Category: علم الكلام الجديد

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

اعادة تعريف الإنسان

الإنسانُ ليس حيوانًا ناطقًا كما يُنقَل عن المعلِّم الأول أرسطو، والذي يريد به حيوانًا عاقلًا. هذا التعريف اختزل معرفةَ الإنسان وفهمه وأحكامه في العقل، بالمعنى القديم الذي ترسّخ للعقل في الفلسفة اليونانية، على الرغم من أن كثيرًا من سلوك الإنسان ومواقفه وكلماته لا تخضع للعقل بشكل ميكانيكي، لأنها مثلما تصدر عن العقل تصدر أيضًا عن الأحكام الذهنية المسبقة والمصلحة والعاطفة واللاوعي والمتخيل. “كاتب هذه السطور أمضى سنوات عديدة من حياته في تدريس المنطق الأرسطي، حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب، بعد أن انشغل بتدريسه 12 مرة متوالية”.

تعريفُ الإنسانِ بـ “الحيوان الناطق” يختزلُ الإنسانَ ببُعدٍ واحد هو العقل بالمعنى الموروث للعقل عن أرسطو، وقد تحوّل ذلك المعنى إلى منبع لفهم شخصية الإنسان، واكتشاف طبيعته، وتفسير سلوكه، والحكم على مواقفه، وتفسير الأقوال والأفعال والأحكام والتعبيرات المتنوعة الصادرة عنه. ولبث هذا التعريفُ محورًا أساسيًا تشتق منه العلوم والمعارف والنظريات والتفسيرات لفهم الإنسان وكيفية عمل ذهنه وقرارته ومواقفه وسلوكه، ومازال هذا التعريف للإنسان تصدر عنه وتتخذه مرجعيةً علومُ الدين ومعارفه، وتتعاطى معه بوصفه أحد البداهات غير الخاضعة للمسائلة والتشكيك وإعادة النظر، وكأنه حقيقة أبدية.

في ضوء هذا التعريف تشكّل علمُ الكلام الإسلامي، ومنه انبثقت رؤيتُه لله والإنسان والعالَم، وفي إطاره تمّ إنتاجُ مختلف علوم الدين ومعارفه، وفي سياق رؤيته تحدث التفكيرُ الديني، ولبثت مدارسُ ومعاهد التعليم الديني أسيرةَ الفهم المشتقّ من تعريف أرسطو للإنسان. لم تتقدّم العلومُ وينضج العقلُ ويتكامل في العصر الحديث إلا بعد أن تفلتت المعرفةُ البشرية وخرجت على التفسير اليوناني القديم للعقل، وغادرت تعريفَ أرسطو للإنسان وطرق استدلاله، واكتشفت طرائقَ تفكير لا تستنسخ ذلك الفهم للإنسان، وتتمرد على أشكال القياس والاستدلال الموروثة في منطقه. أبصر العقلُ النورَ بعد أن خرج من كهوف أرسطو وأتباعه من الفلاسفة واللاهوتيين، ومارس الفهمُ والتفكير والاستدلال حريتَه خارج الفضاء المسدود الذي لبث فيه قرونًا طويلة.

المنطقُ الصوري ويقينياتُ أرسطو ومقولاتُ الفلاسفة اليونان هي الأساس الذي ابتنت عليه علومُ الدين ومعارفه في الإسلام. لم يتشكل العقلُ الحديث إلا بعد أن قوّضت الفلسفةُ الحديثة المنطقَ الصوري وفكّكت يقينياتِ أرسطو وفضحت عدم بداهتها، وأعادت غربلة وتمحيص ما ورثته من تراث اليونان، وتجاوزت مقولاتِ الفلاسفة القدماء عن الإنسان.     هكذا ولد العقل الحديث وتكرّس، بعد أن أضاءت الفلسفةُ وعلمُ النفس والعلوم الإنسانية ومختلف العلوم والمعارف الحديثة طبيعةَ الإنسان وعرّفته في ضوء المعطيات الجديدة.

كان فرنسيس بيكون “1561 – 1626” أكثر فلاسفة العصر الحديث شجاعة عقلية، هو الرائد في تحطيم هالة أرسطو وزعزعة أسس منطقه وقوالب التفكير والاستدلال المعروفة عنه. لا يكتمُ بيكون غضبه ضدَ أرسطو: “إنني غاضب على أرسطو؛ لأنه ربى إمبراطورين اثنين! أما الأول فقد تمدّد على الجغرافيا وهيمن على ما فيها من دول وشعوب! وأما الثاني فقد تمدّد على العقول وهيمن على ما فيها من اختلاجات وأفكار. وأقصد بهذين الإمبراطورين المستبدين: الإسكندر المقدوني، والمنطق الصوري… فإن هذا المنطق الأرسطي سيسيطر على العقول طيلة أزيد من ألفي عام”، “ضد أرسطو1-2، جريدة الخليج 8 أغسطس 2008”. وأعاد رينيه ديكارت “1596 – 1650” النظر في يقينيات أرسطو والفلسفة اليونانية الراسخة، وانطلق لبناء تفكيره الفلسفي من “الكوجيتو”، الذي يوجزه في عبارته الشهيرة: “أنا أفكر إذًا أنا موجود”، وكان ديكارت أبرز ناطق باسم عقلانية القرن السابع عشر الميلادي. وجاء ديفيد هيوم “1711 – 1776” بفهم مختلف لكيفية عمل الذهن يخرج على تلك اليقينيات، ويقدم تفسيرًا لطبيعة الإدراك ومصادر المعرفة يبتعد كثيرًا عن تفسير أرسطو وأتباعه، شرحه في كتاب “مبحث في الفاهمة البشرية”.

توالت التقويضات الفلسفية ليقينيات أرسطو وتفسيره للمعرفة البشرية وفهمه للإنسان، فقدّم إيمانويل كانط “1724 – 1804” تحليلًا جديدًا لتشكِّل المعرفة البشرية وكيفية الإدراك والفهم، وكانت فلسفتُه النقدية من أعمق تجليات عصر الأنوار، ومازال كتابُه الكنز “نقد العقل المحض” من أعمق الأعمال الرائدة في نقد وتقويض التفسير المتوارث للمعرفة بتمييزه الدقيق بين: الشيء كما يظهر لنا Phenomenon والشيء في حدِّ ذاته Noumenon. وصار هذا التمييز بين: “الشيء في حدِّ ذاته” و”الشيء كما يظهر لنا” منبعًا لإلهام أكثر الفلاسفة الذين جاؤا بعد إيمانويل كانط، إذ اتخذه كلُّ واحد منهم أُفقًا للكشف عن كيفيةِ حدوث المعرفة وعملِ الذهن، وما يمكن أن يترتبَ على ذلك من نتائج وآثار.

وأضاءت اكتشافاتُ علم النفس الحديث وشروحه المعمقة لأثر اللاوعي الفردي والجمعي آفاقًا جديدة في فهم عقل الإنسان، وتفسير توالد معرفته، ودوافع قراراته وأحكامه ومواقفه وسلوكه، وهكذا أحدثت مكاسبُ علم الاجتماع والانثربولوجيا والهرمنيوطيقا الفلسفية ومختلف العلوم الإنسانية والمعطيات الجديدة لعلم الأعصاب وغيره رؤيةً مفارِقة لما ورثناه عن المعلِّم الأول والفلاسفة اليونان وأتباعهم.

في سياق هذه المعطيات يمكن أن نُعرِّفَ الإنسانَ بأنه كائنٌ عاقلٌ، عاطفيٌ، أخلاقيٌ، دينيٌ، جماليٌ، اجتماعيٌ، تاريخيٌ. الإنسانُ كائنٌ متفرّدٌ، يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ: العقل، واللغة، والعواطف، والمخيّلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز.

الإنسانُ كائنٌ غريب، تتوحدُ في كيانه: متطلباتُ جسدٍ لكلِّ ما يُشبعُ حاجاته المادية، ومتطلباتُ عقلٍ لكلِّ ما ينشده من بهجة المعرفة، وشغفٍ باكتشاف ما حوله من ألغاز عالمٍ مُجسَّدٍ لا يكفّ عن الامتدادِ والاتساع، وعالمٍ مجرّدٍ تظلّ الأسئلةُ حيال أسراره مفتوحةً على الدوام، ومتطلباتُ نفسٍ لكلّ ما تبوح به وتضمره من عواطف ومشاعر وأحاسيس وقلق، ومتطلباتُ روحٍ لكلّ ما تبوح به وتضمره من ظمأ أنطولوجي وأشواقٍ توَّاقةٍ لصلةٍ وجوديةٍ بالمطلق، لذلك تنوّعت، تبعًا لتنوّع تلك المتطلبات، العلومُ والمعارفُ والآداب والفنون بجوار الأديان والفلسفات.

كلُّ إنسان واحدٌ في الوقت الذي هو فيه متعدّد، ومتعدّدٌ في الوقت الذي هو فيه واحد. الإنسانُ هو الكائنُ الأكثر غموضًا والأعقدُ والأغربُ، والأشدُّ ألماً في هذا العالَم. كلما اكتشف الإنسانُ سرًا، وحلَّ لغزًا في طبيعته، وظنّ بأنه أدرك حقيقةَ الإنسان بتمامها، رأى سرًا خفيًا لم يكن يعرفه من قبل، فيعود ليعلن عن جهله بالمعرفة الكاملة لحقيقة الإنسان. ذاتُ الإنسانِ لغزٌ للإنسانِ نفسِه، قبل أن تكون لغزًا لغيره. هذا الكائنُ غامضٌ بطبيعته، مركبٌ، طبقاتُه متعدّدة متنوعة ومتضادّة، قلّما يتصف سلوكُه بالتناغم والانسجام الكامل، وقلما ينجو سلوكُه ويتوازن فيكون في مأمن من العثرات المباغتة، وتخلو أفعالُه من المواقف المتناشزة. يكتب دوستويفسكي: “إن الإنسانَ سرٌّ بالنسبة لي، وهذا السرُّ ينبغي أن يُفسَّر، أن يُشرَح، وسوف أمضي حياتي كلَّها في البحث عن هذا السرّ: من أين جاء الإنسان، ومن هو الإنسان، والى أين المصير؟ ولماذا يعتدي الإنسان على أخيه الإنسان؟ ولماذا يكون طيبًا؟”.

الطبيعةُ الإنسانيَّةُ ملتقى الأضداد. عقلُ الإنسان يفكّرُ في الخيرِ مثلما يفكّرُ في الشرِ، وينشغلُ الإنسان بتدبير السلامِ مثلما ينشغلُ بتدبير الحربِ، وينفق جهودَه وحياتَه من أجل تأمين متطلبات العيش والحياة الكريمة مثلما ينفق جهودَه وحياتَه من أجل إنتاج أسلحة القتل وأدوات التدمير الشامل، ومثلما يبرعُ في ابتكار وسائل السعادة يبرعُ في ابتكار وسائل الشقاء. وإلّا فمن أين يأتي كلُّ هذا الكيد والمكر والغدر واللؤم والخيانة، وكلّ هذه الكراهية والتعصب والعدوان والحروب وسفك الدماء، وكلّ هذا الخراب، وكلّ هذا القبح والظلام الذي يعبثُ بالحياة. وإن كان العقلُ يحاولُ ألا يفضحَ نفسَه، لذلك لا يعلن عمّا يصدرُ عنه من طاقة تدميرية. وكثيرًا ما يتحدّث ويعدُ بما هو بنّاء وإيجابي، ويتجاهلُ ويهملُ ما هو هدّام وسلبي.

حجمُ الألمِ في حياة الإنسان أكبرُ من الراحةِ، والشرُّ أكبرُ من الخيرِ. رحلةُ الحياةِ من الولادةِ حتى الوفاة ينهشها كثيرٌ من الألمِ. الولادةُ ألمٌ، تربيةُ وترويضُ طبيعته الإنسانية ألمٌ، المرضُ ألمٌ، قلقُ الموتِ ألمٌ، الصراعُ مع الآخرين ألمٌ، تسخيرُ الطبيعةِ واستثمارها ألمٌ،كدحُ العيشِ ألمٌ. مع كلِّ حاجةٍ تولدُ بذرةُ ألمٍ. من الشغفِ بتعدّدِ الاحتياجات، والولعِ بتنوّع المتطلبات، والتهافتِ على الامتلاكِ والاستهلاكِ، يتناسلُ ويتوالدُ ويتفاقمُ الألمُ.

خَيرُ القرونِ: كيفَ نفهمُ الخيرَ في التاريخ؟

التراثُ بحرٌ يغرقُ فيه مَنْ لا يعرفُ السباحةَ أو يستسلمُ لكلِّ ما يطفو على سطحه. التراثُ متاهةٌ يتخبّط في كهوفها المتعرّجة أولئك الذين لم يتشبّعوا بمناخاته، ولم يتعرّفوا على أنظمة إنتاج المعنى فيه، ولم يقفوا على مدياته القصية، ومَنْ يفتقرون لعقلٍ نقدي ينجيهم من أن تغيّبهم أنفاقُه عن عصرهم.

الاستيعابُ النقدي للتراث ضرورةٌ لمنْ يتخصصُ في علوم الدين. هناك من يكتب في كلِّ علوم الدين، غير أنه يفتقر لتكوينٍ تراثي وخبرةٍ في دروبه المتشابكة، ولم يتكون أكاديميًا في أية جامعة رصينة، وغالبًا ما يكتب من دون أن يقرأ التراثَ قراءةً صبورة. مَنْ ينشدُ تجديدَ فهم الدين عليه أن يتسلح بتكوينٍ تراثي عميق، ووعي علمي في الإنسان والمجتمع، كي يستطيع أن يكتشف شيئًا من البنية اللاشعورية الغاطسة للفرد والمجتمع.كلُّ كتابة في تجديد فهم الدين لا تصدر عن تكوينٍ تراثي وخبرةٍ في العلوم الإنسانية تمكث على السطح، مهما كان ذكاءُ الكاتب ومهارتُه في الكتابة.

لا تراثَ خارجَ التاريخ. مَنْ لا يؤمن بتاريخية التراث يعجز عن الوعي بقدرة النصوص المقدّسة على استئناف وظيفتها في إنتاج معنىً ديني يواكب تحولاتِ الحياة وإيقاعَ التغيير المتعجّل. دراسةُ التراث ضرورةٌ تفرضها الكيفيةُ التي نريد أن نحرّر بها حياتَنا من وصايته وسطوته. يصير التراثُ بلا إعادةِ نظرٍ ونقدٍ علمي كمَنْ مات أبوه، وهو لا يعرف كيفيةَ تحنيطه أو دفنه، فيحمله كلَّ عمره على أكتافه، حتى يستنزف طاقاته وينهكه ويقعده عن بناءِ حاضره وإنجازِ أيّ شيءٍ لمستقبله.

التفسيرُ اللاتاريخي للتراث أحدُ الثغرات الأساسية في تعليمِ الدين ودراستِه. تاريخُ علوم الدين، وظروف نشأتها، والواقع الذي ولدت فيه، وكيفية تشكّلها، مكونٌ أساسي في إنتاج هويتها. تظل معرفتُها ناقصةً لو افتقر الدارسُ لاكتشاف كيفيةِ تشكّلها، وظروفِ نشأتها، ومراحلِ تطورها. تاريخُ علوم الدين ليس محايدًا، ففي نشأتها نعثرُ على العلل الخفية لولادتها، وينكشف الدورُ الأساسي للسلطة في تكوينها، وحرصُ مؤسسة الخلافة وتوجيهُها لصناعة كلِّ ما يمكن أن يخلع عليها مشروعيةً دينية، ويعزّز حضورَها واستمراريتَها. خضعت المعرفةُ الدينية في ولادتها لمتطلبات مؤسّسة الخلافة، وفرضت سلطةُ الخلفاء وصايةً مُعلَنة وخفية تحكّمت بولادة وصيرورة ومصائر المعرفة الدينية. مصالحُ الخليفة تتقدّم دائمًا على مصالح الأمة، وديمومةُ الخلافة هي المحور الذي ينبغي أن تحتشد من أجله كلُّ الجهود، بغضّ النظر عن مصالح الناس وحرياتهم وحقوقهم وحياتهم الخاصة.

كلُّ محاولة للاجتهاد والتفكير النقدي خارج إطار متطلبات الخلافة مصيرُها النفي والاجتثاث. كان ذلك مصيرَ غيلان الدمشقي، الذي قطّع يديه وأرجله وصلبه الخليفةُ الأموي هشام بن عبد الملك. وهكذا كان مصيرُ الجعد بن درهم الذي ذبحه يوم عيد الأضحى خالدُ بن عبد الله القسري والي هشام بن عبد الملك على الكوفة، وانتهى إلى ذلك المصير الجهمُ بن صفوان، الذي كان ضحيةَ قرار نصر بن سيار الكناني الوالي على خراسان سنة 128 هـ، الذي أمر عبد ربه بن سيسن فقتله. هؤلاء وغيرُهم كانوا ضحايا عقلِهم النقدي وتفكيرِهم الحرّ في محطات مريرة من التاريخ، ورفضِهم الانصياع لمعتقدات وآراء مَنْ كانوا موضعَ رعايةِ ودعم وتوجيه الخليفة من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين. وقع المعتزلةُ ضحيةَ تفكيرهم العقلاني، عندما فكّروا خارجَ ما تسمح به المؤسسةُ المعرفية لمتكلمي وفقهاء مؤسّسة الخلافة. عقلُ المعتزلة ورّطهم في المحرّم التفكير فيه، ولم يشفع لهم كونُ عقلهم كان الأخصبَ والأعمقَ في علم الكلام وغيره.

الباحثُ الحاذق هو الذي يَعْلَمُ ويُعلِّمُ القراءَ بأن ما لم يكتبه المؤرخون لا يقلّ أهميةً عما كتبوه وربما أهمّ. كثيرٌ مما كتبه المؤرخون أفرزه متخيّلُ جماعات متصارِعة في معتقداتها ومتضادّة في مصالحها، ومتنازعة على مختلف أشكال السلطات السياسية والروحية. الصلة العضوية بين احتكار السلطة والتحكم بنشأة وصيرورة المعرفة الدينية هو ما ينبغي أن يعمل على اكتشافه الباحثُ في تاريخ علوم الدين. احتكارُ السلطة احتكارٌ للمعرفة الدينية، احتكارُ المعرفة الدينية احتكارٌ للسلطة، ذلك هو ما يختبئ وراء نشأة وتطور علوم الدين في تراثنا، وهو ما لم يعلنه المؤرخون.

يتحرّرُ الدكتورُ علي الديري من قراءة التراث بالتراث، لذلك جاءت محاولتُه في هذا الكتاب تجديديةً لا إحيائية أو إصلاحية، على وفق التمييز الذي تحدثتُ عنه في كتابي الذي صدر العام الماضي 2021 بعنوان: “مقدمة في علم الكلام الجديد”. الإحياء يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث، وهكذا معظمُ محاولات الإصلاح. أكثرُ كتابات الإحياء والإصلاح يتكدّس فيها لفظٌ على لفظ، ويتراكم فيها فائضُ القول، وكلماتٌ من دون مضمون أحيانًا، يشعر القارئ اليقظ بالضجر منها. تجديدُ فهم الدين يبدأ حيث ينتهي القولُ في الإحياء والإصلاح، ويكفّ دعاتُه من تكرار الكلام على الكلام. التجديدُ يبدأ بالنقدِ العميق للتراث، واكتشافِ بنيته التحتية المتينة، والتعرّفِ على أنظمة إنتاج المعنى الديني فيه. التجديدُ يبدأ باكتشاف نظرية المعرفة في الإسلام التي تشكّلت في ضوئها علومُ الدين. نظريةُ المعرفة ومناهجُ التفكير وأدواتُ النظر هي المكوِّنُ الأساسي لبنية التراث الراسخة، وهي ما يتحكّم بصناعة رؤية المسلم للعالَم. إعادةُ بناء علوم الدين لا بدّ أن تنطلق من الاستيعاب النقدي للتراث والعلوم والمعارف الحديثة. علمُ الكلام ومقولاتُه الاعتقادية يمثِّل في رأيي نظريةَ المعرفة المؤسِّسة لطريقة تفكير المسلم، والرافدَ الذي يغذّي البنى اللاشعورية المتجذّرة لديه. في ضوء علم الكلام القديم تشكّلت علومُ الدين، خلافًا لما ذهب إليه بعضُ المفكرين من القول: إن الفقه هو نظرية المعرفة[1].

تؤشر حفرياتُ علي الديري في كتابه هذا على لا جدوى كثيرٍ من محاولات الإصلاح في عاَلم الإسلام المتواصلة منذ قرنين، وسطحيةَ كلّ كتابة لا تغوص عميقًا في التراث، وتظل تعوم في الشاطئ متهيبةً الخوضَ في الأعماق. لم تُدرِك معظمُ جهود الإصلاح نسيجَ السلطة المعقّد الذي تشكّلت في فضائه العناصرُ التكوينية للتراث، وكيف لبث ذلك النسيجُ المتماسك يعيد إنتاجَ مكونات التراث ويغذّيها، إلى أن تصلّب وانغلق على نفسه، وارتقت بعضُ مكوناته، في الوعي واللاوعي الفردي والجمعي، إلى بداهات يقينية لا تحتاج برهانًا، ولم تعد حاجةٌ لدى منْ يراها بداهات لأن يستأنف النظرَ فيها ويُسائلها وينقدها. تحوّل التراثُ بالتدريج إلى سلطة تفرض على العقل التفكيرَ في إطارها ولا تسمح له بالخروج من محيطها. ولبثت الدراساتُ الأولية والعليا، في الأزهر والمدارس ومعاهد التعليم الديني التقليدية والحوزات، منذ نشأتها أسيرةَ قراءة التراث بأدواته، والتعامل معه بأدوات نظر ورؤية ومناهج تنتمي إليه، وإن تحدثت عن إصلاح فهو لا يغادر مداراتِ التراث ولا يتنفس إلا في فضائه، ولا يبحث له عن أفقٍ بديل خارج آفاقه. في كلِّ مرة لا تتخطّى تلك المحاولاتُ تيسيرَ التراث وتبسيطَ عباراته وشرحه وتلخيصه بلغةٍ تحاكي الإنشاءَ العربي الحديث، ولا تجرؤ على مسائلة مُسَلَّمَاتِه وقناعاتِه.

علي الديري باحث ذكي صبور، تكوّن أكاديميًا في جامعات رصينة، وتشبّع بمناخات التراث في مرحلةٍ مبكرة من حياته، وواصل قراءتَه المتأنية حتى تمرّس بالغوص في بحوره. يغوص الديري لا ليلتقط اللآلئَ والجواهرَ من أعماق التراث، بل ليكتشف شيئًا من أنفاقه المميتة، ويدلّنا على قوةِ التراث واستحكامِ قبضته وتغلغلِه ونفوذِه في حياتنا أمس واليوم، وربما غدًا، إن لم نستأنف الحفرَ في أعماقه وتحريرَ مستقبلنا من سطوته.

ينبّهنا الديري إلى البنية الراسخة المؤسّسة لعلوم الدين، وكيف تم تَشْيِيد أركانها الأساسية، وأُحكمت طريقةُ تَشْيِيدها بحذقِ ومهارةِ المؤسّسين لعلوم الحديث والتفسير وأصول الفقه والفقه وعلم الكلام، بنحوٍ صارت تلك العلومُ ثوابتَ أبدية، كأنها هي الدينُ والدينُ هي. لم تخضع ظروفُ تأسيسها وتشكّلها للنظر والنقاش، وصارت وظائفُ مدارس ومعاهد التعليم الديني: حفظَها، وشرحَها، وتكريسَ حضورها، وصيانتَها، وحمايتَها من التصدّع والانهيار. اكتسبت علومُ التراث بمرور الزمان، بوصفها نشأت في أحضان الدين، شيئًا من هالة المقدّس، وصار تصدّعُ أيّ علم منها كأنه تصدّعٌ للمقدّس. المقدّسُ يحمي نفسَه من تحرشات العقل وتشكيكاته، ويعاندُ أيَّ نقدٍ يقتربُ من حدوده. اصطفّ أكثرُ دارسي التراث يحرسون هذه العلوم، ويمنعون أيةَ محاولةٍ لاستئناف النظر والنقاش في تشكّلها وصيرورتها، وطالما استنجدوا بقدسيتها، وخلعوا غطاءَ المقّدس عليها، كي يمنعوا العقلَ من الاقتراب منها، ويخيفوا مَنْ يجرؤ على الحفر في أزمنتها والوصول إلى لحظة تدشين أُسسها.

“خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ”، حديثٌ مروي في صحيح البخاري وغيره، تعاملَ معه كثيرٌ من مُحدِّثي ومؤرخي أمس بوصفه حقيقةً لا تقبل الشك، لورودِه في مصنفات معتبرة، ولحضورِه اللافت في مدونات الحديث والأخبار والتاريخ، وتكرارِه المتواصل في دروس معاهد التعليم الديني، وخطب منابر الجمعة، وتلقينِه قرونًا طويلة. نادرًا ما نرى مَنْ يتساءل عن عدم التطابق بين وقائعِ ومواقف وسلوك الصحابة والتابعين، والواقعِ المرير الذي عاشوه وعبّرت عنه مواقفُهم ونزاعاتُهم، إذ قُتِل ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين، وخاض الصحابةُ سلسلةَ حروب شرسة فيما بينهم، قبل أن يتصرّم نصفُ قرن على وفاة النبي محمد “ص”، فكيف تُوصَف أزمنةٌ كهذه بـ “خير القرون”، وكلُّ مَنْ له درايةٌ بالتاريخ يعرف أنها قرونٌ تعمّدت بالدم منذ بدايتها.

لم ينشغل الديري بتفحّصِ طرقِ نقل الحديث والتوقف عند توثيق مَنْ يرويه، بل تجاوز ذلك، بحسّه التاريخي الذي فرض حضورَه في هذا الكتاب، وحاول أن يخترق ما تراكم من ضباب التاريخ عبر أربعة عشر قرنًا، وينظر إلى الواقع الذي عاشه إنسانُ عصر البعثة كما هو، قدْرَ إمكانه، لا كما صوّرته مخيلةُ الراوي والمؤرخ والأديب والحكواتي. يتحدث المؤلف بشجاعة عن التاريخ كما حاكته الوقائعُ والأحداث والمواقف والصراعات المفجعة آنذاك، لا كما نسجت له المخيّلةُ صورًا خلابة آسرة فيما بعد. ينقِّب الديري بروّية عن دور السلطة في تسخير مَنْ ينتج لها معرفةً دينية تمكّنها من التحكّم بمعاشِ العباد ومعادِهم، وكأنه آثاريٌّ ينقِّب في مغارة عميقة عن جذور حضارة بائدة.

علي الديري ينفردُ بطرح أسئلةٍ منسية نادرًا ما يطرحها غيرُه. لا يغادرُ الأسئلةَ المنسية، إلى درجة يُعلِن السؤالُ عن حضورِه على غلافِ كتابه. سؤالُه يُحرِج ذهنَه فيقحمه بالتفكير في ما هو خارجَ الفضاء المتعارف للتفكير.كتاب “خير القرون: كيفَ نفهمُ الخيرَ في التاريخ؟”، ينطلق من سؤالٍ يسبقُ كلَّ الأسئلة، ويعيدُ النظرَ هذا السؤالُ في “الإسناد” الذي هو أحدُ المُسَلَّمَات المفروغِ من قبولها وتصديقها في التراث، والتعاملِ معها من دون أيّ تساؤل. يتقصّى المؤلفُ بواعثَ ظهور الإسناد وطرقَ استثماره وتوظيفه كأيديولوجيا للسلطة، وينبّه القارئَ إلى أنه يتحدّث: “عن الإسناد بما هو مؤسّسة، خطاب، دولة، خلافة، جماعة كبرى تتحكم، رؤية في التاريخ، صراع بين الجماعات المتحاربة، أي بما هو إرادة قوة، وإرادة حقيقة، وإرادة هيمنة”[2].  لا يتوقفُ في بحث الإسناد من حيث كونه أداةً لنقل الأحاديث، بل يخرج عن ذلك ليدرس: “كون الإسناد فكرة من التاريخ والسياسة والسلطة”[3]. ويسعى إلى أن يكتشفَ خلفياتِ نشأةِ الإسناد وحضورِه الواسع، وتحوّله إلى تقليدٍ راسخ عند تدوين الحديث والأخبار والآثار والتاريخ في القرون الثلاثة الأولى، وكيف استطاعت السلطةُ أن ترعى نشأتَه وتحتضنه وتستغلّه، وكيف اتخذ الإسنادُ هذه المكانةَ في التراث، بشكل صار معيارًا محوريًا في الاعتماد أو عدم الاعتماد على الخبر أو الرواية أو الأثر. اتسع نطاقُ الإسناد فخرج من كونه تقليدًا في التدوين إلى أداة سياسية، كما يشرح ذلك الديري بقوله: “إنه ليس علمًا خالصًا من السياسة، بل أنشأته السياسة والخلافات والصراعات، ونعرف أن السياسة حين تدخل في أي علم من العلوم تصبغهُ بالانحياز والتعصّب، وتدخل فيه تحكمات السلطة وإرادتها، فسيكون هذا العلم بيد من يملك القوة والسلطة، سلطة تقرير ما هو صحيح وما هو غير صحيح، ما هو من السنة وما هو من غير السنة، ما هو موثوق به وما هو ضعيف، وما يمثل نصاً دينياً معترفاً به أو خلافه”[4].

يكشف كتابُ الديري الصلةَ العضوية بين فكرة “خير القرون” و”الإسناد”، وكيف أنتج “الإسنادُ” فكرةَ “خير القرون”، وكيف “أغلقت مقولة خير القرون بواسطة الإسناد إمكانية قراءة هذا التاريخ في سياقه الحقيقي حيث الصراعات، لأنها حوّلت التاريخ إلى عقيدة مقدسة، لا يجوز لك أن ترى فيه إلا الخير .يكون التاريخ حيث الخير والشر في صراع دائم، فإسقاط الشر من حدث خير القرون يجعل منها قروناً مقدسة لا قروناً تاريخية”. ويرى أن “خير القرون” و”الإسناد” كلاهما أيديولوجيا صُنعَت برعاية السلطة، وصارت مكوّنًا أساسيًا في بناءِ علوم الدين واستثمارِها في خلع المشروعية الدينية على الخلافة وحمايتها، ويكشف عن أن: “فكرة قرون الخير هي إحدى نتائج هذا الإسناد. وبواسطة هذا الإسناد تمّ تحويل فكرة خير القرون إلى عقيدة، يُحاكم إيمان الآخرين وفقها، ووفق رؤيتها للتاريخ وخلافات الفتنة”[5].ويتسائل: “كيف أطمئن إلى إسناد تتحكم فيه انحيازات عرقية ومذهبية وأمصارية؟”.

علي الديري ينطلقُ من سؤالين كبيرين لم يفكّر فيهما مَنْ كتبَ علومَ الحديث وصنّف مَجَامِيْعَ الحَدِيْث. ‏السؤالُ الأول عن مقولة “خير القرون” الحديثية، والسؤالُ الثاني عن “الإسناد”. لم يبحث التفاصيلَ والفرعياتِ والصغريات، بل ذهب للأسئلة الكبيرة، وبتعبير أهل المنطق الأرسطي ذهب مباشرةً للكبريات، فدرسَ “‏الإسنادَ، وخيرَ القرون” بوصفهما أيديولوجيا مؤسسة المعرفة الدينية المُرتهنَة لمؤسسة السلطة. لو كان الديري يقرأ التراثَ بعيون أهل التراث لن يحضرَ في ذهنه هذان السؤالان، ولن يصل إلى إجابة علمية عنهما‏. الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة لم نقرأها في التراث وعلوم الحديث، بل نقرأها في أعمال ميشيل فوكو، ومن قبله نيتشه. في حفرياته المعرفية استطاع فوكو أن يكتشف الصلة العضوية بين المعرفة والسلطة، وخلص إلى أن كلَّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها وتحميها، وكلَّ معرفة تنتجُ سلطةً من جنسها وتحميها.

في كتاب “خَيرُ القُرون: كيفَ نفهمُ الخيرَ في التاريخ؟” ناقش الدكتور علي الديري نشأةَ “الإسناد” وتطورَه، بما هو أحد الركائز المحورية في علوم الدين التراثية، ولم يدرس الدورَ التأسيسي للإمام الشافعي “150 – 204 هـ“ ببناء هوية دينية لـ “الإسناد”، لأنه ما كان بالإمكان أن يحتلَ “الإسنادُ” هذه المكانة في التراث لولا ما قام به الشافعي من إضفاء المشروعية الدينية على “الإسناد” وتشييد أركان حجية “خبر الواحد”، واعتماده معيارًا أساسيًا في قبول الحديث، والاستناد إليه بشكل واسع في عمليات الاستنباط الفقهي.

منذ الشافعي كان ومازال أهم مبحث في أصول الفقه، يجري توظيفه بشكل واسع في الفقه هو “خبر الواحد”، بوصف هذا الخبر هو المنبع الأغزر لعملية الإستنباط الفقهي، والركيزة الأساسية لبناء ونمو وتطور المدونة الفقهية. لولا القول بحجية “خبر الواحد” وبناء علماء أصول الفقه عموديًا وأُفقيًا على ما أسسه الشافعي لما كان الفقه يتسع ويأخذ هذه المساحة المتضخمة، بالشكل الذي ضمر فيه وانحسر بالتدريج حضورُ الأبعاد الأخرى في الدين. لولا الاستعمال الواسع لخبر الواحد لما استُبعِدت مرجعية القرآن الكريم، وأُهمِلت دلالات أكثر آيات القرآن الميتافيزيقية والروحية والأخلاقية والتربوية.

رأي الشافعي كان أحد الآراء في خبر الواحد، غير ان رأيه فرض حضوره الحاسم، واستُبعِدت آراء أعلام تجاهلها الأصوليون عمدًا، حتى تم نسيانها وكأنها غير موجودة.كان النظّام وغيرُه لا يقبل خبر الواحد، كما أورد أبو الحسين البصري في المعتمد في أصول الفقه: “قال أكثر الناس إنه لا يقتضي العلم، وقال آخرون يقتضيه، واختلف هؤلاء فلم يشرط قوم من أهل الظاهر اقتران قرينة بالخبر، وشرط أبو إسحاق النظّام في اقتضاء الخبر العلم اقتران قرائن به، وقيل إنه شرط ذلك في التواتر أيضاً”[6]. و”روى الجاحظ في كتاب الأخبار أيضاً، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام، أنه قال في الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وكيف يجيز السامع صدق المخبر، إذا كان لا يضطره خبره، ولم يكن معه علم يدل على صدق غيبه، ولا شاهد قياس يصدقه، وكون الكذب غير مستحيل منه مع كثرة العلل التي يكذب الناس لها ودقة حيلهم فيها، ولو كان الصادق عند الله لا يكذب، والأمين لا يخون، والثقة لا ينسى، والوفي لا يغدر، لطابت المعيشة، ولسلموا من سوء العاقبة”[7]، وهكذا قال الماوردي: “الأصم وابن عُليَّة منعا من خبر الواحد”[8]، لكن عدمَ قبول النظّام والأصم وابن عُليَّة وغيرهم لخبر الواحد لم يؤثر على العمل به واعتماد حجّيته التي شيّدها الشافعي. موقف السلطة واحتضانها ودعمها لمتكلم أو أصولي أو فقيه أو مفسر أو مُحدِّث كان على الدوام هو الموقف الذي تتسيد فيه آراؤه، وتتحول إلى سلطة تمتلك المشروعية دينيًا وتنفيها عن غيرها، ويجري ترويج مؤلفاته وتبنيها في التعليم الديني، بغض النظر عن صواب تلك الآراء وعقلانيتها وتماسك براهينها.

كما لم يتسعَ كتابُ “خَيرُ القُرون: كيفَ نفهمُ الخيرَ في التاريخ؟” لدراسة السلفية، بما هي حاله متفشية في كلِّ الأديان. ركزَّ المؤلفُ على السلفية المتلفّعة بجلباب ابن تيمية، وكان عليه أن يشير إلى أن ليس هناك فرقٌ نوعيٌّ بين الاتجاهات السلفية للأديان والفرَق والمذاهب، سواءٌ أكانت سماوية أو أرضية. تتنوّع الأقنعةُ السلفية وتتعدّد إلا أن المضمونَ المتشدّد واحدٌ أيًا كان دينُ السلفي ومعتقده. السلفية كالأصولية والتراثية، مهما تنوّعت التسميات، تعكس تصورًا لا زمانيًا للعلوم والمعارف والهوية، ورؤية خاصة للعالَم، وبنيةً فكرية وعاطفية وسيكولوجية، وقراءةً حرفية مغلقة للنصوص. أقصدُ بالسلفية طريقةَ تفكيرٍ ورؤيةً للعالَم لا تنتمي للواقع، لا أقصد دينًا معينًا أو مذهبًا خاصًا أو فرقةً بذاتها. السلفيةُ كأنها وعاءٌ يمكن أن تشغله أيةُ أيديولوجيا وعقيدة، سواء أكانت دينيةً أو ماركسية أو عرقية. المواقفُ متشابهة، كلُّ سلفي مغلَق، بغضّ النظر عن عقيدته والأيديولوجيا التي تحرّكه، كلٌّ منهم يشعر بالاصطفاء لمعتقده وتراثه وهويته وماضيه وجماعته.

لعل أدقَّ تصوير لرؤية السلفي للعالَم هو ما كتبه هربرت جورج ويلز في قصة “بلد العميان” الصادرة سنة 1904، التي شرح فيها مصيرَ جماعةٍ من البشر معزولين عن الناس، يعيشون في وادٍ تحتضنه جبالٌ منيعة، يتفشى بينهم مرضٌ يفتك بأبصارهم، يتوارثُ هذا المرضَ الأبناءُ من الآباء، ويحيل الكلَّ إلى عميان. بعدَ أن يختفي من حياتهم البصرُ نهائيًا يموتُ المعنى الذي يدلّ عليه البصرُ في أذهانهم. عندما يصيرُ العمى شاملًا يترسخُ حضورُه بما هو معنىً لا مقابلَ له ينفيه، فيشعرون جميعًا أن العمى هو الحالة الطبيعية، وأن واديهم هو العالَم الذي لا عالَم خارجه.

التربيةُ السلفية في الأديان تجعلُ الإنسانَ يُضحّي بالحاضر والمستقبل من أجل ماضٍ رومانسي متخيَّل لم يتحقّق أمس، ويعتقد بأن وظيفتَه استئنافُ الماضي كما رسمته المخيلة، ومناهضةُ كلّ شيءٍ لم يقع في الماضي لأنه ابتداعٌ. لا يحدثُ تطورٌ في حياة المجتمع من دون إبداع، فإذا كان كلُّ إبداع ابتداع كيف يتطورُ المجتمع. هذه التربيةُ تُشعِر مَنْ يتشبّع بها وينحبس في إطارها بأنه الوكيلُ الحصريّ للحضرة الربوبية، والسلطانُ المتوّج بعناية إلهية استثنائية، والحاكمُ المفوّض بتفتيش الضمير الديني للناس ومعتقداتهم. يورّطُ هذا الشعورُ السلفيَّ بإصدار حكمه على مَنْ يشاء، يُدخِل للدين مَنْ يشاء، ويُخرِج من الدين مَنْ يشاء. وأحيانًا يقوده هذا الشعورُ لاستخدام العنف مع مَنْ يشاء، سواء أكان عنفًا لفظيًا، أو رمزيًا، وربما جسديًا.

لا أريد أن أستبق القارئَ وأختطف منه بهجةَ الاكتشاف، لذلك لم أقدّم عرضًا وتلخيصًا لمحتويات الكتاب. أنا كقارئ أتلذّذ بكل ّكتابة ثمينة أتعلّم منها، أو تثير في ذهني أسئلةً جديدة، أو تدعوني لإعادة النظر بواحدةٍ من قناعاتي، وتقوّض شيئًا من وثوقياتي. يكتشف القارئُ الخبير بالتراث أن هذا الكتابَ ينقله إلى أُفقٍ بديل لم يألفه في كتابات مماثِلة طالعها من قبل، ويضعه في مواجهة أسئلة منسية، ورؤى مختلفة، تجعله يُسائل قناعاتِه حيالَ التراث ويعيد النظر بجزمياته، إن قرأ هذا الكتابَ على مَهَلٍ وبتأمل.

تقديم لكتاب: خير القرون:كيفَ نفهمُ الخيرَ في التاريخ؟، تأليف: د. علي الديري، تقديم: د. عبد الجبار الرفاعي، يصدر قريبًا في بيروت عن دار الانتشار العربي.

موت الحرب عند جودت سعيد

كرّس الشيخ جودت سعيد حياتَه لمناهضة كلّ أشكال العنف. وظل يتحدثُ ويكتبُ عن أن اللاعنفَ ضرورةٌ تسبقُ كلَّ عملية بناء للإنسان والعيش المشترك وسلام المجتمعات والأوطان. كان مصرًا على مواقفه يكرّرها بلا ملل في مختلف المناسبات، وهو يستضيء بقول محمد إقبال: “ولحرفٍ واحد ألف مقال”، ويؤسّس عليه ليقول: “وكذلك الفكرة الواحدة كي تستوي على قدميها تحتاج إلى ألف مقال”[1].

تطور موقفُ جودت سعيد فرأى اللاعنفَ أساسًا ينبغي اعتمادُه في مختلف المواقف، واتخاذُه مبدأ شاملًا في الحياة، وكرّس جهودَه في الكتابة والخطابة من أجل توضيح ما يرمي إليه. يلخص جودت سعيد دعوتَه للاعنف في بعض كتاباته الأخيرة بـكلمتين، هما: “موت الحرب”، وهذا شعار رومانسي متخيل نتمناه جميعًا، ومازالت البشريةُ وستظل تحلم فيه حتى آخر إنسان يعيش على الأرض. لا يدلّل عيشُ الإنسان وصراعاتُه وحروبُه منذ أول عائلة في الأرض على واقعية شعار: “موت الحرب”، بدأ القتلُ بابن آدم الأول وسيبقى القتلُ إلى أن يموت أو يُقتل ابنُ آدم الأخير.

“موت الحرب” يُذكِّر القراءَ بمقولات: موت الله، موت الميتافيزيقا، نهاية التاريخ، وغير ذلك. الواقع يتنكّر لهذه الدعاوى، التاريخ يمضي عبر صيرورة متواصلة ولن يقف عند نهايٍة مادام هناك إنسانٌ في الأرض، الميتافيزيقا لن تموت مادام هناك عقلٌ يتسائل عن معنى الوجود والمبدأ والمصير، “اللهُ حيٌّ لا يموت” ما يموتُ هو صورُ الله المشتقة من الظلم والاضطهاد والاستبداد والطغيان. لن تموتَ الحربُ ولن يختفي العنفُ مادام هناك إنسانٌ يعيشُ في الأرض. “موتُ الحرب” بشرى سارة، لكن هذه البشرى تقفز للنتائج دون المرور بالمقدّمات. إثباتُها يتطلب أن نكتشف ما يختبئ في أعماق الإنسان أولًا، وندرس تاريخَ العنف والحروب في مختلف مراحل تاريخ الإنسان ثانيًا. ونختبر ما تستبطنه النفسُ الإنسانية من استعدادات ودوافع كامنة للتعصب والكراهية والشرّ، وتأثيرَ نمط عيش الإنسان، ونوعَ ثقافته، ومستوى تطوره الحضاري في إنتاج العنف. الإنسانُ هو الكائنُ الأكثر غموضًا والأعقدُ والأغربُ، والأشدُّ شعورًا بالألم في العالَم.كلّما اكتشف الإنسانُ سرًا وحلَّ لغزًا في طبيعته، وظنّ بأنه أدرك حقيقتهَ بتمامها، رأى سرًا خفيًا لم يكن يعرفه من قبل، فيعود ليعلن عن جهله بالمعرفة الكاملة للإنسان[2]. لم يتحدث جودت سعيد عن الخوف والقلق والألم الذي يستعر في باطن أكثر الناس، ولم يتنبه في كتاباته لبواعث العنف المستترة في النفس الإنسانية، وما تثيره الغيرةُ والتنافسُ والشعورُ بالإحباط عندما تستفزّ الإنسانَ نجاحاتُ غيره وتفوقُهم ومنجزاتُهم. ولم يتحدث عن التمثلات الرمزية للعنف وتعبيراته اللفظية وغيرها، وحضوره بأشكال مختلفة تتنوع بتنوع الأديان والثقافات والحضارات.

عندما نتأمل النفس الإنسانية نرى بواعث العنف كامنة فيها، منها الحاجة للتملّكِ في حياة الإنسان، وهي ضروريةٌ لاستمرار الحياة، ومواصلة العمل والمثابرة والانجاز. التملّك يشعر معه الإنسان بنوع من الأمان والثقة والسلطة. هذه الحاجة إذا لم تخضع لقوانين عادلة لا تقف عند حد نهائي، بل تنقلبُ الحاجةُ للتملّكِ إلى مشكلة لحظةَ تتضخم ليصبح موضوعُها امتلاك البشر بدلًا من امتلاك الأشياء، ومصادرة حرياتهم وحقوقهم، والتسلط عليهم والتحكم بمصائرهم. الشغف بالسلطة المطلقة ناتج عن حاجة الإنسان للخلود، لذلك عندما يستحوذُ شخصٌ على مثل هذه السلطة يستعبد كلَّ مَنْ يتسلط عليه، ويمارس كلَّ أشكال العنف ضده حين يشاء، وذلك يجعله يعيش حالة زهو واحساس هائل بالمتعة لا يجدها في غير السلطة.

وإن كان شعارُ “موت الحرب” ليس واقعيًا، غير أنه يكشف عن تشبّع روح جودت سعيد بالسلام في باطنه وظاهره، ويعبّر عن أمانيه الإنسانية المتفائلة، أكثر مما يتكشف فيه الواقعُ المركّب المتشابك، وما يباغت الإنسانَ فيه من 

عنف ينبعث من شتى العوامل، وما يهدّد الأمنَ البشري من حروب مريرة،كانت ومازالت وستظل تواكب تاريخَ الإنسان. العنف بما هو ظاهرةٌ مجتمعية بدأت بظهور الإنسان في الأرض. مادام هناك إنسانٌ هناك تنافسٌ ونزاعٌ وصراعٌ على الاستئثار بالسلطة والثروة واحتكار المعرفة وغير ذلك، ذلك هو وقودُ العنف والحرب. لا تخمد الحربُ إلا بتسويات واقعية تحسم النزاعاتِ سلميًا في بعض الحالات.

“موتُ الحرب” أمنيةٌ مستحيلة التحقّق مادام الإنسانُ إنسانًا. الحربُ ليست طارئةً في التاريخ، قوةُ العنف واستمرارُ الحروب قاد فلاسفةَ التاريخ للقول بأنها عاملٌ أساسي في نشأة الحضارات وازدهارها وانهيارها. ‏لولا حروبُ أوروبا الاستعمارية وإخضاعُ ‏مساحات شاسعة من الأرض لهيمنتها ونهبُ ثروات أهلها في أفريقيا وآسيا والأمريكتين، ‏لم تحدث الثورةُ الصناعية ولا التقدّم الذي وصلت إليه أوروبا ‏في العصر الحديث. لولا الفتوحاتُ الإسلامية ما ساد الإسلامُ في العالم القديم من الأندلس إلى حدود الصين.

في كتابات جودت لم يتميز بوضوح العنفُ الذي تعتقد الجماعات الدينية المقاتلة بأنه أحدُ أهداف الدين المحورية، عن العنفِ بدوافع غير دينية، الناتجِ عن بواعث الغيرة والتعصّب العميقة في شخصية الإنسان، والصراعاتِ على السلطة والثروة وشبكات المصالح المختلفة. عقائدُ القتل مشتقةٌ في الأديان من طريقةِ تعريفها للدين، وفهمِها لوظيفته في الحياة، وكيفيةِ تفسيرها لنصوصه، ونظامِ إنتاجها للمتخيَّل، وطريقة تعريفها لنفسها في فضاء المتخيَّل. قبضةُ المتخيَّل شديدةُ الوطأة، يفرضُ المتخيَّلُ حضورَ الماضي بشدّة، وإذا طغى الماضي يحجبُ الحاضرَ والمستقبل. ‏النزاعاتُ والكراهيات والعنف والحروب تعيشُ على كراهيات وإكراهات المتخيَّل.

مَنْ يريدُ تحريرَ التديّن من العنف عليه أن يحدّد أولًا تعريفَه للدين، وكيفيةَ تفسيره لنصوصه في ضوء ما ينشده من الدين ثانيًا، والتخلّص من تعليم المقولات الكلامية للتكفير والفرقة الناجية والفرق الهالكة في معاهد التعليم الديني 

التقليدية والجامعات الإسلامية الحديثة، وما يبتني عليها من فتاوى الارتداد والتكفير. لا يمكن تحريرُ التديّن من العنف مالم يتأسّس ذلك على: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”[3]، وما ينطق بمضمونها في القرآن الكريم، بشرط وضع أسس لكيفية التعامل مع الآيات المعارضة لمضمونها. وتوظيف آراء وفتاوى المجتهدين المواكبة للحياة في التعليم الديني، مثل قول الشيخ محمد عبده: “إذا صدر قولٌ من قائلٍ يحتملُ الكفرَ من مائة وجه ويحتملُ الإيمانَ من وجهٍ واحد حُمِل على الإيمان، ولا يجوزُ حملُه على الكفر”[4].

كلُّ مَنْ يحاولُ أن يؤسّسَ للسلام في الدين عليه أن يُعيدَ تعريفَ الدين، ويكتشفَ رسالتَه في حياة الإنسان، وأفقَ انتظار الإنسان منه. بلا إعادةِ تعريف الدين، وعدمِ بيان حدود وظيفته في الأرض بشكلٍ واضح، تظلّ دعواتُ السلام يلفّها الغموضُ واللاواقعية، ولا تخرج عن كونها شعاراتٍ حالمةً في واقعٍ يتكلمُ لغةً ويخضعُ لمعاييرَ ترفض لغةَ السلام ومعاييرَه. الدينُ -كما أفهمه – حياةٌ في أُفق المعنى، يوقظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يحتاجه الإنسانُ كي يشعر بالأمن والسكينة. في ضوء هذا التعريف لن يجدَ العنفُ موضعًا بما هو مقوّم للدين، ولا يكون العنفُ مكونًا أساسيًا له، بل ينقضُ العنفُ تعريفَ الدين، ويُعطِّل المعنى الذي يُلهِمُه لحياة الإنسان[5].

النوايا الطيبة والقناعاتُ والتفكيرُ الرغبوي لا تغيِّر الواقعَ المرير. النصوصُ الدينية المنتقاة وحدَها لا تكفي لتغيير الواقع.كان جودت سعيد كغيره انتقائيًا، يلتقط آيةً من القرآن الكريم أو حديثًا من مصنفات السُنة النبوية الشريفة، ويغضّ النظرَ عما يعارض الآيةَ أو الحديث الذي يستدلّ به. ركزَّ جودت على حديث جاء فيه: “قلت يارسول الله أرأيت إن دخل عليّ بيتي، وبسط يده ليقتلني؟! قال: فقال رسول الله: كن كابن آدم”[6]. في الوقت الذي يلتقط جودت هذا الحديث، لا يضع قاعدةً تعالج أحاديثَ شهيرة تدعو للقتال والجهاد في مصنفات الحديث، وهكذا أمثالها في آيات القرآن، ولا ينظر لأحكام الجهاد المتوارثة في مدونة الفقه. اتخذ جودت: “كن كابن آدم” شعارًا استند إليه في أحاديثه وكتاباته، ولم ينشغل بإعادةِ تعريف الدين، وبناءِ قاعدة تحلّ التعارضَ بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى العديدة المخالفة له في دلالتها، ولم يؤسّس قاعدةً ترجّح دلالتَه وتتخذها أصلًا ينفي دلالةَ كلّ ما يعارضه.

الثغرةُ المنهجية في هذه الكتابات وأمثالها أنها لم تنشغل ببناءِ رؤيةٍ منهجية شاملة لكيفيةِ تفسير آيات الجهاد والقتال والحرب في القرآن الكريم وبيانِ موقف المسلم اليوم منها. لم تتأسّس هذه القناعاتُ على رؤيةٍ نظرية ومنهجٍ واضح للتعامل مع آيات القرآن الكريم والسُنة الشريفة التي تتحدث عن الجهاد وحمل السيف، ولم تنشغل ببيان كيفية التعامل مع الأحاديث المتنوعة في هذه الأبواب من مصنفات الحديث، لذلك تظلّ المواقفُ في كتابات جودت سعيد وغيره انتقائية، تفتقر لبناء رؤيةٍ شاملة يمكن اعتمادُها أداةً محورية لتفسيرِ مثل تلك الآيات في القرآن وفهمِ تلك الأحاديث في السُّنة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سعيد، جودت، مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العمل الإسلامي، ص 16.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير ببيروت.

[3] البقرة، 256.

[4] عبده، محمد، الإسلام بين العلم والمدنية، ص76 ــ 77، دار المصري للثقافة والنشر، دمشق.

[5] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والكرامة الإنسانية، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير ببيروت.

[6] سعيد، جودت، مصدر سابق، ص 234.

مالك بن نبي والقابلية للاستعمار

 

 

برعَ مالكُ بصياغة معادلات تنطوي على تجريد رياضي يعكس البنيةَ الذهنية لتكوين مهندس، واستطاع بمهارة نحتَ معجمه الاصطلاحي الخاص. أسهمت دراستُه وهو يتخصّص في الهندسة الكهربائية بمدرسة اللاسلكي بباريس ببناء عقليته رياضيًا، كما جاء في مذكراته: “ودخل من خلالها إلى مناخ الكم والكيف حيث يخضع كل شيء إلى المقياس الدقيق، ويتسم فيه الفرد أول ما يتسم بميزات الضبط والملاحظة”. ويصف ولعَه بالرياضيات بقوله: ‏”وكانت مادة الرياضيات تمارس عليّ نوعًا من السحر الأخّاذ الذي يستبد بي كاملًا، فتجدني ألقى في المعادلات والصيغ نوعًا من الشعر الآسر أعظم مما أجد في الأبيات”[1].

   قدّم مالك بن نبي تفسيرًا للتخلف والانحطاط في عالَم الإسلام في سلسلة “مشكلات الحضارة”، فصاغ معادلةَ الحضارة من عناصر: “الإنسان، والتراب، والوقت”. ورسمَ مراحلَ الدورة الحضارية هكذا: “مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة”، في المرحلة الأخيرة يدخل المجتمع نفقَ الانحطاط، ويمسى: “مكبلًا بذهان السهولة والاستحالة، فلا يستطيع فعل شيء”. يؤرخ مالك لنهاية مرحلة الروح بحرب صفين، وبسقوط الموحدين تنتهي مرحلةُ العقل وتبدأ مرحلةُ الغريزة. في رأيه بلغت حضارةُ الإسلام دورتَها الكاملة عند مجتمع الموحدين، وعند سقوطهم انحدرت إلى مرحلة انحطاطها.

  كان مالك بن نبي دقيقًا في توصيف “القابلية للاستعمار”، التي تحدّث عنها في كتاب “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، وأشار إليها في أعماله الأخرى. يرى بن نبي أن القابلية للخضوع للمستعمِر في “محور طنجة جاكارتا” مقابل “محور موسكو واشنطن”، هي العامل الأساسي لقبول الاستعمار وتمكّنه واستمراره. في هذه القابلية تكمن مشكلةُ الإنسان المستعمَر، بوصفها توفر أرضيةً مجتمعية واستعدادًا للاستعمار، استعدادُ مَنْ أدمن التقليدَ والانقيادَ والخضوع. في إشارة دالة لمعاناته يكشف بن نبي موقفَ المجتمع منه ومن أمثاله المناهضين للاستعمار، إذ يقول: “العقلية الأهلية والقابلية للاستعمار هما دومًا أفضل وسائل الادارة الاستعمارية ضدي، وضد أي أحد يسوقه سوء حظه ليطلع على اللعبة بوضوح”[2].

    لم يخرج بن نبي كثيرًا على رأي ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب. لا أظنُ “القابلية للاستعمار” بعيدةً عن القول: “إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، الذي شرح أسبابَه ابنُ خلدون بقوله: “والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدًا تعتقد الكمال في مَنْ غلبها وانقادت إليه، إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ إنّما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتّصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبّهت به، وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أنّ غلب الغالب لها ليس بعصبيّة ولا قوّة بأس، وإنّما هو بما انتحله من العوائد والمذاهب، تغالط أيضًا بذلك عن الغلب، وهذا راجع للأوّل ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتّخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله. وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبّهين بهم دائمًا، وما ذلك إلّا لاعتقادهم الكمال فيهم، وانظر إلى كلّ قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زيّ الحامية وجند السّلطان في الأكثر لأنّهم الغالبون لهم، حتّى أنّه إذا كانت أمّة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التّشبّه والاقتداء حظّ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنّك تجدهم يتشبّهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم، حتّى في رسم التّماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتّى لقد يستشعر من ذلك النّاظر بعين الحكمة أنّه من علامات الاستيلاء والأمر للَّه. وتأمّل في هذا سرّ قولهم العامّة على دين الملك فإنّه من بابه، إذ الملك غالب لمن تحت يده والرّعيّة مقتدون به، لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلّمين بمعلّميهم. والله العليم الحكيم وبه سبحانه وتعالى التّوفيق”[3].

 ركّزَ مالك على العوامل التربوية والثقافية والمدنية في بناء الحضارة، إلا أن أكثر معادلاته لا تخلو من مثالية تحلم بتمنيات لا يمكنها التحقّقُ في واقع المسلمين، وأحيانًا تتورط بتعميم يختفي فيه التمايزُ الواضح داخل “محور طنجة جاكارتا”، ذلك المحور المتنوّع بلغاته وثقافاته وإثنياته، وميراثه الحضاري قبل الإسلام، والمتعدّد بهوياته. يرى الإنسانُ التمايزَ بين الإسلام الأندونيسي والإسلام العربي والإسلام التركي والإسلام الايراني والإسلام الأندلسي، وغير ذلك من تمثلات الإسلام في المجتمعات المعتنِقة له، بل يرى التمايزَ بين إسلام بدوي وإسلام ريفي وإسلام حضري في مجتمع واحد. المشتركُ الإسلامي واحدٌ، غير أن الإسلامَ بوصفه تدينًا وثقافة تتنوّع تعبيراتُه في المجتمعات على وفق السياقات التاريخية للهوية القومية للمجتمع ولغته وثقافته وحضارته ونوع ديانته ونمط تدينه قبل الإسلام[4].

  لا يخفي بن نبي تفاؤله، وهو يراهن على مواقف زعماء كجمال عبد الناصر وغيره في “حركة عدم الانحياز”، وإغواء خطاباتهم المولعة بإنتاج بروبغاندا دعائية لمشاريع أصداؤها صاخبة في وسائل الإعلام، إلا أنها لم تجد حضورًا فاعلًا يومًا ما على الأرض. “فكرة كمنويلث إسلامي”[5] يحاكي فيها مالك “مؤتمر باندونغ”[6] لحركة عدم الانحياز، ولبث يراهن عليها كلَّ حياته. استفز الاخوانَ المسلمين موقفُ مالك بن نبي واهتمامُه بدعوة جمال عبد الناصر لعدم الانحياز، وربما كان ذلك أحدَ أسباب عدم حماسهم لفكره.

  التقط قراءٌ نابهون، ممن ابتعدوا عن التنظيم الحركي في الإسلام السياسي، ما أنجزه مالكُ بن نبي ببناء أرضية نظرية للصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، فانطلقوا منها لصياغة رؤية للمقاومة المعرفية لعلوم وآداب وفنون الغرب، فأعلنوا عن محليتها ونسبيتها، وتنكّروا للمشترَك الإنساني فيها خارجَ الزمان والمكان، وتجاهلوا أبعادَها الكونية خارجَ السياقات الحضارية الخاصة. انطلق مشروعُ إسلامية المعرفة من الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب،وشكّلت مُسلَمة هذا الصراع أرضية لذلك. وفي ضوئها تأسّس: “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، وغيرُه من مؤسّسات ومراكز دراسات وجامعات في مختلف البلدان، غايتُها إعادة إنتاج العلوم والمعارف والآداب والفنون البشرية في إطار المعتقَد والهوية. رصدت مراكزُ الدراسات هذه والجامعات مبالغ وفيرة، وعقدت عشرات المؤتمرات والندوات، وأصدرت آلاف المطبوعات بمختلف اللغات، غير أنها أخفقت في إنجاز أي شيء من وعودها. مضى نصفُ قرن ضاعت فيه الفرصُ والأموالُ والجهود، ولم نقرأ شيئًا ذا قيمة ينجح في الاختبارات العلمية الجادة، ويفرض نفسَه في الحقل العلمي ويحقّق مثالَه في الواقع. ما يسمى بـ : أسلمة علم النفس، وأسلمة علم الاجتماع، وأسلمة الأنثروبولوجيا، وأسلمة علم الاقتصاد، وأسلمة علم التاريخ، وأسلمة الأدب، وأسلمة الفن، كلُّ ذلك مازال في طور أحلام تعكس تمنيات هي أقرب للأوهام من كونها محاولات جادة في البحث العلمي.

   لا يمكن عزلُ فكر المفكّر عن ‏الواقع الذي كان يعيشه، أيُّ مفكر يتعرض للظلم والاضطهاد والإهانة لا يستطيع التحكمَ بانفعالاته وغضبه. مضافًا إلى شعور مالك بن نبي بجرح استعمار الجزائر، تعرّض مالكُ أيضًا للجوع والحرمان من فرصة عمل تليق به في باريس ووطنه الجزائر، فاضطر في بعض الأوقات للعمل بمهن خدمية شاقة.كان بن نبي عزيزَ النفس شديدَ الشعور بالكرامة، عزةُ نفسه وكرامتُه أعجزت عقلُه من كبت انفعالاتِ مشاعره وغضبه في بعض المواضع من كتاباته. أحيانًا جاءت أحكامُه إثر غضبه بسبب خلافات شخصية،كما ‏حدث بينه والشيخ العربي التبسي بالجزائر، الذي يصفه بالشيخ الأزهري الزيتوني.كتب مالك بن نبي في سياق عرضه لسبب هذا الخلاف يقول: “‏ومن يومها أصبحت استفظع ثقافة الأزهر والزيتونة التي تقتل الضمائر والأرواح، واعتبرها أسوأ كارثة يمكن أن تهدد العالم الإسلامي. وحتى يعيش الإسلام أو يُبعَث من جديد في الضمائر، يجب تخليصه مما يسمى اليوم الثقافة الإسلامية. هذه الثقافة التي تلوث الأرواح، وتذل الطبائع، وتضعف الضمائر، وتخنث الفضائل. وعندي اليوم هذه القناعة أكثر من أي وقت مضى. وليس من قبيل الصدفة أن رجلًا كحسن البنا ليس في تكوينه شيء يدين به للأزهر أو للزيتونة”[7]. ليت مالك بن نبي حيًا ليرى مصائر رهانه على حسن البنا، وكيف فشلت دعوته وأفشلت بناء الدولة عندما تمكنت من السلطة في عدة بلدان. تلوح في كتابات مالك بن نبي بصمةُ لاهوت التحرير. ‏لاهوتُ التحرير يرى العنفَ مكونًا أساسيًا لماهية الدين، ‏لاهوتُ التحرير نسخةٌ أخرى للإسلام السياسي. لا تطابقَ بين رؤيةِ لاهوت الحرية لله والإنسان والعالَم ورؤيةِ لاهوت التحرير.

    مالكُ بن نبي من أكثرِ مفكري الإسلام اهتمامًا بتشريح مشكلات الحضارة. أحدُ مداخله الأساسية لتفسير هذه المشكلات الصراعُ الحضاري بين الشرق والغرب، وكأنه يستأنف مقولةَ الشاعر الإنجليزي “روديارد كبلنغ” في نهاية القرن التاسع عشر: ‏”الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”. عندما يتأمل الباحثُ كتاباتِ مالك بن نبي يجدها تجعل القارئَ العادي أكثرَ استعدادًا لقبولِ تصنيفِ العالَم إلى فسطاطين لن يلتقيا أبدًا، وربطِ كلّ مشكلات الواقع بعوامل خارجية.

  لا أريدُ أن أنفي جرائمَ الاستعمار الشنيعة، ولا أتجاهلُ إبادتَه للسكان الأصليين في الأمريكتين واستراليا، واسترقاقَه للأفارقة وغيرهم، ونهبَه لثروات البلدان المستعمَرة، وما تركه من مآسٍ في بلادنا. لا إنسانيةَ لدى الاستعمار بكلِّ أشكاله، الاستعمارُ يعكسُ أبشعَ صور موت الضمير الأخلاقي ‏في العصر الحديث. انتهاكُ الاستعمار لكرامة مالك بن نبي الشخصية، وجروحُ هويته وأهله في الجزائر، أوقعَ فكرَه في أسر المعتقَد والهوية، ووضعَ ذهنَه داخل إطار مغلَق لم يستطع التحررَ منه. انحباسُ الذهن في أفق المعتقَد والهوية يعجزه عن التفكير العلمي بحرية. الصراع الحضاري تحوّل إلى أداة تفسيرية لمختلف المشكلات، وصارت تبرئةُ الذات ذريعةً لتجاهل العوامل الداخلية للتخلّف.كان ومازال التفسيرُ التآمري أداةً لتشخيص عوامل الفشل في بلادنا للأيديولوجيات اليسارية والقومية والدينية، وذريعةً لتجاهل العوامل المجتمعية، مضافًا إلى عمل التفسير التآمري على تجذير كراهية المختلف.

[1] بن نبي، مالك، العفن: مذكرات، ترجمة: نور الدين خندوي، ص 50، ط1، 2007، الجزائر.

[2] بن نبي، مالك، العفن: مذكرات، مصدر سابق، ص 149.

[3] ابن خلدون، الفصل 23 من المقدمة.

[4] راجع سلسلة: الإسلام واحدًا ومتعددًا، صدر منها عن دار الطليعة ببيروت نحو 20 كتابًا بإشراف: د. عبد المجيد الشرفي.

[5] “فكرة كمنويلث إسلامي” أحد مؤلفات مالك بن نبي.

[6] “مؤتمر باندونغ” انعقد في مدينة باندونغ الاندونيسية بتاريخ 24 أبريل 1955، شاركت فيه وفود 29 دولة أفريقية وآسيوية، وانطلقت منه حركة عدم الانحياز.

[7] بن نبي، مالك، العفن: مذكرات، مصدر سابق، ص 155-156.

نقد تصوف الإستعباد

في التصوّف قيمٌ إنسانيةٌ كونيةٌ أبدية، كالمحبّةِ والتراحم والشفقة والسلام، والصدق والأمانة، والخيرِ والحقّ والعدل والتكافل، وتذوّقِ التجليات الوجودية للجمال الإلهي. ‏هذه القيمُ الإنسانيةُ هي ما يبقى من تراث التصوّف وغيره في كلِّ زمان ومكان.كلُّ ما هو مرآةٌ للعصر الذي ظهر فيه من التراث، وما فرضته ضروراتٌ واحتياجاتٌ زمنية، وإكراهاتٌ وثقافاتٌ محلية، يظل محكومًا بمشروطياتِ عصره، لافتقاره لما يمدّه بالحياة في غير زمانه، لذلك لا يصحّ تعميمُه لكلِّ العصور.

تراثُ التصوّف بحرٌ عميق يضمُ عناصرَ غير متجانسة، ففي الوقت الذي نرى اللآلئ والجواهرَ النفيسةَ تعيشُ بباطنه، نراه يتسعُ بجوارها لأشياء غير ثمينة، وأحيانًا أشياء سامّة. اللآلئ والجواهر النفيسة في تراث التصوّف الواسع لا يصطادها إلا صيّادٌ متمرّس خبير.

وبغيةَ اصطفاء ما يصلح منطلقاتٍ أساسيةً لبناء رؤية اعتقادية تتحرّر من إكراهاتِ التاريخ وتناقضاتِه، ورؤيةٍ للعالم تواكب التحوّلات العظمى في نمط حضور الإنسان في العالم اليوم، تنبغي الإفادةُ من تراث التصوّف المعرفي، لكن لا بمعنى الضياع في مداراته الواسعة، بل بتوظيف ما هو حيّ من مقولاته ومفاهيمه، والتعاطي معها بوصفها مصباحًا ينير الطريقَ لاجتهاد ينشد صياغةَ رؤية للعالم، يتبصّر بها المسلمُ طريقَ خلاصه من المتاهات، ويهتدي لحضورٍ فاعل مؤثّر في العالم الذي يعيش فيه.

تظلّ الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوّف المعرفي اجتهادًا في فهم التوحيد وتصورًا لبناء نمط الصلة بالله، وكلُّ اجتهاد لا ينفي اجتهادًا مغايرًا ينبثق في عصر لاحق. فشيءٌ من فهمِ محيي الدين بن عربي وغيرِه من العرفاء مرآةُ العصر الذي عاشوا فيه، ولا يمكن أن يتحرّر كلُّ فهمٍ للدين ونصوصِه من الأفق التاريخي الذي ينبثق فيه. لذلك ينبغي على المجتهد في هذا المضمار ألّا يقلّد ابنَ عربي أو غيرَه ولا يستنسخه كما هو، بل عليه أن يقدّم فهمًا للتوحيد يوظّف ما انتهت إليه رؤيته في سياق الواقع الذي يعيشه المسلمُ اليوم، وما يواجه وجودَه وحياتَه الروحية والأخلاقية من تحديات ومشكلات.

تشتدُّ الحاجةُ اليومَ لاستئنافِ النظر في تراث التصوّف المعرفي، والتوغّلِ في طبقاته المتراكمة وغربلتِها وتمحيصِها، واصطيادِ ما هو ضروري منها للعيش المشترك في إطار التنوع والاختلاف؛كالقولِ بالنجاة لكلِّ مَنْ كان اعتقادُه راسخًا بصورة الله في ضميره، والقولِ بالتعدّدية وتنوّع الطرق إلى الله، وتوظيفِ شيء من مفاهيمه في بناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. تراثُ التصوّف ينتمي لعصره، ولم يتحرّر كلّيًا من إكراهاته وملابساته ورهاناته ومشكلاته، فقد تجد أحيانًا في آثار عارف كبير كمحيي الدين بن عربي مقولاتٍ ومفاهيمَ ومواقفَ متضادّة، يحيل بعضُها إلى مرجعيات كلامية وفقهية مغلقة، بموازاة المساحة الشاسعة والعميقة لمقولات ومفاهيم ومواقف التصوّف المعرفي المنفتحة الحرّة.

على الباحث في التصوّف أن ينتبه إلى أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالَمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوال ذلك العصر ومختلفُ ملابساته وشجونه. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي.

لا تخلو آثارُ ابنِ عربي وبعضِ العرفاء من تناقضٍ ظاهري، كما أنَّ بعضَها مكتوبٌ بلغة رمزية، لا يتطابق ظاهرُ الألفاظ فيها أحيانًا مع مقاصد المؤلّف، وربما تعمّد ابنُ عربي الإبهامَ والغموضَ، لذلك حرص في بعض كتبه أن يتحدّث عن «عقيدة الخلاصة» في مواضع متفرّقة من كتاب واحد، فنجده يصرّح بذلك في الفتوحات المكية قائلًا: «وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، ولكن جئتُ بها مبدَّدَةً في أبواب هذا الكتاب، مستوفاة مبينة، ولكنها كما ذكرنا متفرقة».

كذلك يرى القارئُ في كتاباته تداخُلًا بين أكثر من نظام معرفي، ومقولاتٍ كلاميةً لا تلتقي مع فهمِه للتَّوحيد، ويقرأ رؤىً له تستقي من منابع متضادة. عندما تقرأ عباراتِه تجده أحيانًا وكأنه باطنيٌّ مع الباطنيين، ظاهريٌّ مع الظاهريين، فقيهٌ مع فقهاء الظاهرية، متكلّمٌ مع متكلمي الأشعرية، فيلسوفٌ مع الفلاسفة الذين يتمسّكون بالبراهين العقلية ويدلّلون على مقولاتهم بحجج منطقية، عارفٌ يعتمد الإشراقَ والكشفَ والمشاهدةَ والذوقَ في تسويغ مقولاته، متصوّف مع متصوّفة الطرق الصوفية المنطوين على الذات في انسحابهم عن الحياة، ممن يرون أن الطريقَ إلى الله يمرّ عبر الهروب من متطلبات الجسد الأساسية وحاجاته الضرورية، ويسرفون في اعتزال الناس في خلواتهم وينشغلون بالصمت والجوع والبكاء والسهر، وينهمكون في ترديد الأذكار، وفي رياضات تنهك الجسد.

لا شك أن هذا الضربَ من الارتياض الذي يدعونا إليه هؤلاء لا يمكن أن يصبح وصفةً جاهزةً لبناءِ شخصيَّة روحية أخلاقية سليمة، وقد يفضي إلى بعض الأمراض النفسية وحتى الأخلاقية. وذلك ما يدعونا إلى التحذير من التورُّط في استحضار التراث وتبنّيه كما هو، سواء كان تراثًا روحيًا أو أخلاقيًا أو عقائديًا، حتى تراث العرفاء كمحيي الدين بن عربي يلزم التعاطي معه بيقظة ومهارة الخبير بتفاصيل منظومته المعرفية «المبدّدة» في مجموعةِ أعماله، وممن يعرف جيدًا متطلباتِ حياة المسلم اليوم، والقادر على استلهام شيء من هذا التراث الذي يصلح أن يكون منطلقًا لإغناء راهن الحياة الروحية والأخلاقية في عالَم الإسلام.

بعضُ أنماط التربية الروحية في التصوّف تتنكّرُ للطبيعة الإنسانية، فتسرف في ترويضِ الجسد، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، وممارسةِ بعض التمارين القاسية العنيفة لترويض الإنسان. هذه الأساليبُ من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلب الطرق الصوفية. لا يطيقُ الإنسانُ التقشفَ الشديد والتنازلَ عن معظم الاحتياجات الأساسية للجسد، ولا يتحمل الإكراهَ القسري لطبيعته على ما لا تُطيقُه. التنكرُ لهذه الاحتياجات أحدُ منزلقات التربية لدى كثيرٍ من المتصوّفة والرهبان في كلِّ الأديان، وقد كانت ومازالت سببًا لانشطار شخصية بعض هؤلاء واضطراب سلوكهم. الارتياضُ العنيف الذي يتنكر لاحتياجات الإنسان الجسدية والنفسية والعاطفية والعقلية، طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وأحيانًا أنتج أمراضًا نفسية وأخلاقية مزمنة.

الأركانُ الأربعة المعتمَدة في الطريقة الأكبرية مثلًا، هي: (الخلوة، والصمت، والجوع، والسهر). هذه الأركان تقودُ الإنسانَ للانطواء على الذات، والانسحاب من الحياة والعزلة، شاء أم أبى. ابنُ عربي يستغرق في تأويلات تفصيلية لكلِّ واحد منها، فهو يشترط مثلًا أن تكون الخلوةُ للسالك مختلفةً عن طريقة الرهبان المسيحيين والبراهمة، لكنا لا نفهم كيف يعتزل المتصوّف الناسَ في خلوته، وينشغل بالصمت والجوع والسهر، من دون أن تكون تلك رهبنة. أليس ذلك الاختلافُ شكليًا، ولا يعدو إلا أن يكون اختلافًا في التسمية فقط؟            يتحدّث أحمد بن سليمان النقشبندي عن سبع صيغ للأذكار في طريقة ابن عربي، وهي: “لا إله إلا الله” تكرر 1100 مرة، “الله” تكرر 100000 مرة، “هو” تكرر 90000 مرة، “حي” تكرر 70000 مرة، “قيّوم” تكرر 90000 مرة، “رحمن” تكرر 95000 مرة، “رحيم” تكرر 100000 مرة. يحتاجُ الإنسانُ إلى تفرغٍ ووقت وطاقة هائلة لتكرار الكلمات والعبارات نفسها آلاف المرات، بشكل أقرب للميكانيكي الذي قلّما يلامس القلب. تكرارُ هذا النوع من الذكر لا أظنه الطريقَ لوثبة الروح، ولا أخاله يعملُ على إيقاظ القلب. وثبةُ الروحِ وإيقاظُ القلبِ يتطلبان كثيرًا من التدبر الصامت والهدوء والطمأنينة، والتفكّرِ في خلق السماوات والأرض: “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”. لا يُنكَر أن تكرارَ الكلماتِ والعبارات ذاتها بأنغام وألحان وإيقاع جماعي مثير؛ يمكن أن يُشعلَ المشاعر، ويوقدَ العواطف، ويُلهِب الحماس، وربما يبعثُ شيئًا من الانشراح. إلا أن ذلك لا يوازي ما تورثه هذه الفعاليةُ من إهدار لوقت الإنسان، واستنزاف لطاقته، وتعطيل لعقله، وإغراق تفكيره في حالة غَيْبُوبَة.

هذا النوعُ من الانصراف عن الحياة المجتمعية ينتهي إلى منفى اختياري، لا يتناسبُ إلا مع حياة رهبان يعيشون عزلةً عن الناس، لا يستمعون في عزلتهم إلّا لصدى أذكارهم. يستسلمون لتعاليم جاهزة تستنزفُ طاقتَهم، لا يفكرون في آثارها، ويغفلون عن ضياعهم في الانهماك فيها.  لا يتناسبُ هذا الانخراطُ في العزلة مع حياة الإنسان الذي يهمُهُ إعمارَ الأرض والعملَ والبناء والإنتاج، ويتعارضُ مع مَنْ ينشدُ العيشَ في الواقع الذي يضجّ بمختلف التحديات والمشاكل والآلام. ولا يتقبله مَنْ يتحملُ مسؤوليةً أخلاقية تجاه الإنسان وقضاياه العادلة، ولا يتخاذلُ أو يتهربُ من وظيفة الاستخلاف في الأرض، وتسخيرِ الطبيعة واستثمارِ مواردها فيما ينفعُ الناس.

التشديدُ على تقليد أقطاب التصوّف في سلوكهم، والحثُّ على تقمصِ حياتههم الخاصة، والوقوع في أسرِ تعاليمهم يمسخُ الإنسانَ فيصيّره كائنًا شبحيًا، يفتقد أيّةَ ملامح شخصية يختصُ بها ويتميزُ عن غيره. تصوّف الاستعباد يؤكدُ على الاستسلامِ والسمعِ والطاعة، والتخلي عن الإرادة الذاتية. الطاعةُ بهذا الفهم تعني انقيادَ الإنسان ورضوخَه وخضوعَه الكامل للشيخ، وتنازلَه عن ذاته وحقوقه وحرياته، وقد يصلُ ذلك إلى استعداده للتنازل عن كرامته. ربما يوصي بعضُ شيوخ التصوّف المريدَ بشيء من الممارسات المبتذَلة مما يستبشعها الذوقُ السليم. بعضُ الطرق الصوفية ترى التنكيلَ بالنفس ضرورة تربوية للسالك، حتى لو لجأ للتسوّل والتسكع في الطرقات.

شيوخُ التصوّف بشرٌ تورّطَ مريدوهم في تقديسِ آرائهم، وتوثينِ سلوكهم، وتحويلِ شخصياتهم إلى أصنام. تمادى المريدُ في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالتْ تعاليمُ الشيخ في وجدان الأتباع فصارت سجنًا لهم، بنحوٍ صار المريدُ يرضخُ لها حدّ محو شخصيته ونسيان ذاته، وانتهت إلى تكبيلِهم وعجزهم وشلِّ حركتهم. المشكلةُ العميقة في تصوّف الاستعباد أنه يبرع في نحت أوثان البشرية، بنحو صار جلالُ الدين الرومي المتخيَّل مثلًا في وجدان الكثير من أتباعه وثنًا. هنا انقلبت وظيفةُ التربية في التصوّف، فأضحت تنتج عُبّادًا لأوثان بشرية. الله يدعو إلى التوحيد، وألا نتخذ أحدًا من دون الله إلهًا، ولن نعبد سواه أبدا. “إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ”.

حتى عبادة الله يمكن أن تتحوّل إلى صنم يستعبدُ بعضَ المتصوّفة. سُئِل أبو يزيد البسطامي: “مالنا نعبدُ اللهَ ولا نجدُ لذةَ العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادةَ، ولو عبدتم اللهَ لوجدتم لذةَ العبادة”. ميكانيكيةُ العبادة، والإسرافُ في تكرار الأذكار باللسان، والولع بالكم، وانفصال القلب عن اللسان يعبث بروح الإنسان، وربما يكون أثرُه عكسيًا يُهشِّم الإنسان.

يتعاملُ المريدون مع شيخ الطريقة بوصفه صنمًا، لذلك تنطفئ شعلةُ أرواحهم، ويمسون رقيقًا لا يمتلكون شيئًا من ذاتهم. يصادر مشايخُهم حرياتِهم، ويتسلطون على حياتهم الخاصة أحيانًا، ويحاولون التحكمَ بتفكيرهم وعواطفهم وسلوكهم. بمهارةٍ يبتكر شيوخُ بعض الطرق عملياتِ تدجينٍ للأتباع، يتنازل فيها المريدُ لهؤلاء عن حرياته طوعًا، ويسمح لهم بالتسلط على كلِّ شيء في حياته. هنا تنقلب وظيفةُ التصوّف، فبدلًا من أن يكون امتلاكًا للذات عبر وصالها بالحقّ، والاستغناء عن كلِّ شيء سواه، يتعرض المريدُ إلى انسحاق مُهين للكرامة أمام مشايخ الطرق.

تصوّف الاستعبادِ يعني أن يتطوّعَ الإنسانُ بوضعِ كلِّ شيء في حياته تحتَ وصايةِ شيخِه. هذه بدايةُ محوِ الذات الفرديَّة، وإنتاجِ نسخٍ متماثلة من المتصوّفة، تظهر متطابقةً في الخارج؛ تتشابهُ في كلِّ شيء كأنَّها روبوتات. نشأ تصوّف الاستعباد من إساءةِ فهمِ وتطبيقِ معاني القضاءِ والقدرِ، والتوكّل والتسليم لله، والصبر وتحمّل الألم، وغير ذلك من اعتقاداتٍ أنتجتْ تعطّيلَ إرادةِ المتصوّف، وشلَّ فاعليته وحركته، وغفلتَه عن استعمال عقله، وتقييدَ حرية تفكيره النَّقدي، وجعله إنسانًا مُسْتَلَبًا رَاضِخًا.

تضخّمُ الصورُ المتخيَّلة في ذهن المريد يعمل على تنازله عن كلِّ شيء في حياته لشيخ الطريقة، واذعانِه وانقياده وخضوعه له مختارًا. متخيَّلُ المريد لا يكفُّ عن ابتكارِ المواقف الخارقة والأحوالِ المدهشة والهالةِ المقدّسة للشخصية الروحية الاستثنائية. يظلُ المريدُ يراكمُ الصورَ المتخيَّلة بشغف، إلى أن تصلَ الصورُ المتخيَّلة حدًا تمحو فيه الطبيعةَ البشرية لهذه الشخصية، وتصيّرها في ذهن المريد كائنًا مجردًا من المادة وشؤونها، لا تشبه في عيشها وأحوالها حياةَ الناس في الأرض بشيء. الصورُ المتخيَّلة تتوالد باستمرار،كلُّ صورة تولِّد صورةً أوسع منها، تواصلُ هذه الصورُ تمدّدها وتوليدها لصورٍ أخرى بكثافة ‏حتى تستبدّ بالذهن، وتنتزع تلك الشخصية من عالَمها الأرضي وترفعها إلى العالَم الربوبي. ‏تفرضُ الصورُ المتخيَّلة حضورَها فتأسر ذهنَ المريد وتخفي عنه الواقع. إذا تضخّم متخيَّلُ المقدّس توارى العقلُ النقدي ‏واحتجبَ الواقع. لو لم يضع العقلُ النقدي حدًا لتضخّم هذا المتخيَّل يغرقُ الذهنُ في اللامعقول.‏

العقلُ هو المرجعيةُ في إصدار أي حكم ‏على أية قضية ‏في الدين والدنيا. الأديانُ والمقدسات تتضخّم في المتخيل باستمرار، لا يضع هذا التضخّمَ في حدوده إلا العقلُ. يظلُ العقلُ هو المرجعية الوحيدة في اكتشاف المتخيل وبيان حدوده وآثاره.

آثارُ العرفاءِ مكتوبةٌ بلغةٍ خاصة، يتطلبُ فهمُها الدقيق استيعابَ معجمها الاصطلاحي. أحيانًا يستعمل العرفاءُ الكلمةَ في معنى لا يرادفُ معناها المستعمَل عند المتكلمين والفلاسفة والأصوليين وغيرهم. لكلِّ علمٍ ومعرفة مصطلحاتُه ومعجمُه، ومَنْ لا يُتقِن ذلك المعجم لن يجدَ طريقًا لاكتشاف خارطته والوقوفِ على مدياته. الجهلُ بمصطلحات العلوم والمعارف ولغتها يغلقُ كلَّ الأبوابِ لفهمها.

من متاهاتِ التصوّف اعتمادُ النسبِ معيارًا محوريًا في توريث زعامة طرق التصوّف. مثلًا المولوية لم يتوقفوا عند جلال الدين الرومي الذي صار معبودَهم، بل انصاعوا لسلسلة من أحفاده وذريته، ممن أضحى بعضُهم لا ينتمي لجلال الدين إلا بالدم. تفشى هذا المرضُ الروحي والأخلاقي في حياة المريدين، إلى الحد الذي أضحى يصعبُ شفاءَ أكثرهم منه.

لم يكترث الأحفادُ كثيرًا بالتعليم الديني، ولم ينفقوا جهودَهم باستيعاب التراث والتوغلِ في حقوله المتنوعة الواسعة، ولم ينفقوا زمنًا لتعلّم مصطلحات ومعجم العرفاء كما فعلَ أسلافُهم. أهملوا دراسةَ آثار محيي الدين بن عربي، مثل كتاب فصوص الحكم وغيره من المؤلفات المعروفة في دراسة هذا الفن، ولم يهتموا بدراسة مثنوي جلال الدين الرومي، والنظرِ فيه بتفكير وتأمل دقيق. استبدلَ الأحفادُ تقاليدَ التعليم الديني الرصين بالانشغال بالتفاصيل الدقيقة للأنساب، وأصبحوا خبراء في مشجرات النسب وأمثالها، وانشغلوا بالإعلاءِ من مكانة الانتماء بالدم، والتشديد على ضرورة وراثة الأولاد والأحفاد والعوائل، بوصفها بديلًا مجانيًا عن العلم والعمل والتقوى، وعدم الاكتراث بوثبةِ الحياة الروحية ويقظةِ الضمير الأخلاقي. الأنسابُ وغيرها من موضوعات ربما تبدو شكلية، غير أنهم يدركون تأثيرَها السحري في إثراء رصيدهم الرمزي، وانقيادِ المريد الأعمى لهم، وتكريسِ سطوتهم على حياته

كما انشغل بعضُ أحفاد مؤسسي الطرق الصوفية ببناء التكايا والخانقاهات والزوايا؛ بدوافع في أغلبها ليست روحيةً ولا أخلاقية ولا إنسانية. دوافعُ تشبه بناءَ المساجد لدى أكثر الخلفاء والسلاطين والحكام المستبدين، الذين يبحثون عن مشروعية دينية. الطاغيةُ صدام حسين انشغل ببناء المساجد المدهشة سنوات الحصار المريرة، وهو يتفرج على المشاهد المريعة لموت أطفال العراق، وانتهاك كرامة المواطنين وتجويعهم بسبب مغامراته وحروبه الطائشة.كلُّ سلطة تفتقرُ ‏لمشروعية الأرض تسعى لاستعارتها من السماء.

تصوّفُ الحرية قليلٌ جدًا وأحيانًا يكون نادرًا، مقارنةً بتصوّف الاستعباد الواسع الانتشار. استعدادُ الإنسانِ للعبودية أسهلُ عليه من مغامرةِ نيلِ الحرية. يجدُ تصوّفُ الاستعبادِ البيئةَ الملائمة لولادته في القهرِ والاكراهِ والاستبداد، الذي يتعرضُ له الفردُ في العائلة والمدرسة والمجتمع والسلطة.

يتنوّع التديّن بتنوّع الإنسان والواقع

 

 

الدينُ أبديٌ، إنه موجودٌ بوجودِ آدمَ الأوَّلِ وسيبقى حتى آدم الأخير، الدينُ موجودٌ في عصرنا كما كان موجودًا على الدَّوام في كلِّ عصر. يتمكَّنُ الإنسانُ في هذا العصرِ من تجديد مناهجِ فهمهِ للدِّين، وتجديدِ أدواتِ تفسير نصوصِه، في ضوء متطلّبات هذا الواقع، كما فعل الإنسانُ في الماضي.

 الدينُ كائنٌ حي، ينمو ويتطوَّر ويمرض، وقد يصاب بداءٍ مزمن. فربّ ديانةٍ منفتحة انغلقتْ، وربّ ديانةٍ مغلقة انفتحتْ. مفسّرو النصوص المقدسة تتحكمُ في فهمِهم للدين وتفسيرِهم لنصوصه؛ رؤيتُهم للعالَم وثقافتُهم ونمطُ نشأتهم وتربيتُهم وتكوينُهم المعرفي، وأحكامُهم المسبقة، وآفاقُ انتظارهم من الدين.

  من هنا تأتي الحاجةُ لتتابعِ النبوَّات، وظهورِ المجدِّدين، والضروراتُ الأبدية لإصلاحِ الأديان وتجديدِ فهمها وإعادة تفسير كتبها المقدسة. تشتدُ الضرورةُ إلى تجديد الفكر الديني في كلّ عصر يحتجب فيه اللهُ عن العالم، من أجل تحريرِ فهم الدين من التعصُّب الأعمى، وبعثِ الإيمان، وحمايةِ الاعتقاد من الاستغلال فيما ينهك الحياة.

   دراسةُ أثر كلّ دين وأنماطِ التديُّن التي تتشكّلُ في فضائه تتطلّبُ أن يعتمدَ الدارسُ معادلةً مثلثةً للفهم، إذ لا بدّ أن يعاينَ الدارسُ ذلك الدين بوصفه نصًّا مقدّسًا أوَّلًا، ويتعرّفَ ثانيًا على شخصيَّة الإنسانِ المُعْتَقِد بهذا النصِّ فَرْدًا ومُجْتَمَعًا، ويكتشفَ طبيعةَ الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسانُ وكلَّ ما يحفل به عصرُه ثالثًا. هذه العناصرُ الثلاثةُ تشكِّل توليفةً متفاعلةً يؤثّر كلٌّ منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماطُ التديّن تبعًا لاختلافِ النَّاس أفرادًا ومجتمعاتٍ، واختلافِ واقعهم وعصرِهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلافِ كيفية تلقِّي النصوص المقدَّسة. ربما يكون التديُّنُ دافئًا، ليِّنًا، رقِيقًا، رحيمًا، كما لدى القليلِ من الأشخاص الذي يُولدون في واقعٍ يستمعون فيه إلى صوتِ المَحَبَّة والعطف والشفقة والتَّراحم، ويحظون بتربيةٍ وتعليمٍ سليمَين. وربما يكون التديّنُ شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرَّضون إلى اضطهادٍ وعنفٍ في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمَين.

تنشأُ الثَّغراتُ في دراسة الأديانِ من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المُثلثة للفهم، لذلك تتطلَّب دراسةُ الأديانِ أنْ يتعاطَى الدَّارسُ مع نصوصِها المقدّسةِ وتراثِها الدينيّ بمنطقِ الباحث الذي يعتمدُ مناهجَ البحثِ العلميِّ، وينشدُ فهمَ المغزى العميقِ لهذه النصوص، ويهمّه التعرُّفُ على دلالاتِ التُّراث في فضاءِ السياقات الخاصّة التي تَشَكَّل فيها، والسعيُ لاكتشاف الآثارِ الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتْها نصوصُ هذه الأديان، وكيفياتِ تمثُّلها في الحياة البشرية. ولا أظنُ أن هناك جدوًى من دراسةِ الأديان ومقارنتِها وحوارها؛ لو كان الدارسُ مولعًا بالتبشيرِ بمعتقده ولا يريد إلّا ترويجَه، والحرصِ على إدخالِ المختلف فيه، بوصف معتقدَه هو الحقّ وكلّ ما سواه باطل.

  لم تَعُد المناهجُ المكرّرة في دراسة الأديان تضيف للباحث نتائجَ حاسمة، لأن التراثَ فيها ما زال يتحدّثُ للتراث. الواقعُ الذي نَعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمامَ بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسةَ كيفيةِ نشأته وأنماطِ حضورِه وصيروتِه عبر التاريخ، والانتقالَ في الدِّراسات الدينيَّة من الرؤيةِ التقليديَّة، التي كانت ترى الدينَ ونصوصَه المقدّسة مرجعيةً نهائيةً في تفسير وفهم كلِّ شيء، إلى رؤيةٍ تُخضِع تعبيراتِ الدين وتجلياتِه في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تَمَثُّلاتٍ بشرية، وكلّ ما هو بشري يقع في مداراتِ عقلِ وعلومِ ومعارفِ وخبراتِ الإنسان. إن كانت نصوصُ الدين مقدّسة؛ غير أنَّ تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلَّى فيه الأُفُقُ التاريخيُّ الذي يتموضعُ فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابرًا للإطار المعرفيّ لذلك الإنسان.

إن تطبيقَ المناهجِ العلميَّةِ في دراسة كلِّ الأديان وفِرَقِهَا ومذاهِبِها ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ على كيفيةِ ولادتها وصيرورتها التاريخية، والآثارِ المزمنة لها في الحياة البشرية. الأديان تُولد في عصر مؤسِّسيها، لكنها تظلّ تتخلّق وتنمو في صيرورةٍ لا تتصرّم عبر الزمان والمكان، في سياقاتِ نسيجِ المتطلَّبات المتنوّعة لحياة الإنسان فردًا وجماعةً، والعلاقاتِ العضويَّة بين السلطة والمعرفة.

ليستْ هناك ديانةٌ أو نصٌّ دينيٌّ خارجَ طرائق عَيْشِ الإنسان وطبائع العمران، فالإنسان يخضع لمشروطيَّاتٍ تَفْرِضُ عليه نمطَ حياتِه، وتؤثّر في سلوكه، وهي: العقل، اللغة، المشاعر، الغرائز، الجسد، التربية، التعليم، الثقافة، الاقتصاد، السلطة، التاريخ، المكان، الزمان. لا يتجسَّد الدينُ في حياة الإنسان إلّا تبعًا لهذه المشروطيَّات، أي أنَّ فهمَ الدِّين وتفسيرَ نصوصِه يتنوَّع بتنوُّع أنماطِ حياةِ النَّاس وطرائقِ عيشهم.

الرؤيةُ اللَّاتاريخيةُ للدين ترى الأديانَ قارّةً ساكنةً، وكأنَّ الأديانَ تؤثِّر في المُجتمعات وتعمل على تغييرها، من دون أنْ تتغيّر هي أو تتأثَّر. الرؤيةُ التاريخيةُ العلميَّةُ تذهب إلى أنَّ الأديانَ تتأثَّر بطبيعةِ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المتنوِّعَةِ، تبعًا لتنوُّع الزمانِ والمُحيط والإثنيَّة والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أنَّ هناك تأثيرًا وتأثُّرًا متبادَلًا بين الدين والمجتمع، فمثلما يؤثّر الدينُ في المجتمع، ويسهم في إنتاجِ رؤيتِه للعالَم، ويعمل على صوغ نمطِ حياتِه، يعمل المجتمعُ أيضًا على إنتاجِ صورتِه الخاصَّة للدين، وصياغةِ نمطِ التديّن الذي يشبهه. مثلًا لو ظهرت البوذيةُ في الجزيرة العربيّة لأضحتْ مُشَابِهَةً للمجتمع العربيّ، ولو ظهرت الهندوسيةُ في اليونان لأضحت مشابهةً للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحيةُ في الصِّين لأضحت مشابهةً للمجتمع الصيني، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. كما تؤثّر المجتمعاتُ في الأديان؛ تؤثر الأديانُ في المجتمعات، ما فعلتْه الأديانُ في المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ المجتمعات بالأديان.

‏ الموقفُ الأخلاقي يفرض على أتباع كلّ دين الكشفَ عن أرشيفات الماضي، وإعلانَ كلِّ ما يختبئ فيها، وفضحَ منابع التعصب والكراهية في تراثه مثلما يفضحها لدى غيره، والاعترافَ بأخطائه كما يتحدّث عن أخطاءِ غيره.

ليستْ هناك دينٌ يحتكرُ المحبَّةَ والحرياتِ والحقوقَ واحترامَ كرامة الإنسان، وليس هناك تاريخُ دينٍ مُنَزَّهٌ عن التعصُّب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان. ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصحّ نسيانُ مظالمِ الفتوحات، مثلما لا يصح نسيانُ مآسي الحروب الصليبية، وجرائمِ الصهيونيّة في فلسطين.

المعروفُ عن البوذية أنها ديانةٌ غيرُ تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سِلمًا، لم يتحدّث لنا التاريخُ عن حروبٍ تم خوضُها أو دماءِ أبرياءٍ سُفكت باسمها،كما هو معروف عن دياناتٍ أخرى، لكن مع كلّ ذلك تناقلتْ وسائلُ الإعلام صورًا ومشاهدَ لأعمالِ عنف مأساويّة ضد مُسْلِمِي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعاتٌ بوذيّة بتحريضِ رهبان بوذيين متطرّفين.

من الضروري الارتقاءِ بالحوار بين الأديان، والانتقالِ به من الكلام المكرّر إلى اعتماد المناهل الروحية والقيم الأخلاقية المشتركة، والبناءِ عليها بوصفها منطلقاتٍ للبحث في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. وفي ضوء هذا الموقف ينبغي رفض مواقفَ كلّ من يستخفّ بمعتقدات أيّ دين آخر أو يسفهها. التفكيرُ في كلّ ديانة يمتلك حججَه وأدلتَه وقناعاتِه داخل تلك الديانة، ولا تصحّ مناقشةُ هذه الحجج والأدلة والقناعات من دون أن ينخرطَ المناقشُ في أفق تفكير الديانة، ويستوعبَ نصوصَها وتراثَها وخبراتها الروحية.