس الصوفية والعقلانية التي يستند إليها، يخلص الرفاعي إلى أن الحوار بين الأديان ينبغي ألا يبقى محصورًا في حدود المجاملات والعلاقات العامة، وإنما يتحول إلى “حوار بنّاء ومثمر، يحمل أسس السلام ومبادئ العيش المشترك”.

سادسًا: تقييم نقدي للاهوت الحوار بين الأديان في الفكر الإسلامي عند عبد الجبار الرفاعي

يتضح من تحليل أعمال عبد الجبار الرفاعي أن مشروع “علم الكلام الجديد” الذي يتبناه يعكس إرادة واضحة للإسهام في الحوار بين الأديان، من خلال فتح التفكير اللاهوتي على سؤال الغيرية وإدماجه في بنيته الداخلية. فمن خلال كتاباته يسعى الرفاعي إلى القطيعة النهائية مع النزعات الاعتذارية الإقصائية، ومع أحكام التكفير واللعن الموروثة من علم الكلام التقليدي، ومع “احتكار الرحمة الإلهية والادعاء بحصر الخلاص في دين واحد أو فرقة واحدة أو جماعة واحدة”. وفي قلب هذا المشروع تقوم لاهوتية للكرامة الإنسانية، تستند إلى ما يسميه “الإنسان القرآني” أو “الإنسانية الإيمانية”. وهذه الكرامة، التي يعدّها قيمة أولى، تتجذر في النص القرآني، ولاسيما في الآيات التي تؤكد تكريم الإنسان، مثل قوله تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم”. ومن خلال هذا الأساس يؤسس الرفاعي لفكرة المواطنة بوصفها انتماءً مشتركًا إلى فضاء وطني واحد يجمع مؤمنين من ديانات ومذاهب متعددة، مستخرجًا هذا المعنى من الإمكانات الكامنة في القرآن من غير الوقوع في إسقاطات تاريخية متعسفة. لذلك يدعو إلى إعادة قراءة القرآن في ضوء كثافته الدلالية وتعدد معانيه، تبعًا لاختلاف السياقات وتطور الوعي البشري. كما أن التمييز الذي يقيمه بين “الوجه الإلهي الكوني” للقرآن و”الوجه البشري الظرفي” يسمح له بالخروج من القراءة الحرفية والتفسير التقليدي المغلق، ويفتح أفقًا تأويليًا جديدًا للنص الديني.

وتمنح هذه المقاربة شرعية للقراءات التعددية لبعض الآيات القرآنية، في تعارض كامل مع القراءات التقليدية المغلقة. غير أن عبد الجبار الرفاعي، على الرغم من ربطه مفهوم “الإنسان القرآني” بمفهوم “الفرد”، الذي يعدّه أساسًا للتعددية الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، لا يقوم بتفكيك الخلفيات الفلسفية الغربية التي يستند إليها هذا المفهوم تفكيكًا كافيًا، مثل الاستقلال الذاتي، والوعي التأملي، والحق الذاتي. ويترتب على ذلك نوع من إضفاء الطابع الجوهري على الفرد بوصفه حاملًا كونيًا للكرامة، بما يقلل من أهمية الوساطة الجماعية والتقاليد الدينية في تشكيل علاقة الإنسان بالله. فالفرد عند الرفاعي يبدو سابقًا على العلاقة الدينية نفسها، وهو ما يحدّ من إمكان بناء تصور حواري متجذر فعلًا في تنوع التقاليد الدينية وتجاربها التاريخية. لذلك يرى هذا النقد أن مشروع الرفاعي، حتى وإن حاول الدفاع عن طابعه اللاهوتي، يقترب أكثر من فلسفة الدين منه إلى “لاهوت الأديان” بالمعنى الدقيق، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الإنسان يتشكل داخل العلاقات التي ينتمي إليها، سواء أكانت تقاليد، أم جماعات، أم سرديات مؤسسة للهوية والمعنى. أما في ما يتعلق بتوظيفه للتصوف، فإن الرفاعي يستثمر مفاهيمه من أجل تأسيس رؤية منفتحة على الأديان الأخرى، مستلهمًا بصورة خاصة محيي الدين بن عربي ومفهومه عن “وحي النبوة العامة”، الذي يشير إلى إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية خارج حدود الوحي التشريعي والكتاب المنزل.

ومن خلال هذا التصور يفتح الرفاعي “علم الكلام الجديد” على تقاليد دينية متعددة، سواء امتلكت وحيًا كتابيًا أم لم تمتلك، بحيث لا تبقى الغيرية الدينية محصورة في “أهل الكتاب” وحدهم. وهذه الفكرة تتيح الاعتراف بإمكان حضور الحقيقة الإلهية في أديان وتجارب روحية مختلفة. غير أن السؤال الذي يطرحه هذا النقد يتمثل في مدى نجاح الرفاعي في تحويل هذه الإمكانية النظرية إلى بناء لاهوتي متكامل. فهو، وإن كان يضع مفاهيم واتجاهات مستمدة من القرآن والتصوف لتأسيس هذا الأفق، لا يطوّرها دائمًا بصورة منهجية مكتملة. كما أن استناده المتكرر إلى ابن عربي يثير إشكالًا منهجيًا، لأن اقتباساته، على الرغم من غناها، تُنقل غالبًا خارج سياقاتها التاريخية والنصية، الأمر الذي يمنحها طابعًا تجريديًا ومفارقًا لسياقاتها الأصلية، ويجعل إعادة توظيفها محكومة أحيانًا بأفق معاصر أكثر من ارتباطها بالبنية الفكرية الكاملة لابن عربي نفسه.

وبعبارة أخرى، يرى هذا النقد أن عبد الجبار الرفاعي يطبّق في قراءته لـمحيي الدين بن عربي نوعًا من المنهج “الأصولي”، وهو المنهج نفسه الذي ينتقده عند المتكلمين المعاصرين المرتبطين بعلم الكلام التقليدي، لأن اقتباساته لابن عربي تُستعمل أحيانًا بصورة انتقائية ومنفصلة عن سياقاتها الأصلية، وتُعاد قراءتها ضمن أفق شخصي ومعاصر. كذلك يرى هذا النقد أنه، على الرغم من الأسس الأنثروبولوجية والانحيازات الأخلاقية والسياسية الواضحة لصالح العيش المشترك، فإن “لاهوت الحوار” عند الرفاعي بقي أقرب إلى مستوى النوايا العامة منه إلى مستوى البناء العقدي المتكامل. فكرامة الإنسان تمثل نقطة انطلاق مركزية في مشروعه، غير أن الحوار نفسه لا يتحول إلى موضوع لاهوتي مؤسس بصورة مكتملة. فالقرآن والوحي، بحسب هذا النقد، لا يُعاد تأويلهما مباشرة في ضوء سؤال الحوار بين الأديان، كما لا نجد بناءً مفاهيميًا متكاملًا للاهوت خاص بالحوار الديني. صحيح أن “علم الكلام الجديد” يقطع مع الإطار التقليدي الذي يراه الرفاعي عاجزًا عن إنتاج ثقافة حوارية، غير أنه لا يقدّم هرمنيوطيقا قرآنية مكتملة للتعددية الدينية، ولا يؤسس فعلًا “لاهوت أديان” بالمعنى الدقيق، بخلاف ما نجده عند عبد الكريم سروش. لذلك يبقى مشروعه، وفق هذا التقييم، أقرب إلى الأنثروبولوجيا الدينية والأخلاق الاجتماعية منه إلى بناء لاهوتي مكتمل. ومن هنا يمنح هذا الغموض العقائدي فكر الرفاعي أحيانًا طابع برنامج سياسي ـ لاهوتي إنساني ومنفتح على الغيرية، لكنه لا ينجح دائمًا في إنتاج المفاهيم اللاهوتية الضرورية لتأسيس حوار ديني متين. ولهذا يبدو “علم الكلام الجديد”، في هذا المجال تحديدًا، لاهوتًا غير مكتمل. ويرى هذا النقد أن أحد أسباب هذا القصور يعود إلى غياب بناء عقدي متماسك، لأن الرفاعي، في سعيه إلى تجاوز العقيدة الجامدة نحو فينومينولوجيا للإيمان بوصفه خبرة إنسانية تأسيسية وانفتاحًا على المطلق وسعيًا إلى المعنى، يفترض ضمنيًا أن العقيدة تمثل بطبيعتها عائقًا أمام التعايش. غير أن هذا الافتراض، بحسب النقد، لا يصح دائمًا، لأن العقيدة في كثير من التقاليد الدينية لا تؤدي وظيفة الإغلاق، وإنما توفر إطارًا تأويليًا لفهم الإيمان ذاته. فالعقيدة ليست في ذاتها عامل إقصاء، وإنما تتحول إلى أداة إقصائية حين تُستعمل استعمالًا أيديولوجيًا وهيمنيًا. بل إن العقيدة، حين تُفهم على نحو سليم، يمكن أن تصبح عنصرًا مهمًا في الحوار بين الأديان، لأنها تمنح كل جماعة دينية هوية واضحة تنطلق منها نحو اللقاء بالآخر. فالحوار الحقيقي لا يولد في الضبابية أو في تمييع الفروق، وإنما يحتاج إلى مواقف واضحة وقادرة على تسمية الاختلافات من غير عنف. ومن هنا توفر العقيدة لغة مشتركة وبنية مستقرة للتفكير اللاهوتي. لذلك يتساءل هذا النقد: إذا كان الرفاعي يدعو إلى إدماج دراسة لاهوت الأديان الأخرى داخل “علم الكلام الجديد”، فكيف يمكنه في الوقت نفسه أن يطالب بالتخلي عن العقيدة داخل اللاهوت الإسلامي؟ ويزداد هذا التساؤل قوة حين نكتشف، من خلال قراءة تراث المتكلمين أنفسهم، وجود إمكانات كامنة للتفكير في أنثروبولوجيا علائقية منفتحة على فرضية الخلاص الكوني، وقادرة على تقديم أسس لاهوتية للحوار والتعايش.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا، بحسب هذا النقد، حين نلتفت إلى أن المرجعيات الفكرية التي يستند إليها عبد الجبار الرفاعي نفسها تتضمن عناصر تخفف من حدة القطيعة التي يعلنها مع البنية العقدية التقليدية. فـبول ريكور، على سبيل المثال، يؤكد أن الوصول إلى الآخر يقتضي “المرور عبر الهوية”، أي إن الإنسان لا يستطيع استقبال المختلف استقبالًا حقيقيًا إلا حين يعرف من يكون هو أولًا. وعلى العكس من ذلك، فإن الإيمان الذي يسعى إلى التحرر الكامل من كل بنية عقدية قد ينزلق بدوره إلى أشكال من الأصولية، أو الذاتية المطلقة، أو العداء للعقل. فحين تغيب العقيدة التي تنظّم الانفعالات الدينية وتؤطر التأويل وتضبط العاطفة، تصبح التجربة الإيمانية معرضة للانفلات والتحول إلى نزعات غير عقلانية. لذلك يرى هذا النقد أن العقيدة، ما دامت منفتحة وقابلة للمراجعة والنقد، تبقى فضاءً ضروريًا للتمييز والتبصر، كما تمثل أحد الضمانات المهمة للعيش المشترك ولتنظيم العلاقة بين الإيمان والاختلاف.

الخاتمة

لأن صورة الله هي التي تحدد طبيعة علاقتنا بالآخر، فإن القطيعة مع علم الكلام الكلاسيكي تعني عند عبد الجبار الرفاعي القطيعة مع منطقه الإقصائي، الذي يتجلى في تكفير المختلف وادعاء احتكار الخلاص. وكما يتضح من مشروعه، فإن “علم الكلام الجديد” الذي يدعو إليه يأخذ الغيرية والأديان الأخرى بجدية واضحة، ويتبنى أفقًا منفتحًا وشاملًا، ويتعمد تجاوز الحوار الديني الشكلي القائم على المجاملة، من خلال الدعوة إلى التعرف منذ الطفولة على نصوص الأديان الأخرى ومعتقداتها بطريقة بنّاءة. لذلك يدعو “علم الكلام الجديد” إلى تربية تقوم على الانفتاح على الآخر، لا من حيث الاعتراف بحقه في الوجود فقط، وإنما أيضًا من حيث الاعتراف بما يحمله من حقائق لاهوتية داخل تقاليده الدينية. وفي هذا تكمن قطيعة إبستمولوجية واضحة مع علم الكلام التقليدي. ويمثل هذا المشروع محاولة جريئة وخصبة لتجديد الخطاب الإسلامي انطلاقًا من قراءة تتمحور حول الإنسان. غير أن هذا المشروع، في مجال الحوار بين الأديان، يبقى محدودًا بسبب طابعه الداخلي المفرط في فهم الدين، وبسبب تصوره غير الكافي للطابع العلائقي للإنسان، الأمر الذي يحدّ من قدرته على التفكير في التجسد العملي للحوار انطلاقًا من قضايا دينية ملموسة. كذلك، وعلى الرغم من دعوة الرفاعي إلى “التوغل” في نصوص التقاليد الدينية الأخرى، فإن لاهوته يستند بدرجة أكبر إلى الفلسفة الغربية أكثر من استناده إلى النصوص اللاهوتية لتلك الأديان نفسها. ومن هنا لا يغدو مشروعه “لاهوتًا حواريًا” بالمعنى الذي نجده، على سبيل المثال، عند فريد إسحاق، الذي استطاع، متأثرًا بلاهوت التحرير المسيحي، أن يؤسس رؤية إسلامية للحوار بين الأديان. ومع ذلك، تبقى محاولة الرفاعي محاولة جديدة وجريئة، وحتى وإن بدت ذات طابع برنامجي أكثر من كونها بناءً لاهوتيًا مكتملًا، فإنها تمثل خطوة مهمة في مسار تجديد التفكير الديني الإسلامي والانفتاح على التعددية والعيش المشترك.

[1] مدير المعهد الدومينيكاني للدراسات الشرقية (إيديو) في القاهرة، والمعهد الكاثوليكي في باريس.

 

ترجمة عربية لبحث منشور في مجلّة «لافال اللاهوتية والفلسفية» ، المجلّد 82، العدد 1، سنة 2026، ص. 49-68. الصادرة في كندا:
https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/en/
index

رابط نشر البحث:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/fr_CA/article/view/54372

 

الهرمنيوطيقا وفلسفة الفقهِ وعلم الكلامِ الجديد في فكر الرفاعي

الهرمنيوطيقا وفلسفة الفقهِ وعلم الكلامِ الجديد في فكر الرفاعي

عبد العاطي طلبة[1]

إنَّ الحاجةَ أَصْبَحَتْ مُلِحَّةٌ إذن – كما يرى الرفاعيُّ – إلى تفعيل «فلسفة الفقه»، وإلى «علم كلام جديد»، وإلى شجاعة استخدام مناهج حديثة كـ «الهرمنيوطيقا» في تفسير النصوص وفهمها. تأتي محاولاتُ الكاتب هنا استئنافًا للمسألة الدينيّة التي تؤرِّق تفكيرَه. نعم، يحتاج الإنسانُ إلى الدِّين، لكنّ الدينَ يعيش أزمةً بما نتلقَّاه في مجتمعاتنا بمناهجه القديمه، وأفكارِه الزمانيّة المُتَجَاوَزَة، ودوائره التأويليّة الجامدة؛ ما يُحَتِّمُ علينا البحثَ عن أدواتٍ جديدةٍ للفهم، ومن ثَمَّ محاولة ابتناء مناهج فكريّة أخرى تضع الإنسانَ المسلم وغير المسلم ومصالحه وحاجاته نُصْبَ عينيها. ولهذا جاءت محاولاتُ الرفاعيّ في مساهماتٍ تجديديّة غير واهمة، لا تتنكّر للإنسان ولا آلامه وآماله، ولا للدين في أزمته المعاصرة، ولا للعالَم الواقع ومشكلاته المُتَكَاثِرَة؛ ومن هنا انْبَعَثَتْ دعواتُه التجديديّة صوب أبنية الفقه والكلام القديمة المُوشِكَةِ على الانهيار وتدمير بني آدم، وما افتعلاه من مناهج في تأويل الدين وفهم العالَم.

يميّز كاتبُنا بين الفقه وفلسفته فيرى الفقهَ «يتناول ما هو معروف الأحكامَ الشرعيّة لعمل المُكَلَّف، أي أنّه علمُ استنباط الأحكام الشرعيَّة، وتحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة بنحوٍ مستدلّ؛ بالتّوكُّؤ على أدواتٍ وقواعد يجري تنقيحُها في أصول الفقه، بينما لا تبحث فلسفةُ الفقه أسلوبَ الاستنباط، ولا علاقة له ببيان الموقف العمليّ تجاه الشريعة، وإنما يتجاوز ذلك إلى ميدانٍ آخر؛ يتناول فيه تشريحَ ماهيّة الفقه، واكتشاف طبيعة نسيجِه الداخليّ ومكوّناته، وكيفيّة نشأته وتطوّره، وتفاعله مع المؤثّرات الزمانيّة والمكانيّة والبيئة الجغرافيّة، والتأثير المتبادل بينه وبين الأعراف والعادات والتقاليد، والعصر الذي أُنْتِجَ في فضائه الثقافي ومحيطه الجغرافيّ، مضافًا إلى دراسة اصطباغ الفقه بمسبقات الفقيهِ وخلفياته ومنظوره الذاتي، ولون ثقافته، وميوله، وبيئته الخاصّة»[1].

حاز الفقهاءُ سلطةً واسعةً بوصفهم ناطقين عن الشَّارع، مُوَقِّعين عنه كما يُعَبِّر ابنُ القيِّم[2]، ولم تُعتبر نتاجاتُهم البشريّةُ بشريَّةً، وسعوا هم على مرّ التاريخ أن تكون لهم مقولةٌ في كلّ شيء يخصّ الإنسانَ من مناحي الحياة وضروبها، «واستحوذ الفقهُ على الدين الإسلاميّ بالتدريج، إلى أن احتكرَه بشكل شبه تامٍّ»[3]، فلا نكاد نجد أمرًا وإن كان مُغْرِقًا في الدنيويّة إلَّا وللفقيه قول مسموع فيه، فجرى تقديسهم عبر الزَّمان على ما حازوا من سلطان على الناس وحيواتهم باسم الكلام الإلهيّ، وصار النّاسُ في حاجة دائمة إليهم ما دامتْ لا تستقيم حياتُهم في الدنيا والآخرة إلّا بوجودِهم. يرى الرفاعيُّ دارسَ الفقه القديم لا يلبث «يغرق… في تفاصيل مدوَّنته التي تضخّمت بالتدريج، وانحسرتْ – تبعًا لتضخُّمِها- معظمُ آفاقِ التفكير الدينيّ الأخرى، وفرضت حضورَها الصّارم على كلِّ ما يتَّصِلُ بأقوال وأفعال المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها. وذلك يفرض تدشين علم قادرٍ على إجراء حفريّات عميقةٍ  في المدوّنة الفقهيّة، من خلال تفكيك الأنساق المُوَلِّدَة للمعرفة الفقهيّة، والكشف عن العناصر المختبئة في عمليّة الاستنباط، وأثرها البالغ في توالد المعرفة وتشعّبها ونموها؛ وهذه مهمّة تتكفلها (فلسفةُ الفقه)، وهي علم لا يعتمد العُدَّة المنهجية والمفاهيميّة المعروفة في أصول الفقه أو الفقه، وإنّما ينفتح على فلسفة العلم، والعلوم الإنسانية، والاجتماعيّة المختلفة، ويتوكَّأ على مناهجها ومفاهيمها»[4].

يحاول الرفاعيّ تفعيلَ فلسفتِه الفقهيّة وجعلها قَيْدَ التطبيق، وهو يدرس الخلاف المُتجدِّد كل عام حول «الهلال»[5]؛ واضعًا بها أنموذجًا تطبيقيًّا للفلسفة الفقهيّة، إذ يقوم بالحفر عميقًا في البنية الفقهيّة وهي تتناول هذا الموضوع، منتهيًا إلى أنَّ الخلافَ في حقيقته ليس إلّا «محاولة استملاكه رمزيًّا، واحتكاره بغية إثراء رأس المال المقدّس… [وأنّ] الخلاف هو على هلالَين وليس على هلال واحد، فهلال الفقهاء غير هلال الفلكيّين؛ هلالُ [الفقهاء] مؤطَّر بمعنى دينيّ، في حين أنّ هلال الفلكيّين هلال ماديّ، مجرّد من المضمون الديني؛ بوصفه ظاهرةً كونيّة»[6].

ننتقل الآن إلى ميدان الرفاعيّ الأثير الذي يراه مُنْطلقًا لأيّ تجديد حقيقيّ في الدين، أعني «علم الكلام الجديد». للرفاعيّ قدم السّبق فيه، فكان له اهتمام خاصّ بمسألة تجديد البحث الكلاميّ، بل ويراها أصلًا لأيّ عملية تجديديّة للفكر الإسلاميّ، ولا يمكن لفكر إسلاميّ جديد يريد النهوضَ بنفسه أنْ تكون له قائمة حقيقيّة ونجوع دون التَّحرر من أسر الكلام القديم، ومحاولة ابتناء علم للكلام جديد يقع الإنسانُ منه موقعَ الأصل والمركز. إنَّ «أية بدايةٍ لتجديد التفكير الديني في الإسلام لا تبدأ بعلمِ الكلام ومسلّماتِه ومقدِّماتِه المنطقية والفلسفية فإنّها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدِّمات، لأنَّ علم الكلام يمثل نظرية المعرفة في الإسلام، وهو الذي ينتج منطق التفكير الديني، ومنطق كل عملية تفكير هو الذي يُحدّد طريقةَ التفكير ونوع مقدّماته ونتائجه»[7].

صدرتْ مجلةُ «قضايا إسلامية معاصرة» – أسسها ويديرها الرفاعيُّ – مهمومةً بالتجديد، وتناولتْ في خمسة أعداد منها موضوعَ الكلام الجديد[8]. وصدر للرفاعي حديثًا كتاب بعنوان «مقدمة في علم الكلام الجديد»، يقول فيه: «انشغلتُ سنواتٍ طويلة في علم الكلام الجديد، وقرأتُ وسمعتُ البلبلةَ والغموضَ، والتشوُّشَ والالتباسَ في تعريفه، وتحديد موضوعه وأركانه ومرتكزاته، فأدركتُ الحاجةَ الماسَّةَ لتأليف مقدِّمة تحدِّد الإطار العام لهذا العلم، وتضع المعيارَ الذي يمكن اعتمادُه في تصنيف هوية المتكلم والكلام الجديد، وتوفِّر للباحثين والدارسين في علم الكلام وفلسفة الدين خارطةَ طريق ترسم المعالم الأساسيّة لعلم الكلام الجديد»[9]. تكمن أهميّة التجديد في علم الكلام لدى الرفاعيّ «في إطلاق حرية التفكير في العقيدة، وتعدُّد وتنوُّع الآراء والمواقف والمقولات الكلامية. ويعبّر اختلافُ المقولات ووفرتها عن تجسُّد اجتهادات ووجهات نظر متنوعة أفضى إليها التفكيرُ الكلاميُّ، مضافًا إلى أنَّها علامة فارقة على منح كلّ مسلم الحق في اختيار عقيدته، بل وحرمة تقليد غيره في المعتقد»[10].

يرفض الرفاعي في علم الكلام الجديد أن تكون هناك أجوبة نهائية باتّة للأسئلة الميتافيزيقيّة، فيقول: «ما قاله مؤسِّسُو الفرق ومُؤَلِّفو المقولات الكلاميّة بخصوص رؤيتِهم لله، وصفاته وأفعاله، والوحي والنبوة، وما فهموه من النصوص الدينية، ليس إلا إجابات مرحليّة؛ تعبر عن زمانهم وبيئاتهم وثقافتهم، وما اكتنف حياتَهم الشخصية، وما عاشوه من ظروف مختلفة، عبَّرتْ عنها الصراعاتُ على السلطة والثروة في عصرهم… في علم الكلام الجديد يُعاد بناءُ مفاهيم الذات والصفات، والإيمان والكفر، والقضاء والقدر… كذلك يُعاد إنقاذُ صورة الله التي تشكَّلَتْ في فضاء النِّزاعات، والحروب، والاستبداد، وتَفَشِّي العبوديات، ورسمُ صورة تليق بعدالته، ورحمته، وجماله»[11]. علم الكلام القديم الذي وُلِدَ في عصوره المختلفة إذن لم يكن إلّا «مرآة لحياة المجتمعات الإسلامية، ارتسمت فيها الأسئلة والتحديات والهموم المتداولة في تلك المجتمعات آنذاك، وتم لاحقًا تعميم الآراء والمقولات الكلامية التي تبلورت في فضاء تلك الأسئلة والتحديات. وهي مقولات وآراء لا تعرف أسئلةَ حياتنا الراهنة»[12]؛ ما يدعو إلى ضرورة العمل على ابتناء كلام جديد يناسب راهن العصر وأسئلته وتحديّاته، ويتساوق مع الإنسان ولا يتناساه؛ مُلَبِّيًا حاجاته الروحيّة والماديّة في الدّنيا قبل الآخرة.

ينبني التجديدُ في علم الكلام على أصول فصَّلها الرفاعيُّ في كتابه؛ منها: إعادة تعريف الإنسان، والكشف عمّا يمكن أن يُقَدِّمه الدينُ إليه من معنى روحيّ وجماليّ، والإقبال على التراث دراسة واستكشافًا، واستلهام جوانبه العقليّة والروحيّة منه والتقاط ما هو حيّ ومُحْييٍ منه وترك ما هو ميّت ومُمِيت فيه، والإقبال على العلوم والمعارف الحديثة ومحاولة استيعابها، ولا سيما العلوم الإنسانيّة، ومحاولة استخدام المناهج والأدوات الحديثة في فهم النصوص وتفسيرها، ودراسة الأديان ومقارنتُها، والكشف عن أنماط التديُّن والإيمان عبر التاريخ، وضرورة التحرُّر من التفسيرات الحرفيّة المغلقة للنصوص الدينيّة، وعدم الانغلاق في التراث ومحاولة استحداث أفكارٍ جديدة تخدم الإنسان دون الخروج عن النّسق الميتافيزيقي للدين؛ أفكارٍ تفسِّر الوحي تفسيرًا ديناميكيًّا لا يكون فيه النبيُّ منفعلًا بصورة سلبيَّة، بل متفاعلًا بصورة إيجابيّة، وتبني الصِّلةَ بين الله وعبده على أساس من المحبة لا على القهر والاستعباد، وتوقظ المعنى الروحيّ وتعزِّزه في النفس الإنسانية لتجد هناءها في هذا العالَم، أفكارٍ تتسامح وتعدّدية تأويل النص القرآنيّ، وتنفتح على الأفهام والأطروحات الجديدة.

إنّه مع تكاثر دعوات التجديد والإصلاح في علم الكلام، وتوالُد الأطروحات التي تتبنّى اسم التجديد، فإنّ الرفاعيّ يطرح معيارًا يمكن على أساسه تصنيف فكر ما بأنّه كلام جديد، أو مفكِّر ما على أنّه متكلِّم جديد؛ «ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأنَّ طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية»[13]. ولا يعني الرفاعيّ بالتجديد في فهم الوحي إهدارَ مضمونه الميتافيزيقي بأي معنًى، بل يرى أيّ محاولة تنأى بالوحي عن طبيعته الإلهيّة لا تدخل في نطاق الكلام الجديد، إذ الوحي – في نظره – ذو بعدَين؛ «بعد إلهيّ، وبعد بشريّ، فهو من حيث تعبيره عن الله إلهيّ، وهو من حيث تعبيره عن الإنسان بشريّ»[14]، ولذلك على المتكلم الجديد أنْ «يفكِّك بين الوحي من حيث هو، أي حقيقة الوحي، ومن حيث تمثُّلاته المتنوِّعة في الحياة الفردية والمجتمعية في مختلف العصور، و[أنْ] يحرص على تحرير معنى الوحي من إكراهاتِ التاريخ وصراعاتِ البشر وحروبِهم»[15].

جاءَ تثمينُ الرفاعيُّ للدَّورِ الذي قام به أمين الخولي في السياق العربيّ من الدعوة إلى استخدام «الهرمنيوطيقا» أداةً في فهم النصوص الدينيّة من جهة كونِه من أوائل من دعا إلى استخدم أدوات منهجية جديدة في الفهم والتأويل، بل وكان أوّل من حاول أن يجد للهرمنيوطيقا مكانًا في السياق العربي والإسلاميّ. يرفض الخولي انحصارَ الدعوة إلى الاجتهاد الفقهيّ دون الاجتهاد الكلاميّ، ويرى التطوّرَ سنةً شاملةً تُلَابِسُ جميع المعارِف الإنسانيّة بأنواعها، وهي تشمل العقائد بدورها كذلك. يجب على العقائد –مثلها مثل الأحكام الفقهيّة – مواكبة مجريات الأحداث والأزمان لتظلّ مواءمة لحاجات الإنسان الروحيّة والمعنويّة، ملبِّيَةً إيّاها، لذا يرفض الخولي أيَّ قراءة لاتاريخيّة للتراث، فالتراث بشتى أنواعه وضروبه لم يكن إلّا ناطقًا عن ظروف عصره الذي ظهر وتشكّل فيه، مُستَجِيبًا لراهن زمانه، ومعالجًا مشكلاتِه التي كان يعاني منها.

وقد تناول الرفاعيَّ أمين الخولي بوصفه أوَّل هرمنيوطيقيّ في الإسلام[16] قبل تلميذه محمد أحمد خلف الله[17]، وقبل نصر حامد أبو زيد في أعماله الهرمنيوطيقيّة[18]، يقول: «فرادةُ الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة لتوطين الهِرْمِنيوطيقا والمناهجِ الجديدةِ في تفسير النصوص في مجال الدراسات الدينية بالعربية. بعد استقراءٍ وتتبعٍ يمكن القولُ إنَّ الخولي هو أولُ هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالَم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك، حتى في بلاد الإسلام غير العربية»[19]. ورغم أنَّ الرفاعيّ يرى كلَّ مَنْ يرى رأيًا جديدًا في الوحي – داخل إطار الدينيّ لا خارجًا عنه – صاحبُ رؤية كلاميّة تجديديّة، إلّا أنّه تعثّر في الوقوف على رأي للخولي في ذلك؛ ما يحمله على القول بأنّه لم يمارس التجديد في البحث الكلاميّ، ولكنّه قضى حياتَه لابثًا في الدعوة إلى التجديد فحسب، مهمومًا بإقحام الهرمنيوطيقا داخل سياق التفكير الدينيّ لدى الباحث المسلم.

ولنعرِّج قليلًا على «الهرمنيوطيقا» ومعناها. صدرتْ عن «قضايا إسلاميّة معاصرة» خمسةُ أعداد تتناولها[20]. تعني الهرمنيوطيقا (نظرية التأويل) باختزالٍ «المبحثَ الخاصّ بدراسة عمليّات الفهم؛ وخاصة فيما يتعلّق بتأويل النصوص»[21]، وهي – حسب تعبير رودولف بولتمان Rudolf Bultmann-: «فنُّ فهمِ تعبيراتِ الحياة المكتوبة»[22]. «تأتي كلمةُ هرمنيوطيقا من الفعل اليوناني Hermeneuein، ويعني (يُفَسِّر)، والاسم Hermeneia، ويعني (تفسير). ويبدو أنّ كليهما يتعلق لغويًّا بالإله هرمس Hermes؛ رسول آلهة الأولمب[23] الرشيق الخطو؛ الذي كان بحكم وظيفته يُتْقِنُ لغة الآلهة، ويفهم ما يجول بخاطر هذه الآلهة الخالدة، ثم يُتَرْجِمُ مقاصدَها وينقلها إلى أهل الفناء من بني البشر… ومهما تكن شكوكنا حول صحة الصلة الإتيمولجية[24] بين الهرمنيوطيقا وهرمس، فإن الصلة بين خصائص الهرمنيوطيقا، وخصائص الإله هرمس هي صواب مؤكَّد»[25].

وقبل الانتقال عن علم الكلام الجديد ينبغي الإتيان على مقابلة الرفاعي بين محمد إقبال ومحمد عبده[26] والتي بَدَتْ صادمة لدى لبعض، إذ انتهى إلى زيف ما يُسْنَد إلى محمد عبده من تجديد، مُثَمِّنًا الدور الذي لعبه محمد إقبال الذي لو لم ينغمس في السياسة ودروبها لأخرج لنا منهجًا كلاميًّا متكامل البنيان. لم يتعدَّ التجديدُ المنسوبُ إلى محمد عبده نطاقَ إطلاق بعض الفتاوى الجديدة مع الإبقاء على أصول الفقه والكلام راسخًا في أصل مقالاتِه الدينيّة؛ وتجريد علم الكلام من أثقاله الخلافيّة، وتطعميه ببعض الآراء والرّؤى العقلانيّة. ورغم كل ما نسب إلى محمد عبده من إصلاح ديني وتجديد إلا أنَّه كان مسكونًا بالماضي، بل ولم يغادره قيد أنملة؛ و«بناءً على ذلك لا يمكننا وضعُ جهود محمد عبده وأمثاله في خانة الكلام الجديد، لأنه كان يفكّر بذهنيةٍ كلاميَّةٍ قديمة، ويفتقر للحسِّ التاريخي، ولم يجتهد في بناء مفهومٍ للوحي خارج الذهنية التقليدية. علمُ التوحيد لديه هو الكلامُ التقليدي ذاته»[27].

ما بدا صادمًا في رأي الرفاعيّ نجد صداه حتى لدى من يتناولون محمد عبده تناوُلًا تبجيليًّا – إن صحّ القولُ – ويرونَه مُجَدِّدًا كلاميًّا، فلأحمد الطيِّب[28] مثلًا بحث صغير بعنوان «الإمام محمد عبده متكلِّمًا»، يقول فيها: «وتُعَدُّ (رسالة التوحيد) للإمام محمد عبده النّصَّ الوحيد المُوَثَّق، الذي يبحثُ فيه عن فلسفة الإمامِ الكلاميّة، ورؤيته التجديديّة ومدى تَحَرُّرِه من علم الكلام التقليديّ أو تأثّره به»[29]. يرى الطيِّبُ أنّه رغم تحرُّر محمد عبده من المذهبيّة الكلاميّة ودورانه مع الفلاسفة تارة، ومع المتكلمين من أشاعرة ومعتزلة تارةً أخرى إلّا أنّه لم يأتِ في الحقيقة برأي جديد لم يكن موجودًا في التراث الفلسفيّ أو الكلاميّ من قبل، وأنّه إنْ أردنا الوقوف على مظاهر التجديد في رسالته تلك فإنّها لن تخرج عن كونه لا يتقيّد بمذهب عقديّ بعينه، ولا تتجاوز اعتداده الشديد بالعقل مرجعيةً يضع لها حدودَها، ولا تتعدَّى تجديدَه في أساليب البرهنة بما يُلامِسُ فلسفات عصره ومعارفها[30]. وهذا ما نراه أيضًا في تناوُلِ حسن الشافعيّ[31] لمحمد عبده إلا أنّه يزيد في ذلك حُسْنَ ترتيبه للمسائل الكلاميّة من حيث وزنها وأهميّتها في نظر الفكر المعاصر، ووقوفه موقفًا معتدلًا بين الكلام والتصوف، وبين متقدّمي المتكلمين ومتأخِّريهم.[32]

أمّا محمد إقبال فقد كان على خلاف ذلك، إذ «سعى  إلى زحزحة علم الكلام القديم، وتمحورتْ جهودُه حول بناء فلسفة بديلة للدين، ليست مكتفيةً بذاتها، وإنّما اغتنتْ بما استوعَبَتْهُ، وتمثَّلَتْه في معارف الآخر»[33] كما رأى الرفاعي. فمع إقبال يدخل الكلامُ الجديدُ مسارًا مختلفًا تُوضَع فيه لبناتٌ أساسيّة يُبْتَنَى عليها، ولا تُكَرِّرُ الماضي ولا تنحو نحوَه، وخلافًا لمحمد عبده الذي لم يَرَ رأيًا في الوحي جديدًا غير الرأي القديم الذي أعاده وكرّره بلغة مدرسيَّة، فإنّ محمد إقبال قد ناقش مسألة الوحي نقاشًا جديدًا يجعله من واضعي لبنات هذا العلم الناشئ. يقول الرفاعيّ: «كتب محمد إقبال (تجديد التفكير الديني في الإسلام)، وهو أول نصّ في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد… عالج فيه التجربة الدينيّة، وصاغ مفهومًا للوحي يتمحور حول هذه التجربة، وميَّز بين تجربةِ الأنبياء وتجربة العرفاء؛ ذلك أنَّ الثانية يبقى صاحبُها حبيسًا فيها ولا يخرج من فضائها، فيما يتخطّى النبيُّ تجربتَه الشخصيّة، لأنها تمنح شخصيّته إرادة تغيير العالَم، وجعل إقبال الحاجةَ لوحي الرسالة الإلهية تختصُّ بمرحلةٍ من مراحل الوعي البشريّ، فإذا بلغ العقلُ رشدَه اعتمد على نفسه، ولم يعُد بحاجة إلى ما هو خارج عنه كي يتطوَّر ويتكامل»[34].

وبمراعاة ما سبق ذِكرُه من أمر هذه المقارنة؛ يرجو الرفاعيُّ «الباحثين والمهتمين بالشيخ محمد عبده العودة إلى تراثه وغربلته، وتقييمه ونقده، والخلاص من الأحكام التبجيلية، ومنطق الثناء، والمديح الزائف… [التي تمنع من التمييز] بين المعرفة البسيطة في آثار محمد عبده، والمعرفة المركبة في آثار محمد إقبال»[35]، فالأزمة الحقيقيّة – كما يرى – في المحاولات التجديديّة رغم جرأتها أنّها «لم تغادرْ المناهجَ التقليديَّةَ الموروثة، إذ كان أصحابُها ينطلقون من مناهج ومفاهيم وأدوات التراث نفسه في فهمه ونقده، وقلّما حاول بعضُهم توظيفَ مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة في فهم الدِّين ونَقْدِ التُّراث»[36].

[1] عبد العاطي طلبة كاتب ومترجم مصري من الأزهر، ومعلِّم لغةٍ عربيَّة للناطقين بغيرها. له ترجمات ومقالات منشورة في بعض الصُّحف والمجلات. تخرج في جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية عام 2014م، ثم التحق بجامعة القاهرة، وتخرج في كلية الآداب، قسم الفلسفة عام 2018م. نشر هذا المقال في مجلة حكمة، حزيران “يونيو” 2022.

[1] الرفاعي، عبد الجبار، فلسفة الفقه: إشكالية النشأة والوظيفة، مجلة قضايا إسلاميّة معاصرة (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، 1999م)، ص 5.

[2] لابن القيم كتاب بعنوان: «إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العالَمين».

[3] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 229.

[4] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 168.

[5] تناول الرفاعي الخلاف حول «الهلال» في فصل تحت عنوان «الاستملاك الرمزيّ للهلال»؛ يُنْظَر: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 155 – 169.

[6] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 169.

[7] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، 2021م)، ص 20.

[8] وهي الأعدادُ 14، و15، و16، و17، و18 لِسَنَتَي 2001م، و2002م، تحت عنوان: «الاتجاهات الجديدة في علم الكلام».

[9] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 20. صدر عن هذا الكتاب طبعة ثانية جديدة مزيدة ومنقَّحة عن دار الشؤون الثقافيّة عام 2021م، في بغداد، وازداد حجمُ الكتاب في هذه الطبعة أكثر من 50 صفحة، وهي أجود وأغنى. تبنَّت جامعات ومؤسَّسَات علميّة هذا الكتاب مُقَرَّرًا دراسيًّا في علم الكلام الجديد داخل العراق وخارجها، كما يُعْمَل على ترجمته إلى عدَّة لغات (الفارسيّة، التركيّة، الإندونيسيّة).

[10] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 40.

[11] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 15، وص 18.

[12] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 47.

[13] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 18.

[14] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 134.

[15] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 132.

[16] في كتابه «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، في الفصل المُعَنْوَن «أمين الخولي والدرس الهرمنيوطيقيّ»، وفي مواضع أخرى؛ يُنْظَر: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 171 – 192.

[17] أثار جدلًا واسعًا بأطروحته: «الفنّ القصصي في القرآن»، والتي رفضتْ جامعةُ القاهرة مناقشتَها.

[18] ولا سيما دراسته الرائدة: «مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن».

[19] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 182.

[20] وهي الأعداد 53-54 (شتاء وربيع 2013م)، 57-58 (شتاء وربيع 2014م)، 59-60 (صيف وخريف2014م)، 61-62 (شتاء وربيع 2015م)، 63-64 (صيف وشتاء 2015م)، تحت عنوان «الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينيّة».

[21] مصطفى، عادل، فهمُ الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا – نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، (القاهرة: دار رؤية، الطبعة الأولى 2007م)، ص 12.

[22] بولتمان Bultmann، رودولف Rudolf، مسألة الهرمنيوطيقا، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، العددان 59 – 60، صيف وخريف 2014م)، ص 108.

[23] الألمبيون الاثنا عشر هم الآلهة الرئيسة في مجموعة الآلهة الإغريقيّة.

[24] علم أصول الكلمات.

[25] مصطفى، عادل، فهمُ الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا – نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، (القاهرة: دار رؤية، الطبعة الأولى 2007م)، ص 24.

[26] قام الرفاعي بهذه المقابلة في فصل حمل عنوان: «محمّد عبده ومحمّد إقبال: رؤية في الإصلاح ورؤية في التجديد»، يُنْظَرُ: الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 207 – 224. وهذا الفصل هو الورقة التي قدّمها عبدالجبار الرفاعي في: الندوة الدولية بمناسبة الذكرى المئوية لرحيل الإمام محمّد عبده، «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى – حلب»، 9 – 10 نوفمبر 2005.

[27] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 121 – 122.

[28] شيخ الأزهر الحالي، تولّى المشيخة عام 2010م خلفًا للشيخ محمد سيد طنطاوي.

[29] نُشِرَتْ مُلْحَقَةً بكتاب «توضيح رسالة التوحيد»؛ يُنْظَرُ: عيش، عثمان عبد المنعم، توضيح رسالة التوحيد (أبو ظبي: مجلس حكماء المسلمين، الطبعة الثانية 2020)، ص 25.

[30] يُنْظَرُ: عيش، عثمان عبد المنعم، توضيح رسالة التوحيد (أبو ظبي: مجلس حكماء المسلمين، الطبعة الثانية 2020)، ص 306 – 307.

[31] أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر.

[32] يُنْظَر: الشافعي، حسن، قول في التجديد، (القاهرة، ذخائر الوراقين، الطبعة الأولى 2016م)، ص 85 – 86.

[33] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 217.

[34] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)، ص 163.

[35] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 223.

[36] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2019م)، ص 174.

 

https://tafker.net/2024/09/01/%D8%BA%D9%8E%D9%8A%D9%92%D9%87%D9%8E%D8%A8%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87%D9%90-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%8E%D8%A7%D8%A8%D9%90%D8%B1-%D8%B9%D8%A8/

 

عبد الجبار الرفاعي في سبعينيته: من أرض الرافدين إلى المحيط بين مسرات التنوير ومخاض بناء العقل المسلم

عبد الجبار الرفاعي في سبعينيته

من أرض الرافدين إلى المحيط بين مسرات التنوير ومخاض بناء العقل المسلم

د. يوسف محمد بناصر[1]

تعد المساهمة التنويرية للمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، المولود بالعراق سنة 1954م، إثراء وتثويرا للحوار الفكري والديني حول الإسلام وتصوراته ومكانته في العصر الحديث. وهي صيرورة وأفق مفصلي في تاريخ النسق النقدي الإسلامي المعاصر، مما جعل تجربته مميزة عن بقية المفكرين من معاصريه. بالإضافة لكونه ساهم مساهمة جادة وملحوظة في إثراء المكتبة الإسلامية في مجالات ومسارات علمية مختلفة، كالكتابة الفكرية والفلسفية والكلامية، والنشر والترجمة والإشراف على المجلات المتخصصة، والتي نذكر من أهمها (قضايا إسلامية معاصرة). وقد تلقف معظم القراء والباحثين كتاباته بقبول حسن، لكونها تعالج معضلات فكرية حديثة بأسلوب لغوي أنيق غير متكلف، وبرؤية متكاملة منسجمة، أسها سعة الاطلاع على المعرفة الإسلامية مع استيعاب للمعارف الغربية.

تعرف عموم الباحثين المغاربة على كتابات الرفاعي من خلال إصدارات مركز فلسفة الدين الذي يتخذ مقره ببغداد، وله إصدارات متنوعة تهم قضايا الفكر الديني وعلم الكلام الجديد وفلسفة الدين، كما تصدر عن المركز نفسه مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” وبذات النفس والتوجه، وهي متميزة باستكتابها أسماء من مختلف التوجهات والحساسيات الفكرية، ليساهموا بمقالاتهم وأبحاثهم في محاور المجلة المتنوعة، وهو توكيد واقعي على أهمية الايمان بالاختلاف واستيعاب الآخر، من خلالها وما تنشره من ترجمات تعرفنا  كذلك على فلاسفة من الشرق والغرب، وبصمت بفتح نافذة للحوار والاختلاف بين الانتماءات العقدية والفقهية والفكرية في السياق الإسلامي…. وفي زمن صعب عرف الكثير من الاضطرابات وسوء الفهم والتواصل بين أبناء الثقافة الإسلامية باختلاف توجهاتهم.

قدم عبد الجبار الرفاعي جهدا ملحوظا في تفسير الكثير من المضار التي أثرت على الفكر الديني في مراحله التاريخية ليفقد فاعليته،كما عَدَّدَ الأعطاب التي أصابت النهضة الإسلامية الحديثة، والتي رافقت مشاريع أغلب النهضويين منذ قرن ونيف، مما جعلها تنتقل من جيل إلى جيل بما صاحبها من نواقص ورؤى وأسئلة مشوشة، لتورث تلك السمات لبقية الباحثين من اللاحقين وتشكل الكثير من قناعاتهم ومدار تفكيرهم من جديد، فلم يقدروا على تجاوزها أو تفكيك مثالبها.

وبحسب تتبعي لبعض كتاباته يبدو أن مشروعه مؤسس على دفتين: التنوير، ثم إعادة تشكيل العقل المسلم، وصيرورة اشتغاله على مفاهيم شائكة في الفكر الإسلامي سواء من خلال الكتب المنجزة، أو من خلال الاعتناء بمضامين ومحاور بعض إصدارات مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” التي تدور ذلك المدار، ويبدو كذلك أن هم هذا الإصلاح والبناء الأخلاقي للمجتمع المسلم سكن وجدانه منذ بدايات إبداعه، وأشرك فيه الكثير من الأسماء بمختلف حساسياتها الفكرية والعقدية والمنهجية، في إطار تكامل معرفي كان من السباقين لتنزيله.

ويسائل الرفاعي مدونتنا الأخلاقية التي يعتبرها شحيحة مقارنة بالكثير من مدوناتنا الأخرى، ويفكك الثنائيات الضدية التي تسكن تراثنا، والتي تراكمت على مدى قرون كاملة، وجعلت مجتمعنا مضطربا غير مستوعب لذاته واختلافاته، إنه منهك بذاته وبسوء فهم التنوع وسوء تدبير الاختلاف، الذي هو جزء من كينونته، لتنفجر بؤر العنف واللاتسامح هنا وهنالك في أطرافه لتصل لمراكز المدن، وتتمدد لتغتال المفاهيم السامية التي زخرت به ثقافتنا. إن هذا المأزق الثقافي والاجتماعي والديني بدأ في تفكيك المعنى الوجودي للدين، ليفقد آفاق الارتفاع بالإنسان والتسامي به، ويوقعه في دوامة اللامعنى، وهو ما أحدث شرخا كبيرا وجروحا غائرة في المجتمعات العربية والإسلامية، والتي لايزال تأثيرها مستمرا إلى الآن.

يتطلع الرفاعي لإعادة بناء شبكة المفاهيم التي تؤطر تصورنا للحياة بخلفية دينية، لتجاوز هذه الإشكالات التي تحصر الدين في الغلبة ومصادرة الانسان لخيرية أخيه الانسان، مقابل الأيديولوجيا، واختزال معنى الانسان في ضيق الانتماء. ويعترف الرفاعي في كثير من كتاباته باعتزازه بمواقف ورؤية الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي على – بوجه الخصوص – للتدين، الذي كان يصرح، قائلا:”أن الشفقةَ على عباد الله أحقّ بالرعاية من الغَيْرَةِ على الله”، واستمد منه شيئا من رؤيته لسعة الدين وعلاقة الانسان بالإنسان، ليرى أن الدين له نزعة إنسانية عالية، وينقل بذلك الدين من ضيق التفسير السلفي السني/ الشيعي. ويرافع لإعادة تعريف الدين وكذلك الانسان وفق هذا المنظور. ليستعيد الدين دوره فيشكل أفق المعنى من جديد، ويبعث على الطمأنينة والسكينة، ويمد الوجود الإنساني بمعاني جديدة للأخلاق والجمال والحياة، لتتجاوزه ككائن له “ظمأ وجودي” للدين لتشكل بعدها امتدادات عظيمة تلامس الحضارة والثقافة والمجتمع.

إن الرفاعي يسعى لإعادة تشكيل فهمنا للدين، ويحاول حصار التأويلات التي تفضلها المجموعات المتطرفة، والتي تدعو للموت وتقيم دعوتها على النصوص المقدسة، ويبين من خلال كتاباته المتنوعة؛ قدرتنا على مزاحمة هؤلاء بتأويلات أخرى ممكنة، ليمد فيها الدين الإنسان بمعنى مرن وواسع وجديد للحياة، بدل تمجيد ثقافة الموت.

والجدير بالذكر أن عبد الجبار الرفاعي انتقد بشدة تناولنا لمفاهيم الوحي بذهنية كلامية قديمة، واعتبر في الكثير من مقالاته أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف مفاهيم الوحي خارج الذهنية التقليدية، والرجوع للحس التاريخي في التعامل مع الكثير من المقولات الكلامية التي تأسست في ظل الصراع التاريخي بين الفرق الكلامية الإسلامية، واعتبرتها عقائدا نهائية، وفي غاية الدوغمائية، وحقائق كاملة لا تقبل النقاش لدى المؤمنين بها، والسبب الأساس في ذلك أنهم لم يستوعبوا تدخل الصراعات السياسية والنزعات النفسية والثقافية في تشكلاتها وتفعليها. فهؤلاء يرونها وحيا مقدسا، وسنة متبعة، وفهما صحيحا، ويقفز هؤلاء على بقية الجزئيات الأخرى. ولا يهم في الأخير لتحقق هذا الفهم المأساوي للدين وعقائده، لأي معسكر ينتمي هذا المؤمن أو كيف تشكلت طائفته.

ختاما وباختصار، يعكس عبد الجبار الرفاعي من خلال عمله ومناقشاته الفكرية التزامه بتحقيق التجديد في فهم الإسلام وتطبيقاته في العصر الحديث، من خلال البحث عن حلول تجمع بين القيم التقليدية والتحديثية، لبناء مجتمعات إسلامية مزدهرة ومتقدمة، وعقل إسلامي متسم بالنقد، وقادر على التفاعل والإبداع والمنافحة عن التصور الإسلامي عن الكون والحياة. ربما بهذا الفهم – وهذا البناء إن تحقق- يستعيد العقل المسلم الإرادة لينخرط كجزء فاعل في هذا العالم، وليس جزءا منفعلا وفقط، قادرا العطاء والمنافسة على الخير، يقدم شبكة من المفاهيم والتصورات التي تعيد للإنسانية كرامتها، وتنمي الضمير الأخلاقي الإنساني باتزان مسدد بالوحي، دون هيمنة للرؤية المادية على كينونته، ليسمو الفرد والمجتمع، متدرجا في سلم الكمال، وهو ما يعبر عنه الباحث بالحيز العمودي نحو الله سبحانه وتعالى، وما يصدر عنه من عطايا ومعاني ودلالات، بدل الانزلاقات التي وقعت فيها الفلسفة المعاصرة بحداثتها، والتي حشرت الوجود الإنساني في حيز أفقي ضيق، حتى أضحى الإنسان إله نفسه، شكله بذاته في لحظة ذهول عن الحقائق الميتافيزيقية، وهذا ما يفسر تيهه المستمر واضطرابه الفلسفي والعقدي والسلوكي.

[1] يوسف محمد بناصر، باحث مغربي، متخصص في الحوار الديني والحضاري وقضايا التجديد في الثقافة الإسلامية. متحصل على درجة الدكتوراه من كلية الآداب ببني ملال جامعة السلطان مولاي سليمان – المغرب، له عدة مشاركات علمية في ندوات مغربية ودولية، كما ساهم بمقالات ودراسات وأبحاث عدة في مجلات وجرائد ومواقع عربية.

 

https://altanweeri.net/12773/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%9B-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%B1%D8%B6/

 

 

عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

د. أحمد سالم، مدير الندوة أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا بمصر

بعد فترة انقطاع طويلة عن المشاركة فى أنشطة معرض القاهرة الدولى للكتاب، أعود لإدارة جلسة المفكر العراقى الكبير عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: “الدنيوي والديني في ضوء #علم_الكلام_الجديد“… وهو أحد أبرز الأسماء فى العالم العربى. وهو المفكر الذى إرتقي فى رؤيته للدين من الحدود المذهبية الضيقة إلى الأفق الإنسانى الرحب. وهو المفكر الذى رأى المقدس فى الأفق الإنسانى المتعدد الفهم. وهو يؤمن بأن الدين هو معين القيم الأخلاقية الكبرى كالحرية والرحمة والمحبة. عبر العين العرفانية كانت اجتهادات عبدالجبار الرفاعى فى فلسفة الدين. وأهمية الدين فى حياة الإنسان. قبل الندوة التقيت بالمستشار عبد الجواد ياسين وبعض الأصدقاء على كافيه “مقهى” أبو عوف فى معرض الكتاب .. فى الساعة السادسة أدرت حوارا جميلا مع القامة الكبيرة الدكتور عبد الجبار الرفاعى عن رؤيته الإنسانية لتجديد الفكر الدينى. وكان حضور الجمهور ممتازا بالقاعة ..كما شرفت  سفيرة العراق بمصر بحضور الندوة … وسفير اندونسيا بتونس مع مجموعة من التلامذة الأندونيسيين بجامعة الأزهر. وكان أجمل ماسمعت بالأمس هو كلام سفير اندونسيا للدكتور عبد الجبار الرفاعي عن سعي السفير الدؤوب لنقل كل ما يكتبه باللغة العربية إلى اللغة الاندونسيه، لأنه يدرك بعمق قيم التسامح التى يدعو لها فى مؤلفاته، وأهمية دور القيم الأخلاقية فى مشروعه الفكرى. ولقد حضر جمع من التلامذة الاندونسيين الذين يدرسون بالأزهر بصحبة السفير. وكم تشعر بجمال الدين مع مسلمى جنوب شرق آسيا. أدركت كيف أن المفكر ينكفي على عمله سنوات لكى يخرجه مكتوبا بين دفتى كتاب، ولكنه لايدرك حجم تأثير مايكتبه، الا حينما يرى أفكاره قد طارت عبر المكان والزمان لتصل إلى قراءه…حقيقى كنت فخور جدا برؤيتى لمدى تأثير ما يكتبه عبد الجبار الرفاعى فى أناس يختلفون عنه فى العرق واللغة، ويتوافقون معه  فى الدين بروحه المتسامحة … كم هى رسالة الكاتب مؤثرة، حين يكتب بصدق يصل صدق ما يكتبه إلى قلوب الآخرين …نورت مصر دكتور #عبدالجبار_الرفاعي.

https://www.almothaqaf.com/e2/973633-%D8%B9%D9%86-%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

 

علم الكلام الجديد في ضوء رؤية عبد الجبار الرفاعي

علم الكلام الجديد في ضوء رؤية عبد الجبار الرفاعي

عبد العاطي طلبة[1]

منذ أكثر من 30 سنة يعمل عبد الجبار الرفاعي على إعادة بناء علم الكلام وفلسفة الدين في المجال العربي. أصدر مركز دراسات فلسفة الدين الذي أسسه الرفاعي ببغداد أكثر من 300 كتاب. وأصدر الرفاعي مجلة قضايا إسلامية معاصرة قبل 26 سنة، وتخصصت هذه الدورية بعلم الكلام الجديد وفلسفة الدين، وصدر منها حتى اليوم 76 عددًا، أكثر الأعداد تتجاوز 400 صفحة. واعترافًا بالمهمة التي نهضت بها، وبوصفها الدورية الأهم المتخصصة بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد بالعربية، خصّص “المعهد البابوي في روما” التابع للفاتيكان كتابَه السنوي 2012 لهذه المجلة، وصدر الكتاب بالإيطالية والانجليزية والفرنسية، في 320 صفحة.

وعبد الجبار الرفاعي مُفَكِّر عراقيّ، مُتَخَصِّص في الفلسفة وعلوم الدين، ومن مؤسسي علم الكلام الجديد في العالم العربي، بلغت عناوين آثاره المطبوعة 50 عنوانًا، الأخيرة منها هي: «الدين والظمأ والأنطولوجي»، و«الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، و«الدين والنزعة الإنسانية»، و«الدين والكرامة الإنسانية»، وكتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». أعماله تحاول التأسيس لمشروع فكري يقوم على فهم الإسلام فهمًا تجديديًّا؛ يخرج به عن سياقاته المأزومة والضيِّقة إلى سياقات أخرى هي أوسع وأرحب وأكثر تسامحًا ورحمانيّة.

وأخيرًا أصدر الرفاعي كتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». صدر في طبعته الأولى عن دار التنوير ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ثم صدر في طبعة ثانية جديدة مزيدة ومنقَّحة عن دار الشؤون الثقافيّة ببغداد، وازداد حجمُ الكتاب في هذه الطبعة أكثر من خمسين صفحة، وهي أجود وأغنى، كما صدر أيضًا عن دار المصورات بالخرطوم، وهي نسخة مطابقة تمامًا لنسخة دار الشؤون الثقافية دون زيادة فيها، كما صدر أخيرًا سنة (2023) عن مركز دراسات فلسفة الدين ودار الرفدين في طبعة ثالثة جديدة، وهي مزيدة فصلًا جديدًا ومنقَّحة. اعتمدتُ في تلخيصي هذا على الطبعة الثالثة الواقعة في 234 صفحة، وهذه الطبعة مزيدة أيضًا بـ «مناقشة الرؤى الرسولية لعبد الكريم سروش»، وهو باب مزيد فيها.

هنا نحاول التعريف بعلم الكلام الجديد في ضوء رؤية الرفاعي في هذا الكتاب الرائد؛ وهو كتابٌ يحكي تجربة الرفاعيّ الذي انهمك منذ وقتٍ مبكِّر في الدعوة إلى التجديد الكلامي، ومحاولة ابتناء علم للكلام الجديد. وينبع اهتمام الرفاعيّ بالكلام الجديد من أنّه المنطلق الذي ينبغي أن يبدأ منه كلُّ مشروع فكريّ يروم التجديد. ولأهميّة هذا الكتاب تبنَّتْهُ جامعاتٌ ومعاهد تعليم ديني مُقَرَّرًا دراسيًّا في “علم الكلام الجديد” داخل العراق وخارجها، كما صدرت ترجمته إلى (الفارسيّة) صيف هذا العام، وترجمته (الكردية) تحت الطبع، ويُعْمَل على ترجمته ونشره باللغة (التركيّة)، ولغات أخرى.

يقول الرفاعيُّ: «انشغلتُ سنواتٍ طويلة في علم الكلام الجديد، وقرأتُ وسمعتُ البلبلةَ والغموضَ، والتشوُّشَ والالتباسَ في تعريفه، وتحديد موضوعه وأركانه ومرتكزاته، فأدركتُ الحاجةَ الماسَّةَ لتأليف مقدِّمة تحدِّد الإطار العام لهذا العلم، وتضع المعيارَ الذي يمكن اعتمادُه في تصنيف هوية المتكلم والكلام الجديد، وتوفِّر للباحثين والدارسين في علم الكلام وفلسفة الدين خارطةَ طريق ترسم المعالم الأساسيّة لعلم الكلام الجديد» (ص 20).

يقع الكتاب في خمسة فصول رئيسة في طبعته الثالثة الصادرة هذا العام 2023 عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد؛ يحمل الفصلُ الأولُ عنوانَ «ملخص لنشأة علم الكلام وتطوره وعجزه»، وهو كما يظهر تلخيص للأدوار التاريخية التي مر بها علم الكلام. ويحمل الفصلُ الثاني عنوان “تجديد علم الكلام” ويتحدث المؤلف في هذا الفصل عن أن منهجه هو التجديد وليس الاصلاح ولا الإحياء ويحدد تسعة أركان لتجديد علم الكلام، ويحمل الفصلُ الثالث عنوان «الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي»؛ يضع فيه المعيار الذي يتميّز به الكلامُ الجديد عن غيره، مُفَرِّقًا بين مفاهيم كالإحياء والتحديث والتجديد، كما يناقش فيه عبد الكريم سروش في مفهومه حول الوحي و«الرؤى الرسولية». ويحمل الفصل الرابع عنوانَ «الفهم الجديد للوحي لدى مفكِّري الإسلام في الهند»؛ يتناول فيه الفهم الجديد للوحي الإلهي لمفكّرين كولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن. أما الفصل الخامس والأخير، فهو حوار أُجْرِيَ مع الكاتب في إطار التعريف بعلم الكلام الجديد، ويقع تحت عنوان «إيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي للدين في الكلام الجديد»؛ يدور حول الغاية من ابتناء علم للكلام جديد؛ وهي ابتعاث تلك المعاني الجمالية والرحمانية في الدين، ونفي صورة الله المرعبة عن الله التي قامت في الكلام القديم.

مدخل

فرضَ علمُ الكلام التقليدي على الدين الإسلامي رؤيةً للعالَم أثَّرَتْ تأثيرًا بالغًا في تعطيل الاجتهاد والتجديد في الدِّين، ومن هنا جاءت الدعوةُ إلى الانتقال من الكلام القديم إلى الجديد استجابةً لأسئلةِ الإنسان المعاصر وقلقه واغترابه الروحيّ، وما دام هناك إنسان، فهناك أسئلة ميتافيزيقيّة كُبْرَى، وتحدِّيات روحيّة ينبغي الوفاءُ بها؛ يفرضها تطوُّرُ الوعي البشريّ واختلافُ الزَّمانِ والمكانِ التَّاريخيّ.

ينطلق الكلامُ الجديد بتعريف الوحي الذي تتفرَّع عنه المسائلُ الكلاميّةُ الأخرى، ومحاولة تقديم تفسيرٍ جديد له؛ شرط أن يكون التفسيرُ الجديدُ منحصرًا في إطار الدين الميتافيزيقيّ لا خارجًا عنه، ومن هنا يأتي المعيارُ الذي به يُعَرَّفُ الكلامُ الجديد والمتكلمُ الجديد من كونه يبتدئ أوّلًا بتبنِّي مفهوم جديد ميتافيزيقيّ للوحي. والآن، فلنُقم برحلة موجزة في تاريخ علم الكلام وتطوّره وعجزه أخيرًا.

رحلة تاريخية موجزة

نشأ علمُ الكلام بين المسلمين مبكِّرًا لعوامل تاريخيّة كثيرة، وتصدّرت مسألةُ «الإمامة» العواملَ الباعثةَ على إنشاءِ الكلام، فكانت السياسةُ وراء ولادة الكثير من المعتقدات والأفكار التي تشكَّلت منها المذاهبُ بعد ذلك، وظلَّتْ تلعب هذا الدور دائمًا.

غذَّتِ الصِّراعاتُ  اللاحقةُ بين المسلمين مسائلَ هذا العلم، وعملتْ على تطوُّر نقاشاتِه وتَشَعُّبِها. وبعد انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربيّة، واستيعابه لمجتمعات وإثنيّات أخرى متعدِّدة، كانت لها أديانُها وثقافاتُها وتراثها، دخل كثيرون منهم الإسلامَ وهم مُحَمَّلُون بهذه الترسُّبات الكامنة في أعماقهم، فكان لها عظيمُ أثر في إثراء هذا العلم وتعدُّد أبوابه ومذاهبه.

وفي فترةٍ لاحقةٍ استهوى علماءَ الكلامِ المنطقُ الأرسطيُّ وفلسفةُ اليونان وامتداداتُها؛ وذلك بعد انفتاح المسلمين على التَّرجمة. دخل الكلامُ في مرحلة لاحقة دوائرَه المغلقة، فأضحى عاجزًا عن استيلاد مسائل جديدة أو استخدام مناهج أخرى في البحث والتأويل، وظلّ يعالج المسائل نفسها التي عالجها السَّلَفُ، يبتدئ من حيث ينتهى، وينتهي من حيث يبتدئ.

بلغ الكلامُ ذروتَه في القرن الرابع الهجري، واستوت الفرقُ والمذاهبُ وتنوّعَت وتعدَّدَت، وحاولتْ هذه المذاهبُ على تكاثُرِها أن تكون لها مقولاتٌ كلاميَّة في السياسةِ والإمَامَةِ؛ وكُتِب لهذه المذاهبُ التي طوّرَت لنفسها نظريّةً سياسيّة تسوِّغ مسلكها السياسيّ عقديًّا البقاء في تاريخ الإسلام وعالَمه، أمّا غيرها فلم تلبث إلا وانطفأتْ مبكِّرًا.

إشكاليَّة المُسَمَّى

أطلقُ الدَّارسون على ذلك العلم الذي يدرس العقيدة أسماءً عديدة؛ من بينها «الفقه الأكبر» الذي يدرس الاعتقاداتِ في مقابل «الفقه الأصغر» الذي يدرس العمليّات، كما أُطْلِقَ عليه اسمُ «أصول الدِّين»، لأنّه يتمحور حول بيان أصول هذه الديانة، وأُطْلِقَ عليه اسمُ «التوحيد»، فهو العلم الذي يدرس مسألةَ توحيد الله؛ تسميةً للكلِّ بأشرف أجزائه، كما أُطْلِقَ عليه مُسَمَّى «العقائد»، فهو العلم الذي يدرس عقائدَ الإسلام ويعمل على بيانِها، وأمَّا عن أشهر أسماء هذا العلم، وأكثرها تداوُلًا وانتشارًا فهو مسمّى «علم الكلام».

للدارسين آراء متعدِّدَة حول السبب وراء هذه التسمية، فمن قائل إنّ عنوان مباحثه كان قولهم «الكلام في كذا»، أو لأنّ صفة الكلام كانت أشهرَ مباحثه وأكثرَها جدلًا، أو لأنّه يُورِثُ القدرةَ على الكلام، أو لأنَّه من العلوم التي تُعْلَم وتُتَعَلَّم بالكلام، أو لأنَّه مشتقّ من الكَلْمِ الذي هو الجرح، أو لأنَّ الكلامَ ضدُّ السكوت، وكان المتكلمون يتكلمون حيث ينبغي الصمت، إلى غير ذلك من أسباب متكاثرة أوردوها وتخالفوا فيها أيضًا.

تيّار الظاهريّة وفشوّ التقليد

وُلِدَ التفكيرُ الكلاميّ غريبًا في مجتمع فكريّ يناهضُ وجودَه، ولا يراه شيئًا، وأُلْصِقَتْ به مختلفُ التُّهَم، ووصفهم أئمةُ الفقه الأوائل – كما ورد عنهم – بالبدعة وأقسى الألفاظ وأشنعها؛ وبذلك تغلغلتْ الأفكارُ المناهضةُ لعلم الكلام وعيَ المسلمين، وأُودِعَتْ أمثالُ هذه العلوم قفصَ الاتِّهام على الدّوام، ورغم ذلك اشتدّ عودُ الكلامِ وتبلورت مسائلُه مبكِّرًا.

توفَّرَتْ هوامشُ من الحريّة الفكريّة والدينيّة أدَّتْ إلى نشوء الفرق الإسلاميّة الكبرى كالمعتزلة والأشاعرة والماتريديّة والشِّيعة، وضمَّتْ كلُّ مدرسةٍ أجيالًا من المتكلِّمَةِ المجتهدين الذين اشتغلوا بتطوير هذا العلم وترسيخ مدارسِهم الكلاميَّة وتدعيمها بشتّى الوسائل والأدوات. بدأ مُتَنَفَّسُ الحرية هذا يذبل شيئًا فشيئًا حينما طغتْ روحُ التكفير بعضَ المتكلمين والفقهاء.

تعاون الخليفةُ المتوكِّلُ مع الفقهاء في فرض حصار فكريّ على المتكلمين، وألزم غيرَه برؤية عقديَّة بِعَيْنِهَا مَنَحَهَا المشروعيَّةَ، وحظر ما عداها. وفي مرحلة لاحقةٍ جاءتْ وثيقةُ «الاعتقاد القادريّ» – نسبةً إلى الخليفة القادر بالله – مُتَبَنِّيةً رؤية الحنابلة في العقيدة، مستهدفةً بعضَ المتكلِّمين، مُسْتَحِلَّةً دماءَهم. واتَّسع نفوذُ الاعتقاد الظاهريّ بمرور الأيام، مناهضًا أيَّ محاولة للعقلنة العقائديّة، مُقْصِيًا كلَّ ما يخالفه من رأي.

يُطْلِقُ علمُ الكلام – في أصله – للإنسان حريةَ التفكير في العقيدة، ولا يرى جوازَ التَّقليد؛ استدلالًا على ذلك بالنقل والعقل، ولم يقُلْ بجواز التقليد في العقيدة أحدٌ إلّا تيَّار أهل الظاهر المناهض للمتكلِّمين. ضحَّى تيارُ الظاهريّة الاعتقاديّة بروح الشريعة ومقاصد الدِّين الكُلِّيَّة، مُغَيِّبًا العقلَ، مُتَجاهِلًا كلَّ عصرٍ وما يحفل به من تغيُّرات شتّى.

ورغم ما حفلت به مدوّنات الكلام القديمة من تحريم للتقليد العقائديّ، إلّا أنّ الأتباع قلَّدُوا مؤسِّسي ومجتهدي الفِرَق والمذاهب العقديّة وتابعوهم في آرائهم جيلًا بعد جيلًا دون أيّ محاولة لنقدها أو الخروج عليها؛ وبذلك تعطَّل الاجتهادُ الكلاميُّ من قِبَل أهلِه كذلك.

ركود الكلام

اصطبغ الكلامُ بألوان الثقافات المحلِّيَّة في المجتمعات الإسلاميّة، ولم يتحرَّر أبدًا من تأثيرات الموروث، ففي القرن الأول وحتى القرن الثالث، كان التفكيرُ الكلاميُّ يدور مع ما يتسجدّ من أسئلة واستفهامات، لكنّه مع بداية القرن الثالث انتهج نهجًا جديدًا، دُشِّنَتْ فيه مرحلةٌ جديدة؛ اشتغل فيها المتكلِّمون بابتناء المباني، وتأسيس المذاهب والفرق الإسلامية الكبرى.

عصفتْ بالكلام عواصفُ لم تمنعه من المُضيّ قدمًا، بل وظهرتْ في القرن الرابع والخامس والسادس والسابع أهمُّ مدونات الكلام؛ مثل «المغني» للقاضي عبد الجبار في القرن الخامس الهجري، و«التجريد» لنصير الدين الطّوسي في القرن السابع الهجريّ؛ الذي أصبح نموذجًا يرتسمه الباحثون.

لم يشهد التأليفُ في علم الكلام أعمالًا إبداعيّة أخرى بعد «التجريد»؛ ما كان إيذانًا بركود هذا العلم وانسداد سُبُلِهِ منذ هذا الحين. لكن، ظهرتْ إرهاصاتُ انبعاثٍ جديد نهاية القرن الثالث عشر، وتبلورت أسئلةٌ جديدة استفاق بها الفكرُ الكلاميّ، واستهلّ جماعةٌ من الأعلام محاولةَ إحيائِه واستدعائه في العصر الحديث، ومن ثَمَّ العمل على إعادة بنائه وتجديده.

أسباب عجز الكلام القديم

عُمِّمَتْ المقولاتُ الكلاميّةُ القديمةُ على جميع العصور؛ ما جعل الكلامَ عاجزًا عن مواكبةِ الحياة الراهنة بمشكلاتِها المستجدَّة، وتحدِّياتها الجديدة؛ ويمكن إيجازُ مظاهر هذا العجز في المحاور الآتية:

  • مرجعيّةُ المنطق الأرسطيّ

رغم رفض المتكلِّمين للفلسفة وطرائقها إلا أنّهم قبلوا المنطق الأرسطيّ واستعملوه أساسًا يبنون عليه مقولاتِهم الكلاميّة، بل وصار المنطقُ مرجعيةً يَحْتَكِمُ إليها المتخالفون حول المسألة الواحدة؛ كلٌّ يُدَعِّمُ كلامَه مستخدمًا قواعدَ هذا المنطق وطرائقه في الاستدلال وإقامة الحجّة. ظلّ المنطقُ الأرسطيّ جامدًا عند ما قاله أرسطو منذ زمن بعيدٍ، ولم يَعُدْ قادرًا على مواكبة تطوُّرات العصور المتتالية التي انقلبتْ عليه حديثًا، ورفضتْه منهجًا للتفكير.

  • الفصام بين النظر والعمل

تغلَّبَتْ بالتّدريح النزعةُ التجريديّةُ الذهنيّةُ على المنحى الواقعيّ في علم التفكير الكلاميّ، وانجرّ إلى عالم ذهنيّ مُجَرَّد؛ يُفَكِّرُ في مسائل بعيدة لا تواكب مشكلاتِ الإنسان الواقعة، وجعل يُدَقِّق في مسائل افتراضيّة ومحاججات بعيدة عن آمال الإنسان وآلامه في الحياةِ المُعَاشَة. أدَّى هذا إلى تغليب النَّظَرِ على العَمَل، وحالة انفصاليَّة ما بين النَّظر والعمل، وهيئة فكرية تغلب فيها الحكمةُ النظريّة الحكمةَ العمليّة، بل وتعمل على الحطِّ من شأنها.

  • شيوع التَّقليد

تراجعَ دورُ العقل بالتدريج وشاع التَّقْلِيدُ الذي يرفضُه المُتَكَلِّمَةُ أصلًا، إذ جعلتْ أقوالُهم تُبْتَنَى على الإيمان بمسلَّمات قَبْلِيَّة يقومون بالاستدلال عليها بمقدِّمات يقينيّة؛ ما أدّى بهم إلى منهج جدليّ لا طائلَ وراءَه، فتراجع لذلك دورُ العقل وشاع التقليدُ في أصول الدين، وصار الأتباع يُسَلِّمون بمقالات شيوخهم، ويدعِّمونها بالحجج، دون مراجعة أسُسِها، أو التفكير خارج مساقاتها، ودخل الكلامُ معهم مرحلةً من السبات العميق.

  • إهمال الإنسان

لم يدرس المتكلِّمون الإنسانَ، ولم يُدْرِجُوا في مقالاتهم بحوثًا تتناول همومه واحتياجاته، ولم يتعاملوا معه على أنّه المقصد الأسمى وراء الوحي الإلهيّ، بل انشغلوا بالغيبيّات والمقالات السياسيّة التي أنهكتِ الإنسان، وانتهكتْ كرامتَه التي تُعَدُّ مقامًا وجوديًّا خُصَّ الإنسانُ به إلهيًّا.

  • غياب الضمون الاجتماعيّ عنه

لم يقتصر الكلامُ القديمُ على تجريد الكلام والابتعاد به عن الجانب العمليّ منه، بل تَفَرَّغ فيه التوحيدُ عن مضمونه العمليّ، وغدا الاعتقادُ أقربَ إلى التصديقات الذهنيّة التي لا يُرَى لها تطبيقٌ سلوكيّ في عالم الواقع.

  • التربية على الخوف

صوّر الكلامُ القديمُ الإلهَ في صورة مرعبة؛ جعلت الإنسانَ معه عبدًا مُسْتَرقًّا خانعًا ذليلًا، تُصَادَرُ حقوقُه وحريَّاتهُ. واحتجب بذلك لاهوتُ الرحمة، وتنمَّطَتْ علاقةُ الإنسان بالله، فقامت على أساس من القهر والخوف، لا الحبِّ والرغبة.

  • ترسيخ اللاهوت الصراطيّ

يُجَادِل كلُّ متكلِّم عن مذهبه الكلاميّ، ولا يكتفي بذلك، لكنّه يقوم بحصر الحقَّانيّة في مقولات فرقته فحسب، محتكرًا صورة الله، ومحاولًا استملاكَه، واصمًا المخالف بالابتداع في الدِّين أو الكفر أو درجة تكون بينهما؛ ما أدَّى إلى حالة اصطراعيّة بين أتباع الفِرَق… كُلٌّ يحاول فرضَ نفسه على الآخر بكلِّ طريقة ممكنة، وصارَ العَيْشُ المشترك بين المختلفين عقديًّا أمرًا مستحيلًا.

  • إهمال الرّوح

أورد المتكلِّمون مقالاتِهم بأسلوب رياضي، أو منطقيّ، أو فلسفيّ، أو علميّ، وجانبوا الجانبَ الروحي والعاطفي في محاججاتِهم، فنتج عن ذلك إيمانٌ جافٌّ يُهْمِلُ الروح، ولا يُلْقِي بالًا بانفعالات الإنسان وعاطفته وشعوره الداخليّ، ولهذا ابتُعِثَ التصوّف علمًا مستقلًّا؛ ردًّا على هذا الإهمال والضياع الروحي للمسلمين الذي ساهم فيه المتكلِّمون.

  • الافتقارُ إلى المَضْمُون الأخلاقيّ

عرفنا أنَّ الكلامَ لا يعتبر الحكمةَ العمليّةَ كثيرًا؛ ومن هنا جاء إهماله للمضمون الأخلاقيّ، فلا نعثر في مدوّنات الكلام على مختلف فِرَقِها ومذاهبها مبحثًا يتناول ماهيّةَ القيمة الأخلاقيّة مثلًا، ولا نجد ما يمكن أن يُلَمِّح إلى مباحث تتعلق بالفضيلة والسعادة، رغم امتلاء القرآن بمناقشة هذه القيم وتركيزه عليها في مواضع كثيرة.

  • عدم التمييز بين المقدس واللامقدس

كان التمييزُ قائمًا بين النص الأوَّل (القرآن والسنّة)، والنّص الثاني (شروح النّص الأول)، لكن حدث بينهما خلطٌ بالتدريج، إذ ارتقت بعضُ الشروحات والتفاسير الدينيّة مقامًا مُقَدَّسًا وهي في أصلها أفهامٌ بشريَّة.

ولم يكن المتكلّمون بِدْعًا من هذا الأمر، إذ كانت لهم مقولات وشروحات خاصّة بهم في ضوء العصر الذي عايشوه والمعارف التي يعرفونها، ثم جاءَ أتباعُهم -في عصور التقليد والانغلاق- غارقين في التفسيرات والشروح وشروح الشروح والحواشي؛ لا يأتون بجديد، ولا يتعاملون مع هذه النصوص بروح النَّقد، بل حصروا فيها الأقوالَ، وعاملوها كأنَّها نصوص مقدَّسة.

  • تجاهُل العوامل المؤدِّية إلى نشأة الفرق

تجاهلَ الكلامُ الظروفَ والعواملَ التي نتجت عنها الفرقُ والمذاهبُ الكلاميَّةُ ولا سيّما العامل السياسيّ، وكأنّها نشأت في سياق منفصل عن زمانها وبيئتها وتاريخها الخاص.

  • الاعتماد على الطبيعيّات الكلاسيكيّة

من المشكلات التي مُنِيَ بها الكلامُ أن اعتمد على علوم الطبيعة لدى القدماء، وأوردوا مسائلَها القديمة في مدوَّناتهم متعاملين معها على أنَّها حقائق نهائية، وما زاد في الأمر من سوء أن استمرّت هذه الطبيعيّات مبثوثةً في كتب المتكلِّمين وثناياها، مختلطةً بغيرها؛ يُكَرِّرها الخَلَفُ ويتناقلونها جيلًا بعد جِيلٍ.

ماهيّة الكلام الجديد

محاولات إحيائيّة: بين التجديد والإصلاح

قارب القرنُ الثامن عشر على الأفول، وحدث اللِّقاءُ الأوّل بين الشرق والغرب منذ مدّة طويلة في مصر حينما غزاها نابليون عام 1798م، فكانتِ الصدمةُ الحضاريةُ أوقعَ من الصدمةِ العسكريّةِ، ثم كان أن ابتُعِثَ رفاعةُ رافع الطهطاويّ إلى فرنسا، فانبهر بفنون وآداب ومعارف الفرنسيِّين مدوِّنًا ما رآه وتعلَّمه هنالك في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، ومن ثَمَّ عاد إلى مصر مفعَّمًا بطاقة الترجمة، مساهمًا في نقل ما اقتدر عليه من العلوم والفنون والمعارف الحديثة.

وحدث الأمرُ نفسُه في شبه القارّة الهنديّة حيثُ استحوذت الدهشةُ على النّخبة المفكِّرة هنالك، فدعا سيد أحمد خان المسلمين في الهند إلى الأخذ بمكاسب الحضارة الغربية، وأصدر من أجل ذلك مجلة «تهذيب الأخلاق»، وأسَّس «جامعة عليكرة الإسلاميّة» تحقيقًا لهذا المطلب؛ ما أدّى إلى عاصفة من جدلٍ ومناظرةٍ أيقظت الفكرَ الكلاميَّ الكامنَ، وانبرى جمالُ الدين الأفغاني وأكبر حسين الإله آبادي للردِّ على مقالات أحمد خان وآرائه بخصوص هذا الأمر.

سرتْ عاصفةُ التجديد والإصلاح العالَم الإسلامي أجمع، واختلط الإصلاحُ بالتجديد، والتجديدُ بالإصلاح، واتّسمت الحركاتُ الإصلاحيّة برفض التعصب والتحجُّر، ومحاكاة شيء من الإصلاح اللوثري في المسيحيّة، أما التجديد فاتّسم بالإبداع والابتكار، والإتيان بما لم يكن مألوفًا من قبل، واستخدام أدوات منهجيّة حديثة لم تكن مستخدمةً في السابق.

دار النِّقاشُ بين الباحثين حول مفهوم التجديد الكلاميّ، فرأى البعضُ أنّه يعني دمجَ المسائل المستجدَّة، واستيعابها في إطار المنظومة الكلاميّة القديمة، فيما ذهب غيرُهم إلى أنَّ التجديد الكلاميَّ يعني تجديدًا في المباني، والمسائل، واللغة، والموضوعات، والمناهج، والأهداف، وإذا طالَ التجديدُ هذه الأبعاد، فلا شكّ ستشهد الهندسةُ الكلاميّةُ لعلم الكلام تجديدًا مستمرًّا، وسيظهر الكلامُ في حُلَّة ولباسٍ آخر جديد.

ما يُؤْخَذُ على الرؤية السابقة للتجديد أنّها لا تضع حدًّا فاصلًا بين علم الكلام وفلسفة الدين، إذ تتماهى فيها الحدودُ وتتداخل، ورغم ذلك تبدو هذه الرؤية تصوُّرًا أجلى وأظهر من أيّ رؤية أخرى لتجديد علم الكلام. وحتى تتضح الصورةُ، ويقوم هذا العلمُ على قدم وساق، ويتمايز عن غيره، يمكن وضعُ تعريفٍ لعلم الكلام الجديد أنّه «الفهم الجديد للوحي»؛ ما يجعل هذا التعريفَ معيارًا يتمايزُ به الكلامُ الجديد عن غيره.

تأسيس الكلام الجديد

لا يُمْكِن القول بنسبة تأسيس هذا العلم لرجل واحدٍ؛ ذلك أنّ حركةَ التجديد في معارف الدين مخاضٌ عسير، فلا يمكن لتجديدٍ أن يكون بمجرَّد قرار تصدره مؤسَّسة، أو كتاب يكتبه إنسان، وهكذا كان تجديدُ الكلام مشروعًا أسهمتْ فيه مؤسسات كثيرة، ورجال كثيرون عملوا على تأسيسه وتطويره.

تميّزت الفترةُ ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين بالدّعوة إلى إحياء علم الكلام القديم، لكنّ مصطلح الكلام الجديد لعلّه لم يظهر إلا على يدَي شبلي نعمان في كتابه «علم الكلام الجديد»، لكن لا يمكن الجزم بأن شبلي نعمان هو أوّل من نحت هذا المصطلح، ولعلّه مُسْتَعَار من سيد أحمد خان.

اتَّخَذ علمُ الكلام الجديد فيما بعد مسارًا مُخْتلفًا مع محمد إقبال، إذ حاولَ في كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام» ابتناءَ فلسفة بديلة للدِّين تغتني بما تستوعبه من معارف الآخر، وقام بتحليل جوهر الدِّين مستنطقًا الموروث الإسلاميّ للعرفان، ومستعينًا بحشد من الفلاسفة والمفكِّرين الغربيِّين؛ ما يشى بموقف إيجابيّ من الفلسفة ومعارف الغرب الحديثة. كما قام بمعالجة الوحي، والنبوة معالجةً جديدة؛ ما يضع مساهمته في إطار الكلام الجديد.

تكاملتْ رُؤى محمد إقبال لدى فضل الرّحمن، رغم أنّه لم يُحاكِهِ في تفكيره، وإن كانت رؤاه قد اغتنت وتطوَّرت بأفكار إقبال وطريقته. دعا فضل الرحمن للعودة إلى القرآن، مستندًا عليه في أفكاره ورؤاه، محاولًا تخليصه وتنقيته من إكراهات التاريخ وتسلُّطاته، واضعًا يديه على مقاصد القرآن وكُلِّيَّاته، والقضايا المحوريّة فيه، منتهيًا إلى آراء كانت غريبة على بيئته الدينيّة.

أعاد التفكيرُ الدينيُّ في إيران إنتاج مقولات إقبال، وعمل على تطويرها وتنميتها، ولا سيّما رأيه في خَتْم النبوَّة، إذ كان يرى الوعيَ البشريَّ الإنسانيَّ قد وصل إلى مرحلة من الكمال المعرفيِّ الذي أهَّلَهُ إلى الانفراد بنفسه، وعدم الحاجة إلى الاعتماد على مِقْوَدٍ يُقَادُ منه (النبوة).

أما مصطلحُ «علم الكلامِ الجديد»، فقد ظهر أصلًا في إيران نتيجةَ ترجمة كتاب شبلي نعمان سابق الذِّكر، وبدأ ظهورُه في أُفُقِ التفكير الفلسفيّ والكلاميّ لدى محمد حسين الطباطبائيّ، وشروح تلميذه مرتضى المطهّري الذي كتب تصوّرات أوّليّة بشأن التجديد الكلاميّ، مستعملًا مصطلح «الكلام الجديد» باحثًا الجانب الوظيفيّ من علم الكلام.

محاولات التجديد الكلامي بين إيران والعالَم العربي

صدر كتاب «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» للطباطبائي، وقام المطهري بشرحه، ورغم كون الكتاب يُعْنَى بالفلسفة أكثر، إلّا أنّ البحث فيه قد انصبّ على بيان مسألة المعرفة والإدراك، وتفسير حقيقة المعرفة الإنسانية ومصادرها وحدودها، مُعْتَمِدًا في ذلك على نقد الاتِّجاه التجريبيّ في الفلسفة الغربيّة الحديثة، والاتِّجاه المادِّيّ؛ فوقع في نوع من الالتباس في فهم الفلسفات الغربية الحديثة وتياراتها، نتيجة افتقاره إلى معرفة اللغة التي دُوِّنَت بها هذه الفلسفات، واضطراب ترجماتها التي عاصرتْه.

كما صدر كتابُ «فلسفتنا» لمحمد باقر الصدر وهو أَلْصَقَ بـ «علم الكلام» منه إلى «الفلسفة»، إذ نسج الصدرُ فيه على منوال الطباطبائي؛ محاولًا تدوين علم كلام فلسفيّ، التبس لديه تفسير بعض اتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة وآراء الفلاسفة، فوقع فيما وقع فيه الطباطبائي من التباسات لنفس السبب السالف. كما حاول الصدرُ في كتابه «الأسس المنطقيّة للاستقراء» التّحرُّر من تقليد أرسطو، وفكّر في آفاق لا تقرر مقولاته في «فلسفتنا»، واعتمد فيه على توظيف منهج الاستقراء القائم على حساب الاحتمالات، وحاول أن يعالج ثغرة اليقين في الاستقراء الناقص.

وإذا انتقلنا إلى العالم العربي، نجد بعض المحاولات المبكِّرة للدّعوة إلى التجديد الكلامي لدى أمين الخولي الذي يرفض حصر الاجتهاد في المجال الفقهيّ فحسب، فكما تستجدُّ قضايا فقهيّة معاصرة على الفقيه المعاصر معالجتها معالجةً جديدة، كذلك تستجد احتياجاتٌ معنويّة وروحية وباطنة لدى الإنسان تجعل الحاجةَ مُلِحَّة إلى الاجتهاد الكلاميّ أيضًا، فالتطوّر سنّة شاملة؛ تفرض سلطانها على المعاملات والعبادات، والعقائد كذلك، ولذلك يرفض الخوليّ أيَّ قراءة لاتاريخيّة للتراث الإسلامي بشتّى ضروبه ونواحيه.

وحاول محمد عبد الله دراز في كتابه «الدين: بحوث مُمَهِّدَة لدراسة تاريخ الأديان» معالجةَ الفكرة الدينيّة من الناحيتَين: الموضوعيّة والنفسيّة، كما ناقش العلاقةَ بين الدِّين والأخلاق والفلسفة وسائر العلوم، كما ناقش نشأة الدين، والحاجة إليه، ومنابع الإلهام الإنسانيّ فيه، مستندًا في ذلك كلِّه على معطيات المعرفة الإنسانيّة الجديدة، مستفيدًا من تحصيله العلمي والمعرفي الجديد.

وأوردَ فهمي جدعان مصطلح «كلام جديد» في كتابه «أسس التّقدُّم عند مُفَكِّرِي الإسلام في العالَم العربي الحديث» في خضمِّ مناقشته «التوحيد المُتَحَرِّر»؛ الذي يعني ضرورةَ وجود علم كلاميّ يُعالج التوحيد من جهةِ كونه علمًا مُحَرِّرًا للإنسان، صافيًا ممّا قد يعلق به من شائبة أو كَدَر.

يبدأ التجديد الديني بتجديد الكلام

لا يمكن للدِّين أن يتجدَّد مواكبًا حركةَ العصر الحديث إلّا عن طريق تجديد الكلام الإسلامي، والانتقال عن دوائر الكلام القديم المغلقة، فتجديد الفقه مثلًا يُبْتَنَى على تجديد الكلام، إذ تُعَدُّ المقولاتُ الكلاميَّةُ مسبقاتِ الفقيهِ اللاهوتيّةِ ومُسَلَّماتِه العقليةِ، فلا يمكن الانتقالُ عن القراءةِ الفقهيَّة المغلقة للنصوص ما لم يسبقْها تجديدٌ في البنية العميقة لإنتاج تفسير النصوص والمنحصرة في الكلام وحده لا غير.

تتجلّى أهميّةُ الكلام الجديد في أنّه يعمل على التمييز بين الإلهي والبشري، ويضع حدودًا بين الوحي الإلهيّ والعقل البشريّ، كما يكشف عن أقنعة المقدّس إذا ما تدثّر بها الدنيويُّ؛ ما يؤدِّي إلى تحديدِ مجالات المقدَّس الذي يعمل فيها، ومعرفة مجالات الدنيويّ التي يدور فيها. كما تتجلّى أهميتُه في إطلاق نزعةِ التَّفكير الحرِّ في العقيدة، وتقويض الانغلاق الذي عَمِلَ على تكريسه تيّارُ الظاهريَّةِ الاعتقاديَّة عبر الزَّمان.

هذا غير أنّه ينشد التعبيرَ الجماليَّ عن الدين ويعمل على تكريسه، نفيًا للقُبح، ونبذًا لتفسيراتٍ موغلة في الوحشيَّة؛ تبتعد بالدين عن سياقاته الرحمانيّة. ولأنّه لا جوابَ أبديًّا للأسئلة الميتافيزيقيّة كان لزامًا على علم الكلام الجديد أن يتأسس، وأن يكون له وجود، وأن يصير المنفذ الوحيد للكلام إذا أُرِيدَ له النفاذ إلى عصرنا الحاضر وهمومه ومشكلاته الراهنة.

انحصار التجديد الكلامي في الفهم الجديد للوحي

الكلام بين التجديد والتحديث

حرص بعضُ الباحثين المتحمِّسين للتراث على عدم استخدام مصطلح «الكلام الجديد»، مُفَضِّلين بدلًا منه «الكلام الحديث»؛ تخلُّصًا من الحمولة الدلاليّة التي تحملها كلمة «الجديد»، وما تشي به من قطيعةٍ مع الكلام التقليديّ القديم، إذ «الكلام الجديد» يعني تخطِّي ما كان يُبْتَنى عليه الكلامُ القديمُ من مناهج وأدواتٍ للفهم وتحصيل المعارف؛ كالمنطق الأرسطيّ، وسطوة الطبيعيّات الكلاسيكيّة، والرؤية القديمة للعالَم والإنسان.

إن مجرّد التّسمية تفرض سلطانَها على طريقة الباحث في التفكير، فالباحث الكلاميُّ الجديد يعرف قصورَ الفكر الكلامي القديم، ويحاول ابتناء آخر على أنقاضه، أما الباحث الكلاميّ الحديث، فإنه لا يرنو إلّا إلا بسط المسائل الكلاميّة القديمة في صورة مدرسيّة حديثة ربّما، مع استيعاب المسائل التي استجدّت بأدوات ومناهج البحث القديمة كما يفعل من يمكن تسميتهم بـ«الأشاعرة الجُدُد» من تسويق للأشعريّة مرّة أخرى عن طريق تكريسها، وإلباسها حُلَّة جديدة لا تخلو من إغواء.

مضمون قديم تحت مُسَمًّى جديد

ظهر تعبير الكلامُ الجديد – كما تقدَّم – مع  شبلي النعماني في كتابه «علم الكلام الجديد»، وكان أوَّل من يؤلِّف كتابًا تحت هذا المُسَمَّى، لكنّه تناوَل مسائل الكلام التقليدي هي هي دون تغيير، متبنِّيًا المناهج والأدوات القديمة نفسها دون أي تغيير ظاهر، كما أدرج في كتابه مسائل جديدة لم تُبْحَثْ من قبل؛ كمسألة الانتحار، وحقوق المرأة، والحقوق العامّة للشَّعب… إلخ.

تبنّى شبلي النعماني نفسَ المنطق الدفاعيّ للكلام التقليدي، فلم يخرج عن القديم قيد أنملة إلّا فيما أورده من مسائل جديدة عالجها بمناهج قديمة، لذا كان وفيًّا كلّ الوفاء للقديم؛ ما يدعو إلى القول بأنّه تبنّى اسمًا جديدًا، لكن بمحتوىً ومضمون ٍتقليديّ قديم. ولعلّه أخذ هذا المسمى عن أحمد خان الذي نجد في آثاره خروجًا على التراث الكلاميّ القديم دون الإشارة إلى ذلك.

وأصدر إسماعيل حقِّي الإزميلي كتابًا بعنوان «علم الكلام الجديد» باللغة التركيّة العثمانيّة، لكنّ الكتاب لم يُتَرْجَمْ إلى العربية أو غيرها من اللغات حتى اليوم، ولم يُعْرَف عن مؤلِّفه أنّه من روَّاد التجديد، ولو كان يحمل اتِّجاهات أو رؤىً تجديديَّة خارج نطاق القديم لطارت شهرتُه في الآفاق كغيره من الكتب، لكنّ هذا لم يحدث.

ذهنيّة تراثيّة

أكثرُ مُفَكِّري الإسلام اليوم مقلِّدون في العقيدة لأئمّة الفرق، لأنّهم يرون العقائدَ ثابتةً لا اجتهادَ فيها. تنبني هذه الرؤية على أنَّ كلَّ الحقيقة الدينية تمّ الكشفُ عنها، ولا يمكن الإتيانُ بجديد، بل كلّ جديد هرطقة دينيّة، وشبهة ينبغي الإتيان عليها رفضًا وردًّا.

ولعلّه لا نجد دعوةً صريحةً إلى التجديد في العقائد إلّا لدى أمين الخولي الذي رأى سُنَّةَ التَّطَوُّر سُنَّةً عامّة جارية تشمل العقائد بجانب العبادات والمعاملات، ورغم هذه الدعوات التجديدية المحمومة التي أطلقها، إلّا أنه لم يفصح عن رأيه في مقولات الكلام، ولم يمارس التجديد عمليًّا.

بناءً على ذلك، لا يمكن وضع محمد عبده في خانة الكلام الجديد، لأنه كان يُفَكِّرُ بذهنيّة كلاميّة قديمة، وعلم الكلام لديه كما ظهر في (رسالة التوحيد) هو الكلام القديم ذاته، إذ صاغ القديم ببيان مدرسيّ جديد، مُطَعِّمًا إيَّاه ببعض الرّؤى العقلانيّة التراثية من هناك وهنالك، كافًّا عن الخوض في مسائل لا يرى طائل من ورائها كمسألة الصفات وعلاقتها بالذات. يفتقر كلامُ محمد عبده إلى الفهم الديناميكيّ للوحي، ولا يبتكر منهجًا آخر للبحث الكلامي، ولا يوظِّف أدواتٍ جديدة في الفهم.

جاءَ طه عبد الرحمن مستأنفًا أبا حامد الغزالي، لكن بلغة تبتكر معجمها الاصطلاحيّ الخاصّ الذي تنفرد به، محاولًا الإفادة من المنطق الحديث وفلسفة اللغة. يفكِّر طه عبد الرحمن بذهنيّة تراثيّة لا يتحول عنها إلا بمنحوتاته اللغويّة؛ ما يحمل على القول أنّه لم يأتِ بكلام جديد أيضًا، وإن أتى بمُبْتَكَرَاتٍ اصطلاحيّة جديدة، وإن حاول الاستفادة من معارف وفلسفات وأدوات حديثة.

مِعْيارُ الكلام الجديد وأركانه

يقول الرفاعي: يلتبس مفهومُ التجديد بمفهومَي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية. للإصلاح الدينيّ عند روَّاد النهضة العربية أكثر من معنى، وإن كانت تلتقي على رفض التعصّب والتحجّر، ومحاكاة شيء من حركة الإصلاح الدينيّ اللوثريّ في المسيحيَّة، وفتح باب الاجتهاد في الفقه بالعودة إلى أدوات النَّظر وأصول الفقه الموروثة. بدأ هذا النمطُ من الفهم للإصلاح مع الطهطاوي مرورًا بالأفغاني، وتلميذه محمد عبده الذي كان أول عالِم مسلم يسعى لتدشين محاولات جادَّة في إعادة تفسير القرآن، وتقرير التوحيد ببيانٍ حديث، وإصدار فتاوى تصغي لإيقاع العصـر. إصلاح محمد عبده توقف عند المسائل الفقهية وتفسير بعض الآيات القرآنية من دون المساس الجوهري بالمقولات العقائدية، والقضايا الإيمانية النظرية الداخلة في نطاق “علم العقائد” أو “علم الكلام”. يتبنى الرفاعي التجديد وليس الإصلاح ولا الإحياء، ويشرحه بقوله: أعني بالتجديد إعادةَ فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادةَ بناء مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

أدركتْ جماعةٌ من المصلحين والمفكِّرين منذ القرن التاسع الأثرَ شديدَ السُّوء الذي تسبَّبَتْ فيه بعضُ العقائد كالقضاء والقدر، فقاموا بانتقاد مفهومِها الشَّائع لدى المسلمين، وبالتّدريج اتَّسَعَت دائرةُ النَّقد والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وظهر ما سُمِّي بـ «الكلام الجديد» في الإسلام الهندي.

ونظرًا لتبنِّي كثيرين مصطلح «الكلام الجديد» رايةً لآرائهم وأفكارهم ومقولاتهم الكلاميّة، التبس الكلامُ الجديدُ بغيره، فليس كل ما يُكْتَب تحت مُسَمَّى «الكلام الجديد» كلامًا جديدًا في حقيقة أمره، لذا فالمعيار الذي يمكن اعتباره مقياسًا لتمييز الكلام الجديد من غيره، وعلى أساسه يمكن تصنيف أحدُ المتكلمِّين بأنه متكلم جديد، هو الإتيان باجتهاد كلاميّ جديد يتبنّى مفهومًا جديدًا للوحي الإلهيّ ضمن نطاقه الميتافيزيقي لا خارجه.

الكلام الجديد الذي يُعْنَى بابتناء مفهوم جديد للوحي كما يرى الرفاعي يقوم أساسُه على تسعة أركان أساسية، هي:

  • تفسيرُ الوحي تفسيرًا ديناميكيًّا، لا يكون النبيُّ فيه الجانبَ السلبيَّ المنفعل، بل يكون فيه متفاعلًا معه، متأثِّرًا ومؤثِّرًا فيه.
  • نفي الصورة المرعبة لله في الكلام القديم، ومحاولة ابتناء صورة أخرى رحمانيّة مُفَعَّمَة بالرأفة الإلهيّة.
  • ابتناء صلة بين العبد والله تقوم على أساس من المحبة، لا على أساس القهر والخوف.
  • إيقاظ المعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ الكامن في النصوص المؤسِّسَة.
  • إعادة تعريف الدين بصورةٍ يكون فيها منبعًا لما يُثْرِي حياةَ الإنسان بالمعنى الذي يتطلّبه وجودُه.
  • الانفتاح على تعدُّد قراءات القرآن بتعدّد الأحوال، والأزمان، والبيئات، والثقافات، والأشخاص.
  • الاستفادة من معطيات الفلسفة الحديثة، والعلوم الإنسانية المعاصرة، والأدوات الجديدة في الفهم والتأويل.
  • دراسةُ المتخيّل الديني وتحليلُ كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني ضرورةٌ تفرضها عملية التجديد، فمَنْ يمتلكُ وسائلَ إنتاج هذا المتخيّل يمتلكُ السلطةَ ويمتلكُ التحكُّمَ بحاضر الناس ومستقبلهم في مجتمعاتنا. المتخيلُ الديني يُستثمَر لترسيخ السلطة الروحية وتمدّدها، ويُستغَل لإضفاء المشروعية على السلطة السياسية ويعمل على تضخُّمِ هيمنتها وتغوّلها.
  • لا يبدأ التجديد بالتراث لينتهي بالتراث كما يفعل بعضُ من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويصور لنا التراثَ وكأنه يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع من دون اكتراث بأن أكثر ما في التراث يتنكر له الواقع، كما يدلّل على ذلك نحوُ قرنين من إخفاق هذه الدعوة وتهافتها.

في ضوء فهم الوحي فهمًا ديناميكيًّا جديدًا لا يتنكَّر لأصله الغيبيّ، يمكن التحرُّر من مأزق القراءة اللاتاريخيّة للسنة والسيرة النبويّة، ويمكن الوقوفُ على ما هو محلِّيٌّ خاصّ بثقافة الجزيرة العربية، وما هو عالميّ يشتمل البشرَ جميعَهم، وبين ما هو وحيانيّ من قول النبي وفعله وتقريره، وما هو شخصي في سلوك النبيّ، وبلغة حاسمة: يمكن التمييز بين الثابت والمتغير في الدِّين.

مسَارَان جديدان في فهم الوحي

نلتقي في علم الكلام الجديد بمسارَين في تفسير الوحي وفهمه:

  • مسار يفسِّر الوحي بوصفه ظاهرة وقعت في التاريخ.

يرى هذا التيّارُ الوحيَ مُنْتَجًا ومُنْتِجًا ثقافية، وموقفه ملتبس حيال المضمون الميتافيزيقي للوحي. يمثِّل هذا التيّار باحثون مثل: محمد أركون، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشرفي، وغيرهم.

  • مسار يفسِّر الوحي بوصفه ظاهرة ميتافيزيقيّة.

يرى هذا التيارُ الوحيَ حالةً يعيشها النبيُّ؛ نتيجةَ تسامِي الإنسان (النبيّ) بروحه، أو تنزيلٍ إلهيٍّ عليه. يعتمد هذا التيارُ آثارَ العُرَفَاء لبيان البعدِ الميتافيزيقيِّ للوحي، والعلوم الإنسانية الحديثة لبيان بعده البشريّ. يمثِّل هذا التيارَ باحثون مثل: أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، ومحمد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سروش، وغيرهم.

مناقشة الرؤى الرسولية لعبد الكريم سروش

عرض

يرى سروش في كتابه: «كلام محمد رؤى محمد» -الصادر عن دار: أبكالو للنشر والتوزيع، من ترجمة: أحمد الكناني- أن ما ورد في القرآن من مشاهد القيامة؛ كتنازع أهل الجنة الشراب، وسلخ جلود أهل النار ونضوجها مرة أخرى، وحوادث الأنبياء الكثيرة وقصصهم؛ كانشقاق البحر لموسى، وغيرها من الآيات الشبيهة لم يكن النبي فيها ناقلًا لأخبار تلقاها تلقِّيًا مباشرًا، ولكنه شاهدها في أحلامه ورؤاه، وقام بروايتها كما رآها، لذا فهذه الآيات في حقيقتها ليست إلا مجموعة من الأحلام والرؤى التي اختبرها وعاينها النبيُّ ووقعت له، وشاهدها مشاهدة مباشرة في منامه، لذا فإنه في مثل هذه الآيات يروي عن نفسه مشاهداته الخاصة، ولا يروي عن غيره.

يناقش سروش على سبيل المثال رأي الطباطبائي في المراد من السماء التي تسكنها الملائكة بأنها عالم ملكوتي، ذو أفق أعلى نسبةً إلى هذا العالم المشهود، فيقول: «ولو تنبه صاحب (الميزان في تفسير القرآن) إلى أن رمي الشياطين بالشهب كان في عالم الرؤيا لما احتاج إلى كل تلك التأويلات، ولذهب إلى خبير في الأحلام والأنثروبولوجيا يدله على معنى أن شخصًا في تاريخ وجغرافية الحجاز، ومن ثقافة تلك الحقبة، يرى في المنام أن الشياطين تقذف الشهب» (كلام محمد رؤى محمد، ص 87).

ولأن هذه الآيات والأخبار ليست إلا أحلام النبي ورؤاه، فإنها لا تستخدم لغة الأدب في الإيضاح والتعبير عنها، ولا تستخدم الاستعارات والمجازات والكنايات والتشبيهات، لأن لغة الأحلام -المختلفة تمامًا عن لغة الأدب- لا تحمل إلا معانيها الحقيقية، والتصورات التي عاينها الرائي كما شاهدها واختبرها، ومن ثَمَّ فإن لغة الأحلام لا تنتظم في سياق منطقي، فلا تحكمها الضروات المنطقية، ولا تجري عليها أحكام الطبيعة بصورها المختلفة.

يقول سروش: «لا بد من الإذعان إلى أن تلك الفوضوية ليست من فعل الأعداء ولا غفلة الجامعين، ولا هي دون علم صاحب الوحي، وإنما راوي السور المبتنية على الرموز والرؤى غالبًا ما يفتقر إلى المنطق والتسلسل فيفقد الانسجام والانتظام؛ هذا هو دأب المنام، ولا وجود لليقظة فيه» (كلام محمد رؤى محمد، ص 107).

نقد الرفاعي لسروش

يعرض الرفاعيُّ هذا الفهم الجديد للوحي على أنه نوع من التجديد الكلامي ومثال له إلا أنه لا يكتفي بالاعتراض عليه بل ويناقشه أيضًا. يبتدئ الرفاعي مناقشته لمفهوم «الرؤى الرسولية» لدى سروش من كيفية تفسيره للوحي من الأساس، فالإنسان لا يمكنه بلوغ مرتبة النبوة إلا عن طريق التسامي بكينونته الوجودية الذي يؤهله للتحقق بالكمال الاستثنائي اللائق بهذا المقام الإلهيّ… ولا يمكن أن تكون الرؤى والأحلام وسيلةً يتكامل بها، ويتأهل من خلالها الإنسان لأية مهمة حياتية، فكيف بمرتبة النبوة، وكيف يُتَصَوَّر أن يتحمل النبي مسؤولية الرسالة أو بعضها عن طريق رؤى وأحلام يراها في منامه؟!

يقول الرفاعي: «لا تكتسب النبوة مقامَها السامي من الأحلام، ولا يمكن أن يكتسب إنسان إمكاناته الوجودية وقدرته على تحمل الرسالة الإلهية في المنام. يلزم من القول بالأحلام النبوية أن تكون مهمة النبي في إبلاغ الرسالة وتلقِّيها أهون من مهمة رجل العلم والسياسة والعسكر والتجارة…» (ص 149).

يرى الرفاعي أن مرتبة النبوة تشبه إلى حد كبير استضافة الغيب للإنسان، واستضافة الإنسان للغيب؛ يكون المُضيف فيه هو الله، والضيف هو النبي، وفي ظلال هذه الضيافة يتلقى النبيّ الوحي ويتحمل مسؤولية البلاغ والإبانة، لذا فإن «الوحي ليس شعورًا نفسانيًّا باطنيًّا، وليس حوارًا تستبطنه الذاتُ… الوحي حقيقة من حقائق الغيب؛ هذه الحقيقة ينكشف فيها الإلهيُّ للبشريّ، ويتجلّى فيها للإنسان ما هو إلهيّ. شهود الإنسان للإلهيّ لا يتحقق إلا إذا تكامل الإنسانُ في طور وجودي يفتقر إليه غيرُه من البشر؛ ذلك ما يؤهله أن يكون نبيًّا» (ص 149)، لا الرؤى والأحلام التي يشاهدها ويختبرها في المنام، ثم يأتي ويحكيها في صورة لغوية لا يحكمها سبب ولا منطق.

يرى الرفاعي إذن أن الوحي حالة أنطولوجية تتحقق للإنسان ويتلبس بها إذا ما تكاملت كينونته الوجودية، فالنبي ليس كالشاعر ولا المبدع أو المخترع الذي قد تؤثر الرؤى والأحلام في فنه وعلمه وإبداعه بوجه من الوجوه، لكنه المتحقق بمقام وجودي استثنائي للإنسان. يقول: «الشاعر إنسان موهوب يتميز بقدرته على الإبداع، مرتبة الشاعر الوجودية -وهكذا مرتبة الرسام والمخترع- هي مرتبة غيرهم من الناس. النبي مثل غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبته الوجودية ارتقت، فاصطفاه الله للنبوة…» (ص 150).

إن الوحي إذن كما يرى الرفاعي صلة وجودية بين عالمَي الغيب والشهادة يمكن من خلالها أن يكون النبي شاهدًا للغيب تجلِّيًا يتجلى الإلهيُّ فيه، فــ«النبي من جهة الوحي يشهد عالم الغيب، وبوصفه بشرًا يحتفظ بحضوره في عالم الشهادة، أي يحتفظ بطبيعته التي يشترك فيها مع الكلّ» (ص 150).

إنه يمكن باستنطاق القرآن التعرف على الوحي بوصفه منتميًا إلى عالم الغيب؛ ومن ذلك قوله تعالى: « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» (المزمل: 5)، فالقول الثقيل توصيف رمزيّ، إذ القول لا يمكن وصفه بالثقل المادي طبقًا لقوانين عالم الشهادة، لكنه ثقيل على النفس ثقلًا لا يمكن معه أن يتحمله أي إنسان عادي إلا إذا تكامل وجوده تكاملًا يمكِّنه من التلقِّي والبلاغ عن الله.

ينتهي الرفاعي في مناقشته تلك إلى أن «الوحي بعدان، بعد إلهي، وآخر بشري، لا يمكن دراسة البعد الإلهي الغيبي في الوحي في ضوء المناهج العلمية المعروفة لدراسة الطبيعة ومن يعيش فيها. النبي لا يفقد بشريته عندما يتلقى الوحي… [فــ] إنكار البعد البشري في شخصية النبي هو ما يفعله الغلاة وبعض المتكلمين القدماء. محمد نبي مبعوث برسالة إلهية… إنسان يعيش حياته البشرية كما يعيش الناس… إنسان يمتلك بصيرة نورانية، وعبقرية فذَّة… تجذرت في ذاته الرحمةُ الإلهية بوصفها ضمير النبوة» (ص 153).

الفهم الجديد للوحي لدى مفكِّري الإسلام في الهند

بين التعدديّة الدينية والأحادية

يتنافس في الإسلام الهنديِّ تياران؛ تيار تعدُّدِيّ، يؤمن بالتعددية الدينية، ولا يقولُ باحتكار الطريق إلى الحقّانيّة والنجاة، ويتقبّل الاختلاف في الفضاء الديني، ويتعايش مع مختلف التجارب الدينية. وفي مقابل هذا التيار تيارٌ آخرُ أحاديّ، لا يتقبّل تعدّد التجارب الدينية، ويؤمن باحتكار الطريق إلى الله، وهو شديد الوفاء للرؤية الكلامية والفقهية القديمة، مُقْصِيًا كلّ اجتهاد آخر لا ينسجهم وفهمهم للدين.

تنتمي مدرسةُ وليّ الله دهلوي، وأحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن للتيّار التعدّدي في الإسلام الهنديّ الذي كان حضورُه في المجال العربي قليلًا، إذ كان الحضورُ الأكبرُ  لتيّار الانغلاق والأحادية الدينيّة ولا سيّمها في ممثِّلها الأكبر؛ أبي الأعلى المودودي الذي كثَّف كتاباته وأحاديثه وجهوده للتفسير السياسيِّ لآيات القرآن الكريم، وكرّس حياتَه من أجل إقامةِ دولةٍ دينيّةٍ تتأسَّس على التُّراث القديم.

تبنّت أدبياتُ الإسلام السياسيّ في المجال العربي أفكارَ المودودي، بل وقام بعضهم على شرحها وتثبيتها في محاكاة مستمرة للغتها ومنطقها كما يُلْمَسُ ذلك في آثار سيد قطب الذي استقى عنه أفكارَ الدولة الدينية، والمجتمع الجاهلي، وبغضَ الفلسفة والعلوم الإنسانية، فأصبح لا يستطيع التفكير خارج أفقه ورؤاه المغلقة حول الدين والله والعالَم.

المودودي: الفهم السياسي للدين

تلخّص رسالةُ المودوديّ: «المصطلحات الأربعة في القرآن» قراءته السياسيّة لعقيدة التوحيد التي لا يراها تتحقّق خارج الدولة الدينيّة المتخيّلة في رأسه، إذ إنشاءُ البشرِ دولةً على الأرض يُعَدُّ ضربًا من الشِّرك والعدوان البشري على الله؛ وعلى هذا المنوال يقوم على تأويل أفكارِ «الإله، الرب، الدِّين، العبادة» تأويلًا سياسيًّا يخرج عن سياقاتها القرآنيّة، والميتافيزيقيَّة؛ محيلًا بذلك الإسلامَ أخيرًا إلى دين بلا روح، وبلا قلب، وبلا عقل.

وجَّهَ وحيد الدين خان نقدًا صوب المودودي وأفكاره، إذ ميّز بين الدِّين بوصفه نظامًا دستوريًّا قانونيًّا وسياسيًّا، وبين الدِّين بوصفه علاقة بين الله والإنسان، والتي يراها أصلَ الدّين، ناقضًا أن يكون الدينُ نظامًا سياسيًّا على غرار الأنظمة الدنيويّة الأخرى.

وحيد الدين خان ناقدًا المودودي

أدرك وحيد الدِّين خان مبكِّرًا ضرورةَ إعادة بناء التفكير الكلاميّ، إذ يرى طريقة الكلام وأسلوبه قد تغيَّرا بتغيُّر الزمان، ومن ثم علينا الإتيان بكلام جديد قادرًا على تحدِّي العصر الحديث والتعامل معه.

ورغم هذه الرؤى المنفتحة والناقد، إلّا أنّه لم يستطع التحرّر تمامًا -في كتبه كـ«الإسلام يتحدّى»، و«الدين في في مواجهة العلم»- من القديم، وظلّ يفكّر داخل النظام التراثيّ غير خارج عنه، لذا لا يصح وضعه في زمرة المتكلمين الجدد، لأنّه لم يحقِّق المعيارَ الذي طُرِح سابقًا من ضرورة تقديم فهم جديد للوحي.

ولي الله دهلوي: إرهاصاتُ تجديد كلامي

بدأت إرهاصاتُ تجديدٍ كلاميٍّ أوَّليَّة تظهر مع ولي الله دهلوي الذي عمل على ترسيخ أُسُسِ الإسلام التعدّدي الذي لا ينفي الآخر، ولا ينبذه. وكان يمتلك رؤيةً تتَّسع لعبور التراث؛ رؤيةً تحاول إعادة فهم القرآن فهمًا مباشرًا دون وساطة، وحاول فهم السنةِ في ضوء آفاقها التاريخيّة.

ويمكن العثور على إرهاصات الكلام الأولى في آثاره التي أشارت إشاراتٍ مبكّرة لدور النبي التفاعليّ في تَلَقِّيه للوحي، ونفي حصر معنى الوحي بانفعال النبي، وسلبيته إزاءه، إذ يرى الدهلوي أنّ الكتابَ الإلهيَّ يُرْسَل أوّلًا في قلب الرسول بصورة خفيَّة، ثم إذا ما انطبعتِ الرسالةُ الإلهيّةُ في نفس الرسول كما وُجِدَتْ في عالم السماء؛ ينطلق الرسولُ في العالَم ناطقًا بها، مُعَبِّرًا عنها.

ورغم هذه الرؤى غير المنغلقة للدهلويّ، إلّا أن تيّار الجمود والدعوة إلى السلفيّة استأثر بتراثه، فاستحالَ معهم فكرًا شائها، يخلو عن كلّ أشكال التفكير العقليّ الحُرّ، ويكرِّس للتقليد، واستدعاء الفهم التراثي مرة أخرى.

سيد أحمد خان: مَلَكَةُ النّبوة

كان علمُ الكلام الجديد أكثرَ تَعْبِيرًا عن نفسِه في فكر سيد أحمد خان الذي رأى النبوةَ مَلَكَةً طبيعيّة في النفس الإنسانيّة، ولا يأتي النبيَّ الوحيُ الإلهيُّ من خارج، لكنّه نشاطُ العقلِ الإلهيِّ في النفس الإنسانيّة.

لذا فالوحي ليس إلّا ذلك المعنى الذي قام في نفس النبي بالفعل الإلهيّ، ولهذا يُعَدُّ القرآنُ ألفاظَ النبيِّ؛ صاغها بلغته العربية اعتمادًا على المعاني الإلهيّة التي قامت في نفسه. على كُلٍّ، أثارت آراءُ أحمد خان الكلاميّة عاصفةً من الجدل، أيقظت الفكر الكلامي من سباته العميق.

محمد إقبال: التجربة الدينية بين العرفاء والأنبياء

استأنف محمد إقبال طريقة تفكير سيد أحمد خان، وترسّمَ منهجَه التأويليّ، فسعى إلى زحزحة علم الكلام القديم، فتمحورت جهوده حول ابتناء فلسفة للدين جديدة. ويُعَدّ كتابُ إقبال: «تجديد التفكير الديني في الإسلام» أولَ نصّ حديث في علم الكلام الجديد، لكن تأثيره لا يزال هامشيًّا في الدراسات الدينية بالعربية.

صاغ إقبال مفهومًا جديدًا للوحي يتمحور حول التجربة مميِّزًا بين تجربة الأنبياء وتجربة العرفاء التي تتَّحد في فحواها، لكنّ تجربة النبي تمنحه إرادة تغيير العالَم، أما تجربة العارف، فيبقى في فضائها.

ناقش إقبال كذلك مفهوم الحاجة إلى الوحي، ورأى أن الحاجة إلى الوحي تختصّ بمرحلة من الوعي البشري قد تجاوزها الآن، إذ لم يعُدِ الإنسان بحاجة إلى مِقْوَدٍ يُقَادُ منه.

فضل الرحمن: الفهم الديناميكي للنبوّة

جاء فضل الرحمن في أعماله مُطَوِّرًا آراءً اجتهادية جريئة، إذ يرفض مفهوم الوحي لدى الكلام التقليديّ، ويصوغ مفهومًا تجريبيًّا له يتفاعل فيه النبيّ ميكانيكيًّا، وتُعَادُ معه روحانيته.

إنّ القرآن – لدى فضل الرحمن – كلّه كلمة الله، وكلّه كلمة محمد أيضًا على الحقيقة، إذ تتجلّى فيه شخصية النبي كما يتجلّى فيه اللهُ للناس، ونستمع فيه إلى صوت الله بأصداء روح النبي.

القرآن كلمة الله بمعنى أنه يخلو عن الخطأ والزور، لكنه في نفس الوقت جاء على لسان النبي محمد، فهو الناطق به. نجد لدى عبد الكريم سروش صدى لفكر فضل الرحمن فيما أسماه «بسط التجربة النبوية»، إذ يصور النبي كالنحلة التي تعيد تكوين الرحيق عسلًا.

 

[1] عبد العاطي طلبة، كاتب ومترجم مصري، ومعلِّم لغةٍ عربيَّة للناطقين بغيرها. له ترجمات ومقالات منشورة في بعض الصُّحف والمجلات. تخرج في جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية عام 2014م، ثم التحق بجامعة القاهرة، وتخرج في كلية الآداب، قسم الفلسفة عام 2018م.

الإنسان في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي

الإنسان في علم الكلام الجديد

عند عبد الجبار الرفاعي

براء ريان[1]

حضرت ليلة 23-7-2023 مساحة حوار بعنوان: “الإنسان في علم الكلام الجديد: الأنسنة عند عبد الجبار الرفاعي” على منصة “أنا” في  Twitter  لمدة خمس ساعات متواصلة من البحث والنقاش الحر. الشكر موصول للأستاذة “أنا” على هذه المساحة المميزة في نقاش التساؤلات الفلسفية واللاهوتية، والشكر للدكتور عباس براهام على مداخلاته ومعلوماته الكيرة، وشكر للدكتور محمد حسين الرفاعي الذي لا يكفّ أبداً عن التساؤل وتجديد التساؤل بروحٍ حرة وذهنٍ عقلاني متقد. حاولت التحدث بهذه المداخلة، لكن يبدو أن الفرصة لم تسمح بسبب كثرة الحضور والمتداخلين الذين كانوا نحو 1000 مستمع. وفيما يلي ما وددت ذكره في المداخلة.

بما أنَّ عنوان الحوار عن علم الكلام الجديد عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فلا بد أن نعرف أن “إعادة تعريف الوحي” هي محطة من محطات “إعادة التعريفات” المركزية في الفكر الديني للرفاعي، لذلك لا يمكن عزلها عن بقية التعريفات، لا سيما تعريف الإنسان والدين لديه، الذي ينبغي التركيز عليه كونه هو عنوان الحوار الرئيسي.

في مداخلة أحد الأساتذة جرى خلط واضطراب بين توجهات كلامية جديدة عدة في حقل إعادة تعريف الوحي، تحدث الأستاذ وكأن تعريف الرفاعي متطابق مع تعريف الدكتور نصر حامد أبو زيد، على الرغم من أن الاختلاف عميق بين الموقفين، نصر أبو زيد يرى أن الوحي “منتَج ثقافي” يُنتجه الواقع العربي عصر البعثة، بوصفه ديالكتيكاً صاعداً، أي أن أبو زيد يقع في فخ إبستمولوجي، بسبب تجاهله للوحدة المنطقية بين المفهوم والمصداق. هذا الفخ لم يقع فيه الرفاعي مطلقاً، فهو ينطلق من مقدمة واضحة في إعادة تعريف الوحي، يصرح فيها “ان ماهية الوحي غيبية إلهية وليست بشرية”، وهذا كلام واضح في أن الوحي ليس “منتَجاً ثقافياً” يُنتجه الواقع كما يرى نصر أبو زيد. إعادة تعريف الوحي عند الرفاعي لا يمثل أبداً استئنافاً للمقولات الكلامية القديمة حول طبيعة الكلام الإلهي. تجديد علم الكلام عند الرفاعي تجاوز مستوى المحاولة إلى مستوى الفعل الحقيقي والانتقال من النقد إلى البناء، كما ظهر في رؤيته الرحمانية للدين، التي هي ضرورة اليوم في بلادنا، بعد شيوع العنف بمختلف أشكاله.

الدين ليس هامشياً في المجتمعات الإسلامية، لذلك يؤكد الرفاعي في مؤلفاته على أن البداية في التجديد من إعادة تعريف الدين، بوصفه كما يرى: “حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويشير إلى أن كل كتاباته أتت في سياق إعادة تعريفه للإنسان والدين والوحي، وفي ضوء هذه التعريفات، ولدت رؤيته لله والإنسان والعالم. وذلك يدلل على وعي الرفاعي بعدم امكان تكوين الذوات الحرة من دون إعادة بناء موقع الإنسان في الرؤية الدينية.

الخلط الآخر هو أن إعادة تعريف الوحي عند الرفاعي ليس استئنافاً للجدل الكلامي القديم بين المعتزلة والأشاعرة حول القرآن الكريم: أهو مخلوق أم مُحدَث،كما سحب بعض المتداخلين الحوار لهذه النقطة، وعقب على هذا القول الدكتور عباس برهام على أن هذا دليل على استمرار الكلام القديم بالجديد. يمكن ملاحظة هذا القول عند الدكتور نصر حامد أبو زيد وإلى حدٍ ما عند الدكتور محمد أركون، ولا نقرأ هذا عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي. اهتمت محاولات أركون وأبو زيد للربط بين تأويليتهم الجديدة لماهية الوحي وقول المعتزلة بخلق القرآن، وهذا نوع من الإسقاط التاريخي للمفاهيم مُورس في الفكر العربي للبحث عن الشرعية السوسيولوجية للمقولات المعرفية الجديدة، عبر ربطها في لحظة من الماضي، هذه الظاهرة كانت حاضرة بقوة في مشاريع الفكر العربي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. الرفاعي تنبه لهذا الإسقاط التاريخي فتجاوزه بوضوح، حيث يرى الرفاعي: “ان تراث المعتزلة برغم عقلانيته، لكنه مرآة لعقلانية عصره”، وهذه التفاتة دقيقة يشير إليها في عدة موارد من كتبه. مقولات المعتزلة حُملت فوق طاقتها في الفكر العربي الحديث والمعاصر، كما حُملت مقولات ابن رشد فوق طاقتها عن الدكتور محمود عابد الجابري، هؤلاء المفكرين انشغلوا بمقولات التراث وألبسوها جلباب الحداثة ومكثوا يدورون فيها، وأغرقوا العقلانية الحديثة بتلك المقولات الأجنبية عنها.

أظن الدكتور عباس برهام لم يلتفت للتغير البراديغمي / الإبستيمي المهم في حقل الكلام الجديد واختلافه الكبير عن القديم، وهو المتمثل في عنوان الحوار (الإنسان في علم الكلام الجديد عند الرفاعي)، فعندما تتحدث عن الإنسان فأنت تتحدث عن الذات، أي تسعى لبناء ذوات عبر إعادة كشف منابع التذّوت، بحسب تعبير السوسيولوجيست الفرنسي ألان تورين. علم الكلام القديم كان يسعى لبناء جماعات، والجماعات بطبيعتها لا تطيق بناء الذوات، لا تهتم بأي ذات سوى ذات الجماعة، فهي التي تتحكم في مختلف شؤون حياة الأفراد المنتمين إليها. نجد الشكل الحديث لهذا الموقف في الحركات اليسارية والقومية والأصولية في العالم العربي.

أستاذنا الدكتور محمد حسين الرفاعي كسوسيولوجيست من القلة الذين يتحدثون عن ضرورة إعادة بناء الذات في العالم العربي أولاً في أي مسعى للتحديث، وهو ما كان محوراً لمحاضرته واجاباته التفصيلية في الندوة. يرى: ألان تورين الإنسان “بوصفه ذاتاً ينبغي أن توضع حريتها ومساواتها وكرامتها في منزلة تعلو القوانين نفسها”، بناء الذات أهم من بناء هوية على طريقة الحركات القومية والأصولية واليسارية، وخنق الذات داخل قفصها.كما يحاول الدكتور طه عبد الرحمن وغيره فعل ذلك عبر وضع حدود قومية وإسلامية للتفلسف داخل الهوية، ويطالب بالاختلاف في بناء فلسفات تتعدد بتنوع الهويات القومية والدينية، ويرفض ما هو عالمي في العقل البشري بعيداً عن الهويات المنعزلة.

الإستمرار بثنائية جديدة كثنائية العلمنة / الدين، كما يذهب د. عباس برهام، يمثل ترسيخ الثنائيات من جديد في الفكر العربي، فبدلاً من ثنائية الحداثة / التراث، ها نحن نخرج بتلفيقة أخرى بين فضائين يحتويان على كم هائل من “صراع التأويلات” بتعبير بول ريكور. العلمنة ليست شكلاً واحداً إلا من حيث التسمية، العلمنة متعددة التأويلات كأي مصطلح ينتمي للمعرفة الحديثة في علوم المجتمع والإنسان، وكذلك الحال مع الدين فنحن إزاء تأويلات عديدة للدين. منطق الثنائيات يُدخل العقل في قفص لا يمكن الخروج عليه إلا بتحطيم الفبركة التي تحتوي عليها فكرة الثنائيات.

ختاما أشكر أستاذي الدكتور محمد حسين الرفاعي، الذي يقوم بزحزحة إبستمولوجية لثنائيات كبلت الفكر العربي الحديث وأقحمته في الاختزال والأحادية، وهو بهذه الطريقة يقوم بتدشين مسار جديد لجيل كامل، والشكر للدكتور عباس برهام، وشكر خاص مجدداً للأستاذة “أنا” على هذه المساحة الحيوية في Twitter.

[1] كاتب عراقي من الموصل.

 

https://al-aalem.com/article/51924-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF