Category: علم الكلام الجديد

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

الخلاصُ من احتكارِ الخلاص في علم الكلام الجديد

الخلاصُ من احتكارِ الخلاص في علم الكلام الجديد

د. عبد الجبار الرفاعي

ينطلق كتابُ: “مقدمة في علم الكلام الجديد” من رؤيةٍ تبتني على أنه مادام هناك إنسانٌ فهناك أسئلةٌ ميتافيزيقية كبرى، وهذا النوعُ من الأسئلة لا جوابَ نهائي له، وهو ما يقوله لنا تعدّدُ وتنوّعُ إجابات الفلاسفة واللاهوتيين والمتكلمين المتواصلة لهذه الأسئلة في مختلف الأديان والثقافات، وتجدّدُها في مختلف مراحل تطور الوعي البشري، وفي منعطفات الفكر الفلسفي واللاهوتي والكلامي.

علمُ الكلام الجديد يدرك أن الحقيقةَ واحدةٌ في ذاتها، إلا أنَّها نسبيَّةٌ في معرفتها. نسبيةٌ بمعنى تنوّعِ وجوهها، وتعدّدِ الطرق إليها، واختلافِ تصوّرِها باختلاف الطرق الموصِلة إليها، وكثرةِ وجوهها بتنوّعِ زوايا النظر إليها. المقولاتُ الاعتقادية في علم الكلام القديم لا ترى للحقيقة الدينية إلا وجهًا واحدًا، وتختزل كلَّ الطرق إلى معرفة الله بطريقٍ واحد، ولا تقبل إلا زاويةَ نظر الفرقة الكلامية القائلةِ بها، وترى لغةَ تعبيرها عن مقولاتها هي اللغة المشروعة، ولا تتقبل بالضرورة اسلوبَ تعبير وكلمات فرقةٍ غيرها. هذا النوعُ من احتكارِ الحقيقة الدينية واحتكارِ معنى الخلاص كان ومازال حاكمًا على الضمير الديني، وهو الذي تسببَ في خصوماتِ وصدامات عنيفة للفرق والمذاهب في التاريخ. عبرّت هذه المقولاتُ عن الواقع المرير الذي عاشه المسلمون في ماضيهم، وذلك يؤكد على أنها ليست صالحةً للواقعِ الذي يعيشه المسلمُ اليوم.

يحتاجُ المسلمُ اليومَ لعلم الكلام الجديد كي يُشبعَ حاجته للمعنى الذي يمنحه الدين للحياة، ويتحرّرَ من الشعور بالتفوق على المختلِف، ويقبلَ المساواةَ في المجتمع الواحد على أساس إنسانية الإنسان، ويحترمَ التكافؤَ في الحقوق والحريات في وطنٍ واحد على أساس المواطنة. في علم الكلام الجديد يُعاد تعريفُ الإنسان بالشكل الذي يذهب إلى أن إنسانيتَه لا تتحقّق إلا عند تحقّق كرامته. الكائنُ البشـري يستمدّ قيمتَه من إنسانيته، ويستمدّ إنسانيتَه من كرامته، أية محاولة لإهدار كرامة الإنسان تنتهي إلى إهدار إنسانيته. الكرامةُ الإنسانية قيمةٌ إنسانيّةٌ عُليا، هي مقصدُ مقاصدِ كلّ دين وجوهرُ إنسانيته، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. تكريمُ الانسانِ بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضُّلًا من أيِّ أحد. حمايةُ كرامة النَّاس معناه حمايةُ كرامتنا من الانتهاك، لأنَّ الكرامةَ واحدةٌ لا تتجزَّأ، كرامتُنا لا تتحقّق من دون تكريم كلِّ الناس.

علمُ الكلام الجديد يخلّصُ المعنى الديني من التكفير واحتكار الخلاص. التكفيرُ يحتكر الخلاص، ويهدرُ كرامةَ الإنسان عندما يستبيح مالَه ودمَه ويحكم بخلوده في النار. التكفيرَ ضربٌ من العنف، وعلى رأي الغزالي “التكفير حكم شـرعي يرجع إلى: إباحة المال، وسفك الدم، والخلود في النار”[1]، التكفير عنفٌ لفظيّ يتضمن قذفًا وتشهيرًا وترهيبًا، وهو حكمٌ إقصائي يغترب المكفَّرُ بسببه عن مجتمعه، عندما يحاصره التكفيرُ ويجتثّه من عالَمه. مَن لا يحترم كرامةَ الإنسان لا يحترمه اللهُ ولا يكرّمه، الكرامةُ أسمى قيمة وجودية وهبها الله لبني آدم، الله يثأر من أولئك الذين يمارسون ضربًا من الاغتيال المعنوي لإنسان آخر، ممن يكفّرونه فيهدرون كرامتَه ويجرّدونه من إنسانيته.

علمُ الكلام الجديد يحرّرُ المسلمَ من أحكام الولاء والبراء المتفشية في مجتمعاتنا أمس واليوم. إذ كيف يعيش المسلمُ في مجتمع متعدد الأديان ومتنوع الفرق والمذاهب، وهو يتمسك بأمثال هذا الرأي: “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[2]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا؟”، فكان جوابه: “إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[3]. وأمثال هذه الآراء نعثر عليها في التراث الكلامي والفقهي لمختلف الفرق الإسلامية.

مؤلفاتُ الفرق الكلامية ومقولاتُها تفتقرُ لتلبية أكثرِ ما يبحثُ عنه الإنسانُ من معنىً في الدين. مقولاتُ الكلام القديم الاعتقادية لا تورثُ الروحَ سكينتَها، ولا القلبَ طمأنينَته، ولا تكرّسُ التراحمَ والمحبّة، ولا ترى الإنسانَ المختلِف في معتقده مساويًا لغيره. لا ينظرُ الكلامُ القديم إلى الإنسانِ بما هو إنسان، بل ينظرُ إليه بما هو معتنقٌ لمقولات الفرقة الكلامية، ومَنْ لا يعتنقُها لا تصحُّ محبتُه، ولا يجوز الولاءُ له، بل تجبُ البراءةُ منه.

الطبعةُ الأولى لكتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” صدرت بداية سنة 2021 عن دار التنوير ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، وفي منتصف ذلك العام صدرت طبعتُه الثانية عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد. تميزت الطبعةُ الثانية بإضافات لا تقلّ عن خمسين صفحة. وفي هذه الطبعة الثالثة تحدثتُ بشكل تفصيلي عن الوحي، وناقشت رأي الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية. وأضفتُ الفصلَ الثاني بعنوان: “تجديد علم الكلام”، فأصبح الكتابُ خمسةَ فصول. اعتمدَ الفصلُ الثاني في مادته على شروح وتوضيحات إضافية رأيتُها ضروريةً للكشف عن التباس مفهوم التجديد وتداخله بمفهومَي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية، والخلطِ بين هذه المصطلحات الثلاثة، وكيف تتعدّد معانيها بتعدّد أساليبِ توظيفِها وسياقاتِها في الاستعمال. عدمُ التحديد الدقيق للمعنى، والفوضى في استعمال الكلمات والمصطلحات، يتسببان بجدلٍ مضجِر ونزاعات قد تنتهي بمعارك. التعريفُ الواضح يكشفُ عن المضمون بدقة ويرسمُ خارطةً لحدود المعنى المقصود، ويخلِّص الكلماتِ والمصطلحات من الاضطراب والتشويش والغموض والإبهام. لغةُ علم الكلام القديم ليست محايدة، هذه اللغةُ تعكس الأفقَ التاريخي للعصر الذي توالدت فيه مقولاتُ مؤسّسي ومجتهدي الفرق، ومختلف الأحوال والظروف والوقائع السائدة في عصرهم. اللغةُ مرآةُ الواقع مثلما أن الواقعَ مرآةُ اللغة، تصوّرُ اللغةُ ما يسودُ حياةَ المجتمع من عقيدة ورؤية للعالَم واقتصاد وسياسية وثقافة، كما ينعكسُ أثرُ اللغة على الواقع المجتمعي فيعيدُ تكوينَه.

يبتني هذا الكتابُ وغيرُه من مؤلفاتي على محاولةِ فهم الإنسان في ضوء مكاسب الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة. أحاول في ضوءِ هذا الفهمِ التعرّفَ على احتياجات الإنسان غير المادية، ومنها حاجتُه الأساسية للدينِ، وفهمَ نوعِ الدين ونمطِ التدّين الذي يؤمِّن له هذه الحاجة. ما يؤمِّن هذه الحاجةَ هو الدينُ بوصفة حياةً في أفق المعنى تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي في حياته الفردية والمجتمعية، وفقًا للتعريف الذي اقترحته. إعادةُ تعريف الدين والوحي والنبوة هو ما يفرضُ بناءَ علم كلامٍ جديد يرفدُ المسلمَ بالمعنى المطلوب لحياته اليوم.

علمُ الكلام الجديد معناه تجديدَ علم الكلام في ضوء إعادة تعريف الدين. وجهةُ التجديد ومنطلقاتُه وأسسُه وأركانُه تختلفُ عن الإحياء والإصلاح اللذين يلتبسان بمفهومه. التجديدُ يعني إعادةَ فهمِ الدين وتحديدِ وظيفته المحورية في الحياة، وبناءَ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علومِ الدين ومعارفِه، في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. إن كلَّ من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، بشرط أن يكون مؤمنًا بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يُصنَّف تفسيرُه على أنه علم كلام جديد. أما من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، لكنه لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله لكنه لا يؤمن بمصدر إلهي للوحي والنبوة والقرآن، فهو ليس متكلمًا جديدًا، يمكن أن يكون فيلسوفَ دينٍ لأن المتكلمَ غيرُ فيلسوف الدين، فيلسوفُ الدين يُفكِّر خارجَ إطار الدين، أما المتكلمُ فيُفكِّر في إطار الإسلام،كاللاهوتي في كلِّ دين الذي يُفكِّر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهجَ بحثه مما أنجزته العلومُ والمعارفُ البشرية.

بعد صدور هذا الكتاب بادر أساتذةٌ كرام في عدة جامعات لتبنِّي الكتاب، وقرّرتْ بعضُ أقسام الدراسات الفلسفيّة والدينية اعتماده في مقرّر “علم الكلام الجديد” في الدراسات العليا.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

([1]) الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، بيروت، دار الكتب العلمية، رسائل الغزالي، ج3: ص 136.

[2] الولاء والبراء 1، 18.

[3] مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274.

 

رابط النشر:

علم كلام جديد أم علم كلام معاصر؟ علم كلام جديد أم علم كلام معاصر؟

علم كلام جديد أم علم كلام معاصر؟

                                                                        د. عبدالجبار الرفاعي

التسمياتُ ليست محايدةً

كلُّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها، التسمياتُ ليست محايدةً، تسميةُ “علم الكلام المعاصر” تحاول تحوير موضوع علم “علم الكلام الجديد”، وتشدّد على توجيه غاياته بعيدًا عن غاياته التي ينشدها، وتحاول سكبه في قوالب علم الكلام القديم، واستدعاء مناهجه وموضوعاته ومسائله وطرائق التفكير فيه ولغته ومصطلحاته القديمة ورؤيته الكلاسيكية للعالَم.

يحرص باحثون أشدّ التصاقًا بالتراث وتشبثًا بكلِّ ما فيه، وحرصًا على استئنافه كما هو، على استعمالِ مصطلح “علم الكلام المعاصر”، وغيرِ ذلك من تسمياتٍ تستبدل كلمةَ “الجديد” بما يوازيها في محاولةٍ منهم للخلاص من الحمولةِ الدلالية لمصطلح “علم الكلام الجديد”، وما تشي به من قطيعةٍ مع معظم كلاسيكيات علمِ الكلام القديم، ودعوةٍ لإعادةِ بناءٍ شاملة لعلم الكلام، تتخطى المنطقَ الأرسطي لتنتقل للمنطق والفلسفة الحديثَين، والتحرّرِ من سطوةِ الطبيعياتِ القديمة، والرؤيةِ القديمة للعالَم، بتوظيفِ مكاسب العلومِ والدراساتِ الإنسانية والرؤيةِ الجديدة للعالم، وتبعًا لذلك يتحوّل منهجُ علمِ الكلام وبنيتُه، وتتبدّل كثيرٌ من مسائله، بل يحدث تحوّلٌ في طبيعة وظيفته، فبدلًا من انشغالِه في الدفاع عن العقائد، تصبح وظيفتَه الجديدةُ شرحُ وبيانُ وتحليلُ المعتقدات، والكشفُ عن بواعث الحاجة للدين، ومختلف الآثار العملية لتمثلاته وتحولاته في حياة الفرد والجماعة، تبعًا لأنماطِ الثقافةِ وطبيعةِ العمران والاجتماعِ البشري.وبتعبير آخر تنتقل مهمةُ علم الكلام من كونها أيديولوجية دفاعية، تنطلق من مسلّمات ثابتة، لا غرضَ لها سوى التدليلِ على المعتقدات، ونقضِ حجج الخصوم، إلى مهمةٍ معرفية لا تنشغل بنقض حجج الخصوم، بل يتمحور غرضُها حول تعريفِ المعتقدات وتوصيفِها وتحليلِها، بالاعتماد على الفلسفة والعلوم والمعارف الجديدة، والتعرّف على منابعِ إلهامِ المعتقدات، ومجالاتِ اشتغالها، وأشكالِ فعلها في سلوك الفرد والجماعة. في ضوءِ ذلك يتضح أننا أمامَ عِلمين: “علم الكلام القديم”، و”علم الكلام الجديد”، وليس عِلمًا واحدًا، فعلى الرغم من اشتراكهما بالاسم، لكن توصيفَ “الجديد” يجعله مفارقًا للقديم بشكلٍ كبير، فهو وإن كان يشترك معه في بحثِ جملةٍ من الموضوعات نفسِها، لكنه لا يضيف موضوعاتٍ جديدةً لم يعرفها علمُ الكلام القديم فحسب، بل إن طريقةَ بحثه ونتائجَه ومراميَه مختلفةٌ، ذلك أن كلًا منهما له مقدماتُه المعرفية، ومنهجُ بحثه، وأدواتُ تفسيره، ومفاهيمُه المفتاحية، وكيفيةُ رؤيته للعالم. ربما يُقال إن الإصرار على تسميةٍ دون أخرى لا يغيّر من المحتوى شيئًا، لكن هذا الكلام غير دقيق، لأن كلَّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها المعرفية، التسميةُ تحدد وجهةَ السير وكيفيته، التسميةُ بوصلةٌ ترسمُ خارطةَ الطريق التي يسلكها الباحث وفي ضوئها يهتدي في خطواته وغاياته.

“علم الكلام الجديد” هو التسميةُ التي أتبنّاها، ويتبنّاها كلُّ من يعتقد بعجزِ علم الكلام القديم، ويعرفُ قصورَه عن الوفاء بالمتطلبات الاعتقادية للمسلم اليوم، ومن يدعو لمفارقةِ ذلك العلم، وبناءِ علم كلامٍ بديل يكون جديدًا في مقدماتِه المعرفية ومعناه ومبناه ونتائجه. لا أستعمل تعبير “علم الكلام المعاصر”، لأن “علم الكلام الجديد”، الذي مضى على استعماله أكثرُ من قرن في كتابات الباحثين المسلمين في الهند وإيران والبلاد العربية، صار مصطلحًا مستقرًا في اللغات الأردية والفارسية والعربية وحتى الانجليزية ولغات اخرى يتداولها المسلمون بشكل واسع، ينطبق على هذا عنوان علم الكلام الجديد خاصة، لا على غيره، مضمونه لا يتطابق مع مضمون “علم الكلام المعاصر”، وإن كان يشتركُ معه في بعض دلالاته. إن تعبيرَ “علم الكلام المعاصر” يلجأ إليه من يذهب إلى أن تجديدَ علم الكلام يتحقّق برفده بمسائل وحجج جديدة، مع الاحتفاظ ببنيتِه التراثية، وطرائقِ تفكيره، ولغتِه الخاصة، ورؤيته للعالم. لذلك لجأ هؤلاء إلى استعمال كلمة “المعاصر” حذرًا من الدعوةِ للخروج على علم الكلام القديم، واستبدالِه بعلم يستجيب لإشباع حاجة المسلم إلى رؤية توحيديةٍ لا تكرّر أكثرَ المقولات والجدالات المعروفة عند المتكلمين قديمًا.

يشعر البعضُ بالقلق من تسمية “علم كلام جديد”، ولا أريد أن أتحدثَ كثيرًا عن ضرورة هذه التسمية، لأنها صارت بحكم الأمر الواقع، بعد أن كُتِب فيها عددٌ كبير من البحوث والمؤلفات، واستقرت كمقرر دراسي في عدة معاهد وجامعات لعلوم الدين، وصارت تخصصًا معروفًا كتب فيه التلامذة في الجامعات الإسلامية وغيرها رسائل متنوعة في الدراسات العليا. ولولا شيوع مصطلح “علم الكلام الجديد” في الاستعمال، لكان الأجدر استعمال مصطلح “اللاهوت الجديد”، علمًا أنّ مصطلح “الإلهيات” متداول في الفلسفة الإسلامية منذ فلاسفة الإسلام المتقدمين، ومازالت كليات علوم الدين في إيران وتركيا وغيرهما تسمى بـ “كلية الإلهيات”. وملخص الكلام في هذا الموضوع أنّ “علم كلام جديد” هو محاولة للاجتهاد في علم الكلام اليوم، كما اجتهد مؤسسو الفرق الكلامية في الماضي، فدونوا تصوراتِهم ومفاهيمَهم لأصول الدين المشتقة من عقلانية وعلوم ومعارف عصرهم، فلماذا لا يجوز أن يجتهد علماء الدين في عصرنا لإنتاج تصوراتهم في التوحيد والمعتقدات. لا أستغرب ذلك ممن يصر على غلق باب الاجتهاد في الفقه، ومازال لا يجرؤ على الخروج على فتاوى أئمة المذاهب وفقهاء الأمس المعروفين، إذ أن من ينكر الاجتهاد في فروع الدين كيف يقبل الاجتهاد في الأصول، الذي هو أبعد مدى وأعمق من ذلك بكثير.

    علم كلام أو عقيدة

عمل الحضورُ الواسع لأهل الحديث وتفشي التيار السلفي في عالم الإسلام إلى ترك استعمال “علم الكلام” واستبداله بـ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، لأن أهل الحديث كانوا ومازالوا مناهضين لعلم الكلام، على الرغم من أن استعمال “علم الكلام” أدق، بوصف “العلم” و”الكلام” كلمتين محايدتين، مضافًا إلى الحضور التاريخي لهذا المصطلح منذ نشأته، واستقلاله كعلم من علوم الدين في وقت مبكر. أما ترك تسمية علم الكلام واستبداله بمصطلحات: “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، ففرضته عوامل بعيدة عن الروح العلمية، لأن كلَّ هذه التسميات تحيل إلى مفاهيم تشي بمعنى ديني، والديني هنا يحيل إلى المقدس المتعالي على التاريخ. لذلك لا يكون موقف الباحث عند استبعاد تسمية علم الكلام واعتماد تسمية تشي بمعنى ديني محايدًا، كما ينبغي أن يكون عليه موقف كل باحث علمي بالنسبة إلى موضوع بحثه، بل يتحدد موقفه في إطار معتقدات مقررة سلفًا، وليس له من موقف إلا الدفاع عنها والتشبث بها بمختلف الحجج والمجادلات. وذلك يعني وضع “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، خارج الأسئلة والنقاشات العلمية، وتلقينه وكأن مفاهيمة حقائق نهائية. لذلك أمسى تلميذ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد” في معاهد التعليم الديني والجامعات الإسلامية يتلقى اليوم اجتهادات مؤسسي الفرق بوصفها القول الفصل في “معرفة الله وصفاته وأسمائه والوحي والنبوة” وما يتصل بذلك من مباحث.                                     ينطبق معنى “علم” على “علم الكلام الجديد”، كما ينطبق عليه معنى “كلام”، ومعنى “الجديد”. فهو “علم” لأنه يعتمد مناهج البحث العلمي الحديثة، ويوظّف كل ما يحتاجه الباحث من مكاسب المعرفة البشرية، بلا ارتياب أو حذر. وهو بحث علمي في الـ “كلام” الإلهي لأن موضوعه “الوحي” كما قررنا ذلك في كتابنا الصادر هذا العام: “مقدمة في علم الكلام الجديد” والذي تبنته عدة جامعات في التعليم العالي. “الوحي” هو الموضوع المحوري في علم الكلام الجديد كما شرحنا ذلك في الكتاب المشار إليه، والـ “كلام” الإلهي مبحث أساسي في بيان حقيقة الوحي وإمكانية تواصل الله مع الإنسان بلغة بشرية.

وهو علم “جديد” بوصفه لا يستنسخ مناهج الكلام القديم، ويتحرر من رؤيته للعالم، وكثير من مسائله وجدالاته المكررة، ويتسع لمسائل جديدة تتصل بأسئلة ميتافيزيقية توالدت في ذهن إنسان اليوم ولم يعرفها إنسان الأمس، خاصة الأسئلة المتصلة بمعنى وجود الإنسان وحياته ومصيره.

رابط النشر:

فكر الدكتور حسن حنفي ملتقى الأضداد

                     فكر الدكتور حسن حنفي ملتقى الأضداد

 

                                                                  د. عبد الجبار الرفاعي

 

                                                     – 1 –

                         نداء الحياة يهتف بالروح رغم وهن الجسد

رحل الدكتور حسن حنفي يوم الخميس 21-10-2021 عن عالمنا بعمر 86 سنة (1935 – 2021). ‏برحيله فقد العربُ مفكرًا غزيز الإنتاج، وخسرت الفلسفةُ معلِّمًا أفنى حياتَه في التعليم، وباحثًا كرّس عمرَه للبحث والكتابة. مشاعرُ فقدان الأصدقاء القريبين موجعةٌ، احتجتُ مدةً طويلة لتبرد مشاعري وأعيد ‏تحريرَ هذا النص وأنا هادئ. أحاول أن أكتبَ عنه وأنا متخفف من مشاعرِ فقدان صديق عزيز، ولئلا يقع تفكيري أسيرَ عواطفي عند الحديث عن أفكاره.

كنا معًا على المنصة في الجلسة الافتتاحية آخر مرة التقينا بمؤتمر النهضة العربية سنة 2018 في الأردن، كان مُقْعَدًا على كرسيٍّ، لكنَّ همَّته وعزيمته وحماسته لم تهدأ، وتوقُّد ذهنه لم ينطفئ.‏ أحترمُ حسن حنفي وأعتزّ بصداقته، ويعجبُني منجزَه الواسع، وأهتمُ بمتابعة ومطالعة كتاباته المتدفقة الغزيرة. تربطنا صداقةٌ تواصلت سنوات طويلة، كان مهذبًا دافئًا ودودًا معي، أحبُّ صوتَ الإنسان الغيور الشهم داخلَه، وإن كنتُ أختلفُ مع تعريفه للدين وقراءته لنصوصه.

تعودُ علاقتي بفكر حسن حنفي إلى أكثر من أربعين عامًا، قرأتُ سلسلةَ مقالاته في نقد الأصولية بجريدة “الوطن” الكويتيَّة بعد مقتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات. في نقده للأصولية للمرة الأولى أقرأ نقدًا بجرأة لم أعرفها في أدبيات الجماعات الدينية. لم تألف هذه الجماعاتُ غربلةً وتمحيصًا في داخلها لشعاراتها ومفاهيمها وقراراتها. كلُّ ما قرأتُه في تقويمها ومراجعتِها ونقدها لكتّاب خرجوا عليها وغادروا تفكيرها، أو كتّاب ينتمون للجبهة المقابلة لها. انتقل حسن حنفي في نقده للأصولية إلى آفاق أوسع من ضيق أفق تفكيرها ومفاهيمها المبسّطة، ونظرتها الأُحادية لواقع شديد التركيب ومتعدّد الأبعاد ومتنوّع الوجوه.

بادرتُ إلى قراءة ما أعثر عليه من مقالات حنفي ومؤلفاته. أرسلتُ له رسالةً بريدية. لم أكن واثقًا من وصولها، فوجئتُ بعد مدة طويلة برسالة جوابية مرفقةً بطرد يحمل مجلة «اليسار الإسلامي» وغيرها، هذه المجلةُ أصدرَ حنفي العددَ اليتيم منها ولم يردفه بعدد آخر. ضمّت «اليسار الإسلامي» مقالاتٍ بعضُها منشور من قبل، منها مقالةٌ للدكتور علي شريعتي مترجمة للعربية. كانت المجلةُ أشبه ببيان تأسيسي لحزب أيديولوجي ثوري. قرأتُ مقدمتَه المسهبة للمجلة أكثرَ من مرة، رأيتها مقالةً تحتشدُ فيها أصواتٌ متنوعةٌ للثوار في تاريخ الإسلام المبكر، تحتشدُ هذه الأصواتُ بموازاة مقولاتِ العدل والحرية في علم الكلام المعتزلي، ومفاهيمَ إنسانية منتقاة من التراث. لم أقرأ من قبل كتابات تتجاور فيها كلُّ هذه التوليفة المركبة من أضداد، يحاول حنفي أن يسكبَ أضدادًا في كأس واحد. بقدر ما أعجبتني براعةُ حسن حنفي في الصياغة اللغوية لشعارات تنادي بأحلام اليسار والحركات الثورية بمختلف تعبيراتها، وخبرتُه الواسعة بحقول التراث المتنوعة، تساءلتُ عن كيفية جمع ثورات تنطلق من مواقف اعتقادية متعارضة وأحيانًا متصارعة، ودمجها بمقولات كلامية تعكس كلُّ واحدة منها رؤيةَ أحد الفرق الكلامية المتنازعة. بدأ ينمو ويتراكم هذا التساؤلُ وأمثالُه بمرور الزمن كلما قرأتُ جديدًا لحنفي، إلى درجة اكتشفتُ فيها عقلًا يدمجُ عناصرَ غريبة وأحيانًا متضادة تنتمي لفلسفات متنوعة وعقائد متصارعة، يدعوها لتنادي بصوته لا صوتها، وتعلنُ غاياتِه لا غاياتها، وتنشدُ أحلامَه لا أحلامها. وقفتُ على بوصلةَ تفكير حنفي منذ أول قراءة لكتاباتِه وتكشّفَ لي بوضوح كيف يجعل الشرقَ يقول ما قاله الغربُ والغربَ يقول ما قاله الشرق، والماركسيةَ تقول ما قاله الإسلامُ والإسلامَ يقول ما قالته الماركسية، والتراثَ يقول ما قاله التنويرُ والتنويرَ يقول ما قاله التراث.

تفرضُ عليك جهودُ حسن حنفي الاهتمامَ بها، سواء كنتَ تتفق أو تختلف مع أفكارِه، أو تثيرك تأويلاتُه للتراث، ومحاكاتُه للاهوت التحرير، وشغفُه باشتقاق الثورة من العقيدة. كتاباتُه وعباراتُه كأنها شعاراتُ ثوار بالغة التأثير على مشاعر مَنْ يقرأها بتعجّل، تراها لأول وهلة كأنها نسيجٌ ينهل من منابع متنوعة، تحيلُ إلى الموروثِ بحقوله الواسعة، وتتكلمُ مصطلحاتِ الفلسفةِ وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة بتياراتها واتجاهاتها المتنوعة، وإن كانت قراءتُها بتريُّث ترى فيها ما لا تقوله قراءتُها المتعجّلة. لا تفتقرُ كتاباتُه إلى إطلالة على الماضي وإن كانت مشدودة بالواقع، تقرأ إعلاناتِه المكررة عن ضرورة الاهتمامِ بالواقع ومتطلباته واستحضارها في التفكير والتعبير. تخلو كتاباتُه من التحريض ضدّ المذاهب، لا تشوبها لوثةٌ طائفية، لم يكن مع مذهب ضدّ مذهب، ولا مع جماعة ضدّ جماعة، ولا مع حزب ضدّ حزب. تشعرك كأنها مع الجميع، في الوقت الذي لا تراه إلا وحده، يحرص على التوفيق بين مختلف التيارات والاتجاهات والفرق والمذاهب والأيديولوجيات، الذي يصلُ حدَّ التلفيق المكشوف بتأليف ما لا يأتلف.

كنتُ مدعوًّا لمؤتمر نظّمه الأزهرُ في القاهرة ربيع سنة 2017، لا أتذكر زيارةً للقاهرة إلا وأبدأها بمهاتفة حسن حنفي، وأقتطع وقتًا مناسبًا لزيارته في بيته مهما كانت الزيارةُ قصيرة، كما هي عادتي في كلِّ مرة أصلُ مصر، وعندما يتسعُ وقتي أزوره أكثرَ من مرة. لم تتجاوز زيارتي الأخيرة أيام المؤتمر الثلاثة، ولم يتسع وقتي للقاء أصدقاء كرام في هذه الزيارة، إلا لزيارة الأخ حسن حنفي إذ فرضتها ضرورةُ الصداقة الأخلاقية. هاتفته فأجابني مرافقُه، وفور إخباره أعرب عن سعادته ورغب بشوق أن أصلَ إلى بيته القريب من منطقة الفندق الذي أقيم فيه. اكتريت سيارةً إلى مدينة نصر حيثُ منزله، وطلبتُ من السائق أن ينتظرني ربع ساعة كي أعودَ لأعمال المؤتمر. عندما دخلتُ عليه رأيتُه مُقْعَدًا واهنَ القوى والحواسّ، أسرع إنهاكُ الأمراض والشيخوخة إلى الفتك بجسده، استنزفتْ طاقةَ عينيه المطالعةُ والكتابةُ حتى كادَ يفقدُ بصره، رأيتُه يكتبُ الكلماتِ بقلم عريض لا تستوعب الورقةُ من حروفه إلا عباراتٍ قليلة، يستعينُ بالبصيص الضعيف لعينيه باستخدام عدسة مكبرة جدًا للقراءة والكتابة. حزنتُ لما رأيتُ جسده بهذه الحالة. على الرغم من وهن جسده وضعف صوته لم ينطفئ حماسُه ولم تمُت أحلامُه. تألَّمتُ كثيرًا للوهن الذي نهش جسدَه، كان مُقعَدًا على كرسي، لا يقوى على القيام. المفاجئ أن الفتور الذي استولى على جسده، لم يعبث كثيرًا بعقله، ولم ينخر مشاعرَه، ولم يطفئ حماسته المتَّقدة، ولم يصيِّر جمرةَ شعاراته رمادًا. استمعتُ إلى نداء الحياة يهتفُ في روحه بصوت يهزمُ نداءَ الموت في جسده. مكثتُ ساعة ونصف تقريبًا، أسأله عن صحته وجديد مشروعه الذي نذر له عمرَه وضحَّى براحتِه وصحته من أجل إكماله، كان يحدثني بثقة العاشق المتيَّم الذي تحقّقت كلُّ أحلامه، وهو يقول جذلًا: تمكنتُ من إنجاز آخر حلقة في مشروع “التراث والتجديد”. ويضيف: لم يعد لديّ ما أحلمُ بكتابته إلا تدوين ذكرياتي، وأتمنى لو أسعفني العمرُ أن أنجزَ كتابًا جديدًا عن الثورة والثوَّار في كتابات مفكِّري أمريكا اللاتينية. سألني ما إذا كانت حقيبةُ سفري تستوعبُ آخرَ أعماله، فقلتُ له: سفرتي سريعة لحضور مؤتمر، وحقيبتي الخاصة بالكتب سأعودُ بها لبغداد فارغة؛ لم يسعفني الوقتُ للذهاب للهيئةِ المصرية للكتاب والمركز القومي للترجمة ودورِ النشر الغنية بإصداراتها المتنوعة في القاهرة. أهداني ما صدرَ من الحلقات النهائية لمشروعه، وهي عدة مجلَّدات في التفسير، تغطِّي الحلقةَ الخاتمة في مشروعه الواسع الطموح. أحبطَ تفسيرُه أَمَلِي مرةً أخرى، تفسيرُه تبهرك عناوينه، وهو الخبيرُ بصياغة العناوين بلغةٍ كأنها لافتات شِعرية، وحين تقرؤه لا تجد مضمونَه يتناغمُ والإيقاع المعلن لعناوينه، يسهبُ في الحديث ويراكمُ كلماتِه وعباراته وشعاراته المعروفة في كتاباته، يفسِّر الآياتِ القرآنية في ضوء رؤيته المهيمنة على كتاباته منذ البدايات المبكرة، إلا أن لغتَه أضحت سائلةً، تفيضُ بالألفاظ وتشحُّ بالمعاني. تألَّمتُ لحظةَ رأيتُ لغتَه تفتقرُ إلى طاقتها ووهجها المعروف في كتاباته السابقة، وكأنّ الوهنَ الذي أدرك جسدَه أدركها هي أيضًا.

 

                                        – 2 –

                                 كاهن الفلسفة

كنتُ ألتقي الدكتور حسن حنفي، فنذكر في سياق حديثنا آراءَ مفكرين معروفين، ويجري نقاشٌ حول مرجعيَّات رؤيتهم للعالَم، ومواقفهم المتنوعة من ثنائيات: الماضي والحاضر والأصالة والمعاصرة والتراث والحداثة، وتصوُّراتِهم المتعددة لدراسة أسباب التخلف والانحطاط وشروط النهضة، والإحياء والإصلاح والتجديد، وأثرِ فهم الدين وتفسير نصوصه وأنماط التدين في النهضة والبناء والتنمية. حين نتحدث عن كتاباتهم ومواقفهم كان لسانُ حسن حنفي لا يستغرق في ذكر غيره بسوء، وأحيانًا يحاول التهرُّب من الحديث، إذا كان الحديث يتطلب رأيًا سلبيًّا صريحًا، وربما يصمت وينقل الكلامَ إلى شأن آخر، على الرغم من أن هذا الموقف لم ينعكس على كتاباته، خاصة سيرته “ذكريات”.

نشر حسن حنفي فصلًا في أحد أجزاء مؤلفاته كَسِيرةٍ أوَّلية، وأعاد كتابةَ فصل آخر تناول فيه محطات متنوعة من حياته. في كتابه الأخير «ذكريات» وهي المرة الثالثة والأخيرة لكتابة سيرته الشخصية، حاول أن يتحدث عن رحلة حياته ومنعطفاتها المتنوعة من المرحلة الأولى إلى ما انتهت إليه قبيل وفاته. كان فيها أكثرَ تعبيرًا عن ذاته وانفعالاته ومواقفه الصادمة، صوتُه أشد وحديثُه أصرح، وهو يحكي للقرّاء ما تعرّض له من مواجع الحياة ومراراتها، وما كابده من تشرّدٍ وجوعٍ عند وصوله إلى باريس وبؤسٍ لا يطيقه إلا الصَّبور. كان في بداية المشوار يتساءل على الدوام حتى عن البداهات أحيانًا، متمرِّدًا لا يكترث بالممنوعات الاجتماعية ولا تهمُّه البروتوكولات الحكومية، عنيدًا لا يرضخ للترويض، تعيش معه ويعيش لها أحلامُه الكبرى الصادمة لأساتذته وزملائه، ولا يتردّد في إعلانها على الملأ. عند وصوله باريس لإكمال دراساته العليا خريف 1956 لم يكن في جيبه شيءٌ من المال، ذهب إلى بواب السفارة المصرية وطلب منه أن يُؤويه ليلًا ريثما يعثر على سكن، يقول حنفي: «فاستغربت، ألَّا يقبل بوابُ السفارة طالبًا سيغير العالَم بأفكاره»[1]. حين لم يجد مكانًا ذهب إلى مسجد باريس ولم يسمح له بالمبيت فيه، أرشده إمامُ المسجد «إلى أحد الجزائريين، كي ينام معه. وكانت غرفة في فندق في الحي العشرين الذي يقطنه العمال الجزائريون. ستة على سرير واحد»[2]. يتحدث حسن حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه قائلًا: «كانت صورتي في الإخوان أني شيوعي، وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني. وصورتي في أجهزة الأمن أني إخواني شيوعي. ولم يكن اليسار الإسلامي قد انتشر بعد، ليحل التناقض بين الإسلام والشيوعية أو الاشتراكية أو الأيديولوجيات العلمانية كالليبرالية والقومية»[3]. حسن حنفي كان مسكونًا بيوتوبيا اليسار الإسلامي، مفهوم اليسار الإسلامي لديه يلتقي فيه الإسلامُ بالشيوعية، وتجتمع الأضدادُ في كأسٍ واحد، بتوظيفٍ براغماتي مكشوف للتراثِ واستعمالِه في إثبات الشيء ونفيه.

حسن حنفي ثائرٌ بالفطرة، لم تتوقف أحلامُ الثورة وشعاراتُها بعد تجاوزه مرحلة الشباب. حسن حنفي كعلي شريعتي مثقّف رسوليّ، وأعني بمصطلح المثقّف الرسوليّ المثقّفَ النبويَّ الذي يرى نفسَه بمثابة النبي المُرسَل إلى أمته لهدايتهم، يشعرُ بمسؤوليته عن معتقدات الناس وأفكارهم. كان حنفي يعلن مرةً أنه مسؤولٌ عن تغيير العالَم بأفكاره، ومرةً أخرى يعلن فيها أنه «إنسان صاحب رسالة، أُعِدّ مشروعًا قد ينقذ الأمة من كبوتها، وذلك يقتضي الجلوس على المكتب طيلة العمر، لا زيارات لأقارب أو أصدقاء، فوقتي كله للعلم ولأداء الرسالة»[4]. واصل إعلانَ مهمته الرسولية في أحاديثه وكتاباته… مثلًا يكتب في مقدمة كتابه «من العقيدة إلى الثورة»: «أنا فقيه من فقهاء المسلمين أجدد لهم دينهم وأرعى مصالح الناس. ليس لنا ألقاب، بل نحن من علماء الأمة، ورثة الأنبياء، والمحافظون على الشرع، كما كان فقهاء الأمة من قبل»[5]. يصنّف حسن حنفي نفسَه فقيهًا من الفقهاء وإن كان يجتهد خارجَ أصولِ الفقه وقواعدِه في المذاهب المعروفة، متكلّمًا من المتكلمين وإن كان يحاول الخروجَ على تراث المقولات والفرق المعروفة للمتكلمين، فيلسوفًا مع الفلاسفة وإن كان يتفلسف خارجَ العقل الفلسفي الذي لا يخضع لمعتقد أو أيديولوجيا أو حكم سابق، يتفلسف حنفي بعقلٍ مشبَع بأيديولوجيا اليسار الإسلامي. ويصرُّ بتساؤلٍ إنكاري: «وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ وهل ينفـع تـدريس العلـوم الإنسانية كالاجتمـاع والقـانون والفلسفة دون أيديولوجيا؟ ومـا العـيـب إذا ما أدت الأيديولوجيا إلى العمـل السياسي؟ ومـا الـعيـب فـي أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدلًا من أن يحفظ كتابًا مقررًا؟»[6]. اتسعت اهتماماتُه وتنوّعت أعمالُه بنحوٍ استوعبت مختلفَ حقول التراث، تبدو كتاباتُه للقارئ مؤتلفةً مع كلِّ شيء في الوقت الذي لا يألفها شيءٌ، ويصعبُ تصنيفُها بقراءة متعجلة تحت أيِّ شيء، لا يصدق عليها إلا أنها كتاباتٌ توظِّف التراثَ والفلسفةَ وعلومَ الإنسان والمجتمع أيديولوجيًّا نفعيًا.

كان حسن حنفي أشدَّ توتُّرًا وانفعالًا وحنقًا في ذكرياته وهو يتحدثُ عن بعض تلامذته وزملائه. تسود الشكوى والضجر والألمُ مواردَ متعدّدة من كتاب «ذكريات». عندما يورد موقفًا أو يتحدّث عن زميل أو تلميذ كأنه يستأنف سيرةَ الدكتور عبد الرحمن بدوي التي نشرها في مجلدين، وكان فيها شديدًا على أكثر من عاصرهم، ولم يستثن إلا القليلَ من نقده اللاذع الذي يتمادى فيه أحيانًا إلى الاتهام بلا دليل.

خصّص حسن حنفي نحو 30 صفحة في نهاية ذكرياته لكتابةٍ قاسية عن بعض أساتذة الفلسفة وتلامذته، مثلًا يصف أحدَ أبرز أساتذة الفلسفة المصريين المعروفين عالميًا بقوله: «يعيش على قضيتين: أن ابن رشد ليس مثله من قبل ولا من بعد، وهو ممثل العقلانية. والثانيـة الهـجـوم على الأصولية، والدفاع عـن العلمانيـة الغربيـة. ارتبط بالدوائر الفلسفية الغربيـة أكثـر مـن العربية. ويكتب أسبوعيا في الأهرام ويكرر نفسه. لم يحصل على أي جائزة. وهو الآن مفكر الجامعة للهجوم على الإسلاميين»[7].

يقسو حسن حنفي على أحد تلامذته الأذكياء ويتبرّم منه قائلًا: «كـان يريد الشهرة بسرعة، فالتصق بتلميذي الآخر نصر حـامـد أبو زيد، لأنـه لم يعترض على الشهرة السريعة أو مخاطبـة الإعلام. وبدأ الخروج إلى الإعلام، وكتابة أفكاره في الصحف…كـان القسم يعتبره خير من يخلفني، ولكني اكتشفت باطنه كما عرفت ظاهره، فـقـد كـان يُبدى إخلاصًا لي في الظاهر، ويبطن عداوةً في الباطن. ثـم تـوفي بعـدهـا رحمه الله دون أن ينـال لـقـب باحث أو مفكـر… وتكوّنت حلقة معادية لي من تلاميذي الذين أصبحوا أساتذة بأنني السبب في إجهاضـه بـل ومـوتـه شـهـيدًا للفلسفة بسبب كراهيـة القسـم لـه”[8].

تلميذُه الصديق الراحل د. علي مبروك ظلَّ يشكو بمرارة في رسائله لي من مواقفه الموجعة معه حتى الأيام الأخيرة من حياته، كان مبروك يصفُ أستاذه بـ «كاهن الفلسفة»، وهكذا سمعتُ شكوى من غير مبروك من تلامذة حنفي. أظن علي مبروك يريد من توصيف «كاهن الفلسفة» فضحَ المفارقة المكشوفة في كتابات أستاذه وسلوكه معه وغيره من تلامذته. مبروك يغمز أستاذَه الذي يريد أن يكون فيلسوفًا كاهنًا وكاهنًا فيلسوفًا، وربما يريد أن ينبّهَ القراءَ إلى أن أستاذَه يجمعُ الأضدادَ في كأسٍ واحد، وهذا ضرب من جمع الأشياء المتباينة. الإنسانُ إن كان كاهنًا لن يكون فيلسوفًا، وإن كان فيلسوفًا لن يكون كاهنًا. كلُّ مجتمعٍ يتضاعفُ فيه حضورُ الكهنة ويتضخمُ تأثيرُهم يتضاءل حضورُ الفلاسفة ويضمحلُّ تأثيرُهم.

 

                                                – 3 –

                                   الدين قربانًا للأيديولوجيا

دعاني الدكتور حسن حنفي للحديث في ندوة الجمعية الفلسفية المصرية مساء الأحد 16 يناير 2011، بحضور نخبةٍ من الأستاذات والأساتذة المعروفين أعضاء الجمعية. أدار هو الندوة، وعقّب عليها الصديقُ المرحوم الدكتور علي مبروك. قدّمتُ في الندوة ورقةً نقديةً لفكرِ د. حسن حنفي وفكرِ د. علي شريعتي، بعنوان: «اختزال الدين في الأيديولوجيا: نقد لاهوت التحرير عند حسن حنفي وعلي شريعتي». لم يظهر الانزعاجُ عليه على الرغم من النقدِ الصريح الذي وجّهتُه لفكرِه. أحترم موقفَه وأعتزّ به في دعوتي وتقديمي للحديث في هذه الجمعية العريقة. أكبرتُ سعةَ صدره في تقبُّل النقد في الندوة، وموقفَه الجدير بالاحترام والتبجيل والثناء، وإعرابَه عن استعداده لاستضافتي في الجمعية أيّ وقتٍ أزور القاهرة. لم يعلن استنكارَه على الرغم من الاختلافِ مع طريقةِ تفكيرِه وفهمِه للدين وعلم الكلام الجديد وتأويلِه للتراث، واختلافِ ‏رؤيتي لعلم الكلام الجديد عن رؤيته، والمعيارِ الذي حدّدتُه لتمييز المتكلم والكلام الجديد، كما ‏شرحتُ ذلك في كتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». ‏علمُ الكلام الجديد عند حسن حنفي يعني لاهوتَ التحرير، وعلمُ الكلام الجديد في نظري يعني لاهوتَ الحرية. الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، ينشدُ إيقاظَ وتكريسَ المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة الإنسان.

قدّمني الدكتور حنفي في الندوة، وفي سياق حديثه الحماسي المستفيض أشار إلى أني أمثّل «اليسار الإسلامي» في العراق. أظنّه كان يريد أن يبلِّغ الحضورَ من أستاذات وأساتذة الفلسفة الكرام، اتِّساعَ الرقعة الجغرافية لليسار الإسلامي في البلاد العربية، وأن دعوتَه هذه تحولت إلى تيارٍ واسع، كما أشار في غير مرة لهذه الأمنية. بعد فراغه من التقديم بدأتُ الحديثَ بالقول: مع احترامي وامتناني للصديق د. حسن حنفي، أودّ أن أوضح: أنا لا يسار إسلامي ولا أيّ يسار آخر، لا يمين إسلامي ولا أيّ يمين آخر، أنا مسلمٌ وكفى. لم يكتم حنفي امتعاضَه وشعورَه بالإحباط للنَّفي الصريح لما وصفني به.

الرجلُ عالمٌ ذكي موهوب، متعددُ اللغات، مثابرٌ صبور، يستحقُ التبجيلَ والثناء. كتبَ وترجمَ وحقَّقَ آلافَ الصفحات، ربما لم يكتب أحدٌ من المفكرين من مواطنيه بغزارة وسعة ما كتبه. كتاباتُ حنفي حول التراث متنكرةٌ بلغةٍ لا تخلو من حماسٍ توقده شعاراتٌ ثورية، ومتنكرةٌ بتوظيفاتٍ كما يشاء لمناهج وأدوات ومفاهيم ومصطلحات مستعارَة من الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

كان محورُ حديثي في الندوة يدور حول ترحيل الأيديولوجيا للدين من وظيفته الأصيلة، بوصفه يروي الظمأَ الأنطولوجي للمقدّس، وكيف تغفل الأيديولوجيا الواقع، وتضع الفردَ والمجتمعَ في مواجهة العالَم، وتفقر الروحَ والقلبَ والضميرَ والعقل. تحدّثتُ عن تشديدِه المتواصلِ على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، وإعلانِه عن أن ذلك هو الهدفُ المحوري الذي بدأ به مشروعَه وواصل ترسيخَه في كتاباته المتنوعة والغزيرة حتى آخر حياته. يستعملُ حنفي الأيديولوجيا كالملح الذي يستعمل في كلِّ طعام.

لفرط إغواء الأيديولوجيا وتسلُّطها على وعي حسن حنفي، وتسيّدها في تفكيره، واعتمادها معيارًا في أحكامه على أية جماعة دينية أو سياسية، يصرّحُ في كتاباته بأن جماعةَ الإخوان المسلمين هي «الحزبُ النظيف» الفاعلُ والمؤثرُ الذي عمل على تحقيقِ هذا الهدف منذ نشأته. ويكرّرُ هذا الكلامَ بأساليب متنوعة في موارد متعدّدة من كتاباته، فمثلًا يقول: «لقد عرضت الجماعةُ لأول مرة في تاريخنا الإصلاحي الحديث الدينَ باعتباره أيديولوجية. وتربى شبابُ مصر تربيةً فكرية على أساس أيديولوجي، مما جعله معتزًا بما لديه، وقادرًا على الوقوف أمام الأيديولوجيات المعاصرة، وعلى رأسها الماركسية والليبرالية، وظهر الإسلامُ ليس فقط كعقيدة وشريعة، وهما ما ورثناها من القديم، بل كأيديولوجية على مستوى أيديولوجيات العصر. وعرضت على المستوى النظري نظريات الإسلام الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والفنية التي كانت تسد حاجة العصر النظرية… ‏فكانت لدينا أيديولوجية وطنية، من طراز الأفغاني من أجل مقاومة المحتل، والقضاء على الإقطاع، ومن طراز السلفية المستنيرة عند ابن تيمية: الدين في مواجهة الصليبيين…كانت جماعة الإخوان تمثل صورة أخرى، وهي “الحزب النظيف”، وقد بقيت الجماعة لهذا السبب حتى بعد قانون حلّ الأحزاب، لأنها ليست حزبًا ككل الأحزاب: “أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”»[9].

لا يكترثُ حنفي كثيرًا بالوظيفة المحوريّة للدين في إثراءِ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريسِ صلة الإنسان الوجودية بالله. يشدِّدُ باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، بين الواقع والأيديولوجيا في فكره وفكر غيره تناشزٌ مكشوف. الأيديولوجيا قوالبُ ساكنة تلبث على الدوام كما هي، الواقعُ سيَّالٌ في صيرورةٍ مُزْمِنَة، متحولٌ كشلالٍ متدفق لا يتوقفُ ولا يلبثُ كما هو أبدًا. الدينُ أعمقُ من الأيديولوجيا، تحويلُ الدين إلى أيديولوجيا يعني: اختزالَ الإنسان في أحد أبعاده، واختزالَ الروح في القانون، والعقيدةَ في الثورة، واللهَ في الإنسان، والسماءَ في الأرض، والغيبَ في الشهادة، والميتافيزيقا في الطبيعة، والآخرةَ في الدنيا، والروحَ في الجسد، والرّمَز في الحرف، والرؤيا في المحسوس، والمعادَ في المعاش، والعبادةَ في الجسد، والديني في الدنيوي[10].

مَنْ يقرأ حسن حنفي يندهشُ من الحضورِ الطاغي لتأويله الأيديولوجي للدين، وإفراطِه في تطبيق آياتِ القرآن الكريم والنصوصِ الدينية والتراثِ بمنطق أيديولوجي على الواقع بمختلف ظواهره ومتغيراته. بموازاة ذلك يرى القارئ إهمالًا للميتافيزيقا في كتاباته، وكأنَّ القرآنَ كتابٌ لا صلةَ له بالغيب، كأنه كتابٌ أنزله اللهُ ليتحدّثَ عن كلِّ شيء ويستثني اللهَ وعالَمَ الغيب. يحيلُ حنفي الميتافيزيقا إلى الفيزيقا، والغيبَ إلى الشهادة، والسماويَّ إلى الأرضي، يفسّرُ ما هو ميتافيزيقي بالطبيعي، ويرى ما هو أنطولوجي أيديولوجيًّا، وما هو قلبيّ ذهنيًّا، وما هو فردي مجتمعيًّا. لا يرى في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجوديّ تتسامَى فيه، لا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه الطبقي في عالمه الأرضي.

حسن حنفي مولعٌ بمحاكاةِ التراث للواقع وترحيلِ الواقع للتراث، حريصٌ على استعارةِ جلباب التراث وخلعِه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، ينتخب مثلًا مقولاتِ الكلام المعتزلي في العدل والحرية والمنزلة بين المنزلتين، وينتقي بعضَ الأحكام الفقهية من المذاهب، ويجعلها تنطق لغتَه لا لغتَها، وترتسم فيها صورةُ مفاهيمه لا صورتُها. تبدو المفاهيمُ في لغته مقطوعةَ الجذور من تربةٍ نبتت فيها، ومقتلَعةً من ظروف وعوامل وسياقات نشأتها وتطوّرها في التراث، مغروسةً في تربة غريبة عليها، محاكيةً لواقع متغيّر يتنكرُ لها، لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليها. يحاول حنفي الاتِّكاءَ عليها في معالجة المشكلات السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويسعى لحلّ مشكلةِ التفاوت الطبقي وغيرِها في ضوئها.

كتاباتُ حسن حنفي في الوقت الذي تظن أنها تخرجك من المقولاتِ الأصولية وشعاراتِها، تصنع لك من التراث أيديولوجيا تدعوك لاعتناق مقولاتها. يخيّل إليك أنه يخرجك من طوبى التراث، غير أنه يرسم لك طوبى متخيَّلة، شديدةَ الإغواء فاتنةً على وفق رؤيته. يصنّفُ التراثَ على وفق أيديولوجيات ومذاهب ورؤى تصل حدَّ التضادّ أحيانًا. التراثُ لديه يختزن ما يحتاجه الواقعُ اليوم، محترِفٌ في توظيفه بلغته وأسلوبه الخاص، بنحوٍ يجعل التراثَ مصدرًا للعقلانية، مصدرًا للتجديد، مصدرًا للحداثة، مصدرًا للأنوار، مصدرًا للديموقراطية، مصدرًا للاشتراكية وغير ذلك، كأن التراثَ علبٌ فارغة ما عليه إلا إعادةَ قراءته وملئه بما يحسبه دواءً لأمراض الواقع. القراءةُ المتأنية لأعماله يتكشّفُ في طبقاتها ما ينشده الإسلامُ السياسي وما يدعو إليه من إحياءِ التراث وأسلمةِ العلوم والمعارف الحديثة.

                                              –4–

              أدلجة الدين تنهك وظيفته الروحية والأخلاقية

حسن حنفي ‏مفكرٌ مدهش، لا يُخرِجُ القارئَ من متاهةٍ إلا ويدخله ‏في متاهات عويصة، ربما يتعذر عليه الخروجُ منها كلَّ حياته. يستطيعُ أن يكتبَ عن معتقدَين متعارضَين بلغةٍ تصالحية توحّدهما، وأحيانًا يكتبُ رأيَين متضاربين عن معتقَد واحد. كتاباتُه متنوعةٌ غزيرة، الجملُ قصيرةٌ، الإيقاعُ سريعٌ، يكتبُ بلغةٍ عاطفية متوترة، بقدرةٍ فذَّةٍ على إيقاد المشاعر قبل إيقاظ العقل، واستعمالِ الدين في إذكاء العواطف وتحريض الضمير، قبل توظيفه في مجاله الروحي والأخلاقي. بالرغم من أن حسن حنفي خبيرٌ متمرّس في التراث، يمتلك تكوينًا ممتازًا في أصول الفقه، واطلاعًا واسعًا على علم الكلام، ‏مضافًا إلى خبرته الجيدة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، إلا أن عقلَه لبث حتى وفاته يرى الماضي والحاضر في أفق قراءته الأيديولوجية.

تحويلُ الدين والمعتقد والتراث إلى أيديولوجيا ‏يستنزفها ويعبث بها، كلُّ فكرة ومعتقد ودين وتراث يمكن أن تصيّرها أيديولوجيا. ‏أدلجة الدين تنهك وظيفتَه الروحية والأخلاقية، تفرضُ هذه الوظيفةُ حمايةَ الدين من أن يتحولَ إلى أيديولوجيا، وإلا يمكن أن يصيرَ الدينُ أداةً لممارسة العنف ضد المختلف في المعتقد، كما تفعل الجماعاتُ المقاتلة باسم الله.

الأيديولوجيا مغلقة على نفسها ترى كلَّ شيء وفقًا لمنظورها لا غير. القراءةُ الأيديولوجية تتلاعب بالدين والتراث وتسقِط عليهما رؤيتَها وأحلامَها الرومانسية. الأيديولوجيا تمارس حجْبًا مزدوجًا للماضي والحاضر، ترى الماضي في الخيال كما تتمنى أن تراه، ترى الحاضرَ في الأماني كما ترغب أن تراها. في الأيديولوجيا يقع التفكيرُ أسيرًا للعواطف وتتحكَّم فيه المشاعرُ والانفعالاتُ أكثر مما يتحكمٌ فيه العقل. التفكيرُ عندما يستمدُّ طاقتَه من الخيال فقط من دون أن يمحّصَه العقل، يعجزُ عن رؤية الأشياء بوضوح خارجَ مملكة الخيال الغزيرة المشحونة بالمسلّمات والأحكام والإجابات الجاهزة. الأيديولوجيا تستمدُّ قوةَ تأثيرها من الحماس والعواطف والأمنيات وليس من العقل. الحماسُ متعجّلٌ متحيّز متّقد، لا يلامس الحماسُ شيئًا إلا وأوقده. العقلُ باردٌ متمهل، يتفحّصُ الأشياءَ ويغربلُ الأفكارَ، ويدرسُ المعتقداتِ بتأمل وهدوء وروية. تستمدُّ الأيديولوجيا فاعليتَها من قوة وكثافة الشعارات وإيقاعها السريع وتكرارها المتواصل. عندما تتسيّد الأيديولوجيا، يغرق الذهنُ بالشعارات والأحكام المسبقة والإجابات الجاهزة، ولا تعود للتفسيرِ العميق والتحليلِ العقلي الدقيق حاجةٌ، وقلّما نعثرُ في لغة الأيديولوجيا على أدلة علمية وحجج منطقية وبراهين عقلية.

في تحويله للدين إلى أيديولوجيا، حاول أن يحوّل كلَّ ديني إلى دنيوي حتى اختلطت الحدودُ بينهما، فجري تعميمُ الفهم الدينيّ لكافَّة حقول المعارف البشرية، وتديين المعرفة في خاتمة المطاف الذي ينتهي إلى التَّضحية بالعَقْلِ والخبرة البشرية خارج ما هو ديني.

حسن حنفي بارعٌ في القراءةِ الأيديولوجية للدين والتراث، وتوظيفِها بتلفيقِ مقولات الفِرَق المتصارِعة، ودمجِ الماضي بالحاضر في خلطةٍ غريبة، يخرجُها لفظيًا ببيان آسر أحيانًا، يستطيع أن يحوّل مقولةً واحدةً إلى كوميديا مضحكة مرة، وتراجيديا سوداء مرة أخرى، وربما يجمعهما معًا في مشهد أخَّاذ. لا يغفل القارئُ المتمهِّل عن التلاعب والتمويه الذي تمارسه قراءتُه الأيديولوجية. في بعض المواقف يعلن نواياه وما يعمل عليه، وإن كانت تتضمَّن تهافتًا عمليًا مكشوفًا يتنكر إليه الواقع، فهو يعمل في مصر كما يقول على: «‏الجمع بين شرعية ثورة يوليو، وشرعية الإخوان. بين شرعية الماضي، وشرعية الحاضر… ‏صيغة توحّدُ بين صيغة الخطاب السلفي والخطاب العلماني، فكلاهما ناقص. صيغة يجعل بها الوطن وطنًا للفقير مثلما هو وطن للغني”[11].

كتبَ حسن حنفي عن تجربته في الانتماء للإخوان المسلمين، وتحدّث عن تأسيس هذه الجماعة ودرس أدبياتِها وتاريخَها. قرأتُ كلَّ ما نشره حول الجماعة، رأيتُه منحازًا لا يكفُّ عن تبجيلِها وامتداحِ رجالها والاعتذارِ لمواقفهم الخاطئة، وتوجيهِ دلالات ما تتضمنه أدبياتُها إلى غير وجهتها، وتأويلِ مقاصدها بعكس ما ترنو إليه. يسرف خيالُه في رسمِ صورٍ بديلة للأشخاص والأفكار والكتابات لهذه الجماعة، لا يرى القارئُ الذكي شيئًا من ملامح هذه الصورة في غير كلماته العاطفية.

‏مواقفُ حسن حنفي وكتاباتُه عن جماعة الإخوان المسلمين تكشف عن تواطؤٍ واضح ومراوغةٍ مكشوفة. ‏يكيل لهم المديحَ بمناسبة وغير مناسبة، ويتغافل عن التبسيط في رؤيتهم للعالَم، ووهنِ تفكيرهم السياسي، وعجزهِم النظري عن فهمِ الدولة، ومناهضتِهم للدولة الحديثة ونظمِها، ولا يقف طويلًا عند أحلامَهم باستئناف الخلافة والدولة السلطانية في تاريخنا. لا يُنكَر أن حسن حنفي متعدّدُ المواهب، متنوّعُ التكوين الأكاديمي واللغوي، ولا أظن مفكرًا موهوبًا بقامته تخفى عليه هشاشةُ أدبيات الإخوان المسلمين وسطحيةُ أفكارهم، وأوهامُهم عن الدولة والمجتمع، وعجزُهم عن اكتشاف طبقات الواقع المركب الشائك العميق. لا يحتاج القارئُ إلى الاستقراءِ الواسع والغوصِ في مؤلفات حنفي كي يرى غضَّ نظره وتواطئه المكشوف مع مواقف الإخوان السلبية من العلوم والمعارف والآداب والفنون الحديثة، وتغافلِه عن كتاباتهم التحريضية ضدّ الأدباء والمفكرين الأحرار. يتجاهل حسن حنفي الآثارَ العاصفة لأجهزتِهم المختلفة ومؤسساتِهم العديدة على حياة المجتمع المصري، وكثافةَ تأثير ما يمتلكونه من أجهزةِ تربيةٍ وتعليم وتثقيف ودعوة وإعلام ودعاية، مثل المدارس بمختلف مراحلها، وأئمة الجماعة وخطباء الجمعة من أعضاء الجماعة، والمؤسسات الدعوية، وأخطبوط الشبكات المالية في مصر وخارجها.

يمتدح حنفي هذه الجماعةَ ويشيرُ إلى ما يفتقرُ إليه المجتمعُ المصري بغيابها، قائلًا: «كانت جماعة الإخوان تمثل تيارًا أصيلًا في مجتمعنا. وكانت على وعي بقضايا التراث والتجديد. وكانت تأخذ مواقفَ حاسمة بالنسبة للتراث الغربي، والتبعية للآخرين، وتقليد مظاهر المدنية الغربية، والافتتان بقشور الحضارة… ‏ومنذ توقف نشاط الجماعة والافتتان بالغرب يزداد، والتقليدُ للآخرين يقوى، والتهافتُ على البضائع المستوردة، وعلى البيع والشراء بالعملات الحرّة، والجريُ وراء أنماط الاستهلاك… نشأ الشباب فلم يعرف إلا تقليد الغرب في غياب حركة أصيلة تأخذ موقفًا نقديًا منه، كما كانت تفعل جماعة الإخوان المسلمين»[12]. ويمضي في الحديث عن التأثير الهائل للجماعة في المجتمع المصري، بوصفها ناطقةً باسم «التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل»، وما أنجزته من مكاسب استثنائية لمصر، من أن يذكر أثر هذه المكاسب في البناء والتنمية الشاملة، ويلوم أخيرًا من يحاول أن يجهِض مسيرتَها. يلخصُ ذلك بقوله: «‏تحوّل الدين من عقيدة إلى حركة جماهيرية، وأصبح الإسلامُ غذاء الجماهير اليومي، ولأول مرة في عصرنا الحاضر يجند الإسلام الجماهير بهذه القوة، وهذا الاتساع… أصبح الدين لمصلحة الجماهير، وأصبح الإسلام دين الشعب، ووجد الإسلام في الشارع، فوق الحصير، وعلى المصطبة. وأصبحت الجماهير وريثة العناية الإلهية في القدرة على العمل والحركة… كانت الجماعة دليلًا ومؤشرًا على أن التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل ما زال مستمرًا، وكانت بؤرة يلتف حولها كلُّ مسلم يود جَعْلَ إسلامِه نظامَه في الحياة. وكانت مدرسةً يتخرجُ فيها الدعاة، وكانت جريدةً يتطورُ فيها الفكرُ الإسلامي، وكانت محطًّا لكلَّ زائر إسلامي. كانت معلمًا من معالم مصر، وعلامةً على طريق مستقبلها وماضيها، ومحورًا تدور حوله كلُّ قوانا الإسلامية المبعثره كما هو الحال الآن. لقد كسبت مصر كثيرًا فلماذا تفرط فيما كسبت؟»[13]. يعلنُ حسن حنفي أسفَه على ما خسره الفكرُ الإسلامي عندما: «وقف التطور الفكري للجماعة، وهي خسارة كبيرة على مستوى الفكر الإسلامي الحديث، فقد كان الإخوان المسلمون حركة إصلاحية أصيلة، نابعة من فكرنا الإصلاحي الحديث منذ ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، والمدرسة السلفية بوجه عام… ‏وامتاز فكرُ الشهيد حسن البناء بالوضوح والإيجاز والتركيز، كما امتاز أسلوبُه بالإقناع. ثم تطوَّر فكرُ الجماعة على يد المفكر الشهيد سيد قطب، وتحول الإسلام إلى: نظرية في العدالة الاجتماعية، والسلام العالمي، والتحرر الإنساني، كما أصبح أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًّا للعالم، ونظرية في الفن، ومنهجًا في التفسير. ولسوء الحظ توقف هذا التطور الفكري باستشهاد مفكرنا الأخير. ومن يدري ماذا يدور في عقول مفكرة الإسلام الآن»[14].

يسكتُ حنفي عن نمط التديُّن السياسي المغلق الذي صنعته الجماعة، وجعلته في صدام مع إسلام المجتمع المسالم، وأحدث انقسامًا حادًّا في المجتمع والعائلة الواحدة، ووضعت الجماعةُ هذا النمطَ من التديّن في مواجهة المؤسسات الدينية التقليدية العريقة كالأزهر، ووجهت أعضاءها للانشغال بهموم الغير قبل هموم المواطن المصري، لأن «جنسية المسلم عقيدته» كما يشدِّدُ سيد قطب، وليس وطنه. نشر حسن حنفي «الدين والثورة في مصر» في ثمانية أجزاء في ثمانينيات القرن الماضي، وكتب كثيرًا عن الموضوع بعد هذا الكتاب وقبله. لم أقرأ له بحثًا علميًّا ناقدًا، يستعملُ فيه مناهجَ العلوم الإنسانية الحديثة الملمّ فيها، ويدرسُ في ضوئها الآثارَ السلبية لمنابرِ جماعة الإخوان وأدبياتِهم ومواقفِهم على التربية والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد والتنمية والهوية الوطنية في مصر، وما أحدثتْه منابرُهم ودعايتُهم من استقطابٍ طائفي حادّ، تفجَّرَ في حوادث عنف مؤسفة، إثر إثارة بعض منابرهم لإحياء أحكام أهل الذمة المنسية وأمثالها، وتصدّع مكونات المجتمع الذي توحّده المواطنةُ والانتماءُ لأرضه وهويته المصرية.

كتاباتُ حسن حنفي تعلن أن هاجسَها تغييرُ الواقع، لكنها تعبّر عن أحلام تغوي مراهقَ التفكير بحديثِها المكرَّر عن العدالة والحقوق، وإعلانِها عن أنها صوتُ المهمّشين والمحرومين، وكلِّ أولئك المعذّبين في الأرض الذين يتجرّعون العلقم، وهي مولعة بأحلام رومانسية بعيدة عن الواقع.

 

                                               – 5 –

                       اليسار الإسلامي بدأ مع سيد قطب

الإخوان المسلمون هم الجماعة السياسية الأطول عمرًا، والأوسع حضورًا والأشدّ تأثيرًا في مصر والبلاد العربية. حسن حنفي من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان وخبرةً بنشأتهم وأدبياتهم ومواقفهم ومسيرتهم العملية، وهو الأغزر كتابةً عن الحالة الدينية في مصر، ربما لا نجد كتابًا له إلا ويتطرق للدين والتديّن وأحيانًا يكتب عن ذلك بشكل مستفيض. في كلِّ ما قرأتُ من كتاباته عن الإخوان كان يتحدث بلغة اعتذارية، تحاول بأساليب ذكية تبريرَ مواقفهم، وإدانةَ خصومهم، وتكرارَ الكلام عن «سيكولوجية الاضطهاد» التي تعرضوا لها كحركةٍ سياسية جماهيرية، شديدةِ الإيقاع واسعةِ الحضور في مؤسسات المجتمع المتنوعة. يصف حسن حنفي تأثيرَ السجن والتعنيف والغبن الذي تعرضتْ له الجماعةُ بقوله: «‏وغلب على فكرها سيكولوجية الاضطهاد، فنشأ فكر إسلامي معادٍ للواقع، غاضب، يبغى الانتقام. يستعمل الإرادة الإلهية، كالسيف على رقاب الناس. وانقسم العالم عندهم إلى أبيض وأسود، إلى إسلام وجاهلية، لا يتعايشان بل يدمر أحدهما الآخر. وتقود هذه العملية الصفوة المؤمنة، عن طريق تغيير السلطة»[15]. هذا الكلام يتضمن اعترافًا صريحًا لحنفي برؤيةِ الجماعة المغلقة للعالَم، والنزعةِ الحادة المتطرّفة في تفكيرهم، وتصنيفِهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى «إسلام وجاهلية»، لكنَّ حنفي يعود في موارد كثيرة من كتاباته ليبجلَهم، ويفتعلَ دورًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا استثنائيًّا اضطلعوا به في مصر. لا يتحدّث حسن حنفي عن استنزافِ الجماعة للتديّن التقليدي وإنهاكِ الحياة الروحية والأخلاقية في المجتمعات المسلمة، وما أحدثته هذه الجماعةُ من ثغرات بنيوية في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وهيمنتِها على الجمعيات الخيرية والمساجد ومختلف المؤسسات المجتمعية. تديّنُ الإخوان عمل على تجفيف منابع التديّنِ الشعبي الموروثِ منذ عصر الرسالة، والمتجذّرِ في المجتمعات الإسلامية، والذي استطاعت بنيتُه الراسخة أن تمنح حياةَ الأفراد والمجتمعات معنىً روحيًّا وأخلاقيًّا للدين يواكب إيقاعَ تطور المجتمعات والهويات المحلية، ويتناغم والواقعَ المتغير. تديّن الإخوان ينطلق من عقيدةٍ ترسختْ في وعيهم نشأتْ من آراء سيد قطب الصريحة بـ: «أنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي»[16]. والحكم بأنه قد: «ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله»[17]. في هذه السياق يخترع سيد قطب مفهومًا لكلٍّ من المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي، حتى ما نراه مجتمعًا مسلمًا يرى سيد قطب أنه: «يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخصَّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها”[18]. هذه العقيدة دفعت الإخوانَ للعمل على استبدال التديُّن الشعبي الرحيم بتديّن مصطنع، تديّنٌ غطاؤه سياسي مضمونُه سلفي، تديّنٌ أحدث تناشُزًا مع البيئة المجتمعية، واغترابًا للمسلم العضو في هذه الجماعة عن عائلته ومجتمعه وبيئته، تديّنٌ كلامي مغلَق وفقهي متشدّد أفقرَ حياةَ المسلم للمعنى الروحي والأخلاقي، وغاب به المعنى الديني المُتآلف مع اختلافِ المجتمعات وتنوعِ طرائق عيشها وهوياتها الثقافية والإثنية.

لا يقف حسن حنفي طويلًا عند ما أحدثته جماعةُ الإخوان من تشظٍّ في البنية الدينية لمصر ومجتمعات أخرى مسلمة، وتصادم تديّنُهم المصطنع بغطائه السياسي ومضمونه السلفي والتديّن الشعبي التقليدي، والانقسام المجتمعي الذي خلقه هذا النمطُ من التديّن. يتغافل حنفي عن الآثار الموجعة لدعوةِ الجماعة وفكرِهم وانتشارِهم الواسع في مصر وعالم الإسلام، كأنه لا يدري أن المدارسَ ومعاهدَ التعليم والجامعات، من الروضة إلى الدراسات العليا، في السعودية ودول الخليج، وقبل ذلك في مصر وغيرها من الدول العربية، لبثت أكثرَ من نصف قرن خططُها التربوية والتعليمية أسيرةً للإخوان المسلمين. كانوا هم مَنْ يضع أسسَها، ويرسم خارطتَها، ويؤلّف مقرراتِها، ويحدّد مدخلاتِها ومخرجاتِها. يجري ذلك في أفقِ رؤيتهم للعالَم، وتديّنِهم السياسي الذي يظهر في السلوك ومختلف المواقف بتديّنٍ سلفي مغلَق متشدّد، تشبّع فيه مَنْ أقام منهم في هذه البلاد، بعد تفاعلِهم مع المذهب الحنبلي وانبهارِهم بأفكار ابن تيمية وتقليدِهم لمقولاته الاعتقادية وعملِهم بفتاواه الفقهية.

تنامى عاجلًا حضورُ الإخوان في التربية والتعليم في هذه البلاد، بعد هجرة المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، أيامَ اضطهادهم زمن الرئيس جمال عبد الناصر، بأعداد ليست قليلة، منذ خمسينيات القرن الماضي فصاعدًا إلى السعودية ودول الخليج، وسقوط العملية التربوية والتعلمية في هذه البلاد بأيديهم. في ذلك الوقت كانت هذه البلادُ تفتقر للمعلمين والمدرسين من مواطنيها، فاضطرت لتسليم كلِّ شيء في المدارس بمختلف مراحلها لهم، وتمت صياغةُ كلِّ شيء ليجسّد أمانيهم ويعبِّر عن غاياتهم ويعكس تفكيرَهم. نتج عن ذلك تفشِّي التيار السلفي بشكل سريع في مجتمعات عالَم الإسلام، منطلِقًا من البلاد التي تحكّم فيها الإخوانُ بالتربية والتعليم، ومستثمرًا شيئًا من فائض الثروة الذي تراكم بالتدريج بعد حرب اكتوبر 1973 وارتفاع أسعار البترول.

لا يكترث حنفي بالكشف عن تناسل الجماعات المسلحة من أدبيات الإخوان، وبخاصة كتاب «معالم في الطريق» ومسؤولية أفكار سيد قطب عن ذلك. في أكثر من مناسبة يذكِّر حسن حنفي القراء باقتران لحظة ارتباطه بالإخوان بسيد قطب. يقول: «دخلت الإخوان سنة 1951 ‏في نفس الفترة التي دخلها سيد قطب تقريبًا. وتأثَّرتُ جدًا بـ “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”معركة الإسلام والرأسمالية”»[19]. في كتابه «الحركات الدينية المعاصرة»، الذي هو الجزء الخامس من سلسلة «الدين والثورة في مصر»، جاء الفصل الرابع بعنوان: «أثر الإمام الشهيد سيد قطب على الحركات الدينية المعاصرة»، واحتلَّ أكثر من 130 صفحة من كتاب لا يتجاوز 342 صفحة. لم أقرأ كاتبًا من مُريدي سيد قطب أو خصومِه يخلع عليه لقبَ «الإمام الشهيد» غير حسن حنفي. «الامام» لقبٌ ديني يُطلق في الإسلام على مؤسِّسي المذاهب ومجتهديها، ويُطلق على أئمة أهل البيت. في تاريخنا القريب حدث توسُّعٌ في إطلاقه، لكن لم أقرأ أو أسمع من يطلقه على أمثال سيد قطب، ممَّن لم يتخرجوا في معاهد التعليم الديني التقليدية والحوزات.

اليسارُ الإسلامي هو لافتةُ مشروع حسن حنفي الذي يختصرُ مضمونَ دعوته وتلتقي فيه كتاباتُه، كما يتحدث عن ذلك: «اليسار الإسلامي ربما ليس أفضل المصطلحات. وأنا أريد لفظًا يعطي الشرعيتين معًا… أنا أريد أن أعطي إسلامًا سياسيًّا، اجتماعيًّا للأغلبية الفقيرة المقهورة… واليسار الإسلامي هو أَخْذُ كلِّ هذه الطاقات، وهذه المشروعيات التاريخية، والفكرية، والثقافية، والحضارية من أجل توجيهها إلى التحديات لكي نُسَايِر العصر»[20].

يؤرخ حنفي لولادة اليسار الإسلامي بسيد قطب، كما يصرح بقوله: «وتراجع الفكر الإسلامي خطوات إلى الوراء‏. وضاعت فرصة اليسار الإسلامي الذي بدأ مع سيد قطب. وقضى على النهضة الإسلامية الجديدة التي حاولها حسن البنا للحاق بالمصلحين الأوائل»[21]. وفي فقرة أخرى يرى اليسارَ الإسلاميَّ قد انتهى بنهاية سيد قطب.

ويضع حسن حنفي مشروعه في سياق مشروع سيد قطب، وكتاباته بوصفها مكملة لكتابات سيد قطب. يخبرنا أن المحاور الرئيسية الثلاثة في مشروعه هي ذاتها محاور فكر سيد قطب، وكأن سيد قطب رسم له خارطة الطريق وجاء هو ليكملها، وفقًا لما جاء في قوله: «‏ظهر سيد قطب معبرًا عن أماني الحركة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو 1952، ‏وزاد عليها انبثاقه عن الإسلام، وخروجه من تراث الأمة، وقدرته أن ينشئ تيارًا جديدًا في الفكر الديني عن الإسلام الاجتماعي أو الإسلام السياسي أو الإسلام الاشتراكي أو اليسار الإسلامي… ‏ومن ثم جمع سيد قطب في موقفه المحاور الرئيسية الثلاثة: الموقف من التراث القديم، من أجل إعادة تنقيته وتصويبه نحو حاضر المسلمين وقضاياهم الكبرى، الموقف من التراث الغربي ناقدًا له ومحجمًا إياه وحاميًا لحاضرنا من آثار التقليد والتبعية، والموقف من الواقع الحالي، ونقد النظم القائمة، من أجل المساهمة في قضايا التغيير الاجتماعي وإقامة نظام أفضل. وهي المواقف الثلاثة التي تعبر عن الموقف الحاضر لجيلنا كله… ‏وكان لا يهتم إلا بالجانب الفكري للدعوة، محاولًا صياغة أيديولوجية إسلامية ثورية، بما امتاز به من وضوح الرؤية ودقة الأسلوب»[22].

يقرأ حسن حنفي فكرَ سيد قطب بوصفه تطوَّر في أربعة مراحل، فيقول: «ويمكن التعرف على أربعة مراحل في فكر الإمام الشهيد، تعبِّر عن تطوُّره الروحي: المرحلة الأدبية، والمرحلة الاجتماعية، المرحلة الفلسفية، والمرحلة السياسية»[23]. لم يكن حنفي دقيقًا عندما خلعَ على بعض كتابات سيد قطب عنوانَ فلسفة، ووصف كاتبها بفيلسوف. لم يكن سيد قطب في أيّ كتابٍ أو مقالةٍ فيلسوفًا، كي يصطلحَ حنفي على مرحلة من مراحل إنتاجه الفكري بـ «المرحلة الفلسفية». قرأتُ أكثرَ أعمال سيد قطب قبل نصف قرن تقريبًا، وكنتُ أعود إلى بعضها عندما أناقش أفكارَه، وقرأتُ بموازاتها الكتاباتِ معه أو ضدّه، عن حياته وفكره وسجنه ونهايته المأساوية، ولم أقرأ في أعماله رؤيةً فلسفيةً أو نقاشًا فلسفيًّا أو تداولًا لمصطلح فلسفي. سيد قطب كان أديبًا موهوبًا، وناقدًا ذكيًّا، ومفسّرًا للقرآن الكريم، ومنظّرًا حَرَكِيًّا، ومفكرًا سياسيًا، وكاتبًا يتقن اللغةَ العاطفية الحماسية الآسرة. سيد قطب بوصفه مفكرًا لا يستحق الإعدامَ مهما كانت أفكارُه وكتاباتُه، ومهما كان غريبَ الأطوار. الأفكار تُناقَش وتُنقَد وتُنقَض، ولا تُقاضَى في المحاكم، أو يُسجن صاحبُها ويعذّب، أو يُعدم.

 

                                                – 6 –

                      كتابات سيد قطب تتقن صناعة الغضب

يمتدح حسن حنفي سيد قطب ويدافع عنه، ويبرّر سلوكَه وأفكارَه، ويخلي مسؤوليتَه عن أفكاره ومواقفه بذريعة السجن والشعور بالمظلومية. يكتب حنفي في سياق تبريره لأفكار سيد قطب قائلًا: «نشأ تيار إسلامي آخر تحت تعذيب السجون. وهنا نشأ لون جديد من الإسلام الغاضب، الثائر، المنتقم من: الاشتراكية، والقومية، ومن العلمانية. ومن هنا وفي هذا الجو النفسي المظلم كتب سيد قطب “معالم في الطريق” عام 1963، وقُبِضَ عليه من جديد على أساس أنه مُنَظِّر التنظيم، ثم أُعدم في عام 1966»[24]. يحاول حنفي الدفاعَ عن سيد قطب بتكرار الحديث عن ظروف السجن القاسية لكتابته، ولا يشير إلى أن الحاكميةَ والجاهلية وغيرَهما من أفكار المركزية كانت منبثَّةً في بعض مؤلفاته وأجزاء تفسيره الصادرةِ قبل سجنه. لا يكترث حنفي بضحايا فكر سيد قطب، يلتمس له الأعذارَ حيثما ذكره، ويُعلِّل آراءَه ومواقفَه بعوامل خارجيَّة يرى أنه كان على الدوام هو الضحية، وإن كان حنفي ينقد الحاكميةَ وغيرَها أحيانًا، لكنه يتراجع في موضع آخر فيشيد بما انتقده. كأنَّ الاضطهادَ الذي يتعرض له الكاتبُ يُخْلِي مسؤوليتَه عن أفكاره، حتى لو كانت تحرّض على العنف والقتال، وتكفِّر الدول والمجتمعات، وتستبدل الانتماءَ للوطن والهوية والثقافة بانتماء لأوطان أخرى باسم المعتقد. ربما يستعير حسن حنفي هذا النوع من الدفاع عن سيد قطب من أولئك الذين يدافعون عن شدّة كتابات ابن تيمية وفتاواه بتكفير المختلف في المعتقد، بذريعة سجنه واضطهاده. المفكرُ وأيُّ كاتب مسؤولٌ عن كتاباته المحرِّضة على العنف، الفقيهُ مسؤولٌ عن فتاواه المكفِّرة للغير. ليس من حقِّ حنفي تبرئةُ سيد قطب من آثار آرائه المتشدّدة، وهو يعرف تغلغلَها في أدبيات جماعات الإسلام السياسي، وتوالدَ جماعات عنيفة منها، وتمزيقَها لنسيج المجتمع الواحد وعبثَها بأمنه وعيشه. السجنُ والاضطهاد والتعذيب يسلبُ حريةَ الإنسان على كثير من أفعاله الخارجية، إلا أنه لا يميت ضميرَه الأخلاقي، ولا يصادرُ إرادتَه الخيرة، ولا يسقط عنه المسؤوليةَ الجزائية عن أية جريمة يرتكبها، فلو قام سجينٌ بقتل إنسان آخر، أو مارسَ التأليب ضد شخص والتهييج على قتله داخلَ السجن أو خارجه، لا يحكم العقلُ الأخلاقي والقانونُ العادل بتبرئته، وإن كان القضاء يراعي ألمه ومعاناته في السجن، وأثرها في انفعاله وقراراته ومواقفه الغاضبة.

السجينُ الذي يتعرَّض للتعذيب والتنكيل، وتحدث لديه عاهاتٌ وجروحٌ وأمراض نفسية عميقة بسبب ذلك، ينبغي أن نحمي المجتمعَ من أفكاره الملوثة بعقدٍ نفسية حادة، لا أن نعلي من مكانته، ونبالغ في تبجيل شخصيته، ونشيد بهذه الأفكار ونبشِّر بها. ‏مثل هذه الحالات المرضية تحتاج إلى مصحة نفسانية تعالج المصابَ وتحدُّ من سلوكه العدواني. ‏ليس من حق أحد أن يتوّجَ صاحبَها إمامًا على الناس في حياته، ويحتفي بأفكاره بعد موته. ‏أفكارُ سيد قطب اختطفت خيرة شباب الإسلام الغَيَارَى، ‏وأغرقتْهم بأوهام متخيلة، وغيَّبتهم عن الواقع، وورَّطتهم بمواقف طائشة، وغذَّت أذهانهم بتعاليم تتنكر لها طبيعتهم البشرية، ولا تطيقها عواطفهم ومشاعرهم إلا بتدجين وترويض متواصل، وغرست كراهيةً عميقة بداخلهم لأهلهم وجيلهم ومجتمعهم ولكلِّ مختلف المعتقد عنهم، وحبستهم طوعيًا في أقفاص نفسية موحشة يعتزلون فيها أهلَهم وجيلَهم ومجتمعَهم.

لا يكفُّ حسن حنفي من الإعلاءِ من كتابات سيد قطب والثناءِ عليه، بلغةٍ لا تليق بمفكرٍ ذكيّ واسعِ الاطلاع من أمثاله. يضع حسن حنفي تبرئةَ سيد قطب غايةً، يحاول أن يتهرّب من ذكر المواقف الصادمة في كتاباته، وعندما يمرّ على «معالم في الطريق» يصف هذا الكتابَ بأنه وليدُ الظروف النفسية العنيفة للسجن، ويجعل الاضطهادَ الذي تعرّض له في السجن ذريعةً لهذا النوع من الكتابة الموتورة اللاذعة. لا يقف حنفي طويلًا عند اشتقاقِ الجماعات الدينية المسلحة لرؤيتها الاعتقادية وتقسيمِها العالَم لفسطاطَين وانغلاقِها ورفضِها للمختلِف في المعتقد وإعلانِها الحربَ عليه بفعل آراء سيد قطب وغيره.

مغالطات حنفي يفضحها فكرُ سيد قطب المغلق العنيف ومواقفُه بعد الانتماء للإخوان، خاصة «معالم في الطريق» الذي وصفه أحدُ الباحثين بـ «كراسة الموت»، التي بثّ فيها سيد قطب فوحًا وفحيحًا يخلط الجمال بالخطر”[25].  يحاولُ حنفي أن يخلع على سيد قطب مقامًا فكريًّا وسياسيًّا وثوريًّا يرفعه إلى مقام شخصيات كبيرة أمس واليوم. يكرّر حنفي فرضيةً غير واقعية في موارد متعدّدة من كتاباته، تجعل من سيد قطب ثائرًا نهضويًّا، لولا أنه كان ضحيةَ صراعِ الإخوان وثورة يوليو 1952، إذ يكتب: «لو كان استمر تطوره على نحو طبيعي لانتهى إلى الاشتراكية العلمية كمرادف للإسلام، ولأصبح من ركائز اليسار الإسلامي في مصر، ومن دعائمه الأولى في العالم الإسلامي»[26]… ‏ولأصبح سيد قطب ليس فقط من أمثال الصحابة الأوائل: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، بل أيضا من دعائم الثورة التحريرية العالمية من أمثال: ماركس، وماوتسي تونغ، وهوشي منه، وغرامشي، وجيفارا. ‏ولكان حلقةَ الاتصال بين صور من القدماء والثوار المحدثين… ولكنَّ الإمامَ الشهيد راح ضحيةَ هذا الصراع بين الإخوان والثورة»[27].

لا يتحدث حسن حنفي عن الآثارِ الفتاكة لفكرة «الجاهلية» وموقفِ سيد قطب الصريح بالشطب على كل «ما حولنا» وتصنيفِه بأنه جاهلية، والتشديدِ على رفضه «أنصاف الحلول» في الموقف منها. يكتب سيد قطب: «نحن اليوم نعيش في الجاهلية، كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصّورات النّاس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًّا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية… ليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان، فالإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية، لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور، فإما إسلام وإما جاهلية»[28]. يرسم سيد قطب طريقًا «للعُصْبَة المسلمة» يبدأ بالانفصال «عقيديًّا وشعوريًّا» عن «أهل الجاهلية من قومها». الانفصالُ العقيدي يتضمن الابتعادَ عن المسلم المختلِف في رؤيته الاعتقادية، والانفصالُ الشعوري يعني ضرورةَ الابتعاد عن الأهل والمجتمع على الأقل بالشعور. وذلك يؤسّس للعبثِ بالعواطف داخل العائلة الواحدة، وفرضِ القطيعة العاطفية المريرة بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات والأقارب والأرحام، ومع كلِّ إنسان مختلِف في رؤيته الاعتقادية. يكتب سيد قطب: «لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذابُ إلا بأن تنفصل عقيديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية، وأهل جاهلية»[29]. لا تقتصر دعوةُ سيد قطب على الانفصالِ في العقيدة والشعور، بل تتخطى ذلك إلى الدعوة لاعتزال المجتمع بمكان يبتعد فيه أفرادُ «العصبة المسلمة» حتى عن مساجد المسلمين بوصفها «معابد الجاهلية» ويتخذون بيوتَهم مساجدَ بديلة. يدعو سيد قطب إلى: «اعتزال الجاهلية بنَتَنِها وفسادِها وشرِّها -ما أمكن في ذلك – وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور»[30].

فكرُ سيد قطب تحريضيّ ذو تأثيرٍ موجِع مزدوج، فهو من جهة يُغَذِّي المسلمَ بالنقمةِ والنفورِ الشديد والضجرِ من أهله ومجتمعه ووطنه بوصفه جاهليًّا، ومن جهة أخرى يُشْعِر المسلمَ بالخطيئةِ وعقدةِ الذنب المزمنة والسخطِ الإلهي إن لم يغيِّر الأهلَ والمجتمعَ على وفق معتقده ولو بالقوة، وإلا فمن الضروري أن يعتزلهم إن تعذّر عليه تغييرَهم.

الحاكميةُ أحدُ المقولات المركزية في فكر سيد قطب، وهو وإن كان استعارها من المودودي الذي تلقاها من ابن تيمية، إلا أنه أعاد صياغتَها بلغةٍ مدرسية ميسرة في موارد متنوعة من تفسيرِه ومؤلفاتِه، ولخّصها بقوله: «إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة»[31]. في ضوء الحاكمية يحدّد سيد قطب الموقفَ من المختلِف بقوله: «والذين لا يفردون الله بالحاكمية، في أي زمان وفي أي مكان، هم مشركون، لا يُخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله مجرد اعتقاد، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده»[32]. يشرح ما يعنيه بهذا الشرك: «إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداءً في تلقّي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، [لا عبادة الأصنام تقربًا واستشفاعًا إلى الله]، الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوامٌ يظنون أنهم مسلمون على دين محمد، كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين إبراهيم»[33]. شريعةُ الله على وفق ما تتحدّث عنه كتاباتُه تعني مقولاتِ علم الكلام المتشدّدة وبعضَ أحكام الفقه، ونادرًا ما يحضر في أعمال سيد قطب الإسلامُ بمضمونه الروحي والأخلاقي. يعترف حسن حنفي وهو يتحدّث عن «معالم في الطريق» بأن «‏الحاكمية هي الفكرة الرئيسية المسيطرة على الكتاب كله، وقد تم التركيز عليها بناءً على التجربة النفسية للسجن، ثم الرجوع إلى الوراء وأعاده قراءة كتاباته السابقة وانتقاء نصوص الحاكمية منها، مع أنها كانت موجودة متناثرة من قبل داخل أفكاره الاجتماعية والفلسفية، دون أن تكون بؤرة في تفكيره أو محورًا لتأملاته. كما حدث بعد ذلك وهو في السجن الثاني. لا تمثل هذه المرحلة إذا فكرًا واعيًا شعوريًّا، بل تمثل موقفًا لاشعوريًّا، بناءً على الظروف النفسية والاجتماعية التي عاشتْها جماعة الإخوان المسلمين، والتي عاشها الإمام الشهيد من خلالهم»[34]. بعد كلامه هذا عن مركزيةِ الحاكمية في فكر سيد قطب وانبثاقِها من اللاشعور على وفق رأيه، يعود حسن حنفي بعد عدة صفحات في كتابه هذا لينقض كلامَه السابق فيمجد فكرة الحاكمية، قائلًا: «‏ظهرت الحاكمية عند سيد قطب كإعلان تحرري للإنسان، فالحاكمية حركة انطلاق وتحرير وثورة وتغير. حركة إبداعية شاملة من أجل حرية الاعتقاد وحرية الاختيار… ‏لا يفرق هذا التحرير العام بين مسلم وذمي، بل الحاكمية تحرير للإنسان من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن عقيدته وجنسه»[35]. التهافتُ ليس حالةً شاذةً تختصّ بهذا الموضوع في كتابات حنفي، بل هي سمةٌ تطبع كتاباتِه، وذلك ليس غريبًا على فكرٍ زئبقي تلتقي فيه الأضدادُ، ‏فكر يقول الشيءَ ونقيضَه ‏في مناسبةٍ واحدة وموضوعٍ واحد. لم يمنع ذكاءُ حسن حنفي أن يجتمع الشيءُ ونقيضُه في كتاباته، وكأنه مسكونٌ بجمع الأضداد، وهذا ما نبّه عليه: فؤاد زكريا، وجورج طرابشي، ونصر حامد أبو زيد. يشكّك فؤاد زكريا بإمكانية قارئ كتابات حسن حنفي: «أن يظل محتفظًا بقواه العقلية سليمة، بعد أن يتراقص مع كاتبنا في حلقة المتناقضات الجنونية التي تدور فيها معالجته للموضوع»[36].

 

                                           – 7 –

                         استعمال التراث بما هو أوعية

يستعملُ د. حسن حنفي التراثَ بما هو أوعية يملؤها كما يشاء، بوصف التراث معتقدات وقيمًا وأحكامًا راسخة في وجدان المجتمع ويختزنها شعورُه الجمعي. تقرأ في كتاباته ما يدلّل على أنه تراثي وإن كان يحاول أن يظهر ضدّ منطق التراث ورؤيته للعالَم، تراه يتحدث بكلامٍ حداثي وإن كان التأملُ الدقيق بكتاباته يكشف بجلاءٍ أن حداثتَه ضدّ منطق الحداثة ورؤيتها للعالَم. طريقةُ تأويله للتراث غريبةٌ على التراث، يحاول باستمرار إخراجَ التراث من إطارِه التاريخي والفضاءِ الذي تكوّن فيه وسياقاتِه والرؤيةِ الكامنة فيه للعالَم.

يمتلكُ حنفي مهارةَ التوظيف البراغماتي للتراث، بنحوٍ يتخذ منه مرايا تنعكس عليها قناعاتُه، التراثُ في مراياه يتجلى يساريًّا اشتراكيًّا، ويساريًّا إسلاميًّا، وديمقراطيًّا ليبراليًّا. كلُّ مرة يحاول تحميلَه ما لا يتحمله، وتقويلَه ما لا يقوله، ويركّبُ عليه ما يتنكر له. متمرّسٌ في التقاطِ مقولاتِ المتكلمين وبخاصة المعتزلة، وبعضِ فتاوى الفقهاء، وآراءِ الفلاسفة، وشذراتِ المتصوفة، ويقوّلها ما يراه ضروريًّا لنهضة الأمة وتقدّمها اليوم، وكأن تلك المقولاتِ والآراء علبٌ تقبل كلَّ أيديولوجيا وقناعة، وإن كانت مفارقةً لها لا تشبهها بشيء. مقولاتُ المتكلمين ومعتقداتُهم وآراؤهم ليست أوعيةً مفرَغة من المضمون. التراثُ نمطُ وجودٍ ينتمي للماضي، التراثُ رؤىً للعالَم، التراثُ مناهجُ فهمٍ متنوعة، التراثُ أدواتُ نظرٍ مختلفة، التراثُ طرائقُ فهمٍ فلسفية وكلامية وأصولية وفقهية وقرآنية وحديثية وصوفية، يعبّر كلٌّ منها عن منطقِه الخاص للفهم ورؤيتِه للعالَم.

يشدد حنفي في مناسبات متنوعة على أهمية تراث المعتزلة وضرورة إيقاظ عقلانيتهم، لكن كتابه العمدة في تجديد علم الكلام «من العقيدة إلى الثورة» لا تنتمي مقدمتُه إلى نتائجه. ما تُعلِنه آمالُه وأمانيه وأحلامُه الرومانسية شيءٌ، وما ينتهي إليه في بحثه شيءٌ ليس من جنسها. مشروعه الذي يقومُ على إعادةِ بناء التراث لا تجد فيه ما يدلِّل على إعادةِ البناء، ولا تكتشفُ في جوهره عقلانيةَ المعتزلة، بل عند تفحُّصه بعمقٍ تجده يستبطن أشعريةً متنكرة. يصرّ على أنه ينطلق من التراث إلى الواقع، غير أن قراءتَه بتأمل دقيق، وتحليلَ بنيته العميقة، تكشف لك أنه يبدأ من التراث لينتهي بالتراث، وكأنه يستأنف شيئًا من الأحلام الطوباوية للدعوات الأصولية، على شاكلة تفكيره وأسلوب تعبيره، وبإيقاع شعاراته المثيرة للمشاعر. يقول د. جابر عصفور: (مشروع حسن حنفي عن التراث والتجديد، هو في حقيقته ضد مشروع تجديد التراث، فحنفي حين سافر إلى باريس لاستكمال دراساته العلمية، كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، وقد التقي هناك بمجموعة من الأساتذة المسيحيين المتأثرين والفاعلين في مشروع لاهوت التحرير المسيحي، وقد حاول استنساخ التجربة فيما يسمى بمشروع اليسار الإسلامي، وأصدر مجلة “اليسار الإسلامي” كمنفيستو لمشروعه الفلسفي، فحنفي يميل إلى المدرسة الظاهرية في قراءة النصوص الدينية والتراثية ليس معتزليًّا يقدم العقل، وإنما أشعريّ أصوليّ)[37].

يشدّد حنفي على أن التراثَ هو الشفاء لو عملنا على إعادةِ بنائه واستئنافِه مجدّدًا. التراث كما يرى يمكنه أن يتحدث لنا بلغةٍ تتكفل دواءَ كلِّ أمراض واقعنا وما نعجز عن معالجته اليوم. إعادةُ البناء التي يعمل عليها، تمثل أحيانًا تلفيقًا مبسَّطًا للتراث مع لغةِ الفلسفة الغربية، ومصطلحاتِ العلوم الإنسانية الحديثة، واللاهوتِ الجديد، والأيديولوجيات الجديدة، والنظمِ السياسية المعروفة اليوم.

يلتقي حسن حنفي وإسلامية المعرفة في التشديد على الهوية المحلية للمعرفة، والتوكيد على ضرورة إنتاج علوم ومعارف تعبر عن ذاكرتنا الحضارية وهويتنا وتراثنا. ليست هناك معرفة مكتفية بذاتها. أمنية حنفي ليست واقعية، إنها أمنية تعكس الحنين للماضي، وانغلاق الهوية على نفسها، والتنكر للتطور التكاملي في العلوم. دائمًا يتغلب المشترك العالمي على بصمة الهوية في التطور التكاملي للعلوم والمعارف، وتتكشف المشتركات كلما نضج العقل وتقدمت المعرفة واتسعت رأسيًّا وأفقيًّا.

إسلاميةُ المعرفة تصرّ على ثنائية ضدّية بين العلوم والمعارف الحديثة والهوية الدينية للمسلمين، وتشدّد على ضرورةِ استدعاءِ التراث وإعادةِ بناء علومٍ ذاتِ هوية دينية مشتقّة من الهوية الإسلامية. حسن حنفي أيضًا يشدّد على ثنائية ضدّية في تصنيفه للعلوم والمعارف والآداب والفنون، فيصنّفها إلى: الأصيل والدخيل، والوافد والموروث، ونظائرهما. هذه الثنائيةُ هي الأساسُ المشتقّة منه إسلاميةُ المعرفة، وهي الباعث للجهود والأموال المهدورة لما يقارب نصفَ قرن، التي بدّدَ فيها المعهدُ العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن وأشباهُه في الدول العربية والإسلامية أموالًا طائلة وطاقاتٍ كثيرة بمحاولات عبثية، لم تنتج حتى اليوم علومًا تجد لها طريقًا إلى الواقع. الأساسُ الذي تبتني عليه مثلُ ثنائيات هوية العلوم والمعارف: إما أن يكون جغرافيًا أو إثنيًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا، في حين تجهل أو تتجاهل تلك الثنائياتُ أن معيارَ قيمة أية معرفةٍ يتمثل في عقلانيتِها، وتعبيرِها عن الحقيقة، ومقدرتِها على الإسهام في إسعادِ الإنسان، وحمايةِ كرامته وحرياته وحقوقه بوصفه إنسانًا.

قراءةُ تاريخ العلم والمعرفة بعقلٍ أيديولوجي قراءةٌ ليست علمية، تاريخُ نشأة العلم والمعرفة وتطورُها يكذّب الادعاءَ بأن التراثَ يتكفل حلَّ مشكلات الواقع وتلبيةَ احتياجاته، ولو كانت هذه القضيةُ عمليةً لاستطعنا امتلاكَ العلوم والمعارف الحديثة منذ زمنٍ بعيد. العلومُ الصـرفة والطبيعية والتطبيقية مُشترَك بشـري كوني، ليست هناك رياضيات وفيزياء وكيمياء وطب وهندسة مسيحية، وأخرى إسلامية، وثالثة بوذية، ورابعة هندوسية.

لا تخلو الفلسفةُ وعلومُ الإنسان والمجتمع من بصمةٍ نسبية تطبعها البيئةُ والثقافةُ المحلية، غير أن تأثيرَها يظلُّ محدودًا، لا يلغي البعدَ الكوني فيها الذي يتمحور على الكشف عمّا هو كلّي مشترَك بين الناس، ويتناغم وطبيعةَ الإنسان ومتطلّباته الأساسية الواحدة التي لا تتخلّف ولا تختلف باختلاف البشـر، ولا تتنوّع بتنوّع ظروفِ عيشهم وأديانِهم وثقافاتِهم.

المنطقُ الأرسطي مثلاً، على الرغم من أنه وُلد في أثينا اليونانية، غير أنه كان وما زال يفرض حضورَه ومرجعيتَه في التفكير على العقل في الإسلام، ومازالت قواعدُ التفكير المرسومة منذ المعلّم الأول، والقوانينُ الكلية للفهم في منطقه متغلغلةً في علوم ومعارف الدين. خضع التفكيرُ الديني في الإسلام منذ عصـر الترجمة لمنطق المعلّم الأول، وتوالدت في إطارِ أشكالِ قياساته، وطرائقِ استدلالاته، وصورِ مقدّماته ونتائجه، مختلفُ علوم الدين، وكلُّ العلوم والمعارف لدينا. ومنذ ذلك العصـر كانت الفلسفةُ اليونانية أيضًا ينبوعًا استقتْ منه كلُّ مدارس التفكير الفلسفي في الإسلام.

منذ القرن التاسع عشـر ونحن نحاول أن نحيي التراثَ ونشتقّ ما يتطلبه الواقعُ من علوم ومعارف منه. بعد نحو مئتي عام، لا نحن أنتجنا العلمَ والمعرفةَ الخاصّين بنا، وتحرّرنا من علوم ومعارف الغرب الممقوتة عند أكثر أنصار تحيّز المعرفة وأسلمتها، ولا استطعنا أن نبرهن عمليًّا على صحة هذه الدعوة المكرّرة، فنبني مناهجَنا النابعة من ديننا وتراثنا وتفكيرنا الخاص. الغريب أن أكثرَ المشتغلين بالتراث مازالوا حتى اليوم يردِّدون هذا الكلامَ المبهم، الذي لم نصل فيه إلا إلى مزيدٍ من التخبط والضياع.

لا يبدأ التجديدُ بالتراث لينتهي بالتراث، كما يريد أكثرُ من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويرتدّ للتراث ليشتقّ منه حلولًا لمشكلات الواقع، كما يصوّر لنا ذلك حسن حنفي وأمثاله، وكأن التراثَ يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع؛ من دون اكتراثٍ بأن أكثرَ ما في التراث يتنكر له الواقعُ، كما برهن على ذلك إهدارُ قرنين من الزمن لم تنجز فيها هذه الدعواتُ أيةَ خطوة ٍعملية جادة تنعكس آثارُها على الواقع. التجديدُ هو إعادةُ التفكير بشكلٍ لا يكرّر التراثَ ويرسّخ حضورَه، ويجتهد في بناء مناهج وأدوات نظر حديثة لفهم الدين وإعادة قراءة نصوصه وتفحّص التراث وغربلته. التجديدُ يتحقّق عندما يتغيّر المجتمعُ كي يخرج من الماضي إلى الحاضر، ومن التمنَّيات والأحلام والأوهام إلى الواقع، ويتصالح مع الزمان والفضاء العالمي الذي يعيش فيه.

ظلَّ حنفي مغرمًا بإعادة بناء كلِّ حقول التراث بمعادلةٍ يغترب فيها التراثُ عن الواقع ويغترب فيها الواقعُ عن التراث. كان يحاول أن يركِّب الواقعَ على التراث والتراثَ على الواقع بشكلٍ غريب، وظل شغوفًا كلَّ حياته بمعادلةٍ طوباوية متهافتة، تعكس وفاءَه للهوية أكثر مما تكشف عن منطقٍ علمي. لا تنتج هذه المعادلةُ ما يرسِّخ أسسَ السلام المجتمعي والعيش المشترك، ولا تبني دولةً حديثة. الدولةُ الديمقراطية الحديثة لا يبنيها إلا عقلٌ يتخلّص من سطوة التراث، كي يستطيع أن يرى الواقعَ قبل أن يرى التراث، ويستفتي متغيرات الحياة قبل أن يستفتي التراث، ويتحدث لغةَ العصر وعلومَه ومعارفَه قبل أن يستعير لغةَ التراث. لا دولة ديمقراطية حديثة من دون تجديد مناهجِ ومقرراتِ وأساليبِ التربية والتعليم، وتجديدِ فهم الدين، وإعادةِ تعريف مهمته في حياة الفرد والجماعة، وتجديدِ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وإعادةِ بناء علم الكلام وتحريره ‏من مقولات الفرقة الناجية وأشباهها.

كي يحقِّق الدينُ وظيفتَه في حياتنا اليوم لابدَّ أن نفهمه بوصفه نظامًا لإنتاج ‏معنىً روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. ‏في ضوءِ هذا الفهم للدينِ ووظيفتِه ينبغي أن يبتني المنهجُ الذي نعتمده في تفسير القرآن والنصوص الدينية. ‏كلُّ ما هو خارج ذلك يستمدّه الإنسانُ مما يقوله العقلُ وإبداعاتُه في العلوم والمعارف، ومما أنجزه تراكمُ خبرات البشر ‏عبر عشرات الآلاف من السنين.

 

                                            – 8 –

                       الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث

تسارعتْ كتابةُ حسن حنفي في الربع الأخير من حياته، وتضخّم مشروعُه وتكدّست مجلداتُه، بنحوٍ يشعر معه القارئُ الذي واكب كتاباتِه بشغفٍ حنفي بالكمّ وتعلّقِه ببلوغ خاتمة مشروعه الموسوعي. كان وهو يكتب متعجِّلًا كمن يقرأ روايةً بوليسية يترقّب خاتمتَها بلهفة. وعد أن يغطّي مشروعُه كلَّ حقول التراث الواسعة، وبالفعل وفى بوعده أفقيًّا. لم يتورط في مثل هذا العمل الموسوعي مفكرٌ آخرُ غيرُه، لا من جيله، ولا أجيال أساتذته، ولا تلامذته. لا يمكن إنكارُ مواهبه الفذّة، ولا تكوينه الأكاديمي الرصين، ولا خبرته الممتازة في معرفة الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، ولا خبرته الأفقية والعمودية بالتراث، إلا أنه أراد أن يكونَ متكلِّمًا كأئمة الفرق، وفقيهًا كأئمة المذاهب، وأصوليًّا كالإمام الشافعي، ومفسّرًا كأعلام التفسير المعروفين، وعالِمًا بالرجال والحديث كأعلام المحدثين وعلماء الرجال والطبقات، وقبل كلِّ ذلك أراد أن يكون فيلسوفًا كالفارابي وابن سينا وابن رشد وملا صدرا. أظن أن ذلك يتعذّر على إنسان اليوم، مهما كانت عبقريتُه وتكوينُه العلمي ومواهبُه ومعارفُه وصبرُه ومثابرتُه. ضيّع حسن حنفي مواهبَه وطاقاتِه وصبرَه الطويل في متاهات التراث وكهوفه، ولبث في تلك المتاهات ولم يخرج منها بعد أن دفن فيها عقلَه وتكوينَه الأكاديمي الثمين وإمكاناتِه المعرفية. عاش فكرُ حسن حنفي مغترِبًا وسيلبث مغترِبًا، صوتُه لم يكن مألوفًا للكلّ، حاول أن يكونَ إسلاميًّا فتنكّر له الإسلاميون، مثلما حاول أن يكونَ علمانيًّا فتنكّر له العلمانيون.

البيان النظري للمشروع الذي أصدره كخارطة طريق عنوانه: «التراث والتجديد»، لكن مشروعه إحيائي لا تجديدي. الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث، الإحياء إعادة صياغة لفظية تستبدل كلمات بكلمات، وأحيانًا تنحت مصطلحات بديلة لتملأها بالمعاني التراثية ذاتها. الإحياء غير التجديد، التجديد يدرس البنيةَ العميقة لعلوم الدين، ويعمل على اكتشاف مناهجها ومنطقها الخاص ورؤيتها للعالم، ويستوعبها استيعابًا نقديًّا، ويتجاوزها ليجتهد في إنتاج علوم ومعارف الدين بمعطيات ومناهج وأدوات العلوم والمعارف الحديثة. دراسة التراث ضرورة تفرضها الكيفيةُ التي نريد أن نتحرّر بها من وصايته. تبدأ دراسةُ التراث بالكشف عن البنيةِ الأشعرية وغيرِها من مقولات المتكلمين المؤسّسة لرؤية المسلم للعالم في الماضي والحاضر، هذه الرؤيةُ الكلامية التي يستقي منها التفسيرُ والفقه والأخلاق وتصوّف الاستعباد.

كتب حسن حنفي مقدماتِه النظرية بلغةٍ أكثر تماسكًا وبمنهجٍ أكثر تنظيمًا ورصانة، غير أنه أخفق في تطبيقاته. ظهر مبكرًا أدقُّ نصوصه وأوضحُها وأكثرُها تماسكًا نظريًّا، في تقديمه المطول لترجمة «رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا. كان متمكنًا في ترجماته القليلة، لو لبث في هذا الميدان وراكم تجربتَه فيه لربما أنجز للمكتبة العربية ترجمةَ أثمن النصوص الفلسفية وأغناها قبل أن تشيع الترجمةُ أخيرًا. كان متمكنًا أيضًا في بناء الإطار النظري الصادر بعنوان: «التراث والتجديد» الذي كتبه بوصفه المانفيستو لمشروعه، وهكذا صاغ مقدماتِه النظرية لحقول مشروعه. غير أن محاولاتِه في إعادة بناء علوم الدين بالاغتراف من التراث عجزتْ عن الوفاء بوعودها، وأخفقتْ في تمثّل رؤيتِه النظرية وحضورِها. ضاعت في مشروعه المباني، ولم نرَ من الإطار النظري الذي يرسمه في مقدّماته إلا عنواناتِ الكتب والفصول والمباحث، انشغل بالشعارات من دون أن نقرأ في كتاباته إعادةَ بناءٍ أو تجديدًا ينعكس على البنية التحتية لعلوم الدين. إعادة بناء حقول التراث في أعماله تركز على محتويات المدونات التراثية، وتقدّم مستخلصات عاجلة للعنوانات الأساسية والفرعية في مدونات التراث المرجعية، وأحيانًا باستبدال العنوانات بجملٍ مباشرة كأنها شعارات جماهيرية. انشغل أخيرًا في تلخيصٍ متعجَّل لهذه المدونات، تلخيصاته تفتقر لتحليلِ وتفكيكِ النسيج المعرفي الداخلي لمكونات التراث. أخفق في التفكيك مثلما أخفق في إعادة البناء والتركيب. لبث يتغنى بأحلامه، ظلّ مولعًا بصياغة شعارات كأنها لافتات تعبوية، وأسرف في تكرارٍ مملّ لشعاراته ذاتها، ظل ملازمًا لها ولم يغادرها إلى محطة أرحب أفقًا حتى نهاية حياته. مَنْ يقرأ كتاباتِه بتدبّر يراها تبدأ من التراث وتنتهي بما يتمناه على التراث.

لم يتوقف حسنُ حنفي عند حدود إعادة بناء التراث، بل أوقعَ الفكرَ العربي في عدة التباسات ضبابية عندما حاول أن يدرسَ الغربَ وحضارته ومعارفه، واحدة منها الادعاءُ بتأسيس: «علم الاستغراب» الذي يدرسُ فيه الشرقُ الغربَ كما درسَ الغربُ الشرقَ في “الاستشراق”. ذاع صيتُ عنوان «علم الاستغراب» وأضحى موضةً ثقافية، بعد أن نسخ عنوانَه بعضُ الذين يكتبون بلا تكوينٍ علمي رصين، ومن دون تدبرٍ عميق وتفكيرٍ صبور، فعملوا ضجة إصدارات، تكدّست فيها ألفاظٌ فوق ألفاظ بلا مضمونٍ معرفي دقيق، وكلماتٌ يمكن أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول الشيءَ الذي يبحث عنه القراء.

لافتة «علم الاستغراب» أغوت المسكونين بالتفسير التآمُرِيّ لنشأة العلوم والمعارف الحديثة، ممن يعتقدون أن حضورَها في مدارسنا وجامعاتنا وثقافتنا أحدُ أدوات شباك الإمبريالية للهيمنة على العالم، وهذا الكلام تلتقي منه كتاباتٌ يسارية وقومية وأصولية. أشغلنا «علم الاستغراب» بشعاراتٍ فضفاضة وأحلامٍ غريبة، ترسم خارطةً ذهبية لمستقبل الوعي والتنمية العلمية في بلادنا، خارطة افتراضية تضع مسارَ الحضارة الإسلامية في ثلاث مراحل، كلُّ مرحلة سبعة قرون. السبعة الأولى: مرحلة النهوض والازدهار تبدأ بالقرن الأول للهجرة لتنتهي في السابع، الثانية: مرحلة الانحطاط تبدأ بالقرن الثامن وتنتهي في الرابع عشر الهجري، الثالثة: مرحلة النهضة الحضارية الجديدة تبدأ بالقرن الخامس عشر الهجري وتظلّ تتواصل وتتكرّس سبعة قرون. يتراكم فيها -كما يتنبأ حسن حنفي – تقدّمٌ على تقدم، وابتكاراتٌ مبهرة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وبناءُ الدولة المثالية، والتنميةُ الشاملة. إنها المرحلةُ التي يولِّد فيها الإنسانُ المسلم علومَه الخاصة ويستغني عن علوم الآخر ومعارفه. القارئ الذكي يجد هذه السباعيةَ محاكيةً في قالبها للمادية التاريخية شكليًّا، وإن كانت عاجزةً عن البناء النظري للماديةِ التاريخية واشتقاقِها من الرؤية الفلسفية العميقة للمادية الديالكتيكية، بغضّ النظر عن رفضنا للرؤية الفلسفية المادية.

لا معرفةَ مكتفية بذاتها، لا ثقافةَ مكتفية بذاتها، لا حضارةَ حيّة مكتفية بذاتها. كلُّ حضارة حيّة مركب تنصهر فيه عصارةُ حضارات. الحضارة لا تزدهر إلا بولادة تفاعل خلّاق للخبرات الإنسانية العالمية المشتركة، تلتقي هذه الخبراتُ بمركب أكثف لتنتج أثمنَ ما ابتكره وأنجزه الإنسانُ في تطوره الحضاري. موكب الحضارات عالميّ في الوقت الذي هو محلي، ومحلي في الوقت الذي هو عالمي. التكنولوجيا، والعلوم الطبيعية والعلوم الصرفة كونية، العلوم الإنسانية الكوني فيها أكبر بكثير من المحليّ، وإن كانت لا تخلو من بصمةِ ذات العالِم وثقافته وهويته. حين تنغلق الحضارةُ على نفسها تدخل مسارَ انحطاطها وموتها واندثارها. يقول حسن حنفي: «عندما كتبت “موقفنا من التراث الغربي” في يناير 1971، أحدد فيه معالم الاستغراب، رد عليه فؤاد زكريا في نفس العدد بمقال: “دفاع عن الثقافة العالمية”. في حين أنه في ندوة المجلس الأعلى للثقافة عن الكتاب “مقدمة في علم الاستغراب” أتى مهاجمًا إياه مبينًا استحالته. لم يكن من المناقشين، ولكنه حضر خصيصًا، وتكلم من القاعة مع الحضور»[38].

شغلنا حسن حنفي بترويج مصطلح الاستغراب، الذي يدعونا لضرورة الاستغناء عن تفسير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وغيرها على وفق معطيات العلوم والمعارف الحديثة. لافتة الاستغراب ترفض علومَ الفهم والتفسير، ومعطياتِ العلوم المتنوعة في تفسير السلوك الفردي والمجتمعي، وتشدّد على العودةِ إلى التراث والانطلاقِ منه لبناء علومنا المحلية في ضوء هويتنا وذاكرتنا وحضارتنا. استغناء المفكر اليوم عن الثقافة العالمية ومشترَكات الوعي البشري غير ممكن. عجز حنفي نفسه عن الاستغناء عن المعرفة الغربية. استيعابُه للمعرفة الحديثة واسع، وتوظيفُه للغتها ومصطلحاتها وأدواتها كبير، كلُّ مَن قرأ أعمالَه يرى ذلك بوضوح.

الواقع يكذّب فرضيةَ الشروع بالنهضة الجديدة لعالمنا مطلع القرن الخامس عشر الهجري، على وفق مرحلة القرون السبعة الثالثة. الإنسان اليوم يختنق بالواقع المزري للحقوق والحريات في دولنا الهشة، وهكذا تندثر بالتدريج القيمُ الأخلاقية والإنسانية المشترَكة في مجتمعاتنا، وتتفجر هوياتٌ طائفية مخيفة تمزّق مجتماتنا. بلادنا ودولنا في القرن العشرين الميلادي أصلب منها اليوم، وهكذا كان حال مجتمعاتنا ذلك الزمان. نتمنى أن تحدث المعجزةُ وتتحقّق بشرى حنفي.

يسود دعوةَ الاستغراب إفراطٌ في توهم الاستغناء عن الآخر، وإفراطٌ في التفاؤل بمستقبلٍ مجيد لعالم الإسلام في القرون السبعة القادمة. وبدلًا من التدليلِ على ذلك منطقيًّا يكدّس صاحبُها شعاراتٍ ويحشد عباراتٍ تهيّج مشاعرَ القراء الذين يقرؤون بلا تأمل، ويكرّرها بلغةٍ تثير الوجدانَ وتشحذ العواطفَ وتستفزّ الضميرَ وتستنهض الهوية. يخيل إليك وأنت تقرؤه كأنك تقرأ مدونةَ أحدِ الكتاب الأصوليين المتشدّدين، أو أحدِ مشاهير المنجمين المولعين بالتفاؤل. يصف علي حرب ذلك بقوله: «إنها إمبريالية الكلمات والمقولات نحاول فرضها على الواقع، كما يمارسها المثقف الرسولي الداعي إلى الثورة أو القائم بحراسة الهوية والذاكرة. هذا ما فعله حسن حنفي في كتابه حول الاستغراب، خصوصًا في المقدمة والخاتمة، حيث تصرف في تحليله لوقائع العصر كأنه “سيد الحقيقة مالك الوقت”، إلى حد جعله يجزم بأن الحضارة الغربية ستدخل لا محالة في طور من الانحطاط يستغرق سبعة قرون، وأن حضارتنا ستدخل في المقابل في نهضة ستستمر هي الأخرى سبعة قرون . . . ويُخشى أن ينطوي هذا التحليل بل التقدير على وهم كبير، على افتئات على الواقع والتاريخ، ثمرته إما الإحباط واليأس المفضي إلى الدمار الذاتي، وإما افتعال الأشياء وترجمة المقولات على الأرض عنفًا وإرهابًا»[39].

 

                                                 –9–

                        نسيان الله في تفسير حسن حنفي

القرآنُ الكريم هو المنبعُ المُلهِم الذي نشأتْ في فضائه علومُ الدين، واستقتْ منه معارفُ التراث. لم نجد أحدًا من المفسِّرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمتصوفة وحتى الفلاسفة في الإسلام يتجاهل الدلالاتِ الميتافيزيقيةَ لعالَم الغيب في القرآن. تبدأ سورةُ البقرة، وهي أولُ سورةٍ بعد الفاتحة في القرآن بالحديث عن الغيب: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»[40]. الإيمانُ بالله هو إيمانُ بالغيب، الله هو «الغيب المطلق»، و«غيب الغيوب» كما يرى العرفاء. «نسيانُ الله» الذي يهيمن حضورُه على القرآن الكريم، والادِّعاءُ بأن «الله هو التاريخ»[41]، محاولةٌ غريبةٌ تورطت فيها كتاباتُ حسن حنفي. القرآنُ يشدّد على الصلة الوجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة. مفهومُ الإنسانية في كتابات حنفي يفرِّغُ عالَم الغيب من الدلالات الميتافيزيقية، ويتجاهل المعنى الغيبيَّ لله ويستبدله حيثما ورد بالإنسانِ وشؤونِه وأحوالِه.

في مجلدٍ كبير للتفسير، أصدره حسن حنفي في السنوات الأخيرة من حياته، يتجاوز 1500 صفحة، يمثّل أحدَ الحلقات الأخيرة لمشروعه، يتحدث عن: الإنسانِ، والواقعِ، والتغييرِ الاجتماعي، والنضال، وحقوقِ الإنسان، والمجتمعِ ومؤسساته، والدولةِ ومؤسساتها، والسلطةِ والحكومة، وكلِّ شيء يتصل بالإنسان و«عالَم الشهادة»، غير أنه ينسى «عالَم الغيب» الذي يفرض هيمنتَه بوضوحٍ في القرآن، بشكل يتنبه إليه كلُّ مَن يستمعُ إلى صوتِ الله ونداءِ الغيب من آياته، فإذا أورد حنفي آياتِ الغيب في سياقِ تفسيره أو أعمالِه الأخرى، فإنه يعمد إلى تأويلها بلغةٍ لا نقرأ فيها للغيب أثرًا. لا نترقب من حنفي أن يغرقَ في تفسير باطني للغيب، أو يرسمَ جغرافيا متخيَّلة له، ولا نريد منه أن يحشدَ في تفسيره لوحاتٍ وصورًا ذهنية لعوالم الربوبية، كما أسرفتْ في ذلك الاتجاهاتُ الباطنية والتفسيرُ الإشاري لأكثر المتصوفة والفرق المغالية، لكن لا يمكن قبولُ هذا النوع من إهدار الغيبِ في القرآن والتنكُّر لحضوره المدهش. اختلت المعادلةُ القرآنية على وفق المنطق الأيديولوجي للتفسير عند حسن حنفي، فحجبَ فيها الإنسانُ حضورَ الله، وأخفى عالَمُ الشهادة عالَمَ الغيب. يحضر في اللغة القرآنية اللهُ بتجلياته وأسمائه وصفاته، مثلما يحضر فيها الإنسانُ بوصفه خليفةً لله.

الغيبُ حاضرٌ في القرآن الكريم بكثافةٍ، غائبٌ في كتابات حسن حنفي بشكلٍ يثير الحيرة. يمارس حسن حنفي عمليةَ إكراهٍ لدلالات آيات الغيب في القرآن، فيحيل ما هو سماوي إلى أرضي، ويفسّر ما وراء المادة بالمادي، وما هو ميتافيزيقي بالدنيوي، ويصرّ على دلالات اجتماعية وسياسية لهذه الآيات لا يشي بها مضمونُها. يغيب الغيبُ في كتاباته، وكأن القرآنَ الكريم عندما يتحدث بكثافةٍ عن الله بوصفه «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[42] لم يقرأه حنفي.

القرآنُ يركزُ على الغيب بشكلٍ مدهش؛ لا تجد سورةً في القرآن حتى القصار تنسى الغيبَ أو لا يحضر فيها اللهُ وأسماؤه وصفاته. يعمل حنفي على تفريغِ القرآن من دلالاته الغيبية، كأنَّ آياتِ الغيب في القرآن تتحدث عن النضال والكفاح والصراع الطبقي، ولا صلةَ لها بمضمونِها الميتافيزيقي.

لا يكترث حنفي أيضًا بالحياة الروحية في القرآن، وكأن القرآنَ كتابٌ يمكن أن يتحدّث عن كلِّ شيء إلا الله وتوحيده وعبادته. القرآنُ كتابٌ محوره الأساسي التوحيد، وغرضُه رسمُ خارطةٍ لبناء صلةٍ وجودية يقظة للإنسان بالله. قلّما يحضر اللهُ في تفسير حنفي بوصفه إلهَ النور والمحبة والجمال الذي أضاء نورُه كلَّ شيء، كما ترسم صورتَه آياتُ القرآن: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… نورٌ عَلَىٰ نُورٍ»[43]، وردت كلمةُ نور في القرآن 45 مرة، كلُّها بصيغة الاسم. حتى في دراسته للتصوف التي أصدرها في مجلدين ضخمين، بعنوان: «من الفناء إلى البقاء»، لا يحضر فيها اللهُ وعالَمُ الغيب، ولم تحضر الخبرةُ الروحية للعرفاء واستبصاراتُهم المضيئةُ في الكشف عن أسرار لغة القلب، كان حنفي يحاول أن يستنطق القلبَ بلغةِ الرفضِ والكفاح والثورة.

تأثر حسن حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي وُلد سنة 1929 وقُتل مناضلًا وهو يقود عملا مسلحا سنة 1966. لاهوتُ التحرير أيديولوجيا توريس الثورية، وهو رؤيةٌ تختلط فيها المسيحيةُ والماركسية بمركبٍ تتنافر داخله رؤيتان متضادتان أنطولوجيًّا. وهكذا كان القرآنُ عند حسن حنفي مانفستو للثورة، ‏وكأنه نسخةٌ بديلةٌ لـ«البيان الشيوعي» لماركس وإنجلز.

تجتمع في شخصية حسن حنفي ‏الموهبةُ، والذهنيةُ المراوِغة، والإرادةُ العنيدة. ‏تجسدتْ صورةُ الله في ضميرِه بشخصيةِ المناضل في الأرض دون سواه. كان ‏مُنْحَازًا لكلِّ ثورةٍ وانتفاضةٍ ورفضٍ، بغضِّ النظر عن هويةِ هذا الرفضِ الأيديولوجية وأهدافِه ووسائلِ تنفيذه وموطنِه. حسن حنفي لم يُعرَف عنه أنه اشترك يومًا من حياته الطويلة في أية ثورةٍ أو حركةِ مقاوَمة، كان بارعًا بصياغةِ شعارات الثورة وتحريضِ الشباب على الموت، وهو قابعٌ ببيته وجامعته بعيدًا عن الميدان، وظلَّ يحتمي بمراوغاته اللفظية من السلطة، فلم يكن يومًا من ضحايا السجن والتعذيب، كما هو مصيرُ المعارضين أمس واليوم، على الرغم من أنه عاصر أنظمة عبد الناصر والسادات ومبارك ومرسي والسيسي. ‏حسن حنفي وأمثاله يعلّمون المتدين كيف يموت ولا يعلّمونه كيف يعيش. ‏في كلِّ كتاباته عن الدين يتقن حنفي فنَّ تحريض الناس على التديّن بدين الحرب، وقلما تراه يعلّمهم كيف يتدينون بدين السلام. يحرّضهم على اتخاذ الأيديولوجيا دينًا، ولا يهتم بالتديّن الأخلاقي الذي يرسخ أسس العيش المشترك في إطار التنوع والاختلاف. ‏

كنت ضيفًا في منزله بالقاهرة أيام ثورة يناير 2011 فكان متحمّسًا جدًا للثورة قبل انتصارها. أخبرني الصديقُ المرحوم علي مبروك أنه كان يمكث كلَّ ليلةٍ مع الثوار في ميدان التحرير، ولم أسمع بحضور حسن حنفي هناك. بعد الانتصارِ واستيلاءِ الإخوان المسلمين على الحكم، لم أقرأ له شيئًا حول إخفاقات حكومتهم، ولم أقرأ له مراجعةً نقديةً لتجربتهم في السلطة. كنت أتابع ما ينشره أسبوعيًا في صحيفة الاتحاد الإماراتية، ‏وما تنشره له بعضُ الصحف المصرية.

لا يرى حسن حنفي في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجودي تتسامى فيه، ولا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه في عالمِه الأرضي. تنبهتُ مبكرًا إلى إنهاكِ كتابات حسن حنفي وأمثالِه للدينِ بتفريغه من مضمونه الميتافيزيقي، وتجاهلِه للأبعاد الغيبية في التوحيد، وانشغالِه بالإنسان بمعزلٍ عن الله. منطقُ فهم الدين والمقدّس غيرُ منطق فهم العلوم الطبيعية، كما ان منطقَ فهم الأدب والفن مختلفٌ عن منطق فهم العلوم الطبيعية. الاختلافُ في الهوية الوجودية يعني الاختلافَ في منطق الفهم وكيفية اكتشاف الأبعاد والتجليات والتمثلات. لغةُ الغيب مُشبَعةٌ بأنطولوجيا ميتافيزيقية، لغةُ الغيب القرآنية رمزيةٌ بوصفها مرآةً لصوت الوحي. تجاهلُ الغيب في القرآن يعني تجاهلَ حضور الله وأسمائه وصفاتِه وأفعاله المتسيّدة في القرآن.

القرآنُ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، عند العودةِ إليه والنظرِ فيه بتدبّرٍ نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه ماثلًا بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر غير القرآن في الأديان. ورد ذكرُ اسمِ «الله» 2699 مرّة في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة «رب» 124 مرّة. لم يشأ حسن حنفي أن يتدبّر الحضورَ المكثّفَ لله في القرآن، وما يحيل إليه هذا الحضورُ من دلالاتٍ روحية لا تنضب، تنفيها قراءتُه اللاغيبية لآيات الغيب.

الكثافةُ اللافتةُ لحضورِ الله وأسمائِه وصفاتِه المتنوّعةِ تدلّل بوضوحٍ على أن القرآنَ يشدّد على الإيمانِ بالله والتوحيد، ويجعله حجرَ الزاوية في بناء الحياة الدينية في الإسلام، ويؤشر إلى وصلِ نظام القيم في الحياة الفردية والمجتمعية بالله، بالمعنى الذي يصير فيه الإنسانُ مسؤولًا أمام الله، والإيمانُ بالله منبعًا مُلهِمًا للحق والعدل والخير والسلام والمحبة والجمال في العالَم. وتظهر القيمةُ العظمى للإيمان في تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي. هذا الاغترابُ يُفضي إلى استلابِ ذات الإنسان، لأنه اغترابٌ لكينونة هذا الكائن عن وجودها، ومن هذا الاغتراب يحدث القلقُ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقدُ الإنسانُ ذاتَه يمسي عُرْضَةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظِّي، وربما يتردّى إلى حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية[44].

نفهمُ من هذه الكثافةِ لحضور الله في القرآن أن هدفَ القرآن يتلخصُ في أن يكونَ اللهُ هو المعبودُ فقط، لا معبودَ سواه، وإن كان ذلك المعبودُ نبيًّا أو صحابيًّا أو وليًّا أو شيخًا أو حاكمًا، أو أيَّ إنسانٍ مهما كان، ومهما كانت مواهبُه وصفاتُه ومكانتُه الدينية والاجتماعية والعلمية. القرآنُ يريدُ تحريرَ الإنسان من كلِّ أشكال العبوديات، ولذلك أصرَّ على محوِ الوثنية بكلِّ أنماطها، وعملَ على خلاصِ المسلم من كلِّ ألوانها، سواء كانت وثنيةَ أحجارٍ أو أشياء أو أفكار أو بشر. اهتمَّ القرآنُ بالقضاء على وثنية البشر خاصة، لذلك تحدّثَ عن أمثلةٍ لأفراد ومجتمعات كانوا ضحيةَ توثين البشر، وذكرَ المتاهاتِ المظلمة التي غرقت فيها حياتُهم، وإنما اهتمَ القرآنُ بها لأنها أشدُّ أنماطِ الوثنية التباسًا، وأكثرُها أقنعةً وحُجُبًا، وأخطرُها على الوعي والروح والضمير. وثنيةُ الحجر منحطةٌ مفضوحة، وقد كانت متفشيةً في الحياة الدينية للعرب عصرَ البعثة النبوية الشريفة، فنزلَ القرآنُ لأجلِ تحرير الإنسان منها ومن غيرها، لكن المؤسفَ أن توثينَ البشر ظهر بالتدريج بعد البعثة في الحياة الدينية عند كثيرٍ من المسلمين، فصارَ في عصورٍ لاحقة جيلٌ بكلِّ أفراده كجيل الصحابة مقدّسًا، لا تجوزُ دراسةُ حياته وتجربته وممارساته ومواقفه بمناهج علم التاريخ، ولا يصحّ الكشفُ عن أخطائهم وخطاياهم وموبقاتهم مهما كانت، على الرغم من أن الصحابةَ تقاتلوا في أكثر من معركة شرسة قُتِلَ فيها عددٌ ليس قليلًا منهم، وقضى ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين الأربعة بالسيف.

تقديسُ البشر والإعلاءُ من مقامهم بما يفوق بشريتَهم ضربٌ من التوثينِ واتخاذِ الأرباب من دون الله. توثينُ البشر ظاهرةٌ نجدها في كلّ الأديان، وقد استنكرها القرآنُ بقوله: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»[45].

تتبدّل أقنعةُ الأوثان وتختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأديان والمجتمعات والأفراد غير أن جوهرَها يظلّ واحدًا. لا تختصّ الأوثانُ بما هو مصنوعٌ من الحجر أو الخشب أو الحديد أو الأشياء المادية؛ الوثنُ كلُّ ما يُعبَد، الوثنُ كلُّ ما يلبث معه الإنسانُ فقيرًا في وجوده، ويكون وجودُه مغترِبًا عن الله، لذلك تصير أحيانًا ديانةٌ أو مذهبٌ أو عقيدةٌ أو فكرةٌ أو أيديولوجيا وثنًا، أو قد تتحوّل كلمةٌ أو شعارٌ أو كتابٌ إلى وثنٍ، أو يصبح زعيمٌ سياسي أو عسكريٌّ أو روحيٌّ وثنًا، وربما تمسي سلطةٌ أو حزبٌ أو جماعةٌ أو طائفةٌ أو قوميّةٌ أو قبيلةٌ أو عائلةٌ وثنًا، أو يغدو طقسٌ أو عبادةٌ أو شعيرةٌ وثنًا.

على الرغم من كثافةِ حضور الله في القرآن، إلا أننا وصلنا مرحلةً نجدُ فيها «إسلامًا ينسى الله»، إذ غابَ اللهُ بمرور الزمن عند كثيرين عن الحياة الدينية باحتلالِ بشرٍ مقامَه، وعندما يحتلّ البشرُ مقامَ الله يحتجبُ اللهُ عن الكلّ، من ينسى اللهَ ينسى نفسَه: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ»[46].

أكثرُ المفكرين العرب الذين اتخذوا القرآنَ محورًا لمشاريعهم الفكرية أهدروا الميتافيزيقا القرآنيةَ ولم يكترثوا بالغيب، حتى لو تناولوا آياتِ الغيب فإنهم يحاولون أن يلتمسوا لها تأويلًا ينزعُ عنها محتواها الميتافيزيقي. أحيانًا يعمدون إلى توظيف مناهجِ استكشاف الطبيعة في التعرّف على ما وراء الطبيعة. القرآنُ يتحدّث عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ آيات الغيب تأويلًا بمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الآياتُ التي تتحدثُ عن الظواهر الطبيعة يمكنُ فهمها في ضوء قوانين الطبيعة، ولا يمكنُ أن تُفهمَ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة كما تُفهمُ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الطبيعة. لدى المفسّر نوعان من اللغة، الأولى تتحدثُ عن قوانين وظواهر وكائنات وأشياء الطبيعة، الثانية تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة، لكلٍّ منهما مفتاحٌ للفهم والتفسير، ما يمكنُ توظيفه في تفسير الأولى لا يمكن توظيفه في تفسير الثانية.

الهوامش:

[1] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 82، 2018، القاهرة.

[2] المصدر السابق، 82.

[3] المصدر السابق، 144.

[4] المصدر السابق، 148.

[5] د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، ج1، ص 40 – 41، 1988، دار التنوير، بيروت.

[6] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 59 – 60، 2018، القاهرة.

[7] المصدر السابق، ص 213.

[8] نفس المصدر، ص 217 – 219.

[9] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 300 – 302، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[10] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانية، الفصل السادس في هذا الكتاب يتضمن ورقة الندوة بعنوان: “اختزال الدِّين في الأيديولوجيا: لاهوت التَّحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي”.

[11] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 320، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[12] المصدر السابق، ص 296 – 297.

[13] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 302 – 303.

[14] حنفي، حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 293 – 294، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[15] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[16] سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص: 4122.

[17] سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص:2009.

[18] سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. القاهرة. ص101-103.

[19] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص323.

[20] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 329-331.

[21] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[22] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 45 – 47.

[23] المصدر السابق، ص 168.

[24] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 324.

[25] هاشمي، محمد، سيد قطب بين لغة الشعر ولغة الشرع: نحو فهم مغاير، مجلة أواصر، ع 3 “2018”.

[26] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج 5: ص 219.

[27] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 169. يكرر حنفي هذه الفرضية في موارد متعددة من كتاباته، لاحظ ص 257 من هذا الكتاب.

[28]  قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 88، مكتبة وهبة، القاهرة.

[29] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 4: ص 2122.

[30] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج3: ص 1816.

[31] قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 43، دار الشروق، القاهرة.

[32] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 2: ص 1492.

[33] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 3: ص 1492.

[34] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 256 – 257.

[35] المصدر نفسه، ص 290.

[36] زكريا، فؤاد، مستقبل الأصولية الإسلامية: بحث نقدي في ضوء دراسة للدكتور حسن حنفي، مجلة فكر، ع 4 “ديسمبر 1984”.

[37] محمد عبد الرحيم، رحيل المفكر المصري حسن حنفي… المأزق بين اليسار والأصولية، جريدة القدس العربي “لندن”، الصادرة في 22 أكتوبر 2021.

[38] د. محمود محمد علي، شهادة المفكر حسن حنفي في حق فؤاد زكريا، ص 15.

[39] حرب، علي، نقد النص، ص 59، 2005، المركز الثقافي العربي، بيروت.

[40] البقرة، 3.

[41] حنفي، حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، ص 223، 1982، دار التنوير، بيروت.

[42] الشورى، 11.

[43] النور، 35.

[44] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 221، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، ودار الرافدين، بيروت.

[45] التوبة، 31.

[46] التوبة، 67.

 

رابط النشر:

أركان علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي

أركان علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي

 

ستار الزهيري[1]

من خلال قراءتي  للمرة الثانية لكتاب: (مقدمة في علم الكلام الجديد) للدكتور عبد الجبار الرفاعي في طبعته المزيدة، بعد قراءة طبعته الأولى، لا أستبعد صدور طبعة ثالثة ورابعة له،كما يصرح المؤلف في تقديمه لهذه الطبعة بقوله: “يعترف المؤلفُ بأن كلَّ نصٍّ يكتبُه لا يراه نهائيًا، يكتبُه كمسوّدة، وبعد تحريرٍ وتنقيحٍ ومراجعاتٍ متعدّدة يبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسوّدة لطبعةٍ لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتُه مسوّداتٍ غير مكتملة،كلُّ طبعة جديدة مسوّدةٌ لطبعة لاحقة، وكأنه يحلم بالكمال الذي يعرفُ أنه لن يدركَه في كلِّ ما يكتبُه”، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23).

يشارك الرفاعي معاصريه همومهم، وإن كان يختلف عن غيره في طريقة التفكير وطريقة الحل، اختلافا يحفظ له كيانه المتميز؛ الذي نجده يتمثل في:

أولا: اقتراحه ان يبدأ التجديد في علوم الدين بعلم الكلام، لأنه الأساس الذي يقوم عليه علم أصول الفقه، والفقه، وغير ذلك من معارف الدين. علمُ الكلام يحتلُ مكانةً مركزية في المعارف الدينية في رأي عبدالجبار الرفاعي، حسب قوله: “علم الكلام في رأيي يمثل نظرية المعرفة في الإسلام، لأنه هو الذي ينتج منطق التفكير الديني، ومنطق كل عملية تفكير هو الذي يحدد طريقة التفكير ونوع مقدماته ونتائجه. وذلك يعني أن أية بداية لتجديد التفكير الديني في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام ومسلماته المعرفية ومقدماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات. تجديد الفقه مثلا يبتني على تجديد علم أصول الفقه، وتجديد أصول الفقه يبتني على تجديد علم الكلام، ذلك أن الأسس التي يقوم عليها علم الأصول ليست سوى مسلمات ومقولات لاهوتية، حقلها هو علم الكلام، ولعلم الكلام مسلماته المعرفية ومقدماته المرتكزة على المنطق الأرسطي. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تخطي القراءة السلفية الحرفية المغلقة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصر، ما لم نعد النظر بالبنية  التحتية العميقة لإنتاج تفسير النصوص، ونتخط آليات النظر والفهم المتوارثة”، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 97).

ثانيًا: يبدأ الرفاعي من التراث بدراسته واستيعابه، ثم يتخطي ما هو مندثر منه.

ثالثًا: توظيفه للفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

رابعًا: لغته الخاصة، بكل ما يميز تلك اللغة من اسلوبه وبيانه الخاص في الكتابة.

هكذا يساير الدكتور الرفاعي عصره، وهو يصغي له ويحاوره، وهكذا يتخذ لنفسه موقفًا فريدًا، إذ يختلف عن غيره، بما يحفظ له شخصيته وكيانه. وأنت تقرأ هذا الكتاب لا تمنع نفسك وصف تلك القراءة بالسياحة والتجول في ميادين وأزقة الفكر الإنساني. يصحبك الرفاعي معه في هذا السياحة، يعُرّفُك على كانط وهيجل وبرجسون وكيركغارد وهايدغر، ويجلسك مع ابن سينا والمحقق الداماد وملا صدرا الشيرازي، ويدعوك لمساجلة القاضي عبد الجبار والفخر الرازي والعلامة الحلي، ولا ينسى ان يضع أمامك آراء محيي الدين بن عربي وأمثاله، وينصحك بمسك القلم وتدوين الملاحظات عليهم أجمعين، لمناقشتها بعد الرحلة، فإذا ما انتهت الرحلة يطالبك؛ بـ “التخلية”، أي التخلي عن القبليات الذهنية والاعتقادية قدر امكانك. ثم يطالبك بـ “التحلية”، أي تقديم قراءة جديدة للرحلة ومدونة الملاحظات لديك التي أمرك بالاحتفاظ بها.

لفت انتباهي رأي للدكتور أديب صعب في معرض التعريف بـ “علم الكلام الجديد” في كتابه “دراسات نقدية في فلسفة الدين”، حيث يقول: (هو إعادة صياغة لعلم الكلام القديم  في ضوء الدراسات الدينية). هذا الكلام جعلني أقف مذهولًا، فأين علم الكلام الجديد من ذلك! ما الجديد في هذه القراءة الجديدة لعلم الكلام الجديد التي يقترحها الدكتور صعب؟ ألم يتعرف د. أديب صعب على آراء المتكلمين الجدد، ورؤية عبدالجبار الرفاعي ومنهجيته المعرفية في بيان المهمة الكبيرة التي تقع على عاتق علم الكلام الجديد. يلخص الرفاعي رؤيته بقوله: (رؤية تبتني على أنه مادام هناك إنسان فهناك أسئلة ٌميتافيزيقية كبرى، وهذا النوع من الاسئلة لا جواب نهائي له)، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23). ويرسم الرفاعي موقفًا واضحًا يتحدد في ضوئه علم الكلام، ويتميز القديم منه عن الجديد، عندما يكتب: ” أساسُ علم كلام هو الإيمانُ بالمصدر الإلهي للوحي. الاختلافُ بين علم الكلام القديم والجديد في كيفية فهم الوحي وتفسيره. الكلامُ الجديد يفسـره تفسيرًا لا يستأنفُ ما قاله الكلامُ القديم. في ضوء ذلك لا ينطبق عنوانُ علم الكلام الجديد على كتاباتٍ بحثتْ ظاهرةَ الوحي من منظورٍ مادّي لا يؤمن بالله، أو يرى الوحيَ بوصفه ظاهرةً أنتجها البشـر، أو هو نوع من الإيحاء النفسـي، أو هو محصلة ارتياض صبور يتمرس فيه بعضُ الأشخاص، وينفي صلته بالغيب. إذًا لا يمكن تصنيفُ أيّةِ كتاباتٍ تنفي المضمونَ الميتافيزيقي الغيبي للوحي على أنها علمُ كلام جديد”، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 150).

فأين هذا القول من رأي د. أديب صعب، الذي يرى علم الكلام الجديد مجرد إعادة صياغة لعلم الكلام لقديم!

رؤية الرفاعي يرسمها في سبعة أركان يتأسس عليها علم الكلام الجديد، وتكشف ما يرمي إليه المتكلم الجديد، وتتمثل حسب ما يراه في:

أولًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي. وهذا هو الركن الذي تتفرع عليه كل الأركان التالية، حسب نظر الرفاعي.

ثانيًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يعيد بناء صورة مضيئة لله مستوحاة من القرآن الكريم.

ثالثًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يبني صلة بالله تتأسس على المحبّة المتبادلَة:”يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”.

رابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يوقظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين.

خامسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم فهمًا للقرآن الكريم والنصوص الدينية يستجيب لما يحتاجه المسلم من معنى ديني.

سادسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ ينفتح على الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة ويوظفها في بناء الكلام الجديد.

سابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يؤمن بتعدّدِ قراءات القرآن الكريم، وإعادةِ تفسير كلام الله، وتنوع فهم النصوص الدينية تبعًا لتنوع الأزمان وتعدّد الأحوال، وإعادةِ تفسير آيات القرآن في ضوء حاجة الإنسان للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتطلبه العيش في عالَم يتسارع فيه إيقاعُ المتغيرات، وتتفاقم فيه كلُّ يوم مختلف المشكلات. (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 177-180).

لعل من الأهمية التي يمكن ان يتميز بها كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد، أن  ليس هناك أجوبة نهائية مغلقة حول أي شيء، لا بل إن كل الاجوبة مفتوحة عل التحري الدائم، وخاضعة للقبول أو التعديل أو التبديل، في ضوء العقل والتجربة، ولا يجوز قبول أي جواب لا لشيء الا لأن اسمًا كبيرًا اقترحه أو اعتنقه.

كم هي المساحة في تراثنا الكلامي للكتب والآراء التي تروى نقلًا عن الآخرين، بلا إعمال للعقل اللاحق فيها، تارة تختار، وتارة تؤرخ، وطورًا تصنف، فكأنما الطهاة الذين أعدوا الطعام قلة لا تتجاوز الأصابع العشرة، او قل العشرين، ثم تكاثرت حول المائدة ألوف تتسقط الفتات المتناثر، كل يأخذ من هذا الفتات ما وسعت حفنتاه؟ ماذا لو استغينينا عن عشرة أسماء من علم الكلام الأشعري، وعشرة من علم الكلام الشيعي، والتي تعتبر مصنفاتهم نصوصا تأسيسية،كما تسمى؟ ماذا يتبقى، ما الذي سيحصل لو استغينينا عن مصنفات فلان وفلان وفلان من المجتهدين في علم الكلام، وفتحنا باب الاجتهاد في علم الكلام اليوم، ما الذي يبقى من التراث الكلامي؟ هل نمكث مقلدين لاجتهادات القدماء لو اجتهدنا اليوم، مع ان المعروف لدي المجتهدين ان التقليد في علم الكلام والمعتقدات باطل؟

قلت لنفسي وأنا أقلب النظر في منوعات من التراث؛ لماذا لا تفحص مجلدًا أو مجلدين من هذه القمم، لترى ماذا كان يكتب المتكلمون، الذين تعنون لهم هذه القمم التي لا تكاد تقع تحت الحصر… واخذت استعرض ضروب المؤلفات وصنوف الأعمال التي جعلت من اصحابها متكلمين، استحقوا ان تفرد لهم هذه العناوين كلها، فلم أخرج إلا بما يؤيد فكرة سابقة كنت قد حصلتها من انطباعات متناثرة على مر الزمن، وهي انه – بأستثناء أصول قليلة جدًا، فيها أصالة وابتكار- هناك كمية من المجلدات، التي لا تضيف حرفًا واحدًا جديدًا، فهي شروح، وشروح للشروح، وتعليق، وتعليق على التعليق!

ذلك كله واقع لا سبيل الى نكرانه، وان الخروج عليه إنما يجيئان بعد مغالبة الإنسان لنفسه ولطبيعته، وهذه المغالبة لأهواء النفوس وميول الطبيعة هي ما نحن بحاجة اليه، حين يتبين أن تقويم القديم بأكثر من قيمته النفعية لا يقتصر على إشباعه لرغبة رومانسية – نوستاليجيا – في نفوسنا، بل يقف في سبيل سيرنا عقبة تحول دون التقدم نحو ما نريد ان نتقدم نحوه من تغيير للفكر وتبديل لأوضاع الحياة.

لو قارنا كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد مع أحد الكتب التراثية لا نجد تشابهًا، لا في الآليات، ولا في المرتكزات، ولا في القراءة للموضوعات، ولا في طبيعة النتائج التي يصل اليها.

علم الكلام الجديد لا تربطه بعلم الكلام القديم سوى الألفاظ، وان كانت راهنية الكلام الجديد في الألفاظ أكثر مرونة وانفتاحًا واستيعابًا، لما يوفر من إحاطة بالمصطلحات التي هي اكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر.

أن تقدم فهمًا جديدًا شيىء، وأن تقدم قراءة جديدة شيء آخر، أن تقدم شرحًا جديدًا شيىء، وان تقدم نصًا جديد شيء آخر، ثمة ما يقلق الذهن الديني في انشغالاته، فهل هو معني بهذه ومعفي من تلك، ام تراه يراهن على شيء آخر لايمكن لعقل الماضي استيعابه، ولا أن يضعه في خانة همومه. العقل الذي يبتغيه المؤلف في هذه المقدمة لعلم الكلام الجديد، هو عقل متسائل في كل المساحات الخاضعة للذهن البشري، لا يعرف حدودًا  للاستفهام، ولا يدعي بابًا موصدة أمام الطرق.

ذلك ما تقدمه رؤية عبدالجبار الرفاعي لعلم الكلام الجديد، ورسمه لخارطة أركانه الأساسية، وما تهدف إليه دعوته للاجتهاد في علم الكلام، من اكتشاف للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين اليوم.

[1] كاتب عراقي متخصص في علوم الدين.

 

رابط النشر

نحو أُفق جديد لعلم الكلام قراءة في كتاب: مقدمة في علم الكلام الجديد

نحو أُفق جديد لعلم الكلام

قراءة في كتاب: مقدمة في علم الكلام الجديد

د. محمد التهامي الحراق[1]

    يعتبر إصدار د. عبد الجبار الرفاعي لكتاب جديد حدثا معرفيا بالمعنى المستوفي لهذا التوصيف، فقد أتيح لي أن اطلع على جل أعماله؛ مثل “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، و”الدين والظمأ الأنطولوجي”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، وصولا إلى الكتاب الأخير الذي نقدمه هذه الورقة، أعني: “مقدمة في علم الكلام الجديد”؛ فضلا عن اطلاعي على عدد من تقديماته ومراجعاته، وعلى نشاطه المتّقد في مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” و”مركز دراسات فلسفة الدين”…؛ اطلاع أظهر لي حجم العمل الكبير الذي يقوم به الأستاذ الرفاعي، ضمن جبهة تجديد التفكير الديني اليوم، وخصوصا تجديد علم الكلام. من هنا، أهمية كتابه الجديد؛ وهو إذ يسمه بـ “مقدمة في علم الكلام الجديد”، فهو يدرك المسار المعرفي الطويل والعميق الذي يتطلبه الانتقال من علم الكلام التقليدي إلى علم  كلام جديد، الأمر الذي جعله، ومنذ الصفحات الأولى، ينتقد في كتابه من يحمل شعار علم الكلام الجديد فيما هو يكرر المحتوى القديم.

الأستاذ الرفاعي، ودفعا لهذا الالتباس، يطرح في كتابه الجديد معايير وعلامات المتكلم الجديد المعرفية والمنهجية والرؤيوية، وذلك بوضوح نادر، ورصانة علمية أبعد ما تكون عن الحرتقة أو التلفيق، مع استشراف مؤسِّس ومؤصَّل، يستحضر من خلاله معالمَ قصورِ علم الكلام التقليدي، والمواقفَ المرتبكة التي يوقعنا فيها اعتمادُه في تناول أسئلة اللحظة المعاصرة. يعود د. الرفاعي في تأصيل هذا الاستشراف إلى محاورة المحاولات السابقة للتأسيس لهذا الأفق، ولا سيما مع رواد مدرستي الإسلام الهندي (ولي الله الدهلوي، سيد أحمد خان، ثم محمد إقبال وفضل الرحمن….).

لقد أكدت لي القراءة الأولية لهذا العمل العلمي الجاد ما سبق أن أدركته منذ بداية اطلاعي على أعمال الأستاذ الرفاعي؛ أكدت لي أن  تجربة عبدالجبار الرفاعي الفكرية تستحق الإصغاء والاهتمام؛ ذلك أن الرجل ذو تكوين تقليدي وحداثي متين، ولا ينطلق من رؤية طائفية، ولا من انغلاقية مخاتلة، وينفتح على محاورة كل المشاريع الفكرية التجديدية في عالمنا الإسلامي في الجناحين السني والشيعي؛ مثلما يؤسس لرؤية معرفية إيمانية تستلهم الفلسفة والعرفان الإسلاميين والمعارف الفلسفية واللاهوتية والمنهجية الحديثة المختلفة، للذهاب نحو أُفق جديد لعلم الكلام في المرجعية الإسلامية. وهو بهذا الاعتبار يشتغل في العمق، مثلما يتسم عملُه بجرأة معرفية مسؤولة أصبحت شبه مفقودة في مجالنا الثقافي العربي والإسلامي، أمام سيادة أشكال التطرفات “الفكرية” سواء منها التي تتذرع باسم الدين أو تلك التي تسعى إلى استئصال الدين.

ضمن هذا المنظور، تبرز أهمية كتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، إنها أهمية تنطلق من مكانة وتجربة الرجل، ومن قدرته على تبديد التباس المفاهيم، وتوضيح أفق الرؤية المنشود. فمنذ الصفحات الأولى للكتاب الجديد نجده يقف، مثلا، عند التمييز بين “علم الكلام التقليدي” و”علم الكلام الجديد”، وكذا عند التمييز بين هذا الأخير و”فلسفة الدين”،  مع تبيان المساحات المعرفية والروحية والأخلاقية والجمالية التي يفتحها علم الكلام الجديد، خصوصا وأساسا، بما هو أفق جديد لفهم الوحي، وقراءة النصوص الدينية من داخل الإيمان الديني، معتبرا هذا شرطا من أجل إدراج اجتهاد ما ضمن نعت علم الكلام الجديد. يكتب الرفاعي: “إن كل من يقدم تفسيرا جديدا للوحي، بشرط أن يكون مؤمنا بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يصنف تفسيره على أنه علم كلام جديد، أما من يقدم تفسيرا جديدا للوحي لكنه لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله ولا يؤمن بالمصدر الإلهي للوحي والنبوة والقرآن، فهو ليس متكلما جديدا، يمكن أن يكون فيلسوف دين؛ لأن المتكلم غير فيلسوف الدين، فيلسوف الدين يفكر خارج إطار الدين، أما المتكلم فيفكر في إطار الإسلام، كاللاهوتي في كل دين وحياني الذي يفكر في إطار الدين، وإن كان يستعير مناهج بحثه مما أنجزته العلوم والمعارف البشرية” (د.عبد الجبار الرفاعي، ” مقدمة في علم الكلام الجديد”، دار التنوير، بيروت _ مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ط1، 2021، ص،9).

يستند هذا الكتاب، كما أومأنا، إلى رؤية واضحة قوامها اقتناع معرفي رئيس ومؤسس، هو قصور علم الكلام التقليدي عن الإجابة عن أسئلة المسلم المعاصر، بل والإنسان المعاصر بوجه عام، وذلك  بسبب انتماء مقولات ذاك العلم القديم إلى نظام معرفي مغاير لما صار إليه النظام المعرفي في السياق الحديث والمعاصر. وهو ما يجعل تلك المقولات مثل وَرِقِ أهل الكهف فاقدة الصلاحية، مفتقرة للسياق الذي يمنحها حياتها المعرفية والتاريخية. يكتب الرفاعي منبِّها لذلك، وموقظا الوعي بتقادم مقولات المتكلمين التقليديين: “تعكس مقولاتهم الكلامية عقلانية عصرهم، ودرجة تطور العلوم والمعارف، ومناهج التفكير، وأدوات المعرفة، ومستوى الوعي البشري، ونمط التمدن. في ضوء ذلك لا يصح النظر إلى آراء النظّام أو الأشعري، أو الماتريدي، أو المفيد، أو الطوسي، أو القاضي عبد الجبار، أو الغزالي، أو الفخر الرازي، أو ابن تيمية، أو غيرهم من المتكلمين، بوصفها آراء أبدية، والتمسك أسئلتهم وأجوبتهم بوصفها أسئلة وأجوبة نهائية”، (ص،15).

إن إضفاء الطابع التاريخي على آراء الفرق والمتكلمة القدامى، هو مفتاح رئيس لمشروعية أي حديث عن تجديد علم الكلام، مع الوعي التام بعدم المماهاة بين تلك الآراء الاجتهادية والنسبية والتاريخية في الفهم، وبين الوحي الإلهي المطلق والمتعالي الذي يشكل منهلا لا ينضب للاستمداد  المعرفي، وأفقا لا ينقضي للحوار العقلاني والروحاني المتجدد. فالوحي يمثل مصدرا أبديا ما يفتأ ينتج  معنى دينيا متجددا، فيما علم الكلام التقليدي قد جمد على معنى ديني؛ لم يعد يطرح أو يجيب على أسئلة وإحراجات العقل المسلم المعاصر. يكتب المؤلف: “لا يمكن للمعنى الديني الذي ينتجه علم الكلام القديم إرساء أسس للعيش المشترك بين مختلف الأديان والثقافات، وبناء علاقات دولية سليمة تحقق المصالح المشتركة بين الشعوب؛ إذ لا تصلح المقولات الكلامية الموروثة منطلقا للحوار  الصادق المنتج  بين الأديان، الذي لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا بالإيمان بالحق في الاختلاف، وتبنيه أصلا في أي حوار وتفاهم ونقاش مع المختلف في الدين، والعمل على اكتشاف ما هو جوهري في كل دين”، (ص.17). والأستاذ الرفاعي يشير هنا إلى الإحراجات التي تضعنا في مآزقها اليوم مقولات كلامية موروثة مثل مقولة الفرقة الناجية، وأحكام أهل الذمة، والردة، ونجاسة غير المسلم… وغيرها.

لا يعني هذا المنحى الذي يتبناه الرفاعي حيال المقولات الكلامية الموروثة أنه من أنصار القطيعة الجدرية مع الميراث المعرفي والروحاني الإسلامي، أو أنه من دعاة الانسلاخ التام عنه أو نسيانه بشكل كامل وشامل؛ بل إنه مع الجمع بين الاستفادة النقدية من هذا الميراث، بعد التمكن من علوم الأقدمين واستيعاب مسالكها المختلفة، يكتب الرفاعي: “لا يقطع علمُ الكلام الجديد كليًا مع التراث، بل يحاولُ أن يستوعبَ ما هو حيّ في عقلانيته”، والاستفادة النقدية من مختلف الفتوح المعرفية والمنهاجية الحديثة دون عقدة أو مركب نقص، وهو ما من شأنه أن يجدد العقل المسلم، ويجعله قادرا على إنتاج أفق جديد في فهم الوحي ينتمي إلى روح الدين، ويستجيب للسياق المعاصر معرفةً وتاريخا وإشكالاتٍ ورهاناتٍ وتطلعات. يقول المؤلّف: “لا يمكن تجديد علم الكلام من دون دراسة وبحث يستكشف مسالك التراث الكلامي المتنوعة، واستيعاب مقولات وآراء المتكلمين المختلفة. وبموازاة ذلك يتوقف تجديد علم الكلام على تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الهائلة للعلوم الراهنة، خاصة العلوم الإنسانية، والتخلص من الحساسية والوجل والعقدة في التعامل مع معطيات العلم الحديث، فإن بعض العلوم الإنسانية تطورت لدرجة توازي تطور العلوم الطبيعية والعلوم البحتة والتطبيقية في الغرب”، (ص،161).

نجد الأستاذ الرفاعي، وبقدر ما يحتفي بمعارف فلسفة العلم، والهيرمينوطيقا، والسميائيات، والأنتروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وغيرها من علوم الإنسان والمجتمع الحديثة؛ بقدر ما نجده يعيد الاعتبار لبعض الإلماعات العرفانية الكونية في ميراثنا الإسلامي، كما نجدها مثلا عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي أو مولانا جلال الدين الرومي، مثلما نجده يستحضر بعض الرؤى الإنسية والفلسفية والعقلانية المنسية في ذاك الميراث لإعادة استثمارها في أفق قرائي يشيِّد فهم الدين على عقلانية زماننا، مع إعادة الاعتبار في هذا الفهم لقيم المحبة والروحانية والجمال ومكارم الأخلاق، ومحورية تكريم الإنسان، كما يدل على ذلك عنوان كتابه الجديد الآخر: “الدين والكرامة الإنسانية”. يقول الرفاعي: “كما لا يقطع علمُ الكلام الجديد كليًا مع التراث، يسعى لأن يستخلص ما أشرق به العرفانُ من رؤى واستبصارات تفتقر إليها حقولُ التراث الأخرى. العرفانُ كنزُ الأديان، وعصارةُ معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، لذلك يحرصُ الكلامُ الجديد على توظيف رؤية العرفاء لنمط الصلة بالله، المؤسسة على المحبّة المُتبادَلة بين الله وعباده، ويستأنفُ مقولاتِهم في النجاة والخلاص، ليكسر احتكارَ الرحمة الإلهية، والادعاء باختصاص النجاة والخلاص بديانة أو فرقة أو طائفة دون سواها”. هذا الوعي المنهاجي النقدي الذي ميز عمل الرفاعي في هذا الكتاب، وهو الذي جعله يُسهم في إيقاظ المعنى القيمي في الكلام الجديد، ومَكَّنَهُ من أن يرصد بجلاء معالم القصور في علم الكلام التقليدي؛ والتي من بينها هيمنة المنطق الأرسطي، والنزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل، وتفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي، وسيادة التقليد مع تراجع دور العقل، ونسيان الإنسان، والتربية على الخوف وترسيخ العبودية الطوعية، ونسيان القلب والعاطفة الدينية، والافتقار للمضمون الأخلاقي، والخلط بين النص وقراءاته، واعتماد الطبيعيات الكلاسيكية؛ وهي معالم بسطها المؤلف بدقةٍ في بالتفصيل في الكتاب.

وهنا، أراني مُلزَما أخلاقيا ومعرفيا بالإدلاء بشهادة؛ فقد اطلعتُ على العديد من أعمال “المجدّدين” في الفكر الإسلامي المعاصر؛ لكنها، وعلى الرغم من المزايا العظيمة لبعضها، لم تكن تقنعني؛ لغياب وضوح الرؤية، وافتقاد جرأة التجديد من الداخل، والافتقار لسلاسة المنهج. فهذا يُشعركَ بأن عمله هو تبريز للمنهج أكثر مما هو إضاءة للموضوع المدروس، وهذا يذهب باسم جذرية النقد إلى نسف الإيمان باسم “الموضوعية العلمية”، دون أن يُقْدِرَك على امتلاك قدرتِك الخاصة والمستقلّة على التفكير، وهذا يتبنى باسم “التجديد” لغةً “علمية منطقية” مقعَّرة إلى درجة التعقيد والإغماض، فيما هو وفي أحايين شتى ينتج القديم في ثوب لغوي جديد، دون أن يمس تجديده الروح والجوهر؛ وهذا يُبشّر بآفاقِ “مشروعه النقدي” المُخَلِّص، فيما هو يرسم الخطوط والبرامج دونما انخراط مثمِر وكاف ومقنع في الإنجاز، وهذا يُشظِّي بنية العقل العربي، يستبقي منها أجزاء ويلفظ أخرى، فيما هو ينسف تكاملية المعرفة الإسلامية، وينكرُ دينامية تفاعلها التاريخي مع محيطها الثقافي المتعدد منطلقا في ذلك من مفهوم وهمي ولا تاريخي للهويةِ؛ وغيرهُ تشعُر بفقرٍ في معرفته بالعلوم الإسلامية أو فقرٍ نظير في المعارف العلمية والمنهجية الحديثة، أو سرعة غير حذرة في إسقاط رؤية إحداهما على الأخرى.

بخلاف هذا وذاك، تُعد أعمال عبدالجبار الرفاعي واحدةً من ألمعِ المسارات البحثية التجديدية في الفكر الإسلامي المعاصر، والتي شدَّتني إليها؛ فقد وجدتُ في كتاباته خمسة أمور جاذبة على الأقل؛ أولها: النَّفَس الإيماني الصريح والواضح، وهو نَفَسٌ قرآني مثمر يحوِّلُ الإيمانَ إلى أداة استبصار معرفي ووجودي، مما يُحرّرُ أعمال الأستاذ الرفاعي من تلك المقابلة الوهمية التي تناقِضُ بين المقاربة الإيمانية والمقاربة العلمية، بل ويدرأ عن فكرهِ الالتباسَ الذي يقع فيه غيره على هذا المستوى؛ الأمر الثاني: هو الجمع بين معرفة عميقة ومتينة بالعلوم الإسلامية الموروثة، وبين انفتاح نقدي رصين على المعرفة الفلسفية الحديثة، وخصوصا ما تعلق منها بالمعارف اللاهوتية وفلسفة الدين؛ أما الأمر الثالث: فهو التفاعل الإيجابي والنقدي مع كل المشاريع الفكرية المطروحة في هذا الباب دون إقصاء أو عقدة اعتراف، بعكسِ الغالب في علاقة أصحاب المشاريع التجديدية الكبرى فيما بينهم؛ الأمر الرابع: خفوت الصوت الإيديولوجي في أعمالهِ قياسا إلى السؤال المعرفي الإبستيمولوجي والسؤال الإيماني الأنطولوجي؛ أضف إلى ذلك أمرا خامسا: هو ما أسميه بـ”الاستعادة النقدية للميراث العرفاني والفلسفي”، مما لا أجد له أثرا تأسيسيا واضحًا في أعمال جمٍّ من المجدِّدين منذ محمد إقبال. وهي أمور تجعلك إزاءَ مفكر حقيقي؛ مفكرٍ لا يريد أتباعا وإنما رفقة صالحة في المعرفة، تطوِّر الأفكارَ وتوسِّع الأفق، عنوانُ الوفاء فيها المراجعةُ النقدية الدائمة، والتجاوزُ المستمرّ لمزالق الرفقة طلبا للحقيقة بتعدد أوجهها ولا نهائيتها.

وإجمالا، فإننا لا نروم في هذه الورقة الوجيزة تقديمَ قراءة موسَّعَةٍ ومعمَّقة لكتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد”، أو استيفاء القول في المسار المعرفي للأستاذ الرفاعي، بقدر ما نرومُ التنبيه إلى أهمية الكتاب في هذا المسار، وما يطرحه من مقدمةٍ نفيسةٍ تؤسسُ للتفكيرِ في علم كلام جديد، بل وتنخرط في بنائه؛ مقدمةٍ تَنظر لهذا العلم بوصفه أُفقا متجددا لفهم الوحي، كفيلا بالذهاب بهذا الفهم نحو إنقاذنا من نوعين من الغلو متواطئين موضوعيا كما أسلفنا؛ أحدهما: يغلو في  تجميد المعنى الديني، وكأنهُ فُهِمَ مرة واحدة ثم أغلق باب الفهم إلى الأبد، وثانيهما: يغلو في الإقصاء التام لأي معنى ديني تجفيفا للوجود من الغيب وللعالم من التعالي؛ فضلا عن كون هذا الكتاب يتوِّج مسارا من البحث الجدي والجاد الممتد على أكثر ثلاثة عقود.

ها هنا، تبرز أيضا أهمية أُفقِ الكتاب، وتظهر الحاجة مسيسة إلى محاورة أفكاره، والتفاعل النقدي معه، طلبا لسفر مفتوح في هذا الأفق الاستثنائي الواعد، الذي يفتحه لنا د. الرفاعي، وتحتاجه بقوة لحظتنا الإسلامية المعاصرة؛ بل يحتاجهُ ذاك السعي التحريري للإنسان المعاصر بوجه عام، سعي ما فتئنا نؤكد عليه من أجل التحرر من إحراجات “ألهُنا” و”الآن”، تَحَرُّرٌ نريده بنَفَس عقلاني إيماني، نتحَرَّرُ فيهِ بالدين لا من الدين.

د. محمد التهامي الحراق، باحث من االمغرب.  أُستاذ في الإسلاميات والتصوف، [1]

 

رابط النشر

ثورة المعنى عند عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد”

ثورة المعنى عند عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد”

 

 د. كوثر فاتح[1]

ملخص

تقدم هذه الورقة البحثية قراءة مركبة للمشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي كما جاء في كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، إذ تنطلق الورقة من فكرة أنّ هذا الكتاب هو أكثر كتابات الرفاعي إفصاحًا عن ثورته الناعمة على التحجر والانغلاق في الفكر الإسلامي.

بعد وقوف الرفاعي عند الحاجة الانطولوجية للإيمان، وتأكيده على الأسس الميتافيزيقية للوجود الإنساني، ودعواه إلى “أنسنة إيمانية” جديدة، وبناء مشروع تأويلي معاصر؛ يذهب الرفاعي في كتابه هذا إلى زعزعة ثوابت عِلْم ميّز الفكر الإسلامي وابتنى عليه وهو علم الكلام، يفسّر من خلال ذلك الرفاعي الانتكاسة الفكرية للحضارة الإسلامية.

عندما نقرأ للرفاعي هذا الكتاب وغيره نراه يقوم بانتفاضة تأويلية بأدوات إبستيمولوجية وغايات إيمانية لتحقيق “ثورة المعنى”، الذي يشدد الرفاعي على ضرورة استحضاره في التفكير الديني اليوم. نكتشف من خلاله أن الرفاعي “فيلسوف معنى”، كما يعبر كتابه هذا عن ذلك، وما يؤسس له في تعريفه الذي ينفرد فيه للدين. الشغف باكتشاف المعنى في الدين هو الهمُّ الذي يتحكم في منهج الرفاعي لفهم رسالة الدين في الحياة، وتفسير القرآن الكريم وكل النصوص الدينية. في بحثنا هذا، نميل للقول ان الرفاعي يسعى لاكتشاف “المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي” حيث وجده في الدين ونصوصه. ويجعل من هذا المعنى منطلقًا للفهم، ويضعه ميزانًا لكل ما يقبله من الموروث؛ ذلك هو رهان كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد”.

تلقي هذه الورقة البحثية إذن الضوء على علم الكلام الجديد عند عبدالجبار الرفاعي من حيث إمكاناته، ممكناته، عوائقه وحدوده، انطلاقا من مقاربة مستعرضة للقول بأن التجديد في علم الكلام لا يعني القطيعة الإبستيمولوجية، بقدر ما يخص المنعطف الهيرمينوطيقي من أجل تأويلية هيرمينوطيقية في الفكر الإسلامي.

كلمات مفتاحية

علم الكلام -معنى -هيرمينوطيقا- تأويل-تجديد -قطيعة-منعطف

Abstract

This scientific review is shedding light on the intellectual project of Abdul-Jabbar Al-Rifai، as stated in his book “Introduction to the New Theology”. The central question of the book is to ask what it means to take this new theological vocation seriously. Then، Al-Rifai tries to destabilize the hermeneutical foundations of a science which distinguishes، in large measure، the Islamic school of thought. Using an analytical criticism Al Rifai provides guidelines to justify the theory of an intellectual setback of Islamic civilization.

This research is discussing the epistemological standards for the emergence of the new theology as envisioned by Al-Rifai. The discussing is based on a transversal approach to saying that renewal in theology does not mean epistemological rupture as much as it refers to a hermeneutic turn. The paper contributes to better understanding of the hermeneutic process in new islamical theology.

 

Keywords

New theology-interpretation-rupture-hermeneutic -turn

 

  • جغرافيا الكتاب

“مقدمة في علم الكلام الجديد” هو الكتاب السادس من سلسلة كتب خصها عبد الجبار الرفاعي لدراسة علم الكلام؛ دشنها بتحرير كتاب: “علم الكلام الجديد وفلسفة الدين” الصادر سنة 2002، مرورا بـ “الاجتهاد الكلامي: مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد” (2002)، فكتاب: “مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد” (2005)، ثم “تحديث الدرس الكلامي والفلسفي في الحوزة العلمية” (2010)، و”علم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدين” (2016)، وأخيرًا كتابه هذا، موضوع الورقة، الصادر مستهل2021

علم الكلام إذن أرق مزمن يلازم كتابات الرفاعي، ولعله جوهر مشروعه الفكري كما ذهبت لذلك زبيدة الطيب، وإن كان مشروعه هذا يتجاوز نقد التراث الذي أشارت اليه الطيب، والذي عزتْه لدوافع ذاتية وتكوينية وعملية (زبيدة الطيب، (2019، وإن كنا نرى في الرفاعي “فيلسوفَ تأويل” أكثر منه “فيلسوفَ نقد”، طالما أن هاجس اكتشاف المعنى يسكن مشروعه الفكري أكثر من هاجس العقل، وإلا كيف لنا أن نبرر تصوف الحياة عنده أو لاهوت الحياة، أو قوله بظمأ أنطولوجي واغتراب ميتافيزيقي؟

عمومًا، قد تكون بدايات الرفاعي نقدية، لكن كتاباته المتأخرة تأويلية، فأيّ جديد يحمله هذا الكتاب؟ وأية خبايا يفصح عنها في فكر الرفاعي؟

يقدم هذا الكتاب قراءة تاريخية لظهور مفهوم “علم الكلام الجديد”، تسافر به في جغرافيا الاجتهاد الإسلامي، وتقف عند محطة الإسلام الهندي، تلك المحطة التي مازالت غير حاضرة كما يليق بها في المباحث الفكرية العربية؛ ذلك أنّ القطار الفكري الحديث للعالم الإسلامي قد توقف كثيرًا عند محطة “الغرب”، ولعل ساعة الرحيل قد آنت، فلدى الحضارات الأخرى الشيء الكثير لتعلمنا إياه، لذلك لا يزال حضور الفكر الإسلامي الهندي في العالم العربي حضورا باهتا (الرفاعي،2017).

على مستوى بنيته؛ جاء الكتاب في أربعة فصول تتباين كمًّا وموضوعًا. الفصل الأول، اختار له الرفاعي عنوان: “علم الكلام: ملخص لنشأته وتطوره وعجزه وانسداده”؛ والذي انهال فيه الرفاعي بسهام نقد جريء على علم الكلام القديم، مقدمًا لتشريح دقيق لأسباب كساده الفكري.

وحدد في الفصل الثاني بوضوح أن: “علم الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي”، ليشرح لنا الأبعاد الإبستيمولوجية لهذا العلم القديم الجديد؛ مقدما لمقاصده وضوابطه، وموضحًا لمحورية الوحي الخاصة فيه.

في حين يتعلق الفصل الثالث من الكتاب بـ: “الفهم الجديد للوحي في الهند” بقراءة نقدية لإسهام المفكرين المسلمين الهنود وتجديدهم، وفي هذا المبحث الذي ينتهي من خلاله الرفاعي إلى الإقرار بجرأة مفكري الهند وتحررهم النوعي من رقابة الماضي.

أما الفصل الرابع من الكتاب فهو بعنوان: “إيقاظ المعنى القيمي للدين في علم الكلام الجديد”، هو يشكل فرصة للرفاعي أثناء إحدى حواراته يعود من خلالها إلى هاجس اكتشاف المعنى الديني الذي يؤسس له مشروعه الفكري منذ بدايته، وهو كذلك فرصة انتهزها الرفاعي ليقدم المبررات الأنطولوجية الإبستيمولوجية والأخلاقية للتجديد في هذا العلم.

تلك خطة ذكية من الرفاعي، لأن كتابات التجديد تهتم باستقراء الوضع القائم ثم تنتقل إلى اقتراح مناهج تصحيحية، لذلك سعى الرفاعي إلى إشراك القارئ بضرورة إدراك الحاجة الملحة إلى تجديد علم الكلام؛ ولعل هذا ما يسمح لنا بالقول إن ما يقترحه الرفاعي في كتابه هذا هو خطة تصحيحية لاستدراك ما ترتب عن موت سريري لعلم الكلام الذي استمر طويلًا.

ربما لا نكون بصدد ولادة علم جديد كما قد يوحي بذلك العنوان، بل بنضوج جديد لهذا المبحث الفريد في تاريخ الفكر الإسلامي؛ إنه قانون التغيير: إما الموت أو الاستسلام لرهان التغيير. ولعلها ولادة جديدة تلك التي يبشر بها الرفاعي، وإن كان من الصعب التكهن بالمسافة الزمنية بين البُشرى وتحقق الأماني، والأصعب هو إيجاد الطريق والأدوات؛ لعل هذا هو السبب الذي يدفع الرفاعي للاعتراف بقوله: “لا يمكن بناء علم كلام جديد بديل لعلم الكلام القديم بمدة زمنية وجيزة، وإن كانت محاولات بعض المفكرين جديرة بالتبجيل، لعلميتها ورصانتها وجديتها …”. (الرفاعي، ص 24). إن الأمر إذن يتعلق بمشروع فكري تتعاون فيه أيدٍ وإرادات موحَّدة غايتها الفهم وليس الإقناع.

ولأن لكل عصر أسئلته فلا بد أن يكون لكل عصر إجاباته، فأية أسئلة تلك التي يوقظها الكتاب؟ وأية إجابات قد يحملها؟ أم أن الرفاعي على نمط كيركگورد الفيلسوف الدانماركي الذي خصه بكتاب: “الحب والايمان عند سورن كيركگورد” (2015)، ربما لا يخلو فكره من حضور مختلس لتصور الفيلسوف الدانماركي للإيمان، وإن كان الرفاعي لا يتفق كليًا مع كيركگورد في أفكاره. ولعله قد تأثر هو الآخر بذبابة الخيل المزعجة، فجاءت كتاباته دعوة ملحة لتحريرنا من كسل التأويل والركون للمألوف.

عموما، الكتاب رحلة شيقة في التاريخ، والجغرافيا، والدين، والسياسة، باتجاه محطة أخيرة هي اكتشاف المعنى في الدين حيث الوعد بـ “إنسانية إيمانية”.

  • الكتابة الرفاعية

تحضر عند الرفاعي لغة السرد بقوة أيضا، ويستسلم كثيرا للاعتراف، وتعانده أحايين أخرى خطب النصح، لذلك قد يصعب عليه أحيانا التخلص من نوازع الإرشاد والوعظ، لكن دون أن يغرق ذلك كتاباته في بحور التبشير الديني، بل على العكس من ذلك، تحضر النزعة النقدية بقوة أحيانًا، إذ تستنفرنا في كتاباته انتفاضة ومقارعة للأطروحات المتحجرة والآراء الراكدة.

على هذا الأساس لا يمكن أن تقرأ كتابات الرفاعي إلا ضمن ازدواجية الدين والفلسفة. قد يكون للمرجعية التكوينية للرفاعي سبب في ذلك، فهو يجمع في زواج سعيد بين الفكر اللاهوتي والفلسفي، والدراسة الحوزوية والأكاديمية، وقد تكون لمهنة التدريس دورها أيضا في انصرافه غالبا إلى أسلوب الحوار الذي يتيح له التحرر من سيولة الكتابة الأكاديمية، باتجاه بينذاتية الخطاب المتبادل، لذلك تبدو كتابات الرفاعي سلسة بنكهة عذبة، وإن تكررت بعض الأفكار والعبارات غالبا هنا وهناك. إنّ قلق العقل وكثافة السؤال إذن أهم ما يميز فكر الرفاعي (الطيب، ص 14).

من جهة أخرى، كتابات الرفاعي غزيرة، لذلك من غير الصحيح القول بأن التأليف قد يعجزه، لاستمرار مؤلفاته وكتاباته وتدفقها المتواصل، أو أنه غير قادر على بلورة منهج فكري واضح المعالم إبستيمولوجيًا، أو أن خيار الذاتية غالب في كتاباته (معاذ بني عامر، الظمأ الإبستيمولوجي في كتاب “الدين والظمأ الانطولوجي”)، (مؤمنون بلا حدود، فبراير2016)؛ ذلك أن حضور الذاتية لا ينفي رصانة التفكير، بقدر ما يعبر عن انخراط فاعل في هموم وانشغالات مشتركة مع العامة من الناس، ولعل الذاتية أيضا إشراك للقارئ غير الخبير، وتحرير للخطاب الأكاديمي من قيوده.

لا يبدو أن الرفاعي يكتب لخواص فقه أو فلسفة دين، ولأنه يقارب الظاهرة الإنسانية، فلا بد أن تأتي كتاباته متجاوزة ضيق أفق الإبستيمولوجيا والعقلانية الصارمة، ذلك أن النزعة الإنسانية تغلب على فكر الرفاعي؛ وتحضر بقوة في كتاباته كثيفة المعنى، حيث تتجاور مفاهيم لم يكن في خطة واضعيها أن تقترن ببعضها، أما إذا غلبنا كفة العقلانية، وهو ما يميل اليه أغلب الدارسين للرفاعي، معتبرين إياه “فيلسوف تنوير ديني”، (ز .الطيب،  ر. ج. كاظم،  ب. الكرباسي…)، فقد نتلمس عنده فَقْرًا إبستيمولوجيًا، غير أن هاجس التنوير العقلي ثانوي عنده، إذ يطغى على كتاباته أرق الفهم وكشف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين، فلا تكاد تخلو كتاباته من عودة متكررة لمفهوم المعنى باعتباره غاية مشروعه الفكري. وقد يكون من الأولى قراءة الرفاعي في ضوء الهيرمينوطيقا الغنية، وليس في ضوء تنويرية عقلانية فقيرة، فلا يكفي استدعاء خطاب عقلي للقول بأهداف تنويرية، أما المعنى فقد يتجاوز حدود العقل.

الرفاعي يتجاوز في كتاباته توثين العقل وتسيّده الديكارتي، واهدار كل معنى خارج العقل كما انتهى الفيلسوف ديكارت وأمثاله. يهتم بالمتخيل، ويرى أن تجاهل دراسة أثر المتخيل في فهم الدين وتفسير وظيفته أحد أبرز الثغرات عن مفكري الإسلام في العصر الحديث. المتخيل في نظره موطن صناعة المعنى الديني والابداع الأدبي والفني، يقول الرفاعي: “اكتشافُ جغرافيا المتخيَّل وفاعلياتِه ضروريةٌ للكشف عن نشأةِ وتطور الأديان، وأثرِ مخيلة الجماعة في إنتاج المعنى الديني، وكيفيةِ ولادة وتضخّم مخيلتها في سياق: رغباتها، وأمنياتها، وأشواقها، وأحلامها، وأوهامها، ومسعاها للتعويض عن كلّ ما تعجز عن إنجازه في عالمها الأرضي، بنحوٍ يمسي ذلك المتخيَّلُ شديدَ التأثير في حياة الفرد والجماعة، وربما يطغى تأثيرُه، فيسيطر عليها ويأسر حاضرَها ومصائرَها… المتخيَّل موطنُ صناعة المعنى الديني والابداع الأدبي والفني، يعيش فيه الدين والأدب والفن، ويتغذى وينمو ويتجذّر ويتشعّب كنسيج متشابك يتكثّف على الدوام. المتخيَّل شبكةُ صور راقدةٌ في اللاوعي الجمعي، تترسّب وتتراكم وتتغذى مما تنتجه سردياتُ الجماعة، وتأويلُها لنشأتها وتحولاتها ومختلف وقائع تاريخها ومطامحها وأحلامها. من يمتلك المنابعَ المغذّية للمتخيَّل الجمعي يتحكم بنظام إنتاج المعني في حياة الجماعة، ويتحكم بتوجيه حاضرها ومستقبلها”، “الرفاعي، المسألة الدينية عند الوردي: رؤية نقدية”.

الرفاعي مسكونٌ باكتشاف المعنى في الدين أكثر من شغفه بالعقل. يبدو أن الخيط الناظم في كتاباته هو الإنسان وليس الدين،كما قد توحي بذلك قراءة أولى لما يكتبه، فما الدين عنده إلا ما ينشده من المعنى الذي يثري به حياة الإنسان. نقرأ ما يقوله في كتابه الأخير الدين والكرامة الإنسانية: “هذا الكتابُ محاولةٌ في فهمِ الإنسان أولًا، ومعرفةِ شيءٍ من طبيعته، واكتشافِ احتياجه لمعنى وجوده، والوقوفِ على شيءٍ من الدوافع المتضادّة لسلوكه ومواقفه. لا يمكن أن نفهمَ الدينَ قبلَ أن نفهمَ الإنسانَ، وحاجةَ الإنسان لمعنى لحياته، وحاجتَه للكرامة… في كل هذا الكتاب وغيره من أعمالي، اعتمدت المعيار الذي أفهم فيه الدين بوصفه حياة في أُفق المعنى، تفرضه حاجة الكائن البشرية الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والمجتمعية”. (الرفاعي ص 145).

ولعل الرفاعي سابق على دارسيه ممن لا يزال يغريهم مشروع التنوير، وإن كان مجرد محطة في تاريخ الفكر الإنساني انتقلتْ بنا اليوم إلى فكر ما بعد حداثي، شهد عودة قوية للروحانيات وللميتافيزيقا الدينية وعودة للإله. في كتابه: “Psychothérapie de Dieu” يعرج بنا Boris Cyrulnik على الحاجة الأنطولوجية للدين ولله، باعتبار الدين بعداً نفسيًا وعلائقيًا واجتماعيًا ووجدانيًا يعطي للوجود معنى، مصرحًا دون تردد بأن هذه الألفية الثالثة ألفية تديّن روحاني دون شك. وفي هذا تعزيز للمقاربة الفلسفية للرفاعي من زاوية علم النفس العصبي، وتأكيد على الحاجة المتزايدة للمعنى وليس للعقل. على هذا الأساس يمكن أن نلحق الكتابة الرفاعية بالمدارس ما بعد الحداثية، التي تحررت من قيود القطائع الإبستيمولوجية بين الحقول المعرفية، وتخلصت من وزر الشرط العقلي، وعدم رؤية تطلعات الروح وأشواق القلب.

إن عبدالجبار الرفاعي “فيلسوف معنى”، وفيلسوف المعنى يختلف عن “فيلسوف المنهج”. يحضر السعي لاكتشاف المعنى في الدين في كل كتاباته بكثافة، ففي تعريفه للدين يحيل اليه بوصفه: “حياة في أُفق المعنى” حسب فهمه، مثلما يحيل إلى “المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي” لوظيفة الدين، وأن المعنى هو الأُفق لانتظار الإنسان من الدين، ويضع الرفاعي الكشف عن هذا المعنى غاية كل عملية تجديد للدين، كما يضعه معيارًا لاختبار قيمة وراهنية أي فهم للدين وتفسير لنصوصه يواكب الحياة وتقدمها.

  • عن غرض الكتاب

يضعنا الكتاب أمام مأزق الفهم، حيث يستسلم الرفاعي في مدخل كتابه للتعبير عن ضيق ما يشعر به نتيجة انحسار أفق التأويل في العالم الإسلامي؛ ذاك الضيق نفسه الذي نستشعره في كتاباته السابقة، وكأن مجمل كتاباته تأوهات فلسفية تنتفض ضد قيود تأويل لازماني، لتطالب بتحرير الزمن والطلاق من ماضٍ نرفض أن يمضي.

ينطلق الكتاب من الإقرار بالحاجة الأنطولوجية للبعد الديني والإيماني في الوجود الإنساني، يعرج بعدها الرفاعي للاعتراف بأن الطبيعة التأويلية للدين ونصوصه، واستغلاله كمادة للأيديولوجيا وشبكات المصالح المتصارعة، تجعله خاضعًا لصراعات التأويل وأيديولوجيا القراءات، مصرحًا بأنه يجمع بين عاملي الهدم والبناء، (الرفاعي، ص (5، فهو معًا رسالة للموت ورسالة للحياة (ص 6). لا يمتنع الرفاعي بعد هذا عن استنكار “شح المعنى” الذي فرضه تعطيل الاجتهاد والتجديد في المعارف الدينية، وكيف أن المعنى الذي يفيضه الدين على الإنسان، وتفاعل ذلك المعنى مع روح الإنسان وقلبه ومشاعره، وحاجة الإنسان إليه مادام حيًّا، وعجز الإنسان عن تأمينه من منبع بديل، كل ذلك -كما يقول الرفاعي- يدعونا: “للانتقال من علم الكلام القديم إلى علم الكلام الجديد، استجابة لما فرضته الأسئلة الحائرة للإنسان وقلقه الوجودي، وشح المعنى في حياته، وشعوره بعدم الأمان”، (الرفاعي، ص (6. هو إذن تصريح برفض الفهم الواحد وإقصاء الفهوم الأخرى. (الطيب ص 8).

في صفحات الكتاب الأولى، يقيم الرفاعي تقابلا سريعا بين القراءة البروتستانتية والكالفينية والقراءة الأشعرية لفكرة الخلاص؛ الأولى دنيوية، في حين أن الثانية أخروية، إذ جعل البروتستانت من العمل سبيلا للخلاص الديني، ولعل هذا ما يفسر ازدهار الرأسمالية، وفقًا لتصور ماكس فيبر الذي يستند إليه الرفاعي. قد يكون لهذا التقابل ما يبرره من جهة، إلا أنه لابد من الأخذ بعين الاعتبار المخاض التاريخي للحركة الإصلاحية المسيحية، والثمن الذي دفعته مقابل التحرر من تغوّل “حراس المعبد” على حدّ قول ابن سينا. أما في عالمنا الإسلامي فإن مشاريع الإصلاح لم تعمّر طويلا؛ ليس لأن الخطاب الديني الإسلامي عصي على التجديد، وإنما لعوامل تاريخية وسيكو-اجتماعية، ربطت نهضة المسلمين بالدين وحده، وجعلته مبررا لكل تميز. وإن كان الدين من دوافع النهضة إلا أنه ليس دافعها الوحيد، لأن هذا الدافع سرعان ما تحول إلى ذريعة نبرر بها تفوقنا إن وجد، وفشلنا متى اعترفنا به، لكن لا يقتضي الإصلاح قطع الحبل السري مع الماضي، وإنما القطيعة الإبستيمولوجية مع العذر الواحد، فأعذار تخلف المسلمين الحضارية كثيرة، وليس ارتهان الفهم الديني للماضي إلا أكثر أشكالها ظهورًا. وقد تكون التجربة الاستعمارية التي عاشتها مجمل الدول الإسلامية مبررًا آخر لموقف الانغلاق على الماضي وإحساس الدونية المتلبس، وقد يكون أصل ما يعانيه المسلمون هو “أزمة ثقة ثقافية”.

لهذا تجتمع في الأزمة الحضارية عند المسلمين – حسب الرفاعي – أزمةُ الزمن وأزمةُ المعنى. من هذا المنطلق يقترح الرفاعي في الصفحات الأولى من كتابه الانطلاقَ من مسلمة التغير التاريخي، والتأكيد على أن الدين مكون أساسي لبناء معنى الوجود، لما له من أثر في تكون البنية الذهنية للمجتمع، خاصة في المجتمعات التقليدية، لينتقل بعد ذلك إلى المقاربة الهيرمينوطيقية بغرض الإفصاح عن أسباب تخلف المسلمين الحضاري، والذي يعزوه إلى تعصب تأويلي، وتقديس لقراءات تعالت على النص نفسه، من هنا جاءت الحاجة إلى “علم كلام جديد” يؤسس لفهم آخر للمقدس في علاقته بالإنساني. وبناء عليه يلح المفكر العراقي – في سياق خارطة طريق تأويلية – على ضرورة إعادة تشكيل صورة الله، وإعادة تعريف الوحي، مع الايمان بمصدره الإلهي، إذ يقول: “الفهم الذي أتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحيُ”، مع الإقرار بالبُعد البشري للوحي؛ من حيث التلقي البشري له؛ ومن حيث حضوره في الواقع، فيؤكد على أن: “البُعد الإلهي في الوحي لا يقعُ في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته، بخلاف البُعد البشري في الوحي الذي يقع في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته”، (الرفاعي، ص141-142). يشدد الرفاعي على ضرورة إعادة تشكيل صورة الله، وإعادة تعريف الوحي، باعتبارهما البدايات الأولى لإعادة بناء معنى الدين عند المسلمين، واللبنة الأساسية لإعادة الثقة بزمانية حضارتهم، ليكون غرض الكتاب هو الكشف عن تموضع النص الديني في التاريخ، وخضوع عملية التأويل نفسها لبراديم التطور، حتى نتجاوز “شح المعنى”، (الرفاعي ص 9) .

الكتاب إذن ككتابات الرفاعي السابقة استكمال لمشروعه الفكري، المطالب باكتشاف المعنى في الدين، وبإعادة التصالح مع الحاضر ومع الإنسان، لكن بشرط طلاق ودي مع الماضي؛ لا يمحو ذكراه بقدر ما يحفظ جميل صنيعه، فهو ليس تأسيسا لعلم جديد بقدر ما هو دعوة أخرى إلى انطلاقة فعلية لورش التجديد في عِلم ميّز الحضارة الإسلامية. إجمالا يمكننا القول بأن الانطلاق بعلم الكلام خصوصًا وبالفكر الإسلامي عمومًا نحو رحابة المعنى، وتحريرهما من إرث الفكر ما قبل الحداثي، من الأهداف الأساسية للمشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي.

  • الإسلام الهندي

ينخرط الرفاعي في هذا الجزء من كتابه في سجال فكري مع بعض أعلام المدرسة الهندية، فهو يعترف في مستهل مقاربته التاريخية لمنشأ علم الكلام الجديد بندرة المراجع التي تكشف عن بداية التأسيس والظهور الأول لـ “علم الكلام الجديد”، ويحاول أن يؤرخ بإيجاز لذلك، فيشير إلى الولادة العسيرة لهذا العلم، وذلك نتيجة تداخل أدوار مفكرين كثر تتأرجح بين سنوات اجتهاد خصب وتوالي سنين فكرية عجاف، (الرفاعي، ص 28). يرفض الرفاعي نسبة هذا العلم لاجتهاد فردي، وهذا ما يجعله يلحقه بسيرورة تكامل المعرفة الإنسانية، حيث يكتب: “يغدو القول بوجود فرد واحد مؤسس لهذا العلم قولًا يقفز على حقائق التاريخ ويجهل المدلول الحقيقي لتجديد الكلام… وليس تجديد علم الكلام بدعًا من ذلك؛ وإنما هو مشروع تضافرت في احتضانه وتطويره مبادرات وجهود فكرية وعملية، أسهم فيها رجال كثيرون من أعلام المسلمين في العصر الحديث، وإن كان دور الريادة يبقى نصيب عدد محدود منهم “، (الرفاعي، علم الكلام الجديد ووهم التأسيس، 2002).

تنطلق رحلة الرفاعي في البحث عن أصل تسمية علم الكلام الجديد ونشأته ومؤسسيه من الهند، إذ يجد الإرهاصات الأولى لقيام علم الكلام الجديد في الإسلام الهندي، فيرى أن علم الكلام الجديد انطلق من الهند، بفضل التعددية الدينية والثقافية، ثم إيران عن طريق الترجمة ابتداءًا، حيث أعاد المفكرون الإيرانيون تكوينه والعمل على بناء مرتكزاته الأساسية وتطويره، ثم انشغل فيه العرب، إذ أغنى مفكرو البلاد العربية علم الكلام الجديد وفلسفة الدين بتوظيف الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة.

إن ما يميز الهند حسب الرفاعي هو: “تنوع ميتافيزيقي، وعقل تركيبي يثريه تراكم تجارب الأديان وتلاقحها”، (الرفاعي، ص 73). في المقابل، يقر الرفاعي بالفقر الميتافيزيقي للتيار السلفي في العالم العربي، وميله إلى حرفية التفسير، وتزمته في النفور من الدلالات الرمزية للنص، وانغماسه في بساطة الفهم، مما يحرمه من خصوبة المعنى. وينسب انتشار التفسير السلفي في الجزيرة العربية إلى عوامل جغرافية واجتماعية وثقافية، (ص 51 )، جاعلاً من الأرض القاحلة وفقرها الميتافيزيقي مرتعًا لعوز الفهم وضيق أُفق التأويل، وقد لا تكون الأسباب الجغرافية وحدها عاملًا في انغلاق المعنى، فتلك الصحراء قد أنجبت من تملّك اللغة وروض المعنى و طوّع الدلالات كما نقرأها في الشعر، ولربما الإفراط في الاعتقاد بتفرد الحضارة العربية وتميزها، والنزوع إلى التعالي البيّن على باقي الشعوب، في رد فعل فاضح لمركب نقص ثقافي، من دوافع التقوقع على الذات وفقر التأويل وتغييب البعد الزماني فيه. إن العيب ليس عيب أرض، بل عيب مَنْ يسكنها.

بالعودة الى الهند، نجد أن الحركة الإصلاحية فيها تأرجحت بين تيارين دينيين متعارضين: تيار تصوف تعددي بنكهة عرفانية ينسب لابن عربي، (ص 52)، الذي يعده الرفاعي تيارًا منفتحًا؛ يمثله كل من: ولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن. ويغيب أثر هذا التيار في الفكر الديني للجماعات الإسلامية في المحيط العربي، لميله أكثر إلى العرفان، وتجاوزه لخطوط الأدبيات السلفية، لهذا اقتصر اتصال العرب بالهند على الشعر والأدب، كما هو الحال مع محمد إقبال مثلا، الذي اشتهر بالعربية بوصفه شاعرًا، وليس فيلسوف دين ومتكلمًا جديدًا.

إلى جانب هذا التيار التعددي المنفتح وُجد تيار كلامي أُحادي آخر منغلق، يمثله كل من: شبلي النعماني، أبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي، وكان الأخيرُ الأكثرَ انغلاقًا وتشددا حسب الرفاعي. هذا التيار يثير شهية الجماعات الإسلامية العربية لقربه من خطابها الأصولي، كما يصرح بذلك الرفاعي، (ص53)، الذي يرى أن فكر المودودي هو الأكثر حضورًا والأعمق تأثيرا في أدبيات الجماعات الدينية العربية، نظرًا لاختلاط مشروعه الفكري بأهداف سياسية، أبرزها حلمه بإقامة دولة ما قبل الدولة الحديثة، لذلك فإن الأحلام السياسية عنده غطت على أهداف الإصلاح، فانغمس مشروعه الفكري في أيديولوجيا الجماعات الدينية. ونظرا لتبني المودودي لخطاب القوة والعنف، وصخب قراءته الأيديولوجية السياسية، يكتب الرفاعي أن: “المودودي حوّل الإسلام إلى: دين بلا روح، ودين بلا قلب، ودين بلا عقل”، (ص 54). في عبارة أخرى في كتابه: “الدين و الكرامة الإنسانية” يضيف الرفاعي موضحا أكثر موقفه من المودودي فيكتب: “أهدر المودودي المعنى الذي يمنحه الدين للحياة، وأدخل هو، ومن سقط في شباك قراءته السياسية لعقيدة التوحيد الإسلامَ في مأزق حضاري؛ ذلك أن الدين الذي يخلع على نفسه جلبابا سياسيا يهدر الدلالات الميتافيزيقية لكتابه المقدس، ويبدد المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية التي يمنحها الدين للحياة”. (الرفاعي، ص 135) .

وقد نبّه حسن حنفي هو الآخر لأثر فكر المودودي على الجماعات الدينية خاصة في مصر، إذ خصّه بمقال مهم في كتابه: “الدين و الثورة في مصر، الحركات الدينية المعاصرة”، وقف من خلاله عند أثر هذا المفكر على هذه الجماعات في حديث مطوَّل عن الأسس الفكرية لمشروعه، وكيف تغذّت جماعة الإخوان المسلمين في مصر من معين حلمه بدولة دينية، لذلك فإن غلبة الأطماع السياسية على مشروع التجديد كافية لإقصاء المودودي من سيرورة التجديد التأويلي، بل إن مشروعه الفكري هو أقرب إلى التطويع الأيديولوجي للدين، (حسن حنفي، الدين والثورة في مصر، الحركات الدينية المعاصرة 1988، 1981-1952، مكتبة مدبولي، القاهرة).

لا بد أن نضيف هنا أن موقف الرفاعي من الحركات الدينية العربية موقف ناقد، يتضح من خلال نقده لـ “أدلجة الدين” أو “التدين السياسي”، كما أشار له في تصنيفه لأشكال التدين. ليس لنا إلا أن نقول إن الرفاعي ينقد كل مظلة تأويلية تحجب معنى الدين الروحي والأخلاقي والجمالي، إذ أن الدين عنده تغلب عليه الغاية الأنطولوجية، بتجلياتها الروحية والأخلاقية والجمالية، كنوع من “تصوف عقلاني”. ما دفعنا لهذا التصنيف هو قول الرفاعي بتحديد مجال الدين في مجال المعنى، ورفضه لإقحام الجماعات الدينية وتوظيفها المارق لخطاب المقدس في السياسة، ودغدغتها لأحلام دولة ما قبل الدولة الحديثة. نقرأ في كتاب الرفاعي أن “الدين لحظة تأسيسه انبجاس غزير لينبوع المعنى… وقد يصبح الدين أخطر ما يهدد بنية المجتمعات البشرية، لأنه عندما يخرج من حقله الطبيعي ويجتاح حقول الحياة الأخرى خارج مجاله، يصادر كل ما هو من اختصاص العقل والعلوم والمعارف والتجارب البشرية، ويعمل على العبث فيها وتبديدها”، (الرفاعي، ص 83).

يعبر الرفاعي عن رؤيته هذه بمصطلح “إنسانية إيمانية”، بوصفها شكلا من أشكال التدين العقلاني الأخلاقي الرحماني، و”طريقا ثالثًا” يختلف عن التفسير التراثي للدين وتفسير الجماعات الدينية، كما يصرح بقوله: ‏(‏الإنسانية الإيمانية تحاول بناء طريق ثالث؛ لا يكرر طريق ‏معاهد التعليم الديني التقليدية، ‏التي يسودها فهم تراثي للدين، وقراءة تراثية لنصوصه، ولا يكرر طريق الإحيائية الأصولية المسكونة باستئناف الماضي كما هو، والاستحواذ على السلطة والثروة. إنه طريق ثالث؛ ‏يقدم فهمًا للدين بوصفه حياة في أُفق المعنى، ونظاما لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة الفردية والمجتمعية. التدين الذي ينتجه هذا الفهم للدين هو “تدين عقلاني أخلاقي رحماني”. “‏الإنسانية الإيمانية”، تختلف بشكل جذري عن “‏الإنسانية العلمانية أو غير الإيمانية”. لا ‏يصح تصنيف “‏الإنسانية الإيمانية”، تحت عنوان: “العلمانية المؤمنة” أو غيرها”). يضيف الرفاعي: (“أنا مسلم وكفى”، “‏أؤمن بالله ورسوله محمد “ص” والوحي والقرآن الكريم، وأُقيم الصلاة. أعمل باجتهادي في فهم الدين وقراءة نصوصه. أرفض هذه التصنيفات. أرفض هذه التصنيفات والتوصيفات. أنا لا تقدمي ولا رجعي، لا يمين ولا يسار، لا علماني ولا حداثي ولا ما بعد حداثي، لا اشتراكي ولا ليبرالي). هذا جواب أثناء نقاش خاص بتاريخ 29 غشت “آب” 2021 جمعني عبر الأنترنيت بالأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي قاسمته فيه موقفي من توجهه الفكري باعتباره أقرب الى تصوف “عقلاني” بأدوات تأويلية، لكن عبر الدكتور الرفاعي عن رفضه بشدة لكل هذه التسميات والتصنيفات، وميله إلى الاقتصار على صفتي “الإنسانية” و”الإيمانية”، وشدد على قوله: “أنا مسلم وكفى”.

كتابات الرفاعي تتجاوز حدود الخطابات الإنسانية الصرفة باتجاه “إنسانية إيمانية روحانية أخلاقية” تبشر بها الألفية الثالثة. رفض الرفاعي الانصياع لكل تصنيف قد يلغي غنى خطابه، وإن كان يجد مبرره في ثقافته البين–مجالية، وانتفاضه ضد قيود الخطابات الأكاديمية الصارمة، متنصلًا من تسييجات الإبستيمولوجيا الصلبة، بل وحتى الفلسفة. إنه نزوع نحو كونية الخطاب بعيدًا عن محلية الموضوع.

قد تكون إباحة قيام خطاب معرفي عقلاني إبستيمولوجي لاهوتي، لا ينتمي بالقوة الى المدرسة اللاهوتية الكلاسيكية، ثورة أخرى على جمود التأويل في الفكر الديني. وقد يكون من الملائم قبل الخوض في مغامرة التأويل هذه وتجديد الفهم التصالح مع مفاهيم العلمانية والعلمنة، وتجاوز التقابل الأيديولوجي الضيق الذي يجعل كل تحديد لمجال الدين إقصاء له من الوجود الفاعل للإنسان، فإذا كان الرفاعي يطالب بالتأويل خارج الذات التراثية فلا بد كذلك من التحرر من جدليّة الدولة والدين التي ورثها الإسلام المعاصر عن الحركات الدينية، وذلك بغرض تجفيف ينابيع تجارة الدين الرابحة في بعض الأيديولوجيات السياسية.

في سياق آخر، واستكمالًا للقراءة التاريخية التي قام بها الرفاعي لنشأة علم الكلام، نجده بعد أن أقصى المودودي من الكلام الجديد، إذ به يعترض على إقحام شبلي النعماني في مساره، لكن إذا كان الرفاعي قد أقصى المودودي من مسار علم الكلام الجديد لأسباب الأيديولوجيا السياسية للمودودي، فإنه يقصي شبلي النعماني لدواعٍ إبستيمولوجية، معتبرا إياه مجرد “شارح جديد لعلم كلام قديم”، (الرفاعي ص 28). وإن كان الاستعمال الأول لعنوان “علم الكلام الجديد” في التأليف يعود الى كتاب النعماني الصادر في جزئين سنة 1903 و1904 بعنوان: “علم الكلام الجديد”، كما يصرح بذلك الرفاعي؛ معترفاً له بفضل السبق في استعمال العنوان، غير أنه يعترض على منهج شبلي النعماني، ولا يرى فيه تجديدًا، بقدر ما يجد فيه تبسيطًا وتحديثًا لقضايا سابقة في علم الكلام القديم، (الرفاعي ص 25). يكتب الرفاعي: “شبلي النعماني يستأنف القديم بلغة أكثر وضوحًا واختزالًا للاستطرادات والتفاصيل المملة، وحتى العناوين الجديدة التي أدرجها في كتابه هذا لا نرى في حديثه عنها ما يشير إلى معالجة تخرج من جلباب الآباء”، (الرفاعي ص 28). يرى الرفاعي في شبلي النعماني: “متكلم تقليدي وضع عنوانًا جديدا لمضمون قديم”، (الرفاعي، ص 28). ما يرفضه الرفاعي هو موقف النعماني التبريري، وميله للدفاع بدلًا من تجديد الفهم حيث (تظل وظيفة الكلام الجديد في مفهوم النعماني دفاعية، إذ يمكث علم الكلام في مقولات متكلمي الفرق القديم، يشرحها ويعزز أدلتها بأدلة جديدة، من دون أن يعيد النظر في مضمونها… لا نرى محاولة لبناء رؤية جديدة ترسم صورة بديلة لله والعالَم في كتابه “علم الكلام الجديد”، أو تعريفًا جديدا للوحي والنبوة، أو مسعى لتوظيف المكاسب الحديثة للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم الدين وتفسير نصوصه). (الرفاعي ص 27).

من حيث منشأ علم الكلام الجديد يرى الرفاعي أن إرهاصاته ارتبطت بمطلع القرن الثامن عشر، وبالضبط مع ولي الله الدهلوي، الذي يعتبره الرفاعي من أعلام الإسلام التعددي في الهند؛ كونه جمع في مشروعه الفكري بين التجديد والتصوف، (ص 56)، إذ استطاع أن يوفق بين الميل العرفاني دون مغالاة، والغرض الإصلاحي؛ وذلك بفضل التربية الدينية الصوفية التي تلقاها عن والده، وبفضل ميوله الفكرية والنقدية المجددة. لذلك تعد كتابات الدهلوي من المشاريع النقدية الأولى التي مهدت لولادة علم الكلام الجديد، وبشارة انتفاض ضد جمود التأويل. ولعل ما يجعل من الدهلوي مفكرًا مجددًا في علم الكلام هو مقاربته للوحي ولدور النبي الفاعل فيه، ووقوفه عند الأبعاد الاجتماعية للدين، (سيد عبد الماجد الغوري، 2016). إن ما حققه الدهلوي هو تغيير في المنهج، وتغيير في الغاية، وانتقال من الوظيفية التبريرية إلى الوظيفة التأويلية. أما ما يسعى إليه الرفاعي في علم الكلام الجديد فهو تغيير في المنهج والغاية والأدوات، مطالبا بالانفتاح على الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة.

يقف الرفاعي عند وجه آخر من وجوه حركة الإصلاح الإسلامية المعاصر في القرن التاسع عشر، مشيدًا بالدور التربوي الرائد لمؤسس جامعة عليكرة سيد أحمد خان، وسعيه للنهوض الحضاري بمسلمي الهند، عبر تبني طرائق تعليمية جديدة والاستفادة من الخبرة الغربية، متمثلة في الجامعات البريطانية العريقة، إذ رد “سيد أحمد خان تدهور أحوال المسلمين إلى سببين؛ الأول: نقص التعليم لديهم، والثاني: عدم الاتحاد والاختلاط بالإنجليز”، (معراج الدين الندوي)، لكن موقفه المتسامح مع فكر الغرب، ودعوته لمحاسبة الذات قبل لوم من تطاول على الأرض، جرّت عليه ويلات من يريحهم السكون لدور الضحية، وكان هذا الانبهار بالغرب مع نزوع نحو العلمانية جعلت أفكاره لا يستسيغها أغلب المسلمين شرقًا وغربًا، وإن كان ذلك لا ينتقض من أهمية مشروع تجديد الخطاب الديني عند سيد أحمد خان، فأفكاره تكاد تكون سابقة لعصرها، خاصة مواقفه من التربية والوحي وبشرية الفهم لتفسير القرآن والإجماع والجهاد، (رائد نصري أبو مؤنس). أشرنا هنا إلى هذه الدراسة التي قام بها رائد نصري أبو مؤنس من جامعة غزة، ونشرت بمجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشرعية والقانونية في يناير 2020، وهي تكرر نفس الانتقادات المتحاملة على الفكر التجديدي لأحمد خان، والتي سبقه في نقد أحمد خان إليها جمال الدين الافغاني وشبلي النعماني وغيرهم، مقدمة بذلك صورة عن تغول التيار التقليدي واستمراره، على الرغم من عقود تلت محاولة سيد أحمد خان الإصلاحية. إن ما يزعج في موقف أحمد خان حسب الرفاعي: “تمرده على مقولات المتكلمين التقليدية، وتقديمه لقراءات جديدة لمفاهيم الوحي والنبوة”، وهذا ما يدعو الرفاعي لاعتبار أحمد خان: “أول متكلم جديد في العصر الحديث”، (الرفاعي، ص 60).

أثّر منهج أحمد خان في معاصريه وتابعيه، وبالأخص محمد إقبال وفضل الرحمن، اللذان خصهما الرفاعي بمنزلة مميزة في لحظة التأسيس لعلم الكلام الجديد، فهو يرى أن: “محمد إقبال كان من أنضج مفكري الإسلام في القرن العشرين؛ في بناء رؤية نظرية لتجديد التفكير الديني، وأكثرهم براعة في الكشف عن الأبعاد الكونية للقيم الروحية والأخلاقية في الإسلام”، (الرفاعي، ص 65).كما أن تجربة محمد إقبال تعكس محاولة ذكية للجمع بين فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وإن كان الرفاعي يؤاخذه على الحضور المحتشم للفلسفة في خطاباته، وعلى انشغاله بمشاريع قومية وسياسية صرفته عن “صياغة رؤية لنظام معرفي بديل، وإنجاز أركان فلسفة دينية، وبناء ركائز علم الكلام الجديد”، (الرفاعي، ص 64)، وأسف الرفاعي على كون إقبال أول من صاغ رؤية لـ”هوية دينية للدولة”، (الرفاعي، ص 64)، لكن ما يميز محمد إقبال في نظر الرفاعي هو جمعه بين المختلفات، من خلال فكر مركب؛ تناغمت فيه الفلسفة والعرفان مع الدين والأدب والشعر والسياسة، وإن كانت هموم تأسيس باكستان على أساس “هوية دينية للدولة” استنزفت تفكيره وبددت جهوده في سنواته الأخيرة، حسب الرفاعي.

الوجه الآخر للمحاولات الجادة في بلورة علم كلام جديد يمثله فضل الرحمن، الذي لم يتمكن هو الآخر – على الرغم من اجتهاداته الذكية – من التحرر من سطوة الثرات السلفي في نظر الرفاعي (الرفاعي، ص 68)، وعلى الرغم من محاولاته لخلق عقلانية متطورة، (الحاتمي،2020)، لكن يبقى موقف فضل الرحمن من إعادة فهم الوحي أهم اجتهاد كلامي جديد لديه في نظر الرفاعي، دون ذلك فإن فضل الرحمن يظل عاجزا لأنه كان وفيا للمرجعية الدينية السلفية إلى الحد الذي أعاق اجتهاداته، يكتب الرفاعي: “أحيانا يعجز فضل الرحمن عن عبور آراء متكلمي الإسلام ومفسريه ومحدثيه، ولم يشتق لاجتهاده طريقا مغايرا، كان يكرر آراء تعبر عن وقائع وأحوال عصرهم، لذلك نرى بعض آرائه أسيرة تفكير انتهى زمانه” (الرفاعي، ص 70). لذلك لا تعدو تجربة فضل الرحمن إلا محاولة أخرى في صرح التمهيد لقيام علم كلام جديد.

في ضوء ذلك يمكن القول إن قيام علم كلام جديد مشروع غير مكتمل وفق ما ذهب إليه الرفاعي، وإن كانت لدينا اجتهادات متنوعة جريئة، لعلماء دين وفلاسفة ومتمرسين في العلوم الإنسانية، من أمثال: محمد حسين الطباطبائي، وأمين الخولي، ومحمد عبد الله دراز، وعلي شريعتي، ومرتضى مطهري، ومحمد باقر الصدر، وفهمي جدعان، ومحمد أركون، وعبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، وعبد المجيد الشرفي، وآخرين، (الرفاعي، ص 46)، وربما لا تكتمل في الكل شروط المتكلم الجديد التي وضعها الرفاعي.

فمن هو هذا المتكلم الجديد؟ وما هي الضوابط الإبستيمولوجية التي يضعها الرفاعي لقيام علم كلام جديد؟

 

IV-في الحاجة لعلم جديد

يحتل علم الكلام مكانة خاصة في المشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي كما تؤكد ذلك خلاصات زبيدة الطيب، (الطيب، ص 19)، إذ يحضر بقوة سواء كان ظاهرًا أو مستترًا، في كتبه الخاصة أو كتاباته المشتركة، فقد خصّ الرفاعي على سبيل المثال مباحث التجديد في علم الكلام بمجموعة أعداد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، وحرّر كتابًا بعنوان: “الاجتهاد الكلامي، مناهج ورؤى متنوعة في علم الكلام الجديد”، ضمّنه رغبته الملحة بأنسنة علم الكلام وجعل غايته اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي للحياة، وإعادة وصله بالبعد العملي في الوجود الإنساني، بعد أن تحول لمجرد “علم تجريدي”، (الطيب، ص 26)، مقارعًا بذلك القراءات الضحلة القائمة على إعادة التدوير الفكرية، والاكتفاء بالأجوبة الجاهزة والمكررة، بعيدًا عن احتياجات اليومي والمعيش. تتناسل إذن مطالب الخروج من وصاية الفهم التقليدي في كتابات الرفاعي، وتجديد علم الكلام، في اعتقاده بالمنعطف الهيرمينوطيقي اللازم لبناء فهم ديني راهن عن الانسان والعالَم. يكتب:”علم الكلام الجديد في رأيي يمثل نظرية المعرفة في الإسلام، لأنه هو الذي ينتج منطق التفكير الديني، ومنطق كل عملية تفكير هو الذي يحدد طريقة التفكير ونوع مقدماته ونتائج، وذلك يعني أن أية بداية لتجديد التفكير الديني في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام ومسلماته المعرفية ومقدماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات”. (الرفاعي، ص 33).

على هذا الأساس فإن محطة علم الكلام هي اللحظة الأولى لفهم كيف تبلور الفكر الإسلامي، ومن ثم الشروع في قراءات جديدة لهذا الإنتاج الكلامي المرتبط بأسئلة وتحديات شهدتها الحضارة الإسلامية في أزمنة سابقة، فكانت المقولات الكلامية إجابات عنها. لكنها ما لبثت أن تحولت إلى إجابات نهائية عن كل الأسئلة – التي تغيرت شكلًا، مضمونًا وسياقًا- تتحكم في الراهن، الغريب كليًا عن لحظتي النشأة والتطور. زد على ذلك أن أهداف علم الكلام التقليدي انحسرت في أُفقي الدفاع والتبرير في إطار استراتيجية هيرمينوطيقا تبجيلية، ومثال ذلك ما جاء في تعريف الفارابي لغرض هذا العلم، إذ يقول: “الكلام: صناعة يقتدر بها الإنســان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها من الأقاويل”، (أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1991، ص41). أما اليوم فإن رهان الدين تحوّل إلى حاجة لبناء فهم جديد عن المعتقد، وعن انعكاسه على حياة الإنسان، وأصبحت وظيفة الدفاع لاحقة على وظيفة الفهم. وإن كان هاجس الدفاع ما زال مستمًرا في بعض الاجتهادات السطحية، حتى وإن تغيّرت التسمية، كما هو الحال مع شبلي النعماني؛ من علم كلام قديم الى آخر جديد. نقرأ في كتاب النعماني (علم الكلام الجديد): “إن علم الكلام القديم عني ببحث العقائد الإسلامية، لأن شــبهات الخصوم كانت ترتكز على العقائد فقط، بينمــا يجري التأكيد هذا اليوم علــى الأبعاد الأخلاقية والتاريخيــة والاجتماعيــة في الديــن، وتتمحور الشــبهات حول المســائل الأخلاقيــة والقانونية مــن الدين، وليــس حــول العقائد”، (شبلي النعماني، علم الكلام الجديد، ترجمة: جلال السعيد الحفناوي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2012، ص 181). لأجل هذا ينتفض الرفاعي ضد ما يسميه “ذهنية كلامية تقليدية”، تميل إلى التجريدية عبر فهم ميكانيكي للوحي وتأويل منغلق للنصوص، يغربها وينفيها عن عصرها، ويحشر الفكر الإسلامي المعاصر في مأزق الوفاء للماضي، للإرث، للهوية، تحت وصاية الذات التراثية. فهو يقر بأن التأويلات ما هي إلا إجابات مرحلية، مدافعا بذلك عن زمانية المعنى، ومشيرًا إلى ما يسميه “المعنى المؤقت” بزمن خاص، وهو يبحث عن المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الدائم، (الرفاعي ص 15). فإذا كان الرفاعي يشدد على القول بالحاجة الأنطولوجية للدين، وبالاغتراب الميتافيزيقي أو الوجودي للإنسان المعاصر، فلابد كذلك من الإقرار بتغير الوعي الإنساني، وخضوعه لسيرورة التاريخ، ذلك أن “العقل كائن تاريخي يتغير ويتطور ويتكامل تبعا لنمو وتراكم معقولاته ومعطياته كيفا وكما”، (الرفاعي ص 30).

من هنا أيضا؛ لابد من الإقرار بأهمية تأويلات علم الكلام الجديد نفسه، فهو علم منفتح يسافر بالنص تبعًا لزمن التأويل، يكتب الرفاعي: “أبدية الكتب المقدسة وعبورها الزمان والمكان قائمة على تعدد قراءتها وتنوع فهمها وتعدد المعنى الذي يتلقاه القارئ منها، بالانطلاق من تساؤلات الذات الواعية لمناهج الفهم والقراءة. لا ثمة ديمومة تدعي الفهم النهائي والأبدي للكتب المقدسة”، (الرفاعي ص 91). بهذا المعنى يفقد النص في علم الكلام الجديد تعاليه على الزمن، وينتج نصوصًا تأويلية قد تنتهي كما هو الشأن في الهيرمينوطيقا المسيحية بتغليب كفة إنسانية النص المقدس. ولعل هذا ما يخشاه متعصبو التأويل التقليدي. إن انتقال ملكية النص مغامرة تأويلية، قد لا يرضاها الكثيرون؛ علما بأن هذا النص إنما جاء مخاطبا الإنسان محدود الفهم والمعرفة. نقرأ للرفاعي: “إن الله مطلق ومعرفة الإنسان بالله نسبية، لأنها محدودة بحدود طبيعته البشرية وآفاق وعيه وثقافته ونمط رؤيته للعالَم وللزمان والمكان الذي يعيش فيه”، (الرفاعي، ص13)، فالقول بخضوع النص للفهم الإنساني ليس قولًا بمحدودية النص بقدر ما هو تسليم بمحدودية الفهم الإنساني نفسه العاجز بمفرده عن بناء معنى نهائي ومريح عن النص. ذلك أن النص ينبغي أن يُقرأ في ضوء دائرة هيرمينوطيقية غنية. لا يتعلق الأمر إذن بالمقابلة بين المقدس والإنساني بقدر ما يتعلق بالمقابلة بين المعنى والإنسان. وليست الهيرمينوطيقا تهديدا لسلطة المقدس أو النص وإنما هي أيضا رحلة أخرى للفهم.

في المحصلة، لا بد من الاعتراف بزمانية النظام المعرفي لكل عصر وخضوعه لمتغيرات المجتمع والإنسان، ثم الإقرار بزمانية المعنى وظرفيته، والوقوف ضد كل تقديس يطال التأويل فيحنطه، ويصادر حق النص في الترحال في فضاء الفهم بعيدًا عن وصاية الماضي والأسلاف. وأمام سيرورة التكرار التي أنهكت العلوم الدينية، إنه لمن المشروع -كما يدافع عن ذلك فيلسوف الحوزة – المطالبة بإنتاج تأويل معاصر للنص الديني في الإسلام. هذه الثورة الهيرمينوطيقية من شأنها أن تنهي عقودًا من تعطيل المتغير البشري في المباحث العلمية الإسلامية. هذا الحفر في أساسيات التغيير هو ما قاد الرفاعي للدعوة إلى “تحيين المعنى الديني”، (الرفاعي، ص 16)، فهل يتعلق الأمر بتحديث أم تجديد؟

نثير هنا إشكالا ابستيمولوجيًا يتعلق بالحدود الرفيعة بين التحديث والتجديد في علاقتهما الملتبسة بالماضي، فهل ما يريده الرفاعي هو الانسلاخ عن علم الكلام القديم إلى حد يمكن معه تحقيق هذه القطيعة الإبستيمولوجية؟ وهل يمكن تجاوز الإطار المرجعي لعلم الكلام القديم؟ أية شروط؟ وأي ضوابط؟

يكتب الرفاعي مجيبًا: “هو علم “جديد” بوصفه لا يستنسخ مناهج الكلام القديم، ويتحرر من كثير من مسائله وجدالاته المكررة، ويتسع لمسائل جديدة تتصل بأسئلة ميتافيزيقية توالدت في ذهن إنسان اليوم ولم يعرفها إنسان الأمس، خاصة الأسئلة المتصلة بمعنى وجود الإنسان وحياته ومصيره”، (الرفاعي، ص 22).

إن رهان القطع إبستيمولوجيًا مع الماضي كان ولا يزال قطب رحى كل مطالبات التجديد في الفكر الديني، لذلك قد يكون من الضروري تبرئة هذه القطيعة الإبستيمولوجية من تهمة العقوق. إنها ليست قضاءً على الأصول بقدر ما هي تحرير للخلف من وصاية السلف الخانقة، وانتقال لمسؤولية الفهم واستملاك المعنى الديني الذي يواكب الواقع.

نطالع في مقال لعبد السلام بن عبد العالي يثير فيه مسألة القطيعة الإبستيمولوجية، فيقول: “علينا أن نميز بين مفهومين عن القطيعة: مفهوم وضعي يفصل فصلا نهائيا بين مرحلة وأخرى، بين عامل وآخر – أو كما يقول أصحاب الإبستيمولوجيا وتاريخ العلوم – بين إشكالية وأخرى. ومفهوم يريد أن يذهب أبعد من ذلك؛ فيجعل القطيعة انفصالا لا متناهيا ما يفتأ يتم. وما ذلك إلا لأنه ينطلق من نفي الـ “حضور” والتحقق النهائي. بهذا المعني فإن “جوهر” القطيعة لا يكمن في الفصل وإنما في لا تناهي الفصل ولا محدودية، فليست القطيعة هي حلول حاضر يحجب ما قبله. القطيعة هي انفصال لا متناه، أي أنها حركة دائبة دائمة لا تنفك تتم. ليست القطيعة انفصالا بين حاضرين بين حضورين، وإنما هي خلخلة للحضور ذاته؛ إنها اقحام اللامتناهي “داخل” الكائن”، (عبد السلام بن عبد العالي، 2020).

إن القطيعة في هذا المعنى أقرب لمعنى الامتداد، إنه امتداد دون وصاية، وقطيعة دون عقوق، إنها ليست الغاءً للماضي؛ إنما رفض للتبعية الاتصالية زمانيًا والنكوصية معرفيًا. هو ارتهان المعنى للفهم، وارتهان النص للاجتهاد الإنساني وللراهن. إنه ليس كذلك توفيقًا مسالمًا بين الماضي والحاضر، إنه انتقال هيرمينوطيقي بارٌّ بالماضي شغوف بالحاضر ومتطلع للمستقبل. وليس قفزة إبستيمولوجية منسلخة عن الماضي ومستلبة للحاضر، متوهمة بمستقبل لا يحمل تجاعيد الماضي وإن بهتت. لنقرأ للرفاعي “منهجي في بناء علم الكلام الجديد ينطلق من فهم الترات واستيعابه، لكنه لا ينتهي بالتراث”. رأيي هو رأي الشيخ أمين الخولي، الذي لخص البداية بقوله: “أول التجديد قتل القديم فهما”، (الرفاعي، ص 86). لذلك فالتحديث بمنظور تجديدي الذي يتبناه الرفاعي ينطلق من إعادة النظر في فعل التأويل في كليته؛ انطلاقا من علاقة المؤول بالنص، من خلال القول ببشرية تلقي الوحي، مع إيمان الرفاعي بالمصدر الإلهي الغيبي للوحي، وبشرية التأويل، ثم علاقته بالعقل عبر الانفتاح على مباحث العلوم الإنسانية وجديد العلوم المتنوعة، وعلاقته بالواقع وانخراطه في راهن عصره وانشغالاته. هكذا يتسع مجال علم الكلام الجديد ليشمل سعة الوجود الإنساني المركب.

دعونا نلخص إذن أبرز ملامح الاختلاف بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد فيما يلي:

علم الكلام القديم علم الكلام الجديد
محاجات ذهنية تجريدية

تفسير منغلق

لا زمانية الفهم

قراءة لا تاريخية

إطلاقية النص

وصاية الفهم

تحنيط المعنى

تمجيد الماضي

وظيفة تبريرية

المقدس

نسيان الإنسان

 

الخوف

الصلة بالله أُحادية الاتجاه

حس نقدي وموضوعية إبستيمولوجية

تأويل منفتح

زمانية الفهم

قراءة تاريخية

إنسانية فهم النص

رهان الفهم

بناء المعنى

تجاوز الماضي

وظيفة معرفية

الإنسان

مركزية الإنسان في الأرض في سياق مركزية الله في الوجود، بمعنى “الاستخلاف” القرآني.

المحبّة:”يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”

الصلة بالله ثنائية الاتجاه

 

بعد تحديد ما يبدو لنا أهم نقاط الاختلاف بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد، لنقف عند الضوابط الإبستيمولوجية لعلم الكلام الجديد كما تصورها الرفاعي، الذي وضع لهذا العلم الجديد أركانًا سبعة تؤسس لاستراتيجية هيرمينوطيقية خاصة (ص41)، تتمثل في الآتي:

 

1-تفسير جديد للوحي

مخاض التجديد في علم الكلام الجديد يفترض معيارًا أساسيًا قائمًا على بناء فهم جديد للوحي. لهذا يركز الرفاعي على أن بناء فهم جديد للوحي هو الشرط العلمي لقيام علم كلام جديد. من هنا يميل للقول ببُعدين للوحي: “بُعد إلهي هو المصدر، وبُعد بشري هو المتلقي”، (الرفاعي، ص 42) . البُعد البشري في الوحي يعني “التلقي البشري للإلهي”، (الرفاعي، ص 42)، مضافًا إلى أنه أيضًا “التعبير الإنساني عن الإلهي”، (الرفاعي، ص 42).

يسمح هذا التصور عن الوحي بانفتاحه على نظريات التلقي، ويكشف عن أبعاده الإنسانية وعن دور النبي الفاعل، وإن كان يفصح أيضًا عن نقائص تدوين ونقل الثرات ويسائله من زوايا مناهج التاريخ. يكتب الرفاعي: “في ضوء هذا الفهم يكون للقرآن والكتب الوحيانية وجه إلهي ووجه بشري، فهو من جهة اتصاله بالغيب إلهي، وهو من حيث تلقي النبي له وتعبيره عنه بلغته وثقافته والواقع الذي كان يعيش فيه بشري، أي تظهر فيه حدود لغة النبي وقيودها ومدياتها، وطبيعة حياته الشخصية، وملامح عصره ومجتمعه وثقافته وبيئته”، (الرفاعي، ص 42). لكن لا يختص الوحي دائمًا بكتاب أو نبوة نبي كما يرى الرفاعي، وهذا ما ذهب إليه محيي الدين بن عربي، وهو ما يفسّر التعددية الدينية في رأيه، لذلك يدعو لإعادة تعريف النبوة والكشف عن أبعادها الإلهية والإنسانية. هذا الفهم للوحي يسمح حسب الرفاعي بتجاوز مأزق تغييب البعد الإنساني والكوني والتاريخي فيه. إن القول بفاعلية النبي في الوحي من شأنه أن يقدم لقراءة جديدة للدين تعيده إلى مجاله ببناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، كي يتحول الدين إلى أداة للبناء لا للهدم، (الرفاعي، ص 47).

 

2-إعادة بناء صورة الله

يرى الرفاعي أن أول عملية تأويل في تاريخ البشرية ارتبطت بصورة الله، حيث بحث الانسان عن ذاته ومعنى لوجوده من خلال بحثه عن الخالق (الرفاعي، ص 135). لذلك فإن مقاربة الفهم الذي لحق بصورة الله في اللاهوت التقليدي من شأنه أن يؤسس لبناء تصور عن موقع الإنسان في هيرمينوطيقا علم الكلام القديم. ولهذا الغرض يقف الرفاعي ضد التصورات اللارحمانية لصورة الله، إذ يرى أن صورة الله في المقولات الكلامية ارتبطت بمعاني التسلط والاستبداد التي تهدر المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين. يكتب الرفاعي: “القراءة المتوحشة تبدد الإيمان وتهدر كرامة الانسان وتفتك به، والقراءة الخرافية لا تخلو من وثنية، وكل وثنية لا تهدر كرامة الانسان وتبدد المضمون الروحي والأخلاقي للدين فحسب، بل يحتجب معها الله عن العالم، وتنتصب بديلا عنه أوثان تتعدد بتعدد تلك الخرافات، وهذه الأوثان ليست إلا آلهة زائفة تستعبد الإنسان، بعد أن تشل عقله وتمزق روحه وتبذر حقوقه، وتحجبه عن الإله الرحماني” (الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، ص161). يضيف فيلسوف العراق كذلك أن هذا الانفصال ما بين الله والإنسان إنما حدث بفعل تأويلات تلغي معاني الرحمة، وتنشر معاني الاستعباد أو ما يسميه الرفاعي “لاهوت الاستعباد” في مقابل “لاهوت الحرية”، ولا أدل على ذلك من مطالبته بـ “إنقاذ صورة الله”، (الرفاعي، ص 18). ما يقصده الرفاعي هو إعادة تأويل صورة الله بعيدًا عن قراءات حرفية مغلقة متصلبة، تجعل علاقة الله بالإنسان علاقة تسلطية صرفه وجافة ومخيفة، كما جاء في عقيدة الجبر أو مفهوم الحاكمية الإلهية للمودودي، وهي أمثلة يوردها الرفاعي كنموذج عن غربة الإنسان عن رحمة الله في اللاهوت القديم. ويتضح موقفه هذا أكثر فيما كتبه بعد ذلك دون تردد في كتاب: الدين والكرامة الإنسانية، إذ يقول: “في لاهوت المتكلمين يغترب الانسان وجوديا عن الله، لأن ذلك اللاهوت يبرع في نحت صورة لله تحاكي علاقة السيد بالعبد المكرسة في مجتمعات الأمس. الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدين، ونمط علاقته بالإنسان كأنها علاقة مالك برقيقه، فهو يمتلك الناس كما يمتلك الأسياد الرقيق، ويمتلك أقدارهم، ويمتلك التصرف بكل شيء في حياتهم. إن الصورة التي صاغها المتكلمون لله في كتاباتهم لا يتجلى فيها شيء من رحمته، بل تظهر قاسية شديدة مخيفة، إذ عمل المتكلم على رسم صورة الخالق بوصفه معاقبا لخلقه عقابا مريرا، ومعذبا لهم عذابا مريعا، ومتسلطا عليهم؛ يراقب كل زلة أو خروج عما فرضته تلك الصورة من أوامر ونواه تتسع لكل صغيرة وكبيرة في حياتهم. وتغلبت صورة الإله المرعب وتغلغلت في آثار المتكلمين، حتى طمست ما يشي بمحبة الله لخلقه، ورحمته، وعفوه، وتوبته، ومغفرته لهم”، (الرفاعي، ص192-193).

إن التفسيرات المغلقة للدين كما يرى الرفاعي أنتجت كل ذلك. نورد هنا ما أشار إليه دايفيد جاسبر في كتابه مقدمة في الهيرمينوطيقا ملمحًا هو الآخر إلى الحدود الرفيعة بين الدين والسياسة، يقول: “هذا يذكرنا بأن الهيرمينوطيقا كانت دائمًا نشاطًا دينيًا وسياسيًا وأنه لا توجد قراءة بريئة من الدوافع المسبقة”، (دايفيد جاسبر، ص 51). وهكذا يتضح ما لتطويع الدين لأغراض السلطة من أثر على معانيه وغاياته وما يترتب عنه من تشويه لفهم الدين نفسه، ولذلك لا تقرأ هيرمينوطيقا اللاهوت بعيدا عن الأبعاد الاجتماعية والسياسية والنفسية في مدارس ما بعد الحداثة.

يبدو كذلك أن أول مهمة لعلم الكلام الجديد هي إعادة وصل الانسان بالله وإعادة تشكيل صورة الله الرحمانية، البعيدة عن صور التجبر والاستعباد التي تهدر كرامة الإنسان وتستلب حريته. يصرح الرفاعي: “في علم الكلام الجديد يعاد اكتشاف صورة الله، وفي ضوء هذه الصورة يعاد بناء صلة الانسان بالله، وهي صلة تتحرر من ركام العبوديات بمختلف أشكالها”، (الرفاعي، ص 95).

لا بد أن نشير هنا إلى جانب آخر مهم في الكتابة الرفاعية، يتخلل كتابه هذا كما في كتبه الأخرى، بوح عرفاني أحيانًا، فهو يتحدث عن العبادة بوصفها حالة “انجذاب حميمي”، (الرفاعي، ص 132) لا تهدر كرامة الانسان ولا تصادرها، وهكذا يمكن للعلاقة بالله أن تُؤَسَّس على المحبة والوصال. إن ما يريده الرفاعي هو “إنسانية إيمانية” بنكهة عرفانية، كما جاء في قوله في صفحات الكتاب الأولى: “أعاد العرفان بناء صورة جميلة لله، كلها إشراق وجمال ومحبة، يلتقي عبر هذه الصورة الانسان مع الله عاجلا، لأن هذه الصورة ألغت المسافة اللامتناهية التي صنعها المتكلمون بين الله والبشر”، (الرفاعي، ص 14). تلك صورة من شأنها أن تحرر الانسان من لاهوت الموت والاكتئاب وتنجيه بلاهوت الحياة.

 

3-ايقاظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين

لا يكتفي الرفاعي بالمطالبة بإنقاذ صوة الله أو القول ببشرية بُعد تلقي الوحي وأثر الواقع فيه، وإنما يلجأ إلى الدعوة إلى إحياء معاني الرحمة في فهمنا للألوهية وللحاجة للدين كضرورة أنطولوجية. بل يطالب الرفاعي بإيقاظ معاني الدين الأخرى والتي توارت خلف حجاب الاستعباد والتهويل، حيث يردف كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” بحوار تتبدى فيها رؤيته بوضوح عن المنهج الجديد لعلم الكلام، الرامي إلى الإقرار بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، والتي تتجاوز ضيق أُفق المقولات الكلامية. ينطلق الفيلسوف العراقي من إعادة قراءة مفهوم المقدس في لقائه بالدين، مؤكدا أن انتاج المقدس يتسع مع الابتعاد تدريجيا عن لحظة ظهور الدين، مستحضرا أثر المسافة الزمنية في توليد المخيال الديني، ليشخص الرفاعي: “تضخما للمقدس” في الحياة الإسلامية بالتدريج بعد عصر البعثة الشريفة، (الرفاعي، ص 78)، وتغوله على ما هو ديني، علما بأن المقدس يدين بالكثير للحس المشترك عند العامة ولثقافة الحشود. من هنا جاءت الحاجة إلى الفصل بين الدين وما ترتب عنه من أشكال فهم مشوه في التراث؛ قد تكون المسؤولة عمّا لحق الدين اليوم من نفور وتأويلات فاشية كما ألمح إليها الرفاعي. يعرج بعد ذلك الرفاعي للوقوف عند علاقة الدين بالدولة وبالمجتمع، معتبرا إياه حاجة ضرورية للتكامل الوجودي للكائن البشري، وللتضامن الاجتماعي، دون أن يجعل الرفاعي للدين حق التفرد في توجيه وشرعنة ضوابط العيش المشترك؛ ذلك أن الرفاعي مقتنع بأن الدين اليوم خرج كثيرًا عن مجاله بوصفه منبعًا للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، لذلك فإن الحاجة ملحة إلى إعادة الدين إلى مجاله الأنطولوجي والميتافيزيقي، وإيقاظ معانيه الروحية والأخلاقية والجمالية. ولا يتحقق كل هذا إلا في إطار مشروع فهم جديد وراهن للدين يخلصه من خطايا التفسيرات التاريخية.

 

4-فهم جديد للنصوص الدينية

لا يكتمل مشروع علم الكلام الجديد دون الرهان على فهم جديد للنصوص الدينية، خارج إطار ما عهدناه في القراءات الكلامية التقليدية، وما تكرره الاجتهادات المعاصرة على رصانتها وجديتها، اذ لا بد أن ينطلق تجديد التفكير الديني هذا من خطوات هيرمينوطيقية أساسية، تتجلى أولا في اعتبار القارئ هو الإطار الصحيح لقراءة النص؛ هذا القارئ ما هو إلا المتكلم الجديد. لبناء هوية هذا المتكلم الجديد يعرج بنا الرفاعي باتجاه حفريات تاريخية تعود بنا إلى أواخر القرن 18 ومحاولات التجديد الأولى في الفكر الإسلامي.

أقصى الرفاعي كثيرا ممن اعتبرهم عاجزين عن التحرر من سطوة نواميس علم الكلام التقليدي، من أمثال: شبلي النعماني، وطه عبد الرحمن، وغيرهما، (الرفاعي، ص 34) باعتبار أن هؤلاء عجزوا عن التحرر من القراءة الكلاسيكية لعلم الكلام، ويقر للمفكر المغربي طه عبد الرحمن بأنه حمل تجديدًا فيلولجيا لعلم الكلام القديم، واصفا موقفه بـ “التبجيلي لعلم الكلام التقليدي”، (الرفاعي، ص 36). اعتبر الرفاعي أن المتكلم الجديد هو ذاك “الذي يفكر في آفاق عقلانية العصر الحديث، ولا يفتقر للحس التاريخي، ويفهم الوحي فهمًا ديناميكيًا، خارج مفهومه في علم الكلام القديم”، (الرفاعي، ص 36). إنه الهيرمينوطيقي القادر على الجمع بين الحاجة التأويلية والرصانة الإبستيمولوجية، لأنه قادر على ضمان مسافة نقدية مع الماضي. إن شرطًا أساسيًا يستحضره الرفاعي في بناء هوية المتكلم الجديد يتعلق بشرط الإيمان. وهذا ما يؤشر لحضور الذاتية في علم الكلام الجديد، الا أنها ذاتية إيمانية وليست ذاتية انفعالية. لذلك فإن علم الكلام الجديد هو بصدد بناء “هيرمينوطيقا إيمانية” بعيدة عن هيرمينوطيقا الشك، (دايفيد جاسبر، ص24).

نجد في نموذج الفيلسوف الفرنسي بول ريكور مثالا جديًّا عن إمكانية تحقق “هيرمينوطيقا إيمانية” بهمة إبستيمولوجية عالية، بعيدا عن الخطابات الدعوية والتبشيرية أو التشكيكية المتحاملة. وقد يكون من غير الصائب نفي إمكانية قيام هيرمينوطيقا الإيمان في الإسلام وإن كان هذا يتطلب زمانًا طويلاً، ولا يتحقق دون بناء كفاءات تأويلية ومعرفية جادة. لكن إلى أي حد تستطيع الجامعات العربية ومعاهد التعليم الديني – في ظل انغلاق التخصص والقطائع المفتعلة بين الحقول المعرفية – التأسيس لبناء فهم جديد لصورة الله وللوحي وللنبوة وغيرها من القضايا الكلامية المحورية؟

هنا لا بد أن نميز في الفهم الديني بين فهم أكاديمي وفهم لسوق الاعلام. ساحتنا الفكرية تفتقر لمفكري إعلام من أمثال مفكري فرنسا، ميشيل اونفري وغيره، ممن يحررون الإشكالات الوجودية والفلسفية وحتى الدينية من قيود الأكاديمي وحصون المغالاة المعرفية، فيشاركون في هموم اليومي ويخاطبون احتياجات العامة من الناس، وليس في ذلك تبضيع للمعرفة العالِمة، بقدر ما هو تذليل لها حتى تساهم بفاعلية في بناء الوعي العام. هذا الانخراط الجماعي في أسئلة وجودية راهنة من زوايا دينية تأويلية شعبية من شأنه أن يمهد الطريق لقيام تأويلية عالِمة؛ هذا ما نلمسه على الأقل في كتاب الرفاعي “الدين والكرامة الإنسانية” حيث تتجاور في زواج سعيد الفلسفة العالِمة مع قضايا المعاش بلغة لا ترهق الفهم أو تعاند التأويل.

 

5-الانفتاح على العلوم الإنسانية

إن علم الكلام الجديد يستدعي أيضا تغيرًا في باراديجمات المنهج والأدوات والأهداف، إذ يفترض الانفتاح على العلوم الإنسانية والمعارف الأخرى، من خلال استحضار آليات هيرمينوطيقية معاصرة، فإلى جانب التوجه الكلامي التقليدي، الذي ينتفض ضده الرفاعي، أشار إلى تيارين آخرين لتفسير الوحي، من شأنهما إلهام علم الكلام الجديد؛ هما: التيار الميتافيزيقي، وتيار آخر تاريخي. التيار التاريخي لا يظهر فيه البُعد الميتافيزيقي للوحي، ويقدم لقراءة جافة عنه، لا تتحدث عن حضور الغيب في الوحي، وعدم حضور الغيب في الوحي يعني افتقاره للمعنى الديني الروحي والأخلاقي. هذا التيار التاريخي يمثله رواد الفلسفة وعلوم الانسان والمجتمع العرب، من أمثال: محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، وعبد المجيد الشرفي، وآخرين (الرفاعي، ص 46). في مقابل هذا التيار هناك تيار آخر يغلب كفة العرفان، من خلال التأكيد على البُعد الغيبي في الوحي، وهو التيار الميتافيزيقي، الذي يمثله: أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، ومحمد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سروش، (الرفاعي، ص 46) .

يطالب الرفاعي بالانفتاح على العلوم الحديثة، وعلى اجتهادات رصينة في علم الكلام خارج معاقل علم الكلام القديم، إلا أنه لا يتنكر لأثر البيئة الثقافية، فهو لا يدعو إلى قطيعة تامة مع التراث، لأنه يراها متعذرة، (الرفاعي، ص 88). لا يقتضي التسليم بالهوية الحضارية القطيعة مع مناهج ومعارف العلوم الحديثة، وإنما يقف الرفاعي، كما ألمح لذلك في كتابه، ضد العقل الأيديولوجي المتحيز في المقاربة العلمية. إنه نزوع نحو الموضوعية في البحث الديني من جهة، ونحو راهنية خطاباته من جهة أخرى.

 

خاتمة

طالما نادى الرفاعي دون انقطاع بضرورة الانتقال نحو تأويلية جديدة تكتشف المعنى في الدين، وتخرجه من مأزق اللازمانية وحرج الأدلجة. إن كتابه هذا، وإن خص مبحث علم الكلام بمخطط التجديد، يظل هو الآخر محاولة رصد لشروط قيام ثورة تأويلية مأمولة منذ عقود. لا يحمل كتاب الرفاعي هذا ادعاءات تجاوز علم الكلام التقليدي كلية، لكنه يوفر أرضية خصبة لمستقبل الاجتهاد الفكري في هيرمينوطيقا الإيمان. إنه بداية الرحلة فقط، و”ما زال أمامنا طريق طويل في رحلتنا، ولكن على الأقل بدأنا وعلينا أن نتقد بمزيج صحي من الإيمان والشك، وبجهوزية أن نفكر بصلابة”، (دايفيد جاسبر، ص 41).

الرفاعي ليس “فيلسوف دعوة” ولا مدعي تنوير، لكنه أقرب إلى مبشر التجديد، مثل سلفه من دعاة التحرر من وزر الماضي الذي لا يمضي، في انتظار ثورة معنى ناعمة تطيح بانسداد الفهم التقليدي. على الرغم من أن الرفاعي قارئ شجاع وجريء إلا أنه كاتب حذر، علينا أن نتذكر خلفيته الإيمانية، وعقله النقدي، وميوله الإنسانية لتوليد رؤية جديدة عن الدين، الكل بنغمة عرفانية للإيمان والمحبة والرحمة الإلهية في الحياة.

يختصر الرفاعي هدف مشروعه باكتشاف المعنى الديني حيثما وجده، إذ يقول: “يتحكم اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في فهمنا للدين ورسالته في الحياة. هو المبتغى لإعادة بناء علم الكلام، وهو البوصلة في تفسير القرآن الكريم وكل النصوص الدينية، وهو منطلق تعريف الدين، وإدراك حاجة الإنسان إليه، وهو معيار ما نقبله من الموروث”، (الرفاعي، ص 15).

إن الدعوة الى التجديد ما زالت مستمرة منذ ما يقارب القرنين، فمتى ننتقل إلى مرحلة المأسسة وإحداث مراكز بحث متعددة التخصصات، وفق مقاربة تشاركية، وذكاء جماعي يستنفر كلا من: علوم الدين، والفلسفة، والعلوم الإنسانية، والعلوم الدقيقة، بغرض بناء فهم جديد للظاهرة الدينية المركبة؟ متى سندرك أن الفهم لا يتم الا بمشاركة عقول كثيرة وبسواعد متعاونة؟ ألم يحن الأوان بعد للفطام من الماضي؟

مراجع

-عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الطبعة الأولى، (دار التنوير. بيروت،2021). وصدرت طبعة ثانية مزيدة ومنقحة من الكتاب خريف 2021.

– عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، (دار التنوير. بيروت،2021).

– عبد الجبار الرفاعي، ” علم الكلام الجديد ووهم التأسيس”، صحيفة الوسط البحرينية،12 ديسمبر ، 2002، شوهد بتاريخ 08-08-2021،في

http://www.alwasatnews.com/news/856156.html

– عبد الجبار الرفاعي، “فضل الرحمن والفهم الرحماني الأخلاقي للقرٍآن”، مؤمنون بلا حدود، 7يوليو 2017، شوهد بتاريخ 03-08-2021، في

https://www.mominoun.com/articles/%D9%81%D8%B6%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-5195

اطلع عليه بتاريخ   03-08-2021

– عبدالجبار،الرفاعي، المسألة الدينية عند الوردي: رؤية نقدية، ورقة في مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية السنوي – دورة علي الوردي، سنة 2021.

– دافييد جاسبر، مقدمة في الهيرمينوطيقا. ترجمة وجيه قانصو، (الدار العربية للنشر والعلوم. بيروت،2017)

–  أبو نصر الفارابي، إحصاء العلوم، (مركز الإنماء القومي.   بيروت.  1991)، ص 41

– حسن حنفي، الدين والثورة في مصر الحركات الدينية المعاصرة 1952 -1981، (مكتبة مدبولي. القاهرة مصر1988)

-شبلي النعماني، علم الكلام الجديد، الطبعة الأولى، ترجمة جلال السعيد الحفناوي (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012). ص 181

– معاذ بني عامر، “الظمأ الابستيمولوجي في كتاب “الدين والظمأ الانطولوجي ” “، مؤمنون بلا حدود، 3فبراير 2016، شوهد بتاريخ 22-07-2021، في

https://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A-3613

– زبيدة الطيب ، ” علم الكلام في فكر عبد الجبار الرفاعي… أي غاية؟”،مركز نماء للبحوث و الدراسات ، 09 August، 2019 ، شوهد بتاريخ 08-08-2021، في:

https://nama -center.com/Uploads/Files/%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%81%D9%8A%D9%81%D9%83%D8%B1%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A.pdf

–  سيد عبد الماجد الغوري، “الامام شاه ولي الله الدهلوي وجهوده في القران الكريم تفسيرًا وترجمة وتأصيلًا”، وحدة الامة العدد السابع، الهند ،دجنبر 2016، شوهد بتاريخ 07-08-2021،في https://www.researchgate.net/publication/336915599_alamam_shah_wly_allh_aldihlwy_wjhwdh_fy_alqran_alkrym_tfsyraa_wtrjmta_wtasylaa

-معراج الدين الندوي،” السير سيد أحمد خان وجهوده الإصلاحية في القارة الهندية (1817 – 1898م)”، شبكة ضياء، 13 نوفمبر، 2015، شوهد بتاريخ 17-08-2021، في

https://diae.net/21071/

-رائد نصري أبو مؤنس، “تيار سيد أحمد خان وآراءه التجديدية في أصول الفقه دراسة أصولية نقدية”، (مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشريعة والقانونية. العدد28. غزة. فلسطين، 2019)، شوهد بتاريخ 6-08-2021، في: https://journals.iugaza.edu.ps/index.php/IUGJSLS/article/view/4995

-عبد السلام بن عبد العالي، “الحداثة ومسألة القطيعة” مؤمنون بلا حدود، 10يونيو 2020، شوهد بتاريخ 03-09-2021، في

https://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%A3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D8%B9%D8%A9-665

*نشير هنا الى أنه اثناء كتابة هذا المقال صدرت الطبعة الثانية لكتاب مقدمة في علم الكلام الجديد للرفاعي لذلك فإن ترقيم الصفحات قد يختلف في الطبعة الثانية.

 

نورد هنا ملحقاً يوضح توجه الرفاعي في بناء علم الكلام الجديد، كما ورد في الطبعة الثانية في بغداد.

ملحق رقم (1)

أركان علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، (علم الكلام الجديد، ط 2، 2021، بغداد).

علمُ الكلام الجديد برأيي علمٌ يقوم على الفهم الجديد للوحي، وهو يمثل الأساس الذي تقوم عليه عدةُ أركان، إن تحقّقت يتحقّق، وإن انتفت ينتفي. وكلُّ كتابة لا تتضمّن هذا الأساس، وما يتفرّع عنه من أركان لا أصنّفها كلامًا جديدًا. وهذه الأركان تتمثّل في الآتي:

  1. الأساسُ الذي تبتني عليه وتتفرع عنه الأركانُ الآتية يتمثل في أن علمَ الكلام الجديد يُفسِّر الوحي تفسيرًا ديناميكيًا، بمعنى أنه لا يرى النبي منفعلًا سلبيًا حالة الوحي، كما يرى علمُ الكلام القديم الذي يفسّر تلقّي النبي للوحي، وكأنه قناةٌ تمرّ من خلالها كلمةُ الله للناس، من دون أن يكون النبي متفاعلًا معها ومتأثّرًا ومؤثّرًا فيها. للوحي في الكلام الجديد بُعدان إلهي وبشري، البشري تعكسه شخصيةُ النبي والواقعُ الذي كان يعيش فيه. نكتشفُ منابعَ تفسير الوحي في آثار العرفاء، مثل محيي الدين بن عربي وغيره، وظهرت إشاراتٌ له مجدّدًا في آثار وليّ الله الدهلوي (1703-1762)، واستأنفه أحمد خان (1816-1898) بتفصيل وصياغة أوسع، وأعاد بناءَه محمد إقبال (1877-1938)، وفضل الرحمن (1919-1988)، وطوّره بعضُ المفكّرين الإيرانيين والعرب في نصف القرن الأخير.
  2. الإنسان بطبيعته ينفر ممن يخاف منه، ولا يحاول الاقتراب إليه. علم الكلام القديم رسم صورةً مخيفة لله، وفي سياقها تشكّلت علاقةُ المسلم بالله. علم الكلام الجديد ينشد إعادةَ رسم هذه الصورة بشكل يجعل صلةَ المسلم بالله لا خوفَ فيها، صلة مشبعة بالسلام الروحي. في ضوء هذه الصورة يعيد الكلامُ الجديد بناءَ هذه العلاقة، فينقلها من علاقة مسكونة بالخوف إلى صلة تتوطّن مقامَ المحبة.
  3. تتحدثُ الآيةُ 54 من سورة المائدة عن بناءِ صلةٍ بالله تتأسسُ على المحبّةِ المُتبادلَة: “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”. ترسمُ الآيةُ صورةً تفاعلية للصلة بالله، ثنائيةُ الاتجاه لا أُحادية، من الله إلى الإنسان ومن الإنسان إلى الله. يبدأ اللهُ الإنسانَ بالحُبّ، فيتفاعل معه ويبادله الإنسانُ الحُبّ. الصلةُ في الآية ليست عموديةً تسلطية باتجاه واحد، الحُبُّ فيها مُتبادَل، لا تتحدثُ الآيةُ عن الله بوصفه فاعلًا وعن الإنسان بوصفه منفعلًا سلبيًا في الحُبّ. عندما يفيض اللهُ الحُبَّ على عباده يتخذ الحُبُّ قلوبَهم موطنًا له، يهدأ قلقُهم الوجودي، ويعيشون سلامًا باطنيًا، وتنشرح صدورُهم بالاستنارة الروحية. الاستنارةُ الروحية أجملُ ما منحته الأديانُ لحياة الإنسان، في الإسلام كانت الاستنارةُ الروحية منبعًا مُلهمًا لتحويل الصلة بالله من علاقة مسكونة بالخوف والرعب إلى صلة مشبعة بسكينة الروح وطمأنينة القلب.
  4. ينشدُ علمُ الكلام الجديد إيقاظَ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين، بما يتواءم وحاجةَ حياة الإنسان للمعنى الديني في زماننا، ويسعى لاكتشاف القيم الكونية المشتركة في الإسلام مع الأديان الأخرى، ويعمل على الكفِّ عن إخراج الدين عن مجاله، ومصادرته لكل شيء في الحياة، وزجِّه في مجالاتٍ تُجْهِض المعنى الذي ينشدُه.
  5. لا يُعرِّف الكلامُ الجديد الدينَ بوصفه يتسع لكلِّ شيء في الحياة، ويكونُ بديلًا للعقل والعلوم والمعارف والتجربة وتراكم الخبرة البشرية، كما يُعرِّف الدينَ بذلك أكثرُ الذين ينطلقون من تفسير علم الكلام القديم للوحي والنبوة. في ضوء تعريف الوحي في علم الكلام الجديد يُعادُ تعريفُ النبوة، ويُعادُ تعريفُ الدين، بالشكل الذي يكونُ الدينُ منبعًا لما يثري حياةَ الإنسان بالمعنى الذي يتطلبه وجودُه، ويعزّزُ الأملَ والرؤيةَ المتفائلة للعالَم، ويوقظُ الحوافزَ الخيرية لدى الإنسان ويغذّيها باستمرار، ويكونُ الدينُ عنصرًا فاعلًا في بناء الإرادة وترسيخها، ورفدها بكلِّ ما يكرّس الشخصية ويجعلها صبورة صلبة لا تنكسر عند مواجهة التحديات الصعبة في الحياة.
  6. لا يتحقّق علمُ الكلام الجديد من دون تعدّدِ قراءات القرآن الكريم، وإعادةِ تفسير كلام الله، وتنوعِّ فهم النصوص الدينية تبعًا لتنوع الأزمان وتعدّد الأحوال، وإعادةِ تفسير آيات القرآن في ضوء حاجة الإنسان للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتطلبه العيشُ في عالَم يتسارع فيه إيقاعُ المتغيرات، وتتفاقم فيه كلُّ يوم مختلف المشكلات. يقول محيي الدين بن عربي: “كلامُ اللهِ اذا نزلَ بلسانِ قومٍ فاختلفَ أهلُ ذلك اللسان بالفهمِ عن اللهِ ما أراده بتلك الكلمة أو الكلمات مع اختلاف مدلولاتها، فكلُّ واحدٍ منهم وإن اختلفوا فقد فهمَ عن اللهِ ما أراده، فإنه عالِمٌ بجميع الوجوه تعالى، وما من وجهٍ إلا وهو مقصودٌ لله تعالى بالنسبة إلى هذا الشخص المعين، مالم يخرجُ من اللسان، فإن خرجَ فلا فهمَ ولا عِلْمَ”، (ابن عربي، الفتوحات المكية،باب 418، ج 7، ص 36، 1999، دار الكتب العلمية، بيروت).
  7. يُفكِّر علمُ الكلام الجديد في آفاق العقل ومعطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والتأويل الحديثة، لأن تجديدَ علوم الدين وإعادةَ بناء علم الكلام يتكفّله تجديدُ علوم الدنيا، فكلّما تطورت علومُ الدنيا وتجدّدت تطورت علومُ الدين وتجدّدت تبعًا لها. المناهجُ وأدواتُ النظر الموروثة في فهم الدين وتفسير نصوصه لا تُنتِج إلا المعنى الديني الذي تكرر إنتاجه من قبل، لذلك لا يمكن أن نترقبَ إنتاجَ علم كلام جديد عبر تكرار استعمالها والتفكير في فضائها.

 

#كوثر_فاتح، أستاذة فلسفة متخصصة في الهيرمينوطيقا، المغرب.

#عبدالجبار_الرفاعي

#مقدمة_في_علم_الكلام_الجديد

#الدين_والظمأ_الأنطولوجي

#الدين_والكرامة_الإنسانية

#الدين_والنزعة_الإنسانية

#الدين_والاغتراب_الميتافيزيقي

https://www.mominoun.com/articles/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D9%87–%D9%85%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-8130

 

 

أستاذة فلسفة متخصصة في الهيرمينوطيقا، المغرب. الدراسة منشورة في مؤمنون بلا حدود، في شهر مايو 2022. [1]

 

رابط نشر البحث:

علم كلام جديد أو علم كلام معاصر

التسميات ليست محايدة

كلُّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها، التسمياتُ ليست محايدةً، تسميةُ “علم الكلام المعاصر” تحاول تحوير موضوع علم “علم الكلام الجديد”، وتشدّد على توجيه غاياته بعيدًا عن غاياته التي ينشدها، وتحاول سكبه في قوالب علم الكلام القديم، واستدعاء مناهجه وموضوعاته ومسائله وطرائق التفكير فيه ولغته ومصطلحاته القديمة ورؤيته الكلاسيكية للعالَم.

يحرص باحثون أشدّ التصاقًا بالتراث وتشبثًا بكلِّ ما فيه، وحرصًا على استئنافه كما هو، على استعمالِ مصطلح “علم الكلام المعاصر”، وغيرِ ذلك من تسمياتٍ تستبدل كلمةَ “الجديد” بما يوازيها في محاولةٍ منهم للخلاص من الحمولةِ الدلالية لمصطلح “علم الكلام الجديد”، وما تشي به من قطيعةٍ مع معظم كلاسيكيات علمِ الكلام القديم، ودعوةٍ لإعادةِ بناءٍ شاملة لعلم الكلام، تتخطى المنطقَ الأرسطي لتنتقل للمنطق والفلسفة الحديثَين، والتحرّرِ من سطوةِ الطبيعياتِ القديمة، والرؤيةِ القديمة للعالَم، بتوظيفِ مكاسب العلومِ والدراساتِ الإنسانية والرؤيةِ الجديدة للعالم، وتبعًا لذلك يتحوّل منهجُ علمِ الكلام وبنيتُه، وتتبدّل كثيرٌ من مسائله، بل يحدث تحوّلٌ في طبيعة وظيفته، فبدلًا من انشغالِه في الدفاع عن العقائد، تصبح وظيفتَه الجديدةُ شرحُ وبيانُ وتحليلُ المعتقدات، والكشفُ عن بواعث الحاجة للدين، ومختلف الآثار العملية لتمثلاته وتحولاته في حياة الفرد والجماعة، تبعًا لأنماطِ الثقافةِ وطبيعةِ العمران والاجتماعِ البشري.

وبتعبير آخر تنتقل مهمةُ علم الكلام من كونها أيديولوجية دفاعية، تنطلق من مسلّمات ثابتة، لا غرضَ لها سوى التدليلِ على المعتقدات، ونقضِ حجج الخصوم، إلى مهمةٍ معرفية لا تنشغل بنقض حجج الخصوم، بل يتمحور غرضُها حول تعريفِ المعتقدات وتوصيفِها وتحليلِها، بالاعتماد على الفلسفة والعلوم والمعارف الجديدة، والتعرّف على منابعِ إلهامِ المعتقدات، ومجالاتِ اشتغالها، وأشكالِ فعلها في سلوك الفرد والجماعة.

في ضوءِ ذلك يتضح أننا أمامَ عِلمين: “علم الكلام القديم”، و”علم الكلام الجديد”، وليس عِلمًا واحدًا، فعلى الرغم من اشتراكهما بالاسم، لكن توصيفَ “الجديد” يجعله مفارقًا للقديم بشكلٍ كبير، فهو وإن كان يشترك معه في بحثِ جملةٍ من الموضوعات نفسِها، لكنه لا يضيف موضوعاتٍ جديدةً لم يعرفها علمُ الكلام القديم فحسب، بل إن طريقةَ بحثه ونتائجَه ومراميَه مختلفةٌ، ذلك أن كلًا منهما له مقدماتُه المعرفية، ومنهجُ بحثه، وأدواتُ تفسيره، ومفاهيمُه المفتاحية، وكيفيةُ رؤيته للعالم.

ربما يُقال إن الإصرار على تسميةٍ دون أخرى لا يغيّر من المحتوى شيئًا، لكن هذا الكلام غير دقيق، لأن كلَّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها المعرفية، التسميةُ تحدد وجهةَ السير وكيفيته، التسميةُ بوصلةٌ ترسمُ خارطةَ الطريق التي يسلكها الباحث وفي ضوئها يهتدي في خطواته وغاياته.

“علم الكلام الجديد” هو التسميةُ التي أتبنّاها، ويتبنّاها كلُّ من يعتقد بعجزِ علم الكلام القديم، ويعرفُ قصورَه عن الوفاء بالمتطلبات الاعتقادية للمسلم اليوم، ومن يدعو لمفارقةِ ذلك العلم، وبناءِ علم كلامٍ بديل يكون جديدًا في مقدماتِه المعرفية ومعناه ومبناه ونتائجه.

لا أستعمل تعبير “علم الكلام المعاصر”، لأن “علم الكلام الجديد”، الذي مضى على استعماله أكثرُ من قرن في كتابات الباحثين المسلمين في الهند وإيران والبلاد العربية، صار مصطلحًا مستقرًا في اللغات الأردية والفارسية والعربية وحتى الانجليزية ولغات اخرى يتداولها المسلمون بشكل واسع، ينطبق على هذا عنوان علم الكلام الجديد خاصة، لا على غيره، مضمونه لا يتطابق مع مضمون “علم الكلام المعاصر”، وإن كان يشتركُ معه في بعض دلالاته.

إن تعبيرَ “علم الكلام المعاصر” يلجأ إليه من يذهب إلى أن تجديدَ علم الكلام يتحقّق برفده بمسائل وحجج جديدة، مع الاحتفاظ ببنيتِه التراثية، وطرائقِ تفكيره، ولغتِه الخاصة، ورؤيته للعالم. لذلك لجأ هؤلاء إلى استعمال كلمة “المعاصر” حذرًا من الدعوةِ للخروج على علم الكلام القديم، واستبدالِه بعلم يستجيب لإشباع حاجة المسلم إلى رؤية توحيديةٍ لا تكرّر أكثرَ المقولات والجدالات المعروفة عند المتكلمين قديمًا.

يشعر البعضُ بالقلق من تسمية “علم كلام جديد”، ولا أريد أن أتحدثَ كثيرًا عن ضرورة هذه التسمية، لأنها صارت بحكم الأمر الواقع، بعد أن كُتِب فيها عددٌ كبير من البحوث والمؤلفات، واستقرت كمقرر دراسي في عدة معاهد وجامعات لعلوم الدين، وصارت تخصصًا معروفًا كتب فيه التلامذة في الجامعات الإسلامية وغيرها رسائل متنوعة في الدراسات العليا.

ولولا شيوع مصطلح “علم الكلام الجديد” في الاستعمال، لكان الأجدر استعمال مصطلح “اللاهوت الجديد”، علمًا أنّ مصطلح “الإلهيات” متداول في الفلسفة الإسلامية منذ فلاسفة الإسلام المتقدمين، ومازالت كليات علوم الدين في إيران وتركيا وغيرهما تسمى بـ “كلية الإلهيات”. وملخص الكلام في هذا الموضوع أنّ “علم كلام جديد” هو محاولة للاجتهاد في علم الكلام اليوم، كما اجتهد مؤسسو الفرق الكلامية في الماضي، فدونوا تصوراتِهم ومفاهيمَهم لأصول الدين المشتقة من عقلانية وعلوم ومعارف عصرهم، فلماذا لا يجوز أن يجتهد علماء الدين في عصرنا لإنتاج تصوراتهم في التوحيد والمعتقدات.

لا أستغرب ذلك ممن يصر على غلق باب الاجتهاد في الفقه، ومازال لا يجرؤ على الخروج على فتاوى أئمة المذاهب وفقهاء الأمس المعروفين، إذ أن من ينكر الاجتهاد في فروع الدين كيف يقبل الاجتهاد في الأصول، الذي هو أبعد مدى وأعمق من ذلك بكثير.

علم كلام أو عقيدة

عمل الحضورُ الواسع لأهل الحديث وتفشي التيار السلفي في عالم الإسلام إلى ترك استعمال “علم الكلام” واستبداله بـ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، لأن أهل الحديث كانوا ومازالوا مناهضين لعلم الكلام، على الرغم من أن استعمال “علم الكلام” أدق، بوصف “العلم” و”الكلام” كلمتين محايدتين، مضافًا إلى الحضور التاريخي لهذا المصطلح منذ نشأته، واستقلاله كعلم من علوم الدين في وقت مبكر. أما ترك تسمية علم الكلام واستبداله بمصطلحات: “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، ففرضته عوامل بعيدة عن الروح العلمية، لأن كلَّ هذه التسميات تحيل إلى مفاهيم تشي بمعنى ديني، والديني هنا يحيل إلى المقدس المتعالي على التاريخ. لذلك لا يكون موقف الباحث عند استبعاد تسمية علم الكلام واعتماد تسمية تشي بمعنى ديني محايدًا، كما ينبغي أن يكون عليه موقف كل باحث علمي بالنسبة إلى موضوع بحثه، بل يتحدد موقفه في إطار معتقدات مقررة سلفًا، وليس له من موقف إلا الدفاع عنها والتشبث بها بمختلف الحجج والمجادلات. وذلك يعني وضع “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، خارج الأسئلة والنقاشات العلمية، وتلقينه وكأن مفاهيمه حقائق نهائية. لذلك أمسى تلميذ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد” في معاهد التعليم الديني والجامعات الإسلامية يتلقى اليوم اجتهادات مؤسسي الفرق بوصفها القول الفصل في “معرفة الله وصفاته وأسمائه والوحي والنبوة” وما يتصل بذلك من مباحث.

ينطبق معنى “علم” على “علم الكلام الجديد”، كما ينطبق عليه معنى “كلام”، ومعنى “الجديد”. فهو “علم” لأنه يعتمد مناهج البحث العلمي الحديثة، ويوظّف كل ما يحتاجه الباحث من مكاسب المعرفة البشرية، بلا ارتياب أو حذر.

وهو بحث علمي في الـ “كلام” الإلهي لأن موضوعه “الوحي” كما قررنا ذلك في كتابنا الصادر هذا العام: “مقدمة في علم الكلام الجديد” والذي تبنته عدة جامعات في التعليم العالي. “الوحي” هو الموضوع المحوري في علم الكلام الجديد كما شرحنا ذلك في الكتاب المشار إليه، والـ “كلام” الإلهي مبحث أساسي في بيان حقيقة الوحي وإمكانية تواصل الله مع الإنسان بلغة بشرية.

وهو علم “جديد” بوصفه لا يستنسخ مناهج الكلام القديم، ويتحرر من رؤيته للعالم، وكثير من مسائله وجدالاته المكررة، ويتسع لمسائل جديدة تتصل بأسئلة ميتافيزيقية توالدت في ذهن إنسان اليوم ولم يعرفها إنسان الأمس، خاصة الأسئلة المتصلة بمعنى وجود الإنسان وحياته ومصيره.

فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد في المجال العربي

قبل أكثر من 30 عامًا بدأتُ الحديثَ لتلامذتي في دروسي ولزملائي في الحوزة عن فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. كنت أشدد على أن الآراء والمقولات الاعتقادية لمؤسسي الفرق والمتكلمين الأوائل تفرض حضورها في تشكيل صورة الله وصياغة رؤية المسلمين للعالَم، لأنها مازالت متجذرة في أعماق لا شعورهم. وكل تجديد في علوم الدين لا يبدأ بفتح باب الاجتهاد في علم الكلام ينتهي إلى طريق مغلق.

ثم انتقلتُ لكتابة ونشر وترجمة بعض المقالات والكتب باللغة العربية في ذلك. كان قراء من تلامذة وأساتذة الحوزات ومعاهد التعليم الديني وأقسام الفلسفة في الجامعات يتساءلون عن معنى هذين المصطلحين. أسئلةُ أكثرهم لا تخلو من تشكيكٍ وارتياب، لأن هذه الدعوةَ أزعجت تلامذةً وأساتذةً من الأصدقاء وغيرِهم، بل استفزت الضميرَ الديني للمنغلق عقلُه منهم.

بمثابرةٍ صبورة واصلتُ كلَّ هذه السنوات جهودي بهدوء وإصرار، من دون أن ألتفت إلى كتابات وأحاديث وثرثرة يتداخل فيها الارتيابُ بالاستهجان والاتهامات المبتذلة. انتقلتُ من مرحلة الكلام إلى العمل، فأسّست مركزَ دراسات فلسفة الدين، وأصدرتُ مجلةَ قضايا إسلامية معاصرة قبل 24 عاما، صدر من المجلة 74 عددًا. تناولت محاورُ أعداد هذه المجلة منذ صدورها بحثَ وتحليلَ ونقدَ وتقويمَ موضوعات فلسفة الدين والكلام الجديد ومناهجهما ومسائلهما. كما نشر مركزُ دراسات فلسفة الدين عدةَ سلاسل كتب، تتناول هذه الموضوعات بمداخل متنوعة ومعالجات مختلفة، صدر منها حتى اليوم نحو 300 كتابًا. أحد هذه السلاسل المرجعية التي بدأت بالصدور منذ نهاية القرن الماضي بالعربية، كانت تحت عنوان: “فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد”، وتواصلت سنوات عديدة.

انتقلنا منذ سنوات إلى محطة جديدة، توطنت فيها فلسفةُ الدين وعلمُ الكلام الجديد الدراسات الدينية والفلسفية العربية، فصدرت عدةُ دوريات متخصصة في ذلك، وانفتحت أقسامُ الفلسفة وعلوم الدين في الجامعات على هذه الموضوعات في الدرس الأولي والعالي، وتنامى إنتاجُ بحوث ورسائل الدراسات العليا. حتى بعضُ الحوزات ومعاهد التعليم الديني الحذرة من أية محاولةٍ للانفتاح على ما هو جديد، اهتمت بتعليمها ومناقشتها ونقدها. واتسع نطاقُ التعليم والبحث والكتابة في ذلك إلى الحدّ الذي تغافل فيه أشدُّ المناهضين للتجديد عن مواقفهم المتشدّدة، وفرض عليهم الواقعُ غضَّ النظر عنها، بعد أن تمدّد حضورُ فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وتعزّز، فتنامى عموديًا وأفقيًا في الفضاء العربي.

إن انخراطَ التعليم الديني في هذا المسار الصعب هو ما يمنح الحياةَ معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، الذي يتناغم لحنُه واحتياجاتِ روح وقلب وعقل المسلم اليوم، ويحميه من التشدّد والعنف اللذين أهدرا كلَّ طاقات الدين الخلّاقة، وبدّدا قيمَه الإنسانية الكونية.

أثر رؤية المفسِّر للعالَم في التفسير

تتعدد تفاسير القرآن الكريم وتتنوع بتعدد وتنوع المفسرين وعصورهم، مفتاحُ تحليل كل تفسير دراسة شخصية المفسر وتكوينه المعرفي والإطار المرجعي لتفكيره ورؤيته للعالم. الحياد التام في الفهم غير ممكن، المفسِرون الذين أعلنوا تمسكهم بالحياد في التفسير تعذر عليهم ذلك، لم يتمكنوا من تطبيق ما أعلنوا عنه وما ينشدونه. تحكمت في تفسيرهم عوامل متعددة، بعضها ظاهر وحاضر في الوعي وبعضها مستتر غاطس في اللاوعي. تجلت في تفسيرهم: رؤيتهم للعالم، ونمط تكوينهم المعرفي، وثقافتهم، ومسلماتهم، وأفق انتظارهم.
المفسِّرون المجتهدون علماء يفكرون بعقل عصرهم ويتحدثون لغةَ زمانهم وبيئاتهم وثقافاتهم، تخضع آراؤهم لمشروطيات اللغة والزمان والمكان والبيئة والحضارة، فهمهُم اجتهاداتٌ زمانية وليس فهمًا أبديًا يتعالى على أيّة مشروطية تاريخية. هم أنفسُهم تعاطوا مع تفسيرات المفسِّرين من قبلهم بوصفها آراء اجتهادية نسبية تعبّر عن العصر الذي ظهرت فيه.
النصُّ مرآةٌ ينعكس عليها تكوينُ المفسِّر المعرفي وبيئتُه التربوية ومختلفُ الظروف السائدة في المكان والزمان الذي يعيش فيه.كأن المفسِّر يرى صورتَه في النصِّ، وهي تتلوّن بمسلماته وأحكامه السابقة ورؤيته للعالَم، ويتشكّل معناها في ضوء ما يرسمه أفقُ انتظاره.
لا يمكن أن نستثني من ذلك أيَّ شكل من أشكال التفسير، فسواء كان التفسيرُ عقليًا اجتهاديًا، أو نقليًا مرويًا، أو إشاريًا صوفيًا، تحضر بصمةُ المفسِّر لتطبع تفسيرَه، كلُّ تفسير يحمل توقيعَ المفسِّر وطريقةَ فهمه، مهما حاول المفسِّر أن يتجرّد ويكون موضوعيًا متحررًا من كلِّ أثر لذاته وما حوله.
لا يتحرّر التفسير من بصمةِ المفسِّر وفهمِه الخاص مهما كان. تفسير القرآن بالقرآن، الذي يُظن بأنه التفسير الوحيد الذي يتحرّر من ذات المفسِّر، لأنه تفسيرٌ ينتقل فيه المفسِّر من القرآن إلى القرآن، يخضع لهذه المعادلة، إذ ليس بوسع المفسِّر أن يتخلص من مسلماتِه ورؤيتِه للعالَم والإطارِ المرجعي لتفكيره، عند انتخاب آيةٍ لتفسير آية، أو انتخاب ِكلمة قرآنية لتفسير آية أو كلمة أخرى.
التفسيرُ الروائي بالمثل ليس استثناء من بصمة ذات المفسِّر. في هذا الصنف من التفسير قد يقال: إن المفسِّر لا يتدخل، لأن هذا التفسير ليس سوى بيانٍ لمعنى ما يفسّره من الآيات في ضوء الأحاديث المروية التي يختارها المفسِّر، لكن الحيادَ التام للمفسِّر الروائي متعذَّر، لأن انتخابَ المفسِّر لروايات دون سواها، مع وفرة وغزارة الروايات في مدونات الحديث، يحيل إلى معتقدِه ورؤيتِه للعالَم وأفقِ انتظاره وإطارِ تفكيره ومسلّماتِه وأحكامِه السابقة. وإلى ذلك يعود الاختلافُ الواسع في التفاسير الروائية، واستنادُ كلِّ مفسِّر إلى نوعٍ معين من الروايات المفسِّرة لكلّ آية وبيانِ مضمونها. في ضوء هذا الفهم يمكن تصنيفُ التفسير الروائي بوصفه أحدَ أشكال التفسير بالرأي، على وفق المصطلح المعروف في أنواع التفسير، طبعًا في مستوى معين من الرأي، ونعني به الرأيَ الذي يظهر في انتقاء روايات معينة لتفسير الآية واستبعاد غيرها.
تنكشف ذاتُ المفسِّر في كيفية تلقي ما يفسّره في ضوء رؤيته للعالَم والإطار المرجعي لتفكيره، فلو كان المفسِّر متكلمًا، يكتسي تفسيرُه صبغةً كلامية، ولو كان فقيهًا يكتسي تفسيرُه صبغةً فقهية، ولو كان عارفًا يكتسي تفسيرُه صبغةً عرفانية، ولو كان فيلسوفًا يكتسي تفسيرُه صبغةً فلسفية، ولو كان أديبًا يكتسي تفسيرُه صبغةً أدبية… وهكذا.
هناك تأثيرٌ متبادَل بين رؤية المفسِّر للعالَم والعلم الذي يتخصّص فيه وبين عمليةِ التفسير، يتفاعل ذلك العلمُ مع تخصّص المفسِّر، ليتطور في طور جديد يثريه ويتكامل به، بعد توظيف المفسِّر لعلمه في حقل التفسير. العلوم تنمو وتتطوّر من خلال اتساع مجالات تطبيقها في حقول جديدة، إذ يكشف التطبيقُ عن ثغراتِها ويُعلن عن عيوبها، ويحذف أخطاءَها.
 في تفسيرٍ واحد كتفسير المنار، الذي جمع آراءَ الأستاذ وتلميذه يتمايز كلٌّ منهما عن الآخر بوضوح. استوعب الشيخُ محمد رشيد رضا دروسَ أستاذه الشيخ محمد عبده في التفسير بتفسيره هو، يلوح للقارئ أن فهمَ رشيد رضا وتفسيرَه مختلفان عن فهم أستاذه وتفسيره.ويمكن للباحث أن يكتشف الاختلافَ بين تلامذة أستاذٍ واحد في فهم وتفسير الكتاب الكريم، فمثلًا نرى الاختلافَ لدى تلامذة الشيخ أمين الخولي، ففي الوقت الذي تمثّل محمد أحمد خلف الله نهجَ أستاذه الخولي في أطروحته للدكتوراه، أخفقت تلميذتُه وزوجتُه عائشة عبدالرحمن المعروفة ببنت الشاطئ في أن تتمثّل ذلك النهجَ في تفسيرها، وكانت أشدَّ وفاءً لماضي التفسير منها إلى متطلبات الواقع، ولم تجسّد ما كان يتبناه أستاذُها أمينُ الخولي في التفسير، ودعوتَه لتوظيف مناهج التأويل الحديثة والهِرْمِنيوطيقيا. في حين يتجه بعضُ تلامذة الخولي لمغامرة ركوبِ سفينة علومِ الإنسان والمجتمع الحديثة ومناهجِ التأويل والهِرْمِنيوطيقيا، ويجازف بتطبيقها في التفسير في مجتمع تقليدي، ويتعرض إلى هجمة عنيفة، كانت عائشةُ عبدالرحمن تغرق في أمواج التراث، وكأنها غفلت أو تجاهلت دعوةَ شيخها للتجديد في صدر قوله: «أول التجديد قتل القديم فهمًا»، فغرقت في العجز: «قتل القديم فهمًا»، وتشبّعت بالقديم أعمالُها، بلا أن نقرأ فيها ملامحَ للجديد، وحتى أعمال تلامذتها ورسائلهم في الدراسات العليا، التي كانت ترشدهم إليها وتشرف عليها، ظلّت مسكونةً بالقديم أيضًا. وكأن بنتَ الشاطئ لم تشأ أن تتورط في الخروج على المناهج الموروثة للتفسير، خوفًا من ردود الأفعال، لأن ما تلقّته أطروحةُ خلف الله من هجومٍ عنيف جعل كلَّ تلامذة الخولي يفكرون طويلًا قبل أن يترسّموا نهجَ أستاذهم التجديدي. وربما لم تدرك عائشةُ عبدالرحمن بعمق مأزقَ التفسير الموروث، وما كان يرمي إليه أستاذُها الخولي من تحريرِ المعنى القرآني من رؤية المفسِّر القديمة للعالَم، ووضعِ هذا المعنى في سياقِ لغةٍ تكتشف المتطلباتِ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ للمسلم اليوم.
التجديدُ شديدُ الوطأةِ على النفس والمشاعر والمصالح، لا يستسيغه إلا عقلٌ شجاع، وإنسانٌ يمتلك قدرةَ المغامرة في الخروج على المألوف الذي يحتمي به نفسيًا، ومستعدٌّ لدفع ضريبة موجعةأحيانًا. لذلك لم يكن موقفُ بنت الشاطئ غريبًا، فقد تكرّر هذا الموقفُ لدى كثيرٍ من التلامذة الذين عجزوا عن تمثّل النهج التجديدي لأساتذتهم، فوقفوا خارجَ آفاق رؤية الأستاذ، وركنوا إلى التراث ليتشدّدوا في استئنافه كما هو، وهذا ما نراه ماثلا في النزوع السلفي للشيخ محمد رشيد رضا بعد رحيل أستاذه الشيخ محمد عبده.
مفتاحُ تفسير الكتاب هي الكتاب ذاته، لأن نصوصَه مضاءٌ بعضها بالبعض الآخر، سواء كان كتابًا مقدسًا أو غيره. آياتُ القرآن الكريم تفسِّر احداها الأخرى، وذلك ما دعا أكثر من مفسِّر مجتهد لتبنى تفسير القرآن بالقرآن. ويعد هذا المنهج من أدق مناهج التفسير الموروثة، غير أن من اعتمده لم يكن استثناء، فكان اختيارُه لتفسير آيةٍ بآية وكلمةٍ قرآنية بآية وآيةٍ بكلمة يخضع لرؤيته للعالَم وتكوينِه المعرفي ومعتقده.
ولا يعني ذلك أن المفسِّرين المجتهدين الذين اعتمدوا هذا المنهج لم يحرصوا أشدَّ الحرص على الوفاء لمنهجهم المعتمد في تفسيرهم. إذ نراهم يهتمّون بإضاءة مدلول الآيات بالآيات، ويشدّدون على استنطاقها بنظائرها، ويعودون أحيانًا إلى الآيات المفتاحية الكبرى في القرآن فيطبّقونها على آيات تمثّل مصاديقَ لها، ويحاولون اقتفاء أثر الدليل ويعملون على التمسك بالحجج المنطقية ما أمكنهم ذلك، ومع ذلك نرى أثرًا واضحًا لرؤية المفسِّر للعالَم وتكوينه المعرفي ومعتقده في هذا النوع من التفسير.

تقديم المؤلف لطبعة بغداد لكتاب مقدمة في علم الكلام الجديد

الكاتبُ الجادّ هو الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ. تجربةُ الوجودِ صيرورةٌ، تجربةُ الوجودِ ليست ميكانيكية، كلُّ تجربةِ وجود شديدةٌ،كلُّ تجربة وجود يعيشها الإنسانُ تعطّلُ كلَّ شيء سواها لحظةَ تتحقّق. تفرض تجربةُ الكتابةِ على الكاتب الذي يعيشها ألا يصغي إلّا إلى ندائها، ماخلا حضورها يغيبُ الكاتبُ عن كلِّ شيء ويغيبُ عنه كلُّ شيء. لحظةَ يبدأ الكاتبُ الكتابةَ تأخذه إليها، لا تدعه يفكّر إلّا في مداراتها،كلّما حاول الهربَ قبضت عليه من جديد أنى كان، لا تتركه مالم يمنحها كلَّ ما يمكنه. الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ تمكث حياتُه الخاصة مؤجلةً على الدوام.

أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحقّقُ فيه بطور وجودي جديد. فشلت في أن أكونَ شخصيةً نمطية، أعرفُ أني لا أنفردُ بذلك،كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ نمطيًا.

تتكرّرُ لدي تجاربُ الكتابة والتحرير، وعلى الدوام لا أصل للشعورِ باكتمال النص، ونقائه من الوهن والثغرات، وصفاء صوته، ونضج طاقة المعنى الذي يريد إبلاغَه للقارئ، لذلك كثيراً ما أعود إليه لتقويمه وترميمه وإثرائه. أتردّد في نشره، وأقلق لحظةَ أنشره، مثلما يقلقني إهمالُه ونسيانُه، ينتابي شعورٌ أحيانًا كأني خنتُ ذلك النصَّ المؤجل، أو خنتُ القرّاءَ الأصدقاءَ ممن يتطلعون أن يجدوا في كتابتي ما يبحثون عنه.

لا تكون الكتابةُ جادةً مالم تتكشف فيها شجاعتُنا في البوح والاعتراف للقرّاء بعجزنا البشري. لم أكن قادرًا على الاعتراف بالعجز قبل أربعين عامًا، لكني روّضت نفسي بمشقة على الاعتراف بضعفي، حتى صار البوحُ يشعرني بالشفاء من الخوف. أبادر لمراجعة كتاباتي وأعمل على تمحيصها، وأستبعد ما أكتشفه من هفوات وأخطاء، بحدود إدراكي لها. يرشدني أيضًا التقويمُ والنقدُ الذي يصلني مشافهةً أو عبر الكتابة، من قرّاء نابهين أذكياء، غير مأزومين نفسيًا وأخلاقيًا، ولا شتّامين. أضيف ما أراه ضروريًا لترسيخ قناعة القرّاء بصواب ما اهتديتُ إليه، وأحاول تعزيزَ الأدلة، وتوضيحَ ما هو ملتبسٌ أو غامضٌ أو مبهمٌ من المفاهيم.

أكتبُ لنفسي قبلَ الكتابة للقراء، أخاطب نفسي قبلَ مخاطبة القراء، وأُعلِّم نفسي قبل أن أكون مُعلِّمًا للقراء. أحاول البحثَ عن إجابات لأسئلتي الوجودية، وأسعى لاكتشاف حلول لمشكلاتي، عسى أن ينكشفَ النور الذي يُضيء خارطةَ النجاة. يهمني أن أكتشف نفسي قبل أن أكتشف العالَم، وأغيّر نفسي قبل أن أغيّر العالَم.

غرضُ كتاباتي سكينةُ الروح، وطمأنينةُ القلب، وإيقاظُ العقل. البُعد البياني والجمالي لم يكن غرضَ كتاباتي المباشر، هذه لغتي التي لا أعرفُ أن أكتبَ بغيرها ‏اليوم، وهي لغةٌ بذلت جهودًا مضنية حتى أمتلكتها. ‏سعيدٌ بامتلاكي هذه اللغة بعد مطالعات متواصلة، كانت ومازالت تأكلُ كلَّ وقت فراغي خارج العمل، شرعتُ فيها منذ الصف الخامس الابتدائي، وسجنت نفسي في الكتابة طوعيًا حتى اليوم، مضافًا إلى تمارين كتابة متواصلة بدأتُ بها قبل نحو نصف قرن، ولم تكتمل لغتي ولم أصل إلى ما أنشده إلّا قبل ثلاثين عامًا.

لم يكن كتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد” يحظى بهذه العناية لولا الإدمان على القراءة والكتابة، ولم يكن مؤلفُه يتوقع مثلَ هذه الثقة بكتابه بعد نشره مباشرة حين بادر قرّاء متخصصون ومهتمون بعلم الكلام للاحتفاء بالكتاب مشكورين. أستاذٌ في جامعة جزائرية لحظةَ قرائته الكتابَ قرّر تبنيه لتلامذته في الدكتوراه، ورئيسُ لجنةٍ علمية في جامعةٍ عراقية أصدر قرارًا بتبنيه لتلامذة جامعته في الدراسات العليا، وهكذا بادرت أستاذاتٌ وأساتذةٌ كرام، في أكثر من جامعة في البلاد العربية لتبني الكتاب. وقرّرت بعضُ أقسام الدراسات الإسلامية والفلسفية اعتماد الكتابَ في مقرّر “علم الكلام الجديد” ابتداءً من العام الدراسي الجديد. وبعد شراء أحد خريجي الأزهر الأندونيسيين للكتاب من معرض القاهرة الأخير وقراءته، راسل المؤلفَ فورًا يطلبُ الإذنَ بترجمته للأندونيسية، لأنه رأى ضرورةَ حضوره في أقسام الدراسات الإسلامية والفلسفية في الجامعات الأندونيسية، وتقديمه للقرّاء في هذه اللغة التي يتحدّثها أكبرُ مجتمعٍ مسلم، وباشر بالفعل ترجمتَه، ويعتزم مترجمٌ ترجمتَه للتركية، ويوشك أستاذٌ في جامعة اصفهان على الفراغ من ترجمته للفارسية.

كلُّ ذلك دعا المؤلفَ لإعادة النظر في الكتاب، وكعادته بنقدِ كتاباته قبل أن ينقدها غيرُه، وعملِه الدؤوب على اكتشاف ما فيها من وهن وأخطاء وقصور في التعبير أو التفكير، أعاد العملَ على هذا الكتاب مجدّدًا، وأمضى مدةَ شهر تقريبًا يعيد تحريرَه وتدقيقَه وتهذيبَه، محاولًا أن يشرح مفاهيمَ محورية اختزل الكلامَ فيها في الطبعة الأولى مثل مفهوم الوحي، وعزّز أسسَ أركان علم الكلام الجديد، إذ اكتملت هذه الأركانُ في سبعة بعد أن كانت ناقصة، وشرحَ مواردَ أخرى كان مقتصِدًا في التعبير عنها، أعاد صياغتَها بوضوحٍ بكلمات أصرح وأوضح، وعالج الوهنَ والخللَ في بعض الجمل والفقرات، وأصلح أخطاءَ إملائية ونحوية ومطبعية غفل عنها فيما مضى.

ازداد حجمُ الكتاب في هذه الطبعة أكثر من خمسين صفحة. لا شكّ في أن هذه النسخةَ أغنى وأدق وأوسع وأوضح، إلا أن المؤلفَ لا يعدُ القرّاءَ بأن هذه الطبعةَ نهائية، فلو راجع الكتابَ بعد سنة أو أكثر من صدوره لكرّر ما فعله في الطبعة الأولى. وهذه عادةٌ منهِكةٌ يعترف أنه لا يستطيعُ الخلاصَ منها. طالما أزعج المؤلفُ أصدقاءَ ناشرين، فبعد أن يُرسل لهم كتابًا جاهزًا للإخراج والطباعة، يعودُ بعد أيامٍ لإرسال إضافات أو استبعاد كلمات أو جمل أو فقرات، ويواصل هذه العمليةَ إلى أن يصدرَ الكتاب، وأحيانًا يضطرّ الناشرُ لتأخير الكتاب في المطبعة وقتًا اضافيًا.

يعترف المؤلفُ بأن كلَّ نصٍّ يكتبُه لا يراه نهائيًا، يكتبُه كمسوّدة، وبعد تحريرٍ وتنقيحٍ ومراجعاتٍ متعدّدة يبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسوّدة لطبعةٍ لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتُه مسوّداتٍ غير مكتملة،كلُّ طبعة جديدة مسوّدةٌ لطبعة لاحقة، وكأنه يحلم بالكمال الذي يعرفُ أنه لن يدركَه في كلِّ ما يكتبُه.

كلُّ كتابٍ نكتبُه يكتبُ تاريخَه الخاص بعد نشره، يبدأ تاريخُه منذ قراءة القارئ الأول له، يمتلك القرّاءُ مصائر الكتب بعد قراءتها. للكتب الجادّة حياةٌ يتحكمُ في مآلاتها القرّاءُ والنقّادُ، وتحدّد أعمارَها ومصائرَها مواقفُهم وانطباعاتُهم، ونوعُ تلقيهم لمضمونها، وكيفيةُ قراءتهم لنصوصها. ربما تدخلُ بعضُ الكتب كهوفَ النسيان بعد صدورها مباشرةً على الرغم من أهميتها، ثم يأتي مَنْ يُخرِجها من الظلام ويسلّط الضوءَ عليها بعدَ مدة، وربما يتلقى القراءُ كتبًا أخرى لحظةَ صدورها بثقةٍ واهتمام.

مفهوم التجديد وأركانه

أكثرُ الكلماتِ والمصطلحات المتداولة في الكتابات العربية تبدو بنظرة سطحية عاجلة ‏واضحةً جدًا، لكن بنظرة تغور في الأعماق ترى هذه الكلماتِ والمصطلحات غامضةً مبهمة. عدمُ التحديد الدقيق للمعنى والفوضى في الاستعمال تتسبب في كثير من الاختلافات والنزاعات والمعارك. أحيانًا بعد أن يتصالحَ الخصمان يكتشفان أن الالتباسَ والغموض في بيان المعاني المتداولة للكلمات والمصطلحات هو الذي ورّطهما في نزاع تتفق فيه الكلماتُ والمصطلحات لفظًا، لكنهما لم يتنبها إلى أنها تتغاير دلالة. التعريفُ الواضح والكشفُ عن المضمون بدقة يرسمُ خارطةً لحدود المعنى المقصود، ويخلّص الكلماتِ والمصطلحات من الاضطراب والتشويش والخلط بغيرها.

ورد التجديدُ في المعاجم العربية بمعنى: “الإتيان بما ليس مألوفًا أو شائعًا، كابتكار موضوعاتٍ أو أساليبَ تخرج عن النمط المعروف والمتفق عليه جماعيًّا، أو إعادة النظر في الموضوعات الرائجة، وإدخال تعديل عليها بحيث تبدو مُبْتَكَرةً لدى المتلقِّي”.

أعني بالتجديد إعادةَ فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادةَ بناء مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

منطلقُ التجديد هو الوعي بأن‌ متطلباتِ العيش في عصرنا وتحديات الواقع لا يمكن أن نستجيب لها بما نطق به المتكلمون والمفسرون والفقهاء والمتصوفة في عصور سابقة.كلُّ عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدّسة، وكثيرٌ من الفهم التراثي يفتقر لتلبية احتياجات عقل وروح وقلب المسلم اليوم، ويعجز عن تأمين مصالحة بينه وبين ما يتطلع إليه الواقع الذي يعيش فيه، وإنتاج رؤية روحية وأخلاقية وجمالية للعالَم، تواكب متغيرات الحياة المتواصلة وإيقاعها السريع، وتستجيب لأشواق عقل وقلب وروح الإنسان.

يتحقّق التجديدُ بإعادةِ النظر في البنية العميقة للتراث، وكشفِ ما هو حيّ ومحيي فيه، وعبورِ ما سواه، وإنتاجِ فهمٍ للدين ونصوصه يحرّره من إكراهات التاريخ ويحرّر المسلم من غربته عن عصره.

مناهجُ التفكير ونظريةُ المعرفة وأدواتُ النظر هي المكوِّنُ العميق لبنية التراث التحتية، وهي ما يتحكّم بصناعة رؤيته للعالَم، لذلك فإن إعادة بناء علوم ومعارف الدين لابد أن تنطلق من هنا.

التجديد يتطلّب اكتشافَ نظرية المعرفة في الإسلام التي تشكّلت في ضوئها علومُ الدين. علم الكلام في رأيي يمثل نظريةَ المعرفة المؤسِّسة للبنى اللاشعورية في التراث، وفي ضوئها تشكّل كل من علم أصول الفقه وعلوم القرآن والتفسير وعلوم الحديث وعلوم اللغة العربية ومعاجمها، وحتى التصوّف تحكّمت في رؤيته للعالَم لاحقًا المقولاتُ الاعتقادية للكلام الأشعري وغيرها من مقولات الكلام القديم، الذي اصطلحت عليه “تصوّف الاستعباد” مقابل “تصوّف الحرية” الذي أعني به التصوّف المعرفي الخارج على الرؤية المغلقة للكلام القديم، الذي صنع رؤيته الروحية والأخلاقية والجمالية للعالَم. تصوّفُ الاستعباد تشبّع بتقاليد الاسترقاق في الزوايا والتكايا والخانقاهات، وكان يصطاد الأرواح المهشّمة والقلوب المنكسرة، وقد تفشى في عصور متأخرة لدى الطرق الصوفية. تصوّفُ الاستعباد يُدجَّن فيه المتصوف على الاستسلام والرضوخ والطاعة العمياء لشيخ الطريقة.

علمُ الكلام القديم، وأصولُ الفقه، وعلومُ القرآن والحديث وقواعدُ تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وقواعدُ السير والسلوك في التصوف، هي التي تفرض علينا نمطَ الفهم الذي تنتجه، وفي ضوئها تتشكّل رؤيتُنا للعالَم، ويعود إليها أثرٌ ليس بالقليل في توجيهِ سلوكنا، وتحديدِ مواقفنا من الماضي والحاضر والمستقبل، والتحكّم بطريقة تعاملنا مع الغير. وكلُّ هذه العلوم أنتجها مجتهدون أذكياء نطقوا بما واكبَ زمانهم والمجتمع الذي عاشوا فيه، وبرعوا بتوظيف المنطق والفلسفة والعلوم والمعارف المتاحة لهم.

أستعملُ مصطلح “التجديد”، ولا أستعملُ مصطلحات: “الإحياء أو الإصلاح أو السلفية”. البعض لا يميز بين هذه المعاني الثلاثة و”التجديد” فيخلط بينها ويستعملها كلَّها بمعنى واحد وكأنها مترادفات.

لا يدعو التجديدُ الذي أعنيه إلى استئناف التراث حيث هو كما يشي بذلك معنى “الإحياء”، ولا بترميم معارف الدين شكليًا والاحتفاظ بمناهج التفكير وأدوات النظر حيث هي كما يشي بذلك معنى “الإصلاح”، ولا يدعو التجديد لقبول القديم من دون غربلة وتمحيص والحذر والتحسّس من كلِّ جديد مهما كان كما يشي بذلك معنى “السلفية”.

التجديد في رأيي يتأسّس على هذه الأركان:

الشيخ جمال الدين الأفغاني 1838-1897

الركن الأول: دراسةُ وفهم واستيعاب ونقد علوم ومعارف الدين في التراث، واستكشافُ مداراتها ومدياتها وآفاقها المتنوعة، والاهتمامُ بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والميراث الروحي والأخلاقي والجمالي في التصوّف المعرفي، والتقاط ما هو حيّ ومحيٌ في التراث، والتحرّرُ من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي معه، والنظر إليه بوصفه كمية من النصوص التي يجب استظهارُها وحفظُها وتكرارُها، وتوقّف التفكير عند تنظيمها وترتيبها وتصنيفها، بلا تدبّر وتحليل وتأويل ومراجعة وغربلة وتمحيص.

الركن الثاني: الاستيعابُ النقدي للعلوم والمعارف البشرية الحديثة، مثل: الفلسفة، علم النفس، الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الألسنيات، والهرمنيوطيقا، وغيرها من مكاسب العصر الحديث، وتوظيفُ ما يصلح منها كأدوات في قراءةِ النصّ الديني وتحليلِه، والإفادة منها في تفسيرِ تمثّلات الدين في حياة الفرد والمجتمع، واكتشافِ أنماط التجارب الروحية الفردية.

الركن الثالث: تجديدُ فهمِ الدين يتطلبُ مقارنةَ الأديان ونصوصها المقدّسة، ومعرفةَ كيفية تشكل مؤسّساتها الدينية، وصلة السلطة بتشكل التراث الديني وتنوع العلوم والمعارف الدينية.

الركن الرابع: تجديدُ فهم الدين يحتاجُ دراسةَ مساراتِ الدين عبر التاريخ، والكشفَ عن اختلاف وتنوّع تمثلاته وأنماط التدين في مختلف العصور والمجتمعات، واكتشافَ تعبيرات التديّن وأشكاله في حياة الأفراد والجماعات، وصلةِ ذلك بتشكل علوم ومعارف التراث ووسائل إنتاجها للمعنى الديني.

الركن الخامس: يبدأ التجديدُ بإعادة بناء أدوات إنتاج المعرفة في الإسلام، بمعنى ان تجديد فهم الدين لا يتحقّق إلا بتجديد مناهج الاجتهاد في الدين، وذلك يتوقف على الذهابِ عميقًا إلى البنية التحتية المنتِجة لعلوم ومعارف الدين، وغربلتها وتمحيصها وتفكيكها، وإنتاج مناهج اجتهاد لمختلف علوم ومعارف الدين مواكبةٍ لإيقاع الحياة المتسارع.

الركن السادس: بوصلةُ التجديد اعادةُ تعريف الدين، واعادةُ تحديد وظيفته في حياة الفرد والمجتمع، وما يمكن أن يقدّمَه الدينُ للإنسان من معانٍ روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسانُ من رفقٍ وشفقة ورحمة يمنحها الدينُ للحياة، وما يلهمه للروح من سكينة وللقلب من طمأنينة.

الركن السابع: لا ينجز التجديدُ وعودَه إلا بالتحرّر من التفسيرات الحرفية المغلقة لآيات القرآن الكريم والنصوص الدينية، والانفتاحِ في التفسير على المناهج الحديثة في علوم التأويل والألسنيات، وعلى كلِّ ما يمكن الإفادة منها من معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع.

الركن الثامن: دراسةُ المتخيّل الديني وتحليل ُكيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في انتاج المعنى الديني ضرورةٌ تفرضها عملية التجديد، فمَنْ يمتلكُ وسائلَ انتاج هذا المتخيّل يمتلكُ السلطةَ ويمتلكُ التحكُّمَ بحاضر الناس ومستقبلهم في مجتمعاتنا. المتخيلُ الديني يُستثمَر لترسيخ السلطة الروحية وتمدّدها، ويُستغَل لإضفاء المشروعية على السلطة السياسية ويعمل على تضخُّمِ هيمنتها وتغوّلها. حضورُ المتخيّل الديني كبيرٌ في تكوين المقدس واتساعه، وانعكاسِه المباشر على حياة الإنسان وسلوكه، وهو عاملٌ مؤثر في بناء ثقافة الأفراد والمجتمعات، وتجذّرِ البنى اللاشعورية في الوعي، وتوجيه بوصلة مصائر المجتمعات المسلمة وأقدارها التاريخية. للمتخيّل الديني سلطةٌ واسعة على العقل في مجتمعاتنا، ربما ينتهي تمدّدُ سلطته إلى تغييب العقل وتعطيله. لا يسترد سلطةَ العقل إلا التفكيرُ النقدي الذي يضعُ المتخيلَ الديني في حدوده، ويعملُ على توظيفه بشكل فاعل في البناء والتنمية.

الركن التاسع: لا يبدأ التجديد بالتراث لينتهي بالتراث كما يفعل بعض من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويصور لنا التراثَ وكأنه يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع من دون اكتراث بأن أكثر ما في التراث يتنكر له الواقع،كما يدلّل على ذلك نحوُ قرنين من إخفاق هذه الدعوة وتهافتها. مَنْ يدعو للانطلاق من التراث والعودة إليه، وبتعبيره “إعادة بناء التراث”، لبث حائرًا يكرّر نفسَه، لم يستطع الغوصَ في التراث والتقاط كنوزه، ولم يتبصر أفقًا مضيئًا يغادر فيه ما هو ميتٌ ومميتٌ من التراث.

إعادة بناء التراث كما قرأتها في بعض المشاريع الفكرية لم تكن بناء جديدًا يستلهم العقلاني والروحي والأخلاقي والجمالي الحيّ والمحيي في التراث، ويقوم بتركيبه وسكبه في مركب بديل في ضوء متطلبات الواقع، معتمدًا على معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة، بل كان أحيانًا مجردَ عملية استئناف للتراث بكلماته ومصطلحاته وعباراته ومضمونه كما هو، وإن كان يجري وضعُه تحت عناوين جذّابة ولافتات برّاقة. تحدثت عن ذلك بتفصيل أوسع في مقالة نقدية لمشروع الصديق الدكتور حسن حنفي تنشر قريبًا.

‏   قلما نجد من يفكّر بنظام بديل لإنتاج المعنى الديني من النصوص المقدسة خارج فضاء أدوات النظر ومناهج الاجتهاد في التراث. ما يصدر من الأزهر وغيره من معاهد التعليم الديني التقليدية كثيرٌ منه كلام تكراري عن الإحياء والإصلاح، ‏لا يجد مَنْ يصغي إليه خارج معاهد التعليم الديني. وأكثر تلك الكتابات يتكدّس فيها لفظٌ على لفظ، ويتراكم فيها فائضُ القول، وكلماتٌ من دون مضمون أحيانًا، يشعر القارئ اليقظ بالضجر منها.

‌  نحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة لمسار الإصلاح الديني التكراري في الإسلام منذ جمال الدين الأفغاني إلى اليوم، الذي مازال ‏يصادر كلَّ دعوة للتجديد تحت لافتته. ‏النقد العميق للتراث واكتشاف بنيته التحتية ونظم إنتاج المعنى الديني فيه يصدر أحيانًا من خارج هذه المعاهد، لكن مازال التفاعل معه هامشيًا، وأكثر الناس لا يصغون إليه مالم يصدر عن المؤسسة الدينية المكرسة.

‏ كي يحقّق الدينُ وظيفتَه في الحياة اليوم لابدّ أن نفهمه بوصفه حياةً في أُفق المعنى. ‏في ضوء هذا الفهم للدين ووظيفته في الحياة ينبغي أن يتأسسَ المنهجُ الذي نعتمده في تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، والكشف عن المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في القرآن وهذه النصوص، الذي تحتاجه حياةُ الإنسان في الأرض.كلُّ ما هو خارج ذلك يستمدّه الإنسانُ مما يقوله العقلُ والعلوم والمعارف البشرية، وما أنجزه تراكمُ خبرات الإنسان ‏عبر عشرات الآلاف من السنين.