Category: علم الكلام الجديد

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

ثلاثة مواقف في علم الكلام الجديد

ثلاثة مواقف في علم الكلام الجديد

براء ريان[1]

صنف الدكتور عبد الجبار الرفاعي تيارات علم الكلام الجديد إلى تيارين: التيار الأول يضم المدرسة الهندية: (أحمد خان، محمد إقبال، فضل الرحمن)، والايرانية “عبد الكريم سروش، محمد مجتهد شبستري)، والتيار الثاني يضم المدرسة العربية: (محمد أركون، نصر حامد ابو زيد، حسن حنفي، عبد المجيد الشرفي). رؤية الرفاعي في الكلام الجديد لا تقع في إطار أي تيار من التيارين ولا في إطار أية مدرسة من المدرستين: الهندية والايرانية أو العربية. رؤية الرفاعي تعبر عن موقف ثالث في علم الكلام الجديد ظهر في أعماله الخمسة الأخيرة، خاصة الطبعة الثالثة من كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد” الذي صدر عن دار الرافدين ببيروت.

يؤسس الرفاعي رؤيته على إعادة التعريفات: إعادة تعريف الانسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي، وإعادة تعريف النبوة، وإعادة تعريف الشريعة… وعلى هذا الأساس يقترح “إعادة تعريف الوحي” باعتباره الأصل لتحديد مفهوم علم الكلام الجديد ومفهوم المتكلم الجديد. ويؤكد الرفاعي على أن “الفهم الذي يتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحي”.

للأسف الشديد أكثر الأبحاث والرسائل التي كُتبت عن علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي لم تلتفت لتميز رؤيته وشرح موقفه الخاص. التعريف الذي قدمه الرفاعي للوحي يوضح رؤيته المخالفة لتفسير الدكتور نصر حامد أبو زيد وغيره. نصر أبو زيد تحدث عن الوحي في كتابه “مفهوم النص” على أنه “منتَج ثقافي”، أنتجته الثقافة العربية في شبه الجزيرة طيلة فترة تنزيل القرآن الكريم، ثم تحول في ما بعد ذلك المنتَج ثقافي لـ “منتِج ثقافي” بعد ما كسب قوة التأثير على المتخيل الديني والإجتماعي للمجتمعات التي دخلت الإسلام.

في نفس الوقت يخالف الرفاعي رؤية د. عبد الكريم سروش للوحي، فقد خصص في “مقدمة في علم الكلام الجديد” الطبعة الثالثة نقدًا لرأي سروش الذي يذهب لتفسير الوحي بالأحلام، ولا يتفق الرفاعي مع رؤية سروش السابقة في بسط التجربة النبوية.

كما نقد الرفاعي رأي د. حسن حنفي في الوحي، في مقالة نشرها بجريدة الصباح البغدادية في 8-9-2022 من سلسلة مقالات بنقد فكر حنفي، نشرها تحت عنوان: “نسيان الله في تفسير حسن حنفي”. وفي كتابه “الدين والكرامة الإنسانية” وهو آخر كتاب صدر له اعتمد الرفاعي منهجًا لا يتفق مع د. حسن حنفي. حسن حنفي برؤيته الملفقة بين الماركسية وغيرها، أقصى الله من أجل الإنسان، ولم ير أن الإنسان هو الطريق إلى الله، كما يرى ذلك الرفاعي في كتابه: “الدين والكرامة والإنسانية” وغيره من مؤلفاته. عجز حسن حنفي عن استيعاب أنطولوجيا “الإنسان – الله / الله – الإنسان” كما أوضحها الرفاعي في هذا الكتاب وغيره. يلخص الرفاعي رؤيته فيما أسماه: “الإنسانيّة الإيمانية”، وفيها تبتني الرؤيةُ للعالَم على مركزية الله في الوجود، ومركزيةِ الإنسان في الأرض. مركزيةُ الإنسان في الأرض ليست منفصلة عن مركزية الله في الوجود. مركزيةُ الإنسان في الأرض بمعنى “الاستخلاف” الذي جاء في الآية: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”، البقرة، 30. مما ورد في تفسير الرفاعي لهذه الآية في الفصل الرابع من كتابه “الدين والكرامة الإنسانية”، قوله: “الإنسان هو الكائن الوحيد في الوجود الذي تتوفر فيه المتطلباتِ الضرورية للاستخلاف، الإنسانُ يمتلكُ ما لا يمتلكه غيرُه من إمكانات تؤهله لهذه المهمة الثقيلة الاستثنائية. الأرضُ كجزء من الكون تسيرها قوانينُ طبيعية استودعها اللهُ فيها، أما كيف يُنظِّم الإنسانُ علاقتَه بالطبيعة وقوانينها ويسخّرها لصالحه، وكيف يستثمرُ الأرضَ ويعمرها، وكيف يديرُ علاقتَه بغيره من البشر وبقية المخلوقات؟ كلُّ ذلك يتكفله الإنسانُ بما يتوفرُ عليه من عقل وإرادة وحرية اختيار وإمكانات وقدرات متنوعة. باستثناء بناء صلته بالغيب فإنها تظل محكومةً بما يهديه إليه اللهُ بالوحي والنبوة وخارطةِ السير التي يرسمها له القرآنُ الكريم، ويتكفل القرآنُ تأمينَ المعنى الديني الذي يبني حياته الروحية والأخلاقية والجمالية”[2].

يستفيد الرفاعي من بعض مقولات التصوف المعرفي، مثل “عدم احتكار النجاة” وغيرها، ويستند إليه أحيانا في مدونته في الكلام الجديد. لكن الرفاعي يرفض تقليد ابن عربي أو جلال الدين الرومي أو أمثالهما. يرى الرفاعي أن “تراث المتصوّفة مرآة عصره”، ويرفض بشدة التصوف الطرقي الذي يصفه بـ “تصوف الاستعباد”، حيث يقول: “بعض أنماط التربية الروحية في التصوّف تتنكّرُ للطبيعة الإنسانية، فتسرف في ترويضِ الجسد، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، وممارسةِ بعض التمارين القاسية العنيفة لترويض الإنسان. هذه الأساليبُ من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلب الطرق الصوفية. لا يطيقُ الإنسانُ التقشّفَ الشديد والتنازلَ عن معظم الاحتياجات الأساسية للجسد، ولا يتحمل الإكراهَ القسري لطبيعته على ما لا تُطيقُه. التنكرُ لهذه الاحتياجات أحدُ منزلقات التربية لدى كثيرٍ من المتصوّفة والرهبان في كلِّ الأديان، وقد كانت ومازالت سببًا لانشطار شخصية بعض هؤلاء واضطراب سلوكهم. الارتياضُ العنيف الذي يتنكر لاحتياجات الإنسان الجسدية والنفسية والعاطفية والعقلية، طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وأحيانًا أنتج أمراضًا نفسية وأخلاقية مزمنة”.[3]

إن من الوهم تصنيف رؤية الرفاعي في علم الكلام الجديد في إطار الرؤية الإيرانية في الكلام الجديد. التدقيق يُرينا اختلاف القراءة الناقدة للتصوف بصراحة في مدونة الرفاعي الكلامية، على عكس المدرسة الإيرانية التي صار التصوف فيها هو المرجعية المعيارية الحاكمة في المدونة الكلامية الجديدة عند د. عبد الكريم سروش مثلاً. مرجعية سروش جلال الدين الرومي، منذ “بسط التجربة النبوية” حتى “رؤى محمد أحلام محمد”، وغيرهما من مؤلفاته الدينية الأخرى. تفسير الرفاعي للوحي مرجعيته القرآن الكريم،كما أوضح ذلك في بيانه لمفهوم الوحي الذي استند فيه لآيات القرآن، ومنها الآية: “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا” وغيرها من آيات القرآن. يقول الرفاعي: (“القول” ليس كلماتٍ منطوقةً تشبه الكلماتِ المستعملة في اللغات،كلُّ شيءٍ ميزانُه بحسبه، “الثقيل” ليس كميةً يمكن أن توزنَ بالمقاييس المادية. ‏تشير الآيةُ الى أن الوحيَ لا يتحقّق إلا إذا تحقّق طورٌ وجودي للإنسان يؤهله لتحمّل القول الثقيل الذي لا يطيقه وجودُ غيره. وصف الوحي بـ “القول الثقيل” يتطلب قدرةً وجودية استثنائية جدًا لا يمتلكها الإنسانُ العادي، أي أن المهمةَ التي يقوم بها النبيُّ مهمةٌ فريدة، لا يطيقها أيُّ إنسان ما لم يتكامل فَيَصِلَ إلى ذلك الطور الوجودي”[4]. يتحدث د. علي أحمد الديري عن “مقاربة الرفاعي لمفهوم الوحي في علم الكلام الجديد” فيقول: “أوقفتني على فتح لطيف لمعنى الثقل في الآية «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا» (المزمل، 5). يفسّر الرفاعي الثقل بالتكامل الوجودي للنبي (ص)، الذي جعله مستعداً لتحمّل هذا النوع من قول الوحي بصلابة وقوة وعزم وإيمان وتسامٍ وإصرار، الوحي بهذا التحمل صلة استثنائية بالله، حالة وجودية: إلهية بشرية/بشرية إلهية. أي إن الثقل يكمن في الذات، في وجودها الذي تُنشئه بقوة روحها وعقلها”.[5]

[1] كاتب من الموصل في العراق.

[2] يراجع كتاب الرفاعي: الدين والكرامة والإنسانية، ص 232 – 234، طبعة 2، دار الرافدين.

[3] مقالة الرفاعي “تراث المتصوّفة مرآة عصره”، المنشورة في جريدة الصباح الصادرة ببغداد، بتاريخ 19-4-2022.

[4] للمزيد يراجع الفصل الثالث ص 146-155، كتاب الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الطبعة الثالثة، دار الرافدين.

[5] مقالة “القول الثقيل في علم الكلام الجديد” علي أحمد الديري، منشورة في جريدة الأخبار الصادرة في بيروت بتاريخ 30-11-2022.

https://al-aalem.com/article/51913-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

براء ريّان[1]

يبدأ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” بالحديث عن نشأة علم الكلام، وأسباب النشأة ودوافعها، إن كانت داخلية أو خارجية. علم الكلام لم ينشأ كنوع من الترف الفكري كما يعتقد البعض، بل نشأ تلبية لحاجات فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي والديموغرافي والثقافي والعقدي. يوضح د. عبدالجبار الرفاعي في هذا الكتاب المخاوف التي أصابت الفقهاء من هذا العلم الذي يحاول عقلنة أصول الدين وإثباتها بطرق عقلية. عارض كل من الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل هذا العلم، وهذا التعاض يعكس البنية السوسيولوجية والمعرفية التي لم تتهيأ في تلك اللحظة التاريخية لاستيعاب التفكير العقلاني الفلسفي بطريقة شبيهة لمن يرفض العقلانية الحديثة. مثّل علم الكلام في تلك اللحظة قمة الفكر العقلاني في الإسلام بجرأته ومقولاته المتنوعة وأسئلته. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي: ان تراجع علم الكلام بدأ عندما نُقلت الحوارات الكلامية من دور العلم إلى بلاط السلطان وخضعت للسياسة،كان الاعتزال ضحية هذا الانتقال من التفكير خارج حدود عقلانية السلطة. عندما تأدلج علم الكلام وتوقف التفكير العقلاني فيه دخل مرحلة السبات، وصار ضحية الوثيقة القادرية ( ٤٠٨ هـ ) التي فرضت مذهباً رسمياً واحداً لا يحق لأحد الخروج عليه وهو المذهب الحنبلي، وحرّمت التفكير الاعتزالي، فكانت هذه ضربة موجعة للتفكير الكلامي العقلاني، بعد أن تحول لمقررات ومراسيم وأوامر تفرضها السلطة السياسية. لم يستسلم الفكر الكلامي كليا لهذه التحولات، بل نهض علم الكلام مجدداً بعد زمان على أيدي متكملين كبار كنصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي، وغيرهما، وهو ينهض اليوم مجددا في علم الكلام الجديد.

كان لنشأة الفكر الكلامي في عالم الإسلام دور هام بتوليد الأسلئة العقلانية التي تبحث قضايا الاعتقاد لتولد منه تساؤلات ومقولات متنوعة. حضور العقل في التفكير الكلامي وعقلنة العقائد الدينية، وبحث كبرى الأسئلة العقلية كالجبر والاختيار والتوحيد والعدل وغير ذلك، تسبب بمحاربة التفكير الكلامي من تيارات رأته يشكل تهديداً لأصول الشريعة. نضج علم الكلام ليشكل الرؤية الكونية في الإسلام، وليشكل نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي كما يرى أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.كل ذلك كشفه الرفاعي في علم الكلم القديم، فأدرك سطوته على العقل الإسلامي، بل أدرك أنه المنبع العميق لأصول الفقه والآراء والمواقف الفقهية وتفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف.

تحدث الرفاعي عن محاولات التأسيس الحديث لعلم الكلام وتجديده منذ أيام ولي الله الدهلوي مروراً بسيد أحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، وانتقالاً للمدرسة الإيرانية في مشروع القراءة الهيرمونيطيقية عند محمد مجتهد شبستري، إلى القبض والبسط وبسط التجربة النبوية عند عبد الكريم سروش، والعقلانية والمعنوية عند مصطفى ملكيان، ثم المدرسة العربية المتمثلة بالقراءة الألسنية عند نصر حامد ابو زيد، والإسلاميات التطبيقية عند محمد أركون، والتراث والتجديد عند حسن حنفي، وغيرهم. كتابات كثيرة مر عليها أستاذنا الرفاعي واستوعبها استيعاباً نقدياً وناقش أصولوها ومرجعياتها، مما جعلته يضع جهده الأكبر في رسم ملامح علم الكلام الجديد، ووضع مقدمة هذه كي تحاول رسم حدود هذا العلم وموضوعه ومنهجه، محاولاً تمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم من جهة، والكشف عن المحاولات الشكلية لتجديد علم الكلام.

يرى الرفاعي ان علم الكلام القديم لبث يفكر في إطار العقلانية القروسطية، وفي ظل منطقها وفلسفتها، وفي ظل نظامها المعرفي، والعلوم الطبيعية السائدة آنذاك. نشأ علم الكلام ليجيب عن أسئلة المسلم في تلك القرون، فمع تطور المنطق والفلسفة ونشوء علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وتطور العلوم الطبيعية لدرجة القطيعة الابستمولوجية مع الطبيعيات القديمة، وتطور أسئلة المسلم المعاصر، نشأت حاجة يفرضها الواقع، لنشوء علم كلام جديد، يستوعب الطفرات الفلسفية الحديثة والعلوم الإجتماعية والمناهج الإبستمولوجية، ليخلق حواراً فكرياً ينطلق من واقع المسلم. وعلى هذا الساس تسقط بعض الدعوات التي ترى علم الكلام الجديد نوعا من الترف الفكري والإدعاءات، فنظرة سريعة لما نحن فيه ندرك فيها الحاجة الماسة التي فرضها الواقع لإنشاء علم الكلام الجديد. لا يمكن مثلاً بناء حياة متصالحة مع العصر للمسلم في ظل مقولات الولاء والبراء والفرقة الناجية وتكفير المسلم المختلف في عقيدته التي ترسخت في علم الكلام القديم.

معيار علم الكلام الجديد عند الرفاعي

يضع الرفاعي معياراً واضحاً لتمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم، والمعيار يتمثل كما يرى في الفهم الجديد للوحي. يرى الدكتور الرفاعي أن كل شيء يحدد فهمه تعريفنا للوحي، إذ يقول: (يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. في حدود تعريف الوحي يتحدّد مفهومُ النبوة، ويتحدّد حضورُ الإلهي في القرآن في حدود فهم النبوة، ويتحدّد معنى الكلام الإلهي).

مسألة فهم الوحي أخذت مسارين في الفكر الإسلامي المعاصر، كما يقول الدكتور الرفاعي:

1- مسار يرى الوحي بتعبير د. نصر حامد ابو زيد (منتَج ومنتِج ثقافي) حيث يكون في فترة التكوين مرآة للثقافة، وما بعد التكوين يتحول لموجِّه للثقافة. يعتمد هذا المسار علوم الإنسان والمجتمع والفلسفة في تفسير تمثلات الوحي وأصله، فيقعون في بعض الأحيان في إنكار البعد الغيبي للوحي، ونرى في بعض الأحيان عبارات لهم يعترفون بها بالأصل الغيبي للوحي، وإن كانوا يرون أن الوحي مرآة انعكس فيها واقع عصر البعثة الشريفة ولغة ذلك العصر. ويرى الرفاعي هذا في كتابات: نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون وحسن حنفي وعبد المجيد الشرفي.

2- مسار يتعامل مع الوحي بكونه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، ويبحث في أصل ونشأة الوحي أكثر مما يبحث في تمثلاته في الحياة الإجتماعية، ويعتمد هذا التيار آثار العرفاء والفلاسفة في دراسة أصل الوحي، وعلوم الانسان والمجتمع في تفسير تمثلات الوحي في الواقع، ويرى الرفاعي هذا في كتابات: محمد اقبال وفضل الرحمن ومحمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش.

فهم الرفاعي للوحي

يقول الرفاعي: (الفهم الذي أتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحيُ، على الرغم من توظيف هذا الفهم لشـيء من أدواتِ فلسفة الدين وعلمِ الأديان المقارن وعلومِ الإنسان والمجتمع، للكشف عن البُعد البشـري التاريخي في تمثلات الوحي في الواقع. البُعد الإلهي في الوحي لا يقعُ في إطار صيرورة التَّاريخ وسياقاته، البُعد البشـريّ في الوحي يقع في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته. كلُّ ما هو تاريخي بشـري وكلُّ ما هو بشـري تاريخي،كلُّ ما هو إلهي بوصفه إلهيًّا خارج التاريخ، وكلُّ ما هو خارج التاريخ لا يخضع لمعادلات دراسة الواقع وأدوات فهمه وتفسيراته). فهم الدكتور الرفاعي للوحي يشدد على مضمونه الميتافيزيقي الغيبي، ولا يتجاهل البُعد البشري في شخصية النبي “ص”. يفهم الرفاعي الوحي بطريقة ديناميكية وهي تختلف عن الطريقة الميكانيكية التي ترى النبي “ص” مجرد وعاء مر من خلاله الوحي من دون أي تفاعل منه. الرفاعي يرى أن النبي متفاعل إيجابي مع الوحي. للوحي جانبان كما يرى الرفاعي: إلهي / بشري، بشري / إلهي، الإلهي يتمثل بعقيدة التوحيد والقيم الكبرى التي نطق بها القرآن الكريم الأبدية التي تنطبق على كل إنسان مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان، والبشري يتمثل بانعكاس حياة النبي الخاصة “ص” والظروف الخاصة بمجتمعه وواقع عصر البعثة الشريفة على الوحي. وبهذا لا يكون النبي متفاعلا سلبيا مع الوحي، بل يكون متفاعلا إيجابيا تظهر شخصيته وحياته بوضوح في الوحي. في ضوء فهم الرفاعي يتضح أن كل من لا يفهم الوحي فهماً ديناميكياً لا يمكن أن يصنف متكلماً جديداً. ويعلن الدكتور الرفاعي عن فهمه للنبوة وصلة النبي بالغيب، والفرق بين النبي وبين غيره ممن لا صلة له بالغيب، عندما يقول الرفاعي: (النبي ليس شاعرًا، ولا كاهنًا، ولا متنبئًا، ولا متأملًا يقوده تفكيره لمقام النبوة، النبيُّ نبيٌّ وكفى. لا يتمثل الوحيُ بمشاهدة النبي لأحلام في حالة النوم، أو صورٍ ينسجها خيالُ النبي، أو حالة نفسية، أو محصِّلة ارتياض صبور، أو تأمُّلات عقلية. التفسيرات من هذا النوع تهبط بمقام النبي، ولا تتنبه للتكامل الوجودي الذي تسامى إليه النبي وانفرد فيه. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية بالله).

يصنف البعض خطأ بعض الكتابات التي تكتب بلغة جديدة وتنحت مصطلحاتها الخاصة على أنها كلام جديد، لكن هذه الكتابات لا يمكن ان تصنف كلاماً جديداً وفق معيار الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لهذا يرفض الرفاعي أن يصنف الدكتور طه عبد الرحمن على أنه متكلم جديد ولا يصنف كتاباته كلاماً جديداً، لأن د. طه وفيٌّ للتراث والمدونة الكلامية ومقولات الاشعري والغزالي وابن تيمية تماماً، وإن نحت معجمه اللغوي الاصطلاحي المبتكر. العقل التراثي عقل مقيد بالتراث لا يجرؤ الخروج على مسلماته. د. طه عبد الرحمن حلقة تأخذك لكل مسارات اللغة والفكر ولكنها تعيدك في نهاية المطاف للتراث. المشكلة اننا لا نجرؤ على نقد التراث، ونقد العقل والمناهج والوسائل التي توالد من خلالها. المشكلة في عدم تحررنا من النظام المعرفي والقيمي الحاكم على المنظومة التراثية، لا نعرف سوى أن نقول تجاه العلوم الحديثة أنها نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي معين لكي نرفضها، ثم ننسى أن نطبق هذا على علومنا التي نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي قائم على العقلانية الأرسطية والرؤى التراثية. نحن نعي جداً أن هذا النظام المعرفي والقيمي كان حاكماً على كل المعارف الإسلامية، لكننا نرفض أن نفكر في ضوء العقلانية الحديثة ولوائح حقوق الإنسان. تربينا على كراهية عصرنا ومنجزاته، هكذا تعيش أجسادنا في العصر الحديث، لكن فكرنا مازال في القرون الهجرية الأولى، تشكله مقولات الشافعي والأشعري والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

 

مناقشة الرؤى الرسولية للدكتور عبد الكريم سروش

يقول د. عبد الكريم سروش في بسط التجربة النبوية (تحدثنا في كتاب القبض والبسط عن بشرية وتاريخية المعرفة الدينية، وفي هذا الكتاب “بسط التجربة النبوية” نتحدث عن بشرية وتاريخية الدين والتجربة الدينية نفسها)، ثم إنتقل عبد الكريم سروش في كتابه الاخير ( كلام محمد، رؤى محمد) للحديث عن فهم للوحي بوصفه أحلاما يشاهدها النبي “ص” في المنام.

في سياق نقده للدكتور سروش ينطلق الدكتور الرفاعي من رؤية يؤسس عليها نقده، إذ يقول: (لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه). مادام لكل شيء حقيقته الخاصة التي يتم التعرف عليها من خلال فضائه الخاص، ومادام لكل من الفن والعلم والغيب حقيقته، ويتم التعرف على هذه الحقيقة من داخلها، لذلك لا يمكن تفسير البعد الغيبي للوحي بمناهج علم النفس، لأنها مناهج تتعاطى مع ما يدور في النفس الإنسانية بمنطق علم النفس الحديث، ولا صلة لها بما يدور في الغيب وما وراء الطبيعة، فأي دراسة للغيب في الوحي تعتمد مناهج علم النفس سترى أن الوحي حالة سيكولوجية يعيشها النبي “ص” تخطئ الطريق كما يرى الرفاعي، إذ ستبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار. يمكن دراسة كل ما ينتمي لعالم الطبيعة في الوحي من خلال المناهج العلمية لعلوم الانسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، لكن ما يتعلق بالبعد الغيبي في الوحي فهو بحث يقع خارج الإطار البحثي لعولم الإنسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، في ضوء هذه الرؤية يناقش الدكتور عبدالجبار الرفاعي نظرية الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية، حيث يرى الدكتور سروش أن الوحي عبارة عن رؤى عرضت في المنام للنبي، وللرؤى لغتها الخاصة حيث لا تخضع لقوانين المجاز والكناية، فلغة الاحلام تحتاج لتفاسير الأحلام، وبهذا ربما نحتاج للجوء لتفسير الوحي سيكولوجياً. في سياق نقده لسروش ورفضه لاعتماد اعتمادُ مناهج البحث في العلوم الطبيعية والانسانية في تفسير البعد الغيبي للوحي يقول الرفاعي: (يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن الكريم، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة، دراسةُ الميتافيزيقا وما بعد الطبيعة أحدُ حقول الفلسفة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي والنظرُ إليه على أنّه حالة سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقت محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وحقيقتَه وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. يمكن التعّرفُ على شيءٍ من ملامحِ الغيبيات وصفاتِها ومظاهرِها وتجلياتِها بما تتحدّث به آياتُ القرآن. الآياتُ تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها لأنها لا صورةَ لها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية). النبوة عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي مقام وجودي يحتاج الإنسان إلى تكامل وجودي واصطفاء إلهي يؤهله لتلقي الوحي، كما تشير الآية: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، التأهيل لتلقي هذا القول الثقيل لا يمكن أن يكون من خلال الرؤى، النبوة هي الطور الوجودي الذي يكون أكمل طور وجودي ومقام وجودي يرتقي إليه الإنسان كما يرى الرفاعي.

يؤكد الدكتور عبد الجبار الرفاعي: إن كانت عمليات إعداد قادة العسكر والفكر والسياسة تحتاج لبرامج تعليمية لسنوات طويلة، فكيف يمكن لإنسان يؤهل لمقام تلقي الوحي الذي يصفه القرآن الكريم بـ (القول الثقيل) أن يتحقق من خلال الأحلام. يقول الرفاعي: (إن كان الإنسان لا يبلغ مرتبة النبوة إلا إذا تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمالٍ إستثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي الفريد، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكامله وبناءِ إستعداده الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقيه. تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي/ الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم، لأن النبوةَ ذاتُ طابعٍ وحياني. الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي وليس بالمعنى المادي للوجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل كينونةُ الإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والنبوةَ كالشعر ينفي كونَ النبوة مقامًا وجوديًا يبلغه الإنسان، الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على إبداع الشعر، مرتبةُ الشاعر الوجودية هي مرتبةُ غيره من البشر. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت، ولذلك اصطفاه اللهُ للنبوة).

تمييز علم الكلام الجديد عن فلسفة الدين

يضع استاذنا الرفاعي معياراً للفصل بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، المتكلم الجديد مؤمن بالوحي والنبوة، ويبحث تحت سقفهما، أما فيلسوف الدين فمن الممكن ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن ويبحث في كل شيء بحثاً حراً من دون سقف معين. فلسفة الدين فلسفة، الفلسفة حكم العقل لا غير كما يقول الرفاعي: (‏الفلسفة تعني حكم العقل لا غير. الفلسفة مرجعية العقل في كل قضية إثباتًا أو نفيًا). وفي هذا السياق يرفض الرفاعي محاولات “أسلمة الفلسفة” ويراها ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، يقول بصراحة: (لا يكون التفكير فلسفيًا إلا أن يقع خارج إطار المعتقدات والأيديولوجيات والهويات المغلقة. كل الأُطر المقيدة للتفكير العقلي تمارس تمويهًا بعناوين مراوغة عبر الأدب والفن، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقدات والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. محاولات “أسلمة الفلسفة” ضرب من التفلسف ضد الفلسفة. كتبت عن ذلك أكثر من مرة في مقالاتي ومؤلفاتي). وهذا تمييز واضح يرفع الالتباس الذي وجد مع الشيخ مصطفى عبد الرازق حيث عد علم الكلام هو الفلسفة في الاسلام، الفلسفة يفترض أن تكون بحثاً عقلياً محايداً، وعلم الكلام ينحاز لجملة من المسلمات الاعتقادية. أي فكرة ترى في الفلسفة خصوصية ستنتهي بأدلجة الفلسفة. العلم ربما ينحاز، لكن لا يمكن للفلسفة أن تنحاز.

 

استعادة المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الكلام الجديد

غاب الإنسان عن المدونة الكلامية القديمة، وتخصصت هذه المدونة في ذات الله عز وجل وصفاته وما يتفرع عنها، ونست الإنسان الذي كُلف بأعظم مهمة في الوجود وهي الاستخلاف. علم الكلام الجديد يستعيد للإنسان مركزيته في الوجود التي اكتسبها من كونه خليفة الله في الأرض. يرى الرفاعي انه لا تعارض بين مركزية الإنسان في الكلام الجديد مع مركزية الله عز وجل وهو رب الإنسان كما حصل في بعض الفلسفات المعاصرة، بل يكتسب الإنسان هذه المركزية نتيجة ما وهبه الله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة). لا يدرس الدكتور عبد الجبار الإنسان وحاجاته بمعزل عن الله كما حصل في رؤية حسن حنفي التي وصلت إلى ما أسماه الرفاعي (نسيان الله في تفسير حنفي للقرآن) فنسيان الله ينتهي إلى نسيان الإنسان (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

يرى الرفاعي ان اخراج الدين من حدوده الأنطولوجية وترحيله لحدود أيديولوجية انتهى إلى نزع المضمون الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وتحويله من وسيلة لإنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي إلى أداة أيديولوجية يصبح فيها وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة. هذا الترحيل من الفضاء الأنطولوجي للفضاء الأيديولوجي رصده علم الكلام الجديد، لذلك يبحث عن سبيل لإستعادة الدين إلى فضائه الأنطولوجي ليكون حسب تعريف د. الرفاعي: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويشتق الرفاعي “من ‏هذا التعريف كل شيء يكتبه ويقوله عن الدين”. في كتابات الدكتور الرفاعي إنقلاب مضمر مستتر على تيارات فكرية معاصرة، أخرجت الدين من دائرة الأنطولوجي إلى دائرة الأيديولوجي، فأخضعت النصوص القرآنية لمقولاتها الخاصة، وأصبح النص ينطق عندهم بما تتضمنه مقولات مثل “الحاكمية” ، “بناء فوقي وبناء تحتي” ، “ديالكتيك صاعد هابط” والخ، من مقولات إسلامية مختلطة بماركسية أُلبسب على النص، لذلك أخذ الكلام الجديد عنده مهمة إعادة الدين لفضائه الأنطولوجي ليكون منبعا للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. يشدد الرفاعي على أن “أي معرفة لا يعرف فيها الدين حدوده فهي معرفة غير منتجة”.

العقلية الكلامية القديمة

لم يستطع أكثر من يكتبون في الدين الخروج على العقلية الكلامية القديمة، والتفكير بآفاق علم الكلام الجديد.كتابتهم تولد فجوة عميقة بين جيل نشأ على كتابات صنعت متخيلهم نحو الحياة والمختلف في المعتقد وبين جيل الشباب المسلم.كتابات تضع الذات في قفص وهاجس “الهوية”، ككتاب (جاهلية القرن العشرين)، تضعهم مقابل الجيل الجديد من أبناء الإسلام، الذي لا يُغذي متخيله هذه الكتابات بل إشتق له طريقاً آخر. لا تفضيل لمتخيل جيل على جيل آخر، فلكل جيل خصوصيته التي أحترمها. شعر جيلٌ كامل بالخيبة، آمن تارةً بحلم الدولة الوطنية، وتارة بشعارات ناصرية قومية، ثم بالخيبة الكبرى بدولة الإسلام السياسي، التي سجنت إيمانه بقفص “الأيديولوجيا” وفشلت ببناء الدولة. غذت متخيله كتابات العقلية الكلامية القديمة بمصطلحات لا وجود واقعي لها: (كالجيل القرآني الفريد، والعزلة الشعورية عن المجتمع، والدولة الإسلامية، والجاهلية، والنظام الإسلامي، والخ). صدمات متتالية وتجارب باءت بالفشل، جعلت كثيرون يرون في نصوص جلال الدين الرومي ملاذاً، حيث لا قفص للإيمان، ولا كراهية للآخر، طريق الإيمان لديه هو طريق الحب. ما الضير في هذا، أيُلام جيل تحمل صدمات الفشل المتكررة التي زعزت كل شيء عنده، ثم لجأ للكنوز الروحية حفاظاً على المعنى الذي يتولد عنده من الإيمان. ينزعج البعض من الاهتمام المعاصر بشخصيات كالتوحيدي والرومي وابن عربي أكثر من الاهتمام بأبي حامد الغزالي وابن تيمية. الإهتمام بالتوحيدي والجاحظ ومسكويه وابن سينا وابن رشد وابن طفيل يفوق الإهتمام بالغزالي وابن تيمية والإمام الشافعي، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لماذا هذا الانزعاج من تحول الاهتمام بشخصيات معينة إلى شخصيات أخرى؟ العقل الإسلامي تغذى على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ونسوا كتاب تهافت التهافت لفيلسوف قرطبة ابن رشد. لم نقرأ نزعة الأنسنة عند الجاحظ والتوحيدي ومسكويه، حتى قدوم الفيلسوف محمد أركون ليحيي هذه النزعة ويقدمها لنا. إن الاهتمام الحالي في جيلي بالشخصيات المعاصرة كالجابري وأركون ونصر حامد ابو زيد وناصيف نصار ومحمد إقبال وفضل الرحمن وعبدالجبار الرفاعي يفوق الإهتمام بالندوي والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب وأبو يعرب المرزوقي وطه عبد الرحمن. ينتمي كل جيل منا لكتّابه الذين يخاطبون عقليته ويعرفون احتياجاته. لن نحاكم ما تقرؤون، ولا تحاكمون ما نقرأ، قد وُلد كلٌ منا لزمان مختلف وتحدياتٍ ورهاناتٍ مختلفة.

وأخيراً هذه جهود مهمة، سيكون لها نتائجها في يوم ما، وعلينا ألا نظلمها ونحملها فوق طاقتها، فما زال الفكر الكلامي الجديد لم يتجاوز المئة وخمسين عاما، ويحتاج إلى وقت للتبلور والنضوج مثله مثل أي علم آخر. شكراً لاستاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذه الرحلة الممتعة في هذا الكتاب الرائع.

[1] براء ريّان، كاتب عراقي.

 

رابط النشر:

يولد النص بكل ترجمة ولادة جديدة

 

يولد النص بكل ترجمة ولادة جديدة

د. عبد الجبار الرفاعي

تعيش المفاهيمُ حياةً جديدة عندما تتكلمُ لغةً أخرى. الترجمةُ ولادةٌ جديدة للمفاهيم يتسعُ من خلالها أُفق المعنى باتساع أُفق اللغة المترجَم إليها الكتاب، وتبوحُ فيها اللغةُ بقيم العيش المشترَك في كلِّ الأديان والثقافات البشرية، وترتسم بالترجمة خارطةُ طريق العيش معًا.كأن الترجمةَ بمثابة استئنافٍ لحياة نبات ينتمي إلى أرض تمتاز ببيئة ومناخ خاص، ثم يعاد غرسُه في أرض وبيئة ومناخ آخر، يجعله أكثر قدرة وفاعلية على بعث الإمكانات الكامنة فيه للعيش في مختلف الظروف والأحوال.

الترجمةُ في الوقت الذي تخترق فيه الحدودَ تعمل بموازاة ذلك على محوِ الحدود وبناءِ جسور بديلة عنها، بالغوص بعيدًا في الأعماق لاكتشافِ الصوت الذي تنطقه كلُّ لغات العالم، وينكشف فيه ما هو مشترَكٌ في الكينونةِ الوجودية للإنسان، وما تعكسه من احتياجاتٍ أبدية لا تكفُّ عن طلب إشباعِها في كلِّ زمانٍ ومكان، وما تنشده من قيمٍ كونية أساسية لإنتاج معنىً لوجودِ الإنسان وحياته.

كان نقلُ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” للغة الفارسية محصلةَ جهود اثنين من المترجمين، بدأ الترجمةَ الدكتور علي زاهد بور، وهو يتحدث العربيةَ كأهلها، ومتمرّس بمطالعة أدبها، ويمتلك ثقافةً تراثية وحديثة واسعة، وبعد أن نقل ثلثي الكتاب تقريبًا للفارسية، باغتته ظروفٌ شخصية أعاقت إتمامَه العمل، فبادر الدكتور حميد رضا تمدن مشكورًا بإكمال ما تبقى من الترجمة، وتمدن أستاذ جامعي للفكر العربي الحديث، ويتكلم العربية بلغة صافية، وهو مؤلف ومترجم لعدد من الكتب والمقالات. وأخيرًا تولى الدكتور محمد سوري مقابلةَ النسخة الفارسية على الأصل، وتحرير الترجمة وتنقيحها وتدقيقها. ومحمد سوري يتكلم العربيةَ الفصحى، وله دراية بالفكر العربي الحديث، وهو متخصّصٌ بالتصوف وخبيرٌ بمسالكه، رحّالةٌ سائحٌ لا يقيم بموطن، يسقي عقلَه وقلبَه وروحَه التخّلُق والتأملُ والصمت.

بهذه الترجمة يولد كتابُ “مقدمة في علم الكلام الجديد” ولادةً أخرى بالفارسية، وحين يهاجر هذا الكتابُ أو غيرُه من لغتِه الأم ويتكلم لغةً جديدة، تمنحه هذه اللغةُ إمكاناتِ وجود، ودلالاتٍ إضافية، وتبعث فيه حياةً جديدة، وتطبع النصوصَ المترجَمة إليها بصمتُها الخاصة، وتتكلم معجمَها الاصطلاحي. اللغة الفارسية تغتني بثقافةٍ عرفانية خصبة تختزن ميراثًا غزيرًا. هذا الكتاب لم يهاجر إلى فضاءٍ غريب عنه، إنه يتحدث إلى لغةٍ يتوطن فيها علم الكلام الجديد منذ عشرات السنين، إذ يحضر بكثافةٍ في كلماتها ومعجمها الحديث ومفاهيمها ورؤى العرفان الغنية فيها. عندما يتخذ هذا الكتابُ موضعَه في نسيج النصوص الفارسية، ويكتسي أساليبَ بيانها وتضيؤه آدابُها، تجعل هذه اللغةُ مفاهيمَه تتغذى في فضائها، وتتحدث كلماتِها وتتداول مصطلحاتِها، وينخرط شيءٌ منه في أفقِ رؤيتها للعالم، ويحقّق حضورَه متناغمًا مع إيقاعِ موسيقاها الداخلية، إنه يولد ولادةً جديدةً في سياق هذه اللغة.

اللغة الفارسية واحدةٌ من لغات العالم المشبَع قاموسُها بميراث العرفاء، وهي من أثرى اللغات بهذا الميراث، وأغناها بآدابِه، وأكثرها شغفًا بشعرِ العرفاء الرؤيوي الذي أبدعته قريحةُ شعراء عظام كجلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي، وسعدي الشيرازي، وسنائي الغزنوي، وعين القضاة الهمداني، وفريد الدين العَطّار، وعُمَر الخَيّام، وأمثالهم. لم أقرأ شعرًا يرسم صورَ الحُبّ بألوانٍ فاتنة وينشد أغاني العشق الإلهي البهيجة كما في مثنوي جلال الدين الرومي ودواوين العرفاء. استطاع الشعرُ العرفاني أن يتوغل بعيدًا في أعماق الروح، ويصنع لها ما تتطهر به، فجعل الروحَ تعانق عوالمَ الملكوت وهي تتذوق أغاني العشق الإلهي، وكأنها استفاقت بعد أن اغتسلت بالأنوار الإلهية.

الخبير بآثارِ العرفاء وشعرِ جلال الدين الرومي واستبصاراته يعرف التأثيرَ الاستثنائي لها في إيقاظِ الحياة الروحية في الإسلام وتنميتِها وتكريسِها، وبناءِ الرؤية الجمالية للعالَم، والكشفِ عن تجليات جمال الأسماء الإلهية في الوجود. في ضوءِ ذلك نعرف كيف أصبح العرفانُ رافدًا غزيرًا يستقي منه علمُ الكلام الجديد شيئًا من مقولاته، ويستلهم من عناصره بعضَ مكونات رؤيته ومواقفه، واهتمامه ببناء صلةٍ بالله تتأسّس على المحبةِ المتبادلة، والدعوةِ لتدين أخلاقي يرسي أسسَ العيش المشترك في إطارِ التنوع والاختلاف. في المثنوي لجلال الدين الرومي وآثارِ العرفاء نقرأ بوضوحٍ أن التنوعَ يعكس الطبيعةَ الإنسانية، وهذا التنوع يفرض الحقَّ في الاختلاف بطرائق الفهم والتفسير والرؤية للعالَم والمعتقدات، وهو ما يكشف عنه تعدّدُ اللغات والثقافات والأديان في حياة الإنسان أمس واليوم.

صدرت الطبعةُ الأولى لكتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” ببيروت سنة 2021، فاشتدّ الطلبُ عليه حين اعتُمد مقررًا دراسيًا في أقسامِ الفلسفة والإلهيات والمعارف الإسلامية في جامعاتٍ عربية متعدّدة. وفي السنة ذاتها أصدرتْ طبعتَه الثانية دائرةُ الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد، وكانت هذه الطبعةُ مزيدةً أكثر من خمسين صفحة، وصدرت الطبعةُ الثالثة ببيروت نهاية السنة الماضية 2022، وهي مزيدة فصلًا إضافيًا، والترجمة الفارسية هي للطبعة الأخيرة المزيدة والمنقحة.

نتطلعُ أن نتعرّفَ في كتابٍ قادم على آراء المتكلمين الجدد في إيران، ثم العالَم العربي، فقد ظهرت الدعوةُ لتجديد علم الكلام في الإسلام الهندي منذ القرن التاسع عشر كما دللنا على ذلك في هذا الكتاب، وانعكست أصداؤها في إيران بوقت مبكر، وسرعان ما تبلورت بوضوح في آثار مجموعة من المفكرين الإيرانيين، ممَنْ بلغ الكلامُ الجديد بجهودهم مرحلةً متقدمة، وكانوا الأكثرَ درايةً بتوظيف رؤى العرفاء ومقولاتهم في بنائه، والأسبقَ في الانتباه إلى ولادة الكلام الجديد في آثارِ مفكري الإسلام في الهند.

 

تقديم الترجمة الفارسية لكتابنا: “مقدمة في علم الكلام الجديد”.

 

رابط النشر:

 

 

فلسفة التديّن

فلسفة التديّن

د. عبد الجبار الرفاعي

أكثرُ ما يُكتَب تحذفه عاجلًا أو آجلًا ذاكرةُ الكتابة، وتتنكر لحضورِه المكتباتُ الرصينة، ويطارده القراءُ المحترفون، ويفضح النقّاد زيفه. أقرأ كتاباتٍ في الفلسفة والكلام القديم والجديد تتحدّث عن كلّ شيء وتحاول أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا، يكتبها أناسٌ يفتقرون إلى أدنى تكوينٍ تراثي أو أكاديمي أو لغوي، يكدّسون كلماتٍ صاخبةً مقعّرة لا تبوح بدلالاتٍ مفهومة، يورّطون أنفسَهم بحرفةٍ صعبة لا يمتلكون موهبتَها، تغويهم سهولةُ النشر اليوم فيُغرِقون المكتباتِ بأكداسٍ من الورق، تسرقُ أعمارَ القرّاء غير الخبراء، وتعبثُ بذائقتهم، وتهتكُ تقاليدَ الكتابة الجادة.

هذا كتابٌ من النوع الذي يمكث في ذاكرة المكتبة، وأظنّ أن حضورَه سيتجدّد لدى الخبراء مهما تقادم زمانُه. في كتابِ “فلسفة التديّن” استطاع الدكتور حبيب فياض أن يكتب الكثيرَ من سيرته المعرفية والأخلاقية وتجربتِه الروحية. أعرف حبيب منذ ثلاثةِ عقود، وكلّما اختبرت الأيامُ صداقتَنا تجلّى حبيب كأعذب ما يتجلّى فيه إنسانٌ شجاع عاطفي صادق، العاطفةُ المتدفقة غير المشروطة هي ما يغويني في كلِّ صداقاتي. حبيب متصالح مع نفسِه، يقول قناعاتِه الفكرية بجرأة، وإن كانت لا تشدو ما يقوله أكثرُ الناس. ‏أعرف التكوينَ الرصين لحبيب فياض، وتلمذتَه على فلاسفةِ دينٍ ومتكلمين كبار نهلوا من منجمِ التراث الفلسفي والعرفاني ومعطياتِ الفلسفة والعلومِ الإنسانية الحديثة، وأعرف جيدًا الذكاءَ الفائق الذي يلتمع في ذهنِه، ومثابرتَه وجَلَدَه في مراحلِ التكوين الجامعي، وأعرف مواقفَه وشهامتَه وغيرتَه على الإنسان. هذا الكتابُ مرآةٌ مضيئة ارتسمتْ فيها صورةُ حبيب الباحثِ الدقيق، وصورةُ مشروعِ المفكر الذي يحاول أن يبتكر منهجَه ويحدّد خارطةَ تفكيره المرسومةَ بعناية واحتراف، خارطة لا تشبه إلا ذاتَه، وكأنها لوحةُ فنانٍ مزج فيها ألوانًا متناغمة لتكون مرآةً مضيئة لفرادتِه. يحاول حبيب أن يعيد بناءَ أسسِ التفكير الديني في الإسلام في سياقٍ مختلِف، لا يقف كثيرًا عند الدينِ بمفهومِه النظري، لا يذهب إلى الأفكارِ المجردة والتأملاتِ العقلية وقراءاتِ النصوص الدينية، يذهب مباشرةً للواقع يسائل تجلياتِ الدين وحضورَه العملي، يدلّ القارئَ على التديّن الذي هو صوتُ الله في ضميرِ الإنسان، وصورةُ الدين في حياةِ الإنسان ومواقفِه وسلوكِه الفردي والمجتمعي.

عشتُ أيامًا عديدة مع مخطوطةِ هذا الكتاب، كانت رحلتي معه شيّقةً شاقة. شيّقة بوصفها معايشةَ كاتبٍ أعرفه عن قرب، وأعرف تكوينَه العميق في الفلسفةِ ومدرسةِ الحكمة المتعالية خاصة، وفي الإلهياتِ بشكل عام، واطلاعَه الواسع على الفلسفةِ وعلومِ الإنسان والمجتمع وعلومِ الألسنيات ومناهجِ التفسير الحديثة. وشاقة بوصفها كتابةً ابتكرت طريقتَها الخاصة في بناءِ المفاهيم والتعبيرِ عنها وإنتاجِ رؤيتها الاجتهادية، وكلُّ كتابةٍ من هذا النوع لا يمكن أن تستوعبها إلا بقراءةٍ متأنيةٍ متريثة. ربما لا تتفق مع حبيب في شيءٍ من رؤاه وطريقتِه في تركيب الأفكار، وما يسوقه من حجج، وأسلوبِ تعبيره عنها، غير أنه يفرض عليك كقارئٍ أن تنصت بهدوءٍ للمتن الذي ينسجه بإحكامٍ وتأملِ دقيق وتفكيرٍ صبور.كما يعرف تلامذةُ حلقات العلم التراثية أن قراءةَ المتون العرفانية بقدر ما هي شيّقةٌ هي شاقةٌ أيضًا، لا يستسيغها إلا قارئٌ قراءتُه عابرةٌ لأبعد من حدودِ الكلمات وآفاقِها الضيقة، قارئ تخترق استبصاراتُه ما وراء الكلمات.كلّما توغلتُ أكثر شعرتُ بحاجةٍ إلى قراءةِ هذا الكتاب أكثر من مرة. هذا كتابٌ نتعلّم منه كيف نفكر تفكيرا عقليًا في الدين، وهذا النوعُ من الكتب قليلٌ جدا اليوم.

هذا كتابٌ يعلّمنا كيف نتفلسف في الدين والتديّن لا على نموذجٍ متداوَل سابقًا، ولا على رؤيةٍ مقرّرة سلفًا. لم أجد عقلي ينصاع لكلِّ رؤى المؤلِّفِ ومنهجِه، غير أن قوةَ الكتاب فرضتْ عليّ كقارئٍ متخصّص أن أعود لمسائلةِ مناهجِ الكتابات الأخرى في هذا الموضوع، وحججِها وقناعاتِها المفارِقة في كثيرٍ منها لما جاء في الكتاب، واختبارِها في تقويضِ قناعاتِ المؤلف. مادامت الأسئلةُ الميتافيزيقة الكبرى تختبر إجاباتِها وتجّددها على الدوام، فهذا كتابٌ يضعنا أمامَ إعادة النظر في إجابات تعلّمناها أو ابتكرناها، إنه كتابٌ يجعلنا نكرّر طرحَ هذه الأسئلة، ويدعونا أن نفكر مجدّدًا في أجوبتِنا.كلٌّ منا أنا وحبيب يفكِّرُ في الدين ويقرأ نصوصه على شاكلته، إلا أني وجدتُ نفسي وأنا أقرأ هذا الكتابَ بتأملٍ أتعرّف على حبيب مجدّدًا، حبيب الذي ينشد اللحن الروحي والأخلاقي في الدين الذي أنشده، لكن بمنهجَين غير متطابقين، وبرؤىً متوازيةٍ لا تتكرّر معالجاتُها، وإن كنا معًا نعمل على تكريسِ الروح وإيقاظِ الضمير الأخلاقي وتنميةِ الحسِّ الجمالي في التديّن.

بدءًا بعنوانِ الكتاب: “فلسفة التديّن” يثير في عقلِك المؤلِّفُ سؤالًا تحير في جوابه، أنت تعرف أن مصطلحَ “فلسفة الدين” هو المتداوَل حتى اليوم في الفلسفةِ الحديثة، منذ العملِ الرائد “محاضرات في فلسفة الدين” للفيلسوف هيغل “1770 – 1831″، أما “التدين” فهو يحيل إلى العلومِ الإنسانية الحديثة، بما أنه تعبيرٌ عن تمثّلاتِ الدين وانعكاسِه في حياة الفرد والمجتمع، وهو ما يرتسم من صورةِ الدين في حياة الإنسان ووعيه وضميره، وهذا شأنٌ يتصل عضويًا بالواقع، ومداخلُ دراسة التديّن بوصفه واقعةً فردية ومجتمعية هو علومُ النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والميثيولوجيا، وعلومُ الألسنيات والسيميائيات والهرمنيوطيقا الحديثة. حاول حبيب نقلَ التفكير الفلسفي إلى الواقعِ الذي يحقّقه الدين، وسعى إلى أن يشرحَ موقفَه بتمييزٍ دقيق بين: المباحثِ الداخلدينية، والخارجدينية، ومضى نحو تحديدِ مصطلحاتِه وأدواتِه المنهجية بدقّةٍ وصرامةٍ في الفصلِ الأول من الكتاب، وجهد في التدليلِ على ما أثاره من أفكار، لدرايتِه بالأسئلةِ المتنوعة المتوالدة من هذا الضربِ من الكتابةِ المفارِقة للمألوف.

يجادل حبيب فياض في فلسفةِ الدين، ويضع عقولَنا أمامَ أسئلةٍ مختلفة حول “فلسفةِ التديّن”، وهو المصطلحُ الذي يصرّ على تضمينِه عنوانَ كتابه، ويحاول أن يخوض فيه من مداخلَ متنوعة، لا يستوعبها إلا قارئٌ صبور ذو تكوينٍ فلسفي وديني مزدوج. مقارباتُ التديّن المتنوعة تتسع لتوظيفِ علم النفس وعلمِ الإنسان والاجتماع والألسنيات، غير أن حبيب فياض عمل على زحزحةِ التديّن وإدراجِه في حقل الفلسفة، وهي محاولةٌ دلّل عليها منذ بدايةِ الكتاب حتى نهايتِه، محاولةٌ تفرضُ عليك أن تنظرَ فيها بتريث، سواء اقتنعت بها أم لم تقتنع.

لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفية بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا فيما تكرّره من إجاباتٍ جاهزة. قيمةُ هذه الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والتفكير غير المتعجِّل. لم أجد عقلي في بعضِ إجابات المؤلِّف وآرائه، بل وجدتُ لديه ما يحرّضني على التفكيرِ ويستحثّ عقلي على توليدِ أسئلةٍ موازية للأسئلةِ التي شغلتني أكثر من أربعةِ عقود، وحاولتُ أن أكتب إجاباتي عنها في مؤلفاتٍ متعدّدة.

لا أريد أن ألخصّ مادةَ الكتاب الثرية الواسعة، فهذا يتطلب كتابةً موسعة. الكتابُ لا يترك عقلَ القارئ الذي يقرأه بهدوءٍ يهدأ، إنه كتابٌ لا يرضى عنه السلفيون، مثلما لا يرضى عنه بعضُ دعاة الإحياء والإصلاح والتجديد، إنه كتابٌ يشدو لحنَه الخاص، ويبتكر رؤاه، ويعمل على تعزيزِ حججه. قليلٌ من الكتب ذلك الذي يضيف للذهن مادةً جديدة للتفكير، وأقلُّ منها ما يثير لديه الأسئلة، لم يضِف لي هذا الكتابُ معلوماتٍ جديدة في الدين، على الرغم من وفرتِها فيه، بقدر ما حرّض ذهني على إعادةِ طرح أسئلةٍ وتعميقها كنت بحاجةٍ شديدةٍ لمواصلة التفكير فيها. أنا إنسانٌ يتغذّى تفكيري ويتجدّد بالأسئلة، ولا يكفّ ذهني عن العودةِ إلى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى كلّما تقدم بي العمر. لا يستقرّ الذهن لمدةٍ إلا بتقديمِ إجاباتِه لها، ثم سرعان ما يعود إليها كلّما قرأ كتابًا من هذا النوع، أو واجهه موقفٌ لافت، أو رأى شيئًا مثيرًا، أو أنصت بعمقٍ لغابة أسئلة الوجود.

شكرًا دكتور حبيب فياض على هذا الكتابِ الذي استحثّ ذهني على التفكيرِ معه وضدّه. ما ينقل الذهنَ للتفكير خارجَ الأسوار المغلقة على الدوام هو الكتابُ الذي يدعوك للتفكير ضدّه. أتطلع أن يأخذ هذا الكتابُ الثمين مكانتَه المناسبة في الدراسات الجامعية بتخصّصات الفلسفة وعلوم الدين، وأن يحضر في الدراساتِ الدينية في الحوزة ومعاهدِ التعليم الديني التقليدية، وأظنّها الأشدَّ حاجةً لهذا الكتابِ وأمثالِه، والأشدَّ حاجةً إلى تلك الكتب القليلة جدًا المنشغلة بإيقاظِ الذهن وبناءِ الحياة الروحية والأخلاقية.

 

تقديم كتاب فلسفة التديّن، تأليف: د. حبيب فياض، يصدر قريبًا عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار الفارابي ببيروت.

 

رابط النشر:

عبد الجبار الرفاعيّ: الأثر والمنجز

عبد الجبار الرفاعيّ: الأثر والمنجز

أسامة غالي*

يُلفي مَن يطالع هذا الكتابَ «عبد الجبار الرفاعي: الدين حياة في أُفق المعنى» أنّ تجربةً فكريّةً قد تناولتها اطروحات ورسائل دراسات عليا في عدة جامعات، ودراسات، ومقالات، ومراجعات، وشهادات، لأكثر من عقدين، وفي مناسبات مختلفة، ولدواعٍ شتى، وبتنوع ثقافيّ بين الشرق الإسلاميّ وغربه، واتفقَ، اختياراً وجمعاً، أن يوضعَ شيءٌ منها في كتابٍ، وعلى ثلاثة محاور: شهادةً، ومقالاً، ودراسةً؛ كشفاً عن نسقِ التجربةِ الظاهرِ والمضمرِ معاً، وتعريفاً بها وفاءً لأثرها. وما كانَ لهذه التجربةِ أنْ تنال هذه العنايةِ لولا غناها، وتنوّعها، وعمقها، وتميزها، واختلافها أيضاً.

الرفاعيّ أثراً

وقفَ الكتّابُ ـ في غير مظنّةٍ ـ عند أثر الرفاعيّ، وتناولوا ما هو شخصي قامَ على صلةٍ، أو موقفٍ، وما هو عام قامَ على قراءة منجزٍ، وفي الحالين يتجلى الأثرُ؛ محرضاً على أنْ أفتتحَ التقديمَ بشيء من الصلةِ بالأستاذ الرفاعي؛ لأصلَ بعدها إلى المنجز، ولا يعدمُ في التعريف بالمنجز شيءٌ مما هو ذاتي.

حينَ دخلتُ النجفَ دارساً للمعارف الدينيّة، وكان سناً مبكراً، تعرّفتُ إلى الدكتور الرفاعيّ، وكانَ التعرّفُ في ضوءِ المنجزِ، لاسيما في شرحي أصول الفقه والفلسفة، وبين هذين الكتابين كنتُ أطالعُ مجلة «قضايا إسلاميّة معاصرة» التي تصلُ النجفَ بموادٍ غنيّة: طروحات جديدة، وترجمات تفتحُ كوةً لنفاذ فكر الآخر المختلف. ولا تعدمُ أحاديث أساتذة عن الرفاعيّ، سيرةً وموقفاً وثقافةً، ومع كلّ هذا يزدادُ حضور الرفاعيّ في أفق الوعي، ويتماد الفضولُ بالتعرّفِ إليه عن كثبٍ.

توثقت الصلةُ بالرفاعيّ مفكراً ومترجماً، وكانَ ما أسسه في بغداد، مركزاً لفلسفة الدين، رافداً معرفياً مهماً، إذ قامَ بنشرِ نتاج مفكرين إيرانيين لم يطالع عربيّاً، إضافة إلى ما ينجزهُ الرفاعي شخصياً، مراجعةً، ونقداً، وسجالاً، وفكراً. وكانَ يحرصُ، في كلّ هذا، على شيعوعةِ الاستنارة في العالم العربيّ، وفي العراق تحديداً.

لم تكن طروحات الرفاعيّ تفارقُ نبعين إلاّ ما ندر: الأولى القرآن الكريم، والنزعة العرفانيّة. غير أنّ تكأة الرفاعيّ على هاتين النبعين لم تعد تكأة القُدامى، فهو يبتكرُ لنفسه آليات اشتغال أخرى، ومنظوراً مختلفاً، ومراساً جديداً ينجم عن استجابةِ راهنٍ، ولا يبعدُ، في ما ينجزُ، عن طرح الإشكاليات الكبرى في الثقافة الإسلامية، وهو صانع الأسئلة الأمهر.

شيءٌ آخر يضاف، أنّ الرفاعي لا يرى تعارضاً، أو انفصالاً، بينَ العلوم الحديثة، إنسانيةً، واجتماعيةً، والمعارف الدينيّة القُدمى؛ وإنما يرى ثَمَّ نسغاً يتماد بينها، وتخادماً يقضي بفهمٍ جديدٍ للدين، إلا أنه يفارقُ بينَ معطيات تيك المعارف أو العلوم الإنسانيّة وبينَ العلوم الصرفة؛ طبيعيةً أو غيرها.

لا جرمَ، أنّ الأثر تمادَ أبعدَ من المنجزِ، وصارَ إلى صلةٍ مباشرةٍ، تواصلاً ولقاءً وحواراً، فتعرّفتُ إلى المفكر الرفاعيّ شخصياً، وكانَ ما يطرحُه ذات ما يتمثلُ في شخصيته، تقبلاً للاختلاف، وانفتاحاً واصغاءً للآخر، وتدفقاً فكرياً وروحانيّاً واخلاقيّاً، ونأياً عما يتركُ في الروح صدأً، وبذلاً، بلا جزاءٍ، لأي سؤالٍ.

لم تنقطع الصلةُ، ولم تخفت، ولا يعكرها الحاحٌ بطلبٍ، فكانَ يبادرُ بالسؤالِ دوماً، متفقداً الغياب، أو مواسياً لحظة فقدٍ، أو فرحاً بإنجازٍ، محفزاً إليه، ومتابعاً تفاصيل تأديته، داعماً ومحتفياً، ولقد مدَّ بالصلةِ إلى شخصيات أُخر، عراقيّاً، وعربيّاً، وإيرانياً، معرّفاً، أو قاضياً لمسألة تعسرت.

هكذا تعرّفتُ إلى الدكتور الرفاعيّ، ولقد أًبقي على هذا الأثر؛ لأنه مما يأملُ ويعلّمُ، ويفتحُ آفاقاً، ويمنحُ الطمأنينة.

الرفاعيّ منجزاً

اتفقَ أنْ أعنى بالفلسفةِ والعرفانيّة جرّاء الدرس الديني في النجفِ،  ثُمَّ  أنْ أواصلَ هذه العنايةَ أكاديميّاً في الدراسة العليا، وكانَ النظرُ في الفلسفة والعرفانيّة، دراسةً وتحقيقاً، يقدمُ معالجةً لمشكلٍ منهاجيّ، ألا وهو العلاقة بين العقل والوحي، ثُمَّ سؤال الدين، وكانَ قد شاعَ، بلا أصلٍ، أنّ ثَمَّ قطيعةً بينهما، أو قل إنّ ثَمَّ تهافتاً خفياً قد سوّغ العلاقةَ الذهنية، وربما هذا ما أدّى بـ «أبي حامد الغزالي» إلى إشهار «تهافت الفلاسفة»، ثُمَّ جاءَ رداً «تهافت التهافت» لـ «ابن رشد»، وبقي هذا السجالُ مفتوحاً على هامشِ المدوّنتين الفلسفيّة والعرفانيّة، واتخذ شكلاً آخر في النظر المعرفيّ الحديث «الابستمولوجيا»؛ إذ صارَ السجالُ إلى ثنائية الدينيّ والبشريّ، ومعاينة الحدود الفاصلة بينهما، ومدى التقارب والتقاطع.

ولا جرمَ، أنّ لعلم الكلام دوراً في تغذية هذا السجالُ إسلاميّا وعربياً، واسهاماً في تكريسه لقرون، بل تشويه العلاقة، وتحريف طبيعتها، واشغال الدارسين عمّا هو جوهريّ في الدين، ومما لا يخفى أنّ علم الكلام القديم يقوم على غايةٍ هي الإلزام، مما تفرضُ أنْ تكونَ المنهاجيةُ جدلاً يأنسُ بنتائجها التلقي العامي، وتضفي مشروعيةً للتقليد والاتباع بلا عبء بحثٍ ومساءلة.

وإذا ما عُرفَ أنّ للعقلِ مدياته، وللوحي مدياته، وما بينهما علاقة ملء الفراغ ـ أياً كان شكلها: أفقية نظير ما صورها المشاؤون، أم عمودية «تراتبية» كتصوير العرفانيّة ـ يُكتشف الشططُ الذي مارسه علم الكلام، وينجمُ فهمٌ دقيقٌ لسؤال الدين، وربما حاولَ، قديماً، «اخوان الصفا» مقاربة هذا المسعى، ثُمَّ حاولَ، اتباعاً، «صدر الدين الشيرازيّ» تطبيق، وشيعوعة، هذه المقاربة.

يبدو لي أنّ سؤال الدين في تجربة الرفاعيّ يتأسسُ على فهمِ العلاقة بين العقل والوحي، وهو فهمٌ يقومُ على إعادة تعريف العقل والوحي على غير ما قرّ في المدوّنة القُدمى، وبمعزلٍ عن التركةِ النظرية التي ورثها المتكلمون والفلاسفةُ عن «أرسطو»، وهو ما يقترحه كمقدمة لعلم الكلام الجديد بقوله: « يبدأ علم الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرر تعريفه في علم الكلام القديم كما هو…»([1]). ثُمَّ يقول: « العقل كائن تاريخي يتغير ويتطوّر ويتكامل تبعاً لنمو وتراكم معقولاته كيفاً وكماً…»([2]). وإذا ما كانَ هذا المدخلُ لسؤال الدين؛ فتكون النتيجةُ أنّ ثَمَّ فهماً جديداً للدين، وقراءة مختلفة، أو بتعبير الرفاعيّ نفسه: «يفهم الدين من داخله، وإن كانت تمثلاته في الحياة البشرية تفهم من خارجه. الدين حياة في أفق المعنى، الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية هي الأفق الذي يتحقق فيه الدين، وهي لا تتطابق مع المادة التي تتحقق وتنكشف فيها العلوم وقوانينها.»([3])

زاولَ الرفاعيّ هذا الفهمَ بوصفه أصلاً مرجعيّاً تستندُ إليه تمثلات تجربته، ففي كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي» يضعُ هذا الأصلُ مفتتحاً؛ ليتفرّعَ منه إلى سردِ سيرته الفكريّة وتحولاتها، ثُمَّ معالجة المشكلات التي أرهقته، وهي مشكلات عامة، بل إنّها مشكلات الإنسان المفكر.

ولا يُعدمُ هذا الأصلُ في كتابه «الدين والنزعة الإنسانيّة»، إذ يقول: « لا أفهم الدين فهماً وضعياً يقطع صلته بالمطلق، لذلك أختلف في فهمي لـ «أنسنة الدين» عما هو شائع لدى كثيرين من الباحثين في هذا المضمار»([4]). ثُمَّ يعودُ لتعريفِ الدين قائلاً: «الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحيّ وأخلاقيّ وجمالي لحياته الفردية والمجتمعية. هذا هو تعريفي للدين»([5]). ولهذا الأصلُ المرجعيّ تجلٍ آخر في كتابي «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، و«الدين والكرامة الإنسانيّة».

حاولَ القدامى، بمختلف اتجاهاتهم، أنْ يقدموا فهماً لعلاقة العقل بالوحي، غير أنّ هذا الفهم لم يخلُ من الميلِ إلى طرفٍ، والانتصار له. فثَمَّ نفرٌ مالَ إلى فاعلية الوحي ميلاً كلياً بوصفه مصدر المعرفة الرئيس، والكاشفُ عن الواقعِ، أمّا العقلُ فلا يحوز مزيةَ كشفٍ، بل هو خطّاء، ولا يصحُ الوثوق به، وكانَ «أوغسطين»، و«توما الأكويني» الآباء المؤسسين لهذا الرأي، وتبعهم، إسلاميّاً، «أبو حامد الغزالي».

ونجمَ، في الثقافةِ الإسلامية، رأيٌ آخر، كانَ يصوّر العلاقة، بين العقلِ والوحي، على أنّها توصلية، أي أنّ العقلَ يحوزُ مزيةَ توكيد الأصول، توحيداً ونبوةً، ثُمَّ يقفُ، ويمضي الوحي بوصفه المصدر الرئيس لتوكيد الأصول الأخرى، ومكاشفة التفاصيل، وإذا ما تعارضَ العقلُ والوحي تعارضاً بدوياً، أو مستقراً، فيقدمُ الوحي.

وبينَ هذين الرأيين ثَمَّ رأي آخر يحوز للعقلِ مزية المعرفةِ مطلقاً؛ مستبعداً فاعلية الوحي، وهو يستندُ إلى تكأةِ علميّة صرفة «تجريبية»، وربما هو أشبهُ بما قرّ في الفلسفةِ الوضعية.

لا تبعدُ تيك الآراء عن دائرة الجدلِ الكلاميّ القديم التي أرادَ المحدثون، عرباً وغيرهم، أنْ يعيدوا النظرَ فيها، وأن ينقدوا بالمساءلةِ ما تسربَ منها إلى المدوّنة الجديدة، غير أنّ نفراً من هؤلاءِ المحدثينَ وقعوا بفخاخ الاستعادة، أي أنّهم تبنوا، قبلياً، رأياً ما في مساءلة الآراء الأخرى بمعزلٍ عن التفكير بإعادة تعريف العقل والوحي تعريفاً جديداً، كما فعلَ الدكتور الرفاعي، ثُمَّ محاولة فهم العلاقة فهماً ايجابياً.

حاولَ الرفاعيّ أن يعرّفَ الوحي بأنه: «صلة وجودية بين عالم الغيب والشهادة، تصيّر النبي شاهداً للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلى على مرآة البشري.»[6]، وبهذا يفارق الرفاعي بين الوحي والعقل مفهوماً ومحددات، مجترحاً رأياً رابعاً لا ينتصر فيه إلى طرفٍ ما، أو يقصر، أو يهمش، فاعليته، بقدْر ما يقدّم فهماً للعلاقة على أصلٍ من تنوّعِ الواقع الوجودي وسعته، غيباً وشهادةً.

ينجمُ مما مرّ، أنّ تجربةَ الدكتور الرفاعيّ تقومُ على فهمٍ جديدٍ للدين، وأنّ هذا الفهمَ يشكّلُ أصلاً مرجعياً في منجزه، وقد انبجسَ، بدءاً، من مساءلة مفهومي العقل والوحي، والعلاقة بينهما، في المدوّنة الفلسفيّة، والكلاميّة القُدمى، وكانَ للنزعة العرفانيّة دورٌ في تشكّل هذا الفهم.

شيءٌ آخر يضاف، أنّ الرفاعيّ توصلَ إلى هذا الفهم، بوصفه أصلاً مرجعياً، بعد خبرةٍ في قراءة ودراسة التراث الدينيّ والإنسانيّ، وتجربة روحية في تأمل عوالم الغيب، والشعور بتجلياته، إضافةً إلى شغفه بمتابعة ما تنتهي إليه مناهج العلوم الحديثة، وهو يرى، قبلاً، أثرها الفاعلَ في سياقِ التجربة البشرية.

ختاماً، أنّ هذا الكتابَ يعدُ تعريفاً بالرفاعيّ أثراً ومنجزاً، وانجازه وفاءً واحتفاءً.

والحمدُ لله أولاً وآخرَ.

*  باحث عراقيّ متخصص بالأدب المقارن، والدراسات العرفانيّة.

[1]) مقدمة في علم الكلام الجديد، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط3، ص21.

[2]) مقدمة في علم الكلام الجديد، د. الرفاعي، ص126.

[3]) الدين والكرامة الإنسانية، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط2، ص47.

[4]) الدين والنزعة الإنسانية، د. عبد الجبار الرفاعي، دار الرافدين، بغداد: 2023م، ط4، ص55.

[5] ) الدين والنزعة الإنسانية، د. الرفاعي، ص55.

[6]  «مناقشة الرؤى الرسولية» لعبد الكريم سروش، د. عبد الجبار الرفاعي، مقال نشر في العالم الجديد بتاريخ 1ـ10ـ2022.

 

رابط النشر:

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

د. عبد الجبار الرفاعي

هناك مَنْ يتعاطى مع الإنسان بوصفه كائنًا لا يتغير ولا يتحول أيُّ شيء فيه، وهناك مَنْ ينظر إليه بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في كلِّ أبعاد وجوده، لا يرى كينونةً وجودية جوهرية ثابتة فيه،كلُّ شيء فيه متغيّر بتغيُّر الأحوال والظروف المتنوعة بتنوع نمط العيش والمحيط والثقافة. وقد انتهى هذا الموقفُ إلى القول لدى بعض المفكرين بنسبية الحقيقة وكلِّ القيم والأخلاق، والارتياب في كلِّ شيء له صلة بالإنسان، ولم يعد هناك شيءٌ ثابت، أو قيمة روحية وأخلاقية وجمالية كونية على رأيهم. الثابتُ الوحيد هو عدمُ الثبات، اللامتغير الوحيد هو التغيرّ الكلي المستمر، وهذا ضربٌ من الارتياب الذي ينتهي إلى نفي كلِّ شيء.

تختزل كلا النظرتين الإنسانَ في بُعد واحد، فهو إما ثابت لا يتغيّر أبدًا مهما تغيرت ظروف حياته، وهذا فهم متحجّر يراه كأنه صخرة، أو متغير على الدوام لا شيءَ ثابت في وجوده، والمبالغة في هذا الفهم تنتهي إلى ارتيابية لا تعلم بشيء. القرآنُ الكريم يتحدث عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعدٍ منهما يُتخَذ موضوعًا لنوعٍ من أحكامه وقيمه:

الأول: الإنسانُ ببُعده الفيزيائي الأنثروبولوجي الثقافي، الإنسانُ الذي يعبّر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي المتحول، الإنسانُ بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحوُّلات الواقع والظروف ومختلف أنماط العيش. هذا البُعد للإنسان هو الموضوع الذي تدرسه العلومُ الإنسانية، وتتحدث عن تغيّره المستمر تبعًا للتحولات في واقعه وظروف عيشه وأحواله. وهو الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش، ومختلف المعطيات السائدة في الواقع.

الثاني: الإنسانُ ببُعده الوجودي، الإنسانُ بجوهره الفلسفي، من حيث هو إنسان أبديّ لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغضّ النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقعُ وكيفيةُ العيش، بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًّا أو جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا أو هوياتيًا. يتحدث القرآن عن الإنسان بالنظر إلى كينونته الوجودية وراء المعنى الفيزيائي والثقافي والأنثروبولوجي المتغيّر، الإنسانُ بهذا العنوان الثابت هو موضوعُ الكرامة والحرية والمساواة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم.

في ضوء فهمنا لهذين البُعدين يكون الإنسان موضوعًا لنوعين من الأحكام في القرآن:

  1. الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًّا متغيِّرًا: يعبّر عنه عنوانُ الإنسان بلحاظ هوياته المتغيرة، الإنسان منظورًا إليه هنا بوصفه إنسانًا عاش في زمان ومكان وبيئة وثقافة وواقع خاص، ومأخوذة كلّ هذه الأحوال في كونه موضوعًا للأحكام. في ضوء هذا المفهوم للإنسان تتغير الأحكامُ بتغير الأحوال والظروف والأزمان، لأن الموضوعَ فيها مأخوذٌ بنحو القضية الخارجية كما يصطلح علماءُ أصول الفقه[1]. هذا هو الإنسانُ التاريخي الذي يقع موضوعًا لآيات الأحكام الخاصة بذلك الزمان، ومن أوضحها مصداقًا آياتُ الرقّ، وغيرها من أحكام معاملات أمضاها الإسلام مؤقتًا لضرورات فرضها الواقع، وهي كلُّها تمثّل عصر البعثة الشريفة. أحكامُ الرق مثلًا ليست منسوخةً، لا حكمًا ولا تلاوة، ومع ذلك نسخها تغيّرُ الزمان والمكان والبيئة والواقع. تضمن القرآنُ الكريم آياتٍ تتحدّث عن أحكام الرقّ، لا يعمل بها أحدٌ اليوم، مثل: “وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، النساء:25. “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ”، المؤمنون:5-6. “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”، القصص،3. أحكامُ الرقّ مثالٌ لموارد متنوعة من آياتِ أحكام المعاملات الخاصة بذلك العصر، أمضاها القرآنُ مؤقتًا[2]، الحكمُ فيها يتغيّر تبعًا لتغيّر الواقع.
  2. الإنسان ببُعده الوجودي الذي لا يتغيّر: يعبّر هذا المعنى عن الإنسانِ بوصفه فردًا، إنسانٌ ينطبق على حقيقةِ الإنسان الفرد الوجودية، ما ينطبق عليه عنوانُ الإنسان في الحياة الدنيا وبعد الموت في الحياة الآخرة. هذا هو البُعد الذي يعبّر عن كينونة وجوديّة جوهرية لا تتغيّر في الإنسان،كما يعبّر هذا المعنى عن الإنسان بوصفه إنسانًا كليًّا.كينونةُ الإنسان العاقل أمس ووجودُه هي ذاتها كينونةُ الإنسان ووجودُه اليوم، لا اختلافَ في صدق مفهوم الإنسان عليها مهما اختلف الواقعُ وتغيّرت أنماطُ العيش والثقافة والأحوال. نعني به الإنسانَ بوصفه ذلك الجوهر الواحد الذي يشتركُ فيه كلُّ كائنٍ بشري مع غيره، والمتمثّل في ما يصيِّر كلَّ إنسانٍ إنسانًا.

الموضوعُ هو كينونة الإنسان ووجودُه العابر للزمان والمكان والظروف والبيئة والثقافة والهويات والواقع، موضوعُ الأحكام مأخوذٌ فيه عنوانُه بنحو القضية الحقيقية حسب مصطلح الأصوليين. هذا العنوانُ للإنسان هو موضوعُ القيم الأخلاقية والروحية والجمالية في الآيات القرآنية. وهو ما تخاطبه آياتُ القرآن في حديثها عن الله والتوحيد والغيب وكلِّ القيم الكونية المشتركة.

على هذا الأساس يبتني تصنيفُنا لمضامين آياتِ القرآن، واعتماد ذلك معيارًا في اكتشاف المعنى الديني الذي ينشده القرآنُ في الظرف الخاص بعصر البعثة، والمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الشامل الذي يتسع لكلِّ عصر، وفي ضوء ذلك نفهم ما هو ثابت وما هو متغير، على وفق لما يلي:

  1. آيات تتضمن أحكامًا وتشريعاتٍ تعكس واقعَ مجتمع عصر البعثة، مثل آيات الرق، وغيرها من آيات تتحدّث عن معاملات متنوعة، وهي أحكامٌ ليست كونية عامة، ولا تستوعب كلَّ العصور.
  2. آيات تتضمن قيمًا إنسانيةكلية، قيمٌ أبدية، قيمٌ يحتاجها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، في كلِّ زمان ومكان، قيم غايتها أن يعيش الإنسان في أُفق المعنى، قيمًا تنشد بناءَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

هذا هو المفتاح المحوري للمنهج الذي أعتمده لتفسير القرآن الكريم، وهو الأساس الذي يبتني عليه ويتفرّع عنه ما أوردتُه بتنويعات وتطبيقات كثيرة في مؤلفاتي.

مازال كثيرٌ من الكتابات تخلطُ بين الإنسانِ بوصفه كينونةً لا تتغيّر، الإنسان بالمعنى الوجودي الفلسفي، الإنسان وراء هويته الفيزيائية والأنثروبولوجية المتغيّرة، الإنسانُ الذي يكونُ موضوعًا للقيم الكونية الكلية، وبين الإنسانِ بوصفه هويةً متحولة، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي، وهو ما يكون موضوعًا للأحكام الظرفية المتغيّرة.

 “القضية الحقيقية والقضية الخارجية للأحكام؛ الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية وأخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الإفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. والحكم في الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد”. الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج 1، ص 150 – 101. نسخة إلكترونية على شبكة الإنترنت. [1]

 الأحكام الإمضائية، وهي “الأحكام التي لم يؤسّسها الشارع وإنّما كانت موجودة فأمضاها بالقول و اللفظ أو العمل أو السكوت وعدم الردع ، أو التي كانت في الشرائع السابقة وأمضاها الشارع الإسلامي ، ففي بعض الموارد أمضى الشارع ما عليه العرف والعقل بالأدلّة اللفظية، وفي كثير من الموارد استكشف الإمضاء من عدم الردع”. مقالة الأحكام الإمضائية في: الموسوعة الفقهية، ج۱۷، ص۲۵۹-۲۶۸، نسخة إلكترونية منشورة على شبكة الإنترنت.. [2]

 

رابط النشر:

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

القول الثقيل في علم الكلام الجديد

د.علي أحمد الديري*

جمعتني والرفاعي طرقٌ ومسالك تحت مظلات كثيرة، منها: الأستاذية وما فيها من لذة المريد، والصداقة وما فيها من قوة العلاقة، واللقاء وما فيه من قوة الشوق، والكتابة وما فيها من كلّ ذلك.

أكتب هذه الشهادة وأنا أتنقل بين مطارات الهجرة على موعد للقاء بيروتي يجمعنا بعد انقطاع يقترب من سبع سنوات. نعم، نحن أصحاب الأوطان المؤجلة، نجد فيما يجمعنا وطنًا ليس بديلًا لكنه أثير.

أكتب في هذه اللحظات – في ناشئة من لحظات ما قبل الفجر التي يقهرك عليها السفر الطويل بين القارات – مُستلهمًا فكرة من إشارة وردت في مقاربة الرفاعي لمفهوم الوحي في علم الكلام الجديد، وأوقفتني على فتح لطيف لمعنى الثقل في الآية “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا”، المزمل، 5. يفسّر الرفاعي الثقل بالتكامل الوجودي للنبي “ص”، الذي جعله مستعدًا لتحمل هذا النوع من قول الوحي بصلابة وقوة وعزم وإيمان وتسامٍ وإصرار، الوحي بهذا التحمل صلة استثنائية بالله، حالة وجودية: إلهية بشرية/بشرية إلهية. أي أن الثقل، يكمن في الذات، في وجودها الذي تُنشئه بقوة روحها وعقلها وهي تَشق معنى النص الذي يُوحى إليها، بقدر ما النص يشق سمعها.

هكذا أفهم النص الديني باعتباره قولًا ثقيلًا بما فيه من قوة تكوين وفتح وإنشاء وفرادة، يتطلب منا أن نتلقاه بقلوب مشعة بالإيمان وعقول مليئة بالنور، وقراءات مفعمة بالتأويل الذي يُعمّر الأرض بالخير والسلام والسكينة، لا العنف والقتل والتوحش.

كلُّ ما يُلقى من خطاب، يحمل قوة الفكرة وأفق الغيب واتساع الأرض وسر الإنسان، أعتبره قولًا ثقيلًا، يستدعي الصداقة والصحبة واللقاء والأستاذية والمريدية، فأنت تحتاج إلى من يشاركك حمله بأحد هذه العناوين. جمعتني صحبة “القول الثقيل” مع الرفاعي، فنحن نتشارك حمل هذا القول وتقليبه بأفهام متعددة، وتخليصه من ثقل العنف، وشحنه بثقل المعنى.

تجربة الوحي في فهم علم الكلام الجديد، وفي فهم العرفاء والمتصوفة لا تنتهي ولا تنقطع، ما دامت السماء مُلهمة والأرض عامرة. ينتهي التشريع، لكن لا تنتهي مهمة الإنسان في قراءة القول الثقيل، يظل الإنسان يسعى لإعطاء القول الثقيل معنى دنيويًا يعيش به، ويخفف به ثقله المادي، ليغدو كائنًا خفيفًا، وفق نظرية الصوفية في الكثائف واللطائف.

القول الثقيل حين يتجسد في لغة حية، يعطيها من غيب وحيه، وتُعطيه من شهود أرضها، تمامًا كما قال محمود درويش، وهو يتحدث على لسان إدوارد سعيد في طباقه مع هويته: “ولي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات، ولي لغة من حوار السماء مع القدس، لكنها لا تُسعف مخيلتي”. في حوار السماء مع القدس، تلتقي لغة الوحي المقدسة مع لغتنا العربية المعيشة في التاريخ والمجتمع، هنا ينشأ ما يمكن أن نسميه إشكالًا ثقيلًا، يحتاج إلى جهود بشرية تبتكر له حلولًا وشروحًا وتأويلات غير منتهية.

أشترك مع الرفاعي في هذا الحوار، نطوّع لغتنا وأفكارنا وكتاباتنا، لتقليب هذا القول الثقيل، وفهم إشكال لقاء الغيب مع الأرض فيه، وإعطائه معنى دنيويًا، من دون أن يفقد خزائن غيبه المكتنزة بالمجاز.

لا أحد يحتكر شرح القول الثقيل ولا تأويله ولا تنزيله في قلوب الناس وعقولهم، سيغدو علم الكلام الجديد في مقاربة الرفاعي، محاولة لتنزيل القول الثقيل، لخدمة الإنسان وحفظ كرامته، وذلك بأن يكون نازلًا فيه وله، لا عليه، بمعنى نازلًا من أجله، لتلطيفه وترقيقه، لا نازلًا كأجل عليه، لتعنيفه وتغليظه.

في عام 2002 كنت رفيق الرفاعي لزيارة صديقنا المفكر جودت سعيد، أستعيد الآن هذه الزيارة، باعتبارها صداقة ولقاء مع أحد مؤولي القول الثقيل، وأحد الشخصيات التي بذلت جهدًا كبيرًا لتخفيف ثقل العنف من أفهام من يعتقدون أن ثقل القول يعني صرامة الحدود، وكثرة الفروض، وشدة العقاب، وغلظة البراءة من المختلف، ونافحت من أجل توجيه معنى الثقل إلى وزن الروح وعمق الجمال وتجرّد المطلق.

الذين لا يتلطف ثقل القول في أفهامهم، لا يتجاوزون جرن الناقة، ويظلون يرددون للانبهار الخارجي: “إن النبيّ (ص) كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يُسرَّى عنه”، الجِرن هو باطن العنق، إذا برك البعير ومدّ عنقه وصدره على الأرض، قيل: ألقى جِرانَ بالأرض. إنها صورة تعبر عن ثقل ما يتلقاه النبي (ص) من قول، وكذلك هي صورة لطبيعة حياة النبي في الأرض، بشر يمشي في الأسواق ويركب دابته، ويتفاعل مع الغيب من فوق ظهر ناقته، نحتاج لهذه الصورة المركبة للنبي كلّها لنقدم كلامًا جديدًا، كلامًا يمد عُنق النصّ، لا يلوي عنق النصّ، ولا يتوقف عند جِرن عنق الناقة.

الذين يظلون في ثقل الظاهر، يفقدون خفة الباطن، ولا يتجاوزون ثقل جرن الناقة، إلى جِرن العقل والروح حيث الأفكار تُطحن وتُدق وتسوّى، وهذه واحدة من معاني الوصل بالغيب وتحقق الوحي، والنبوة بما هي صلة بالغيب، هي رسالة بفكر جديد وفهم جديد وكلام جديد، ومن هنا يأتي معيار الكلام الجديد في فهم الرفاعي: أن يُقدّم المتكلم فهمًا جديدًا لمعنى الوحي.

من يتمكنون من توطين أنفسهم على تحمّل مشقة الوصل بالغيب، ليشقوا سمعًا جديدًا، يتكلمون كلامًا جديدًا، يُنشئون به فهمًا جديدًا للوحي، وهذا عين ما قاله ابن عربي: “فإن الله سبحانه لما أغلق دون الخلق باب النبوة والرسالة أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه (ص) في كتابه العزيز”[1]. يبقى الغيب حاضراً في الفهم كرزق وفتح من الله: “وكان علي ابن أبي طالب يقول: إنّ الوحي قد انقطع بين رسول الله، وما بقي بأيدينا إلا أن يرزق الله عبداً فهماً في هذا القرآن “[2].

وصل الفهم هو ما بقي من الوحي بعد ختم وحي الشريعة، به نجدد معنى ثقل القول، ويحرص ابن عربي على تذكيرنا بالصحبة والتخلق والأدب، فبهم نستعين لتوطين النفس على تحمّل مشقة القول الثقيل. وهذا ما لمسته في صحبة الرفاعي التي لا تنفك عن التأدب والتخلق. وقد صحبني في تقديم كتابين لي عن ابن عربي، فمقاربة خطاب ابن عربي بما يحمله من قول ثقيل بحاجة إلى أن تُلقي عليه جرانك أي توطن نفسك عليه، ولا يكفي ذلك، بل أنت بحاجة إلى صاحب يطمئنك إلى أنك تلقيت هذا القول الثقيل بما يليق به، فوجدت السكينة في شهادة الرفاعي حين كتب لي: “إنها المرة الأولى التي يأخذني باحث إلى فضاء لا مفكر فيه في ميراث محيي الدين العميق، الدقيق، الخصب، المركب … شكرًا لك لأنك اجتهدت في عبور المكررات والاجترار الأجوف والترميق اللفظي والنصوص الوثوقية في دراسة هذا الكنز المجهول في دنيا العرب”.

في كتابي الثاني عن ابن عربي، اهتممت بتخفيف ثقل مقولة (وحدة الوجود)، لأنزلها من صومعة التصوّف إلى الأرض المحتربة بالتكفير، كانت صحبة الرفاعي تقول لي، لا ينسيك الاحتفاء الشيعي بابن عربي، الأصوات التي كفرّته وزندقت قارئه الأكبر ملا صدرا الشيرازي، من داخل الخطاب الشيعي نفسه، فتداركت بصوت الصحبة، ما كان سيبدو نقصًا معيبًا.

هكذا، تغدو صحبتنا دومًا، على مفترق قول نُقلّبه ونخففه بحُبّ وشغف ومتعة.

 

 

 

 

*  باحث وناقد من البحرين.

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص285 .

[2] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص 258.

 

رابط النشر:

حدود الديني والدنيوي

حدود الديني والدنيوي

د. عبد الجبار الرفاعي

كلُّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة. وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه.

نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يُعادُ فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن.كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

 

يجدُ القارئ في موضوعات كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”،كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى، التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف وتراكم الخبرات البشرية، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًّا للحاجة الروحية والأخلاقية إلى مشكلة تهدِّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا.كثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرُّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الإنسان، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية.

في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشفَ في كتاب “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجال الدنيوي الموازي له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج تطبيقية متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي. يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية “إنسانية إيمانية”، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً، تتجلّى فيها أعذبُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

يأتي هذا الكتابُ رديفًا لغيره من كتاباتي، وهو يتوخَّى الغايةَ ذاتها، وما تنشده موضوعاتُما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الكتب هي “لاهوتُ الرحمة”، من أجل تخفيفِ وطأة “لاهوت السيف” الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم. إذ كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية، لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع الفكرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب “لاهوتُ السيف” على “لاهوت الرحمة”، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًّا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسِّري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان: “الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن”، والفصلِ الثاني الذي جاء بعنوان: “التصوّف المعرفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد”، وتناول بالشرح والتحليل كيف يغتربُ الإنسانُ وجوديًّا عن الله في لاهوتِ المتكلّمين، لأنّ ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكِي علاقةَ السيِّد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في علم الكلام القديم تَسَلُّطِيّ كالملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، يمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وُلدت عقيدةُ الجبر في أُفُقِ هذه الرؤية مبكِّرًا، وأصبحتْ منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. كما تناولت بالشرح والتحليل ما يمكن أن يقدمه التصوُّفُ المعرفي في تراثنا من تأمين الحاجة للمعنى الديني اليوم، بوصفه مَنْجَمًا ثمينًا للمعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ، وإن كان اكتشاف ما تزخر به طبقاتُ هذا المنجم يتطلّب وجود مُكْتَشِفٍ بارع يغوص في تلك الطبقات، فيصطاد الجواهرَ الغاطسة في ركام مَنْجَم فحم، مدون بلغة ضبابية أحيانًا، ولا يخلو من فائض أقوال وعبارات وشروح مملَّة في بعض المؤلفات، مشوبة أحيانًا بالحثِّ للانصراف والتفرغ لتطبيق توصيات شيخ الطريقة، التي تروّض الإنسان على تصوُّف الاستعباد.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة،كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة. أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًّا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

صدرت الطبعةُ الأولى لهذا الكتاب منتصف عام 2018، وقبلَ نهاية ذلك العام نُشِرَ في طبعة ثانية، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ ثالثة مزيدة ومنقحة. ككلِّ أعمالي، عندما أعود إليها بعد سنوات من صدورها، كأني أقوم بتأليفها مجددًا، مرة أشطب، وأخرى أختزل وأكثّف، وثالثة أشرح وأوضّح، ورابعة أعيد بناء العبارات وانتقاء ما هو أجمل من الكلمات.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، صدر عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

رابط النشر:

 

سبينوزا العراقي: إعادة بناء مفهوم الوحي في الكلام الجديد عند الرفاعي

سبينوزا العراقي: إعادة بناء مفهوم الوحي عند الرفاعي

 د. ياسر عبد الحسين[1]

(إن الفكرة يجب أن لا تنقصها حرارة الرغبة، كما أن الرغبة يجب أن لا ينقصها ضوء الفكرة). باروخ سبينوزا.

ظاهرة الأسماء المستعارة في أوساط الكتّاب والمفكرين ليست بجديدة، ربما كان السبب محاولة التحرر من القيود السياسية والدينية والاجتماعية في تلك الحقب التي غلب عليها القيود والحواجز الفكرية في التعبير عن المفاهيم والآراء، وخصوصا تلك التي تقترب من المعبد ورجاله، وخوفا من مقصلة الأفكار والتحريم، لذلك عندما نشر الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا Baruch Spinoza الذي يعد من أهم فلاسفة القرن السابع عشر، كتابه الشهير (رسالة في اللاهوت والسياسة) بدون ذكر اسمه، كما نشره لدى ناشر وهمي ونُسب الكتاب في حينه لكاتب يهودي ملحد، وسبب في ذلك الوقت وإلى يومنا الحاضر، نقاشات حادة في مسار الفهم الديني، وهو ما عبر عنه سبيونزا بنفسه أن الهدف الأساس من كتابه هو تحول الدين إلى اعتقادات خرافية، بدافع الخوف الهذياني من القوى الطبيعية والإنسانية والدوغمائية المصلحية للكنائس، وهو الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع الحروب الأهلية، العلنية منها والضمنية وسيطرة الحكام والسياسيين على انفعالات العامة، وحسب تعبيره فقد تحولت المؤسسة الدينية إلى مسارح لا يسمع فيها الفرد، بل علماء ليس لديهم الرغبة في تعليم الناس، بل يفرضون تعاليم جديدة، والأساس في كتابه يقوم على رفض القراءات اللاهوتية المبنية على أحكام مسبقة دون السماح بأي مراجعة نقدية، بالمقابل ثمة محاولات صريحة للإصلاح والتجديد الديني ذهبت خلفها روؤس مفكريها ومنظريها وخصوصا في جدل الحداثة الأوروبية.

اقتصرت محاولة سبينوزا في جوهر الحداثة بعد نشره كتابه اللاهوت السياسي عام 1670 على تحديد العلاقات بين الدين والسياسة، أو بين رجال الدين ورجال الحكم وتوسع في حلقات ليست بعيدة عن هذا الإطار، لكن يبدو أن المشكلة أعمق من هذين المسارين (الدين – السياسة) خصوصا في عالمنا الراهن. اليوم ثمة محاولة مشرقة في إطار الفهم الإسلامي، يقدمها المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، محاولة جريئة في كسر التكلس الفكري. إنها ثورة في المعنى والفهم بإطار إنساني يستهدف عدم استغلال القراءة الدينية التراثية وتوظيفها سياسيا أو مجتمعيا. في كتابه (مقدمة في علم الكلام الجديد) يعيد الرفاعي بناء مفهوم الوحي في علم الكلام الجديد، ويجعله نقطة البداية في تجديد علوم الدين. اطلعت على الطبعة الثالثة الصادرة أخيرا عن دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وهي طبعة مزيدة ومنقحة، مزيدة فصلا إضافيا، كما يفعل الرفاعي بإعادة نشر مؤلفاته بطبعات جديدة، إذ يعيد العمل عليها بالتفصيل “وكأنه يؤلفها من جديد” حسب تعبيره. هذه الطبعة فيها من الأبحاث العميقة والنادرة والجريئة حول فهم حاجات الإنسان غير المادية مثل الدين، بوصفه “حياة في أفق المعنى، وحاجة الإنسان الأبدية لمعنى روحي وأخلاقي في حياته الفردية والمجتمعية” حسب تعريف الرفاعي، تأتي أهمية الموضوع من منظار إعادة تعريف الدين، ووجهة التجديد الذي يختلف عن مفهوم الإصلاح والإحياء في رأيه، وهنا يؤطر الرفاعي قضية التجديد كإطار فكري متميز عن غيره من المفكرين. يبدأ التجديد في رأيه من إعادة بناء مفهوم الوحي كمنطلق للكلام الجديد.

وإن كان علم الكلام قديم، فإن الرفاعي يعتقد أن الأخير لا يلبي حاجة الإنسان الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم اليوم. يقول الرفاعي: علم الكلام الجديد يدرك أن الحقيقة واحدة في ذاتها، إلا أنها نسبية في معرفتها لتعدد وجوهها وطرق الوصول إليها، بعكس علم الكلام القديم الذي يرى الحقيقة الدينية بوجه واحد ويحتكر الوصول إليها بطريق واحد. ولا يرى الكلامُ القديم الإنسانَ المختلف في معتقده مساويا لغيره؛ وذلك يولد العنف والخصومات والصدامات، بينما يحتاج العالم اليوم عبر علم الكلام الجديد إلى المساواة في الإنسانية واحترام الكرامة، ومنح الحريات والحقوق على أساس المواطنة.

استثمارُ الدين الإيجابي

كانت محاولة سبينوزا الأساسية وليدة اللحظة الأوروبية وصراع الأفكار منذ عصر النهضة حول الكتاب المقدس وجدل الفيلولوجيا، بعد محاولة بعض التيارات إلى إجراء عملية تحقيق في الكتاب المقدس من الناحية التاريخية فضلا عن اللغوية من أجل الوصول إلى نسخة أقرب إلى الصحة، وسط رفض الكهنة والتيار المحافظ، لذلك حاول سبينوزا أن يفتح بمشرطه الفكري هذه المناقشة من أجل عدم استغلال الدين مجتمعيا وسياسيا. وبذات السياق يشير الرفاعي إلى أن: “الدين يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في الهدم، ويعود الاختلاف في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفية تمثلهم له في حياتهم”. وعلى حد قوله: “من يريد أن يعلّم الناسَ الحياة يمكنه، كما يمكن استغلال الدين ممن يريد أن يعلم الناسَ الموت، وهو ما تفعله الجماعات المتشددة العنيفة في كل الأديان، من يريد أن يعلم الناس السلامَ يجد الدين منجما يمكنه استثماره فيه، كذلك يمكن استغلال الدين في الحروب، مثلما حدث في الماضي ويحدث في الحاضر”، وبالتالي يتقارب هدف الرفاعي مع ما أشار إليه سبينوزا في كتابه اللاهوت والسياسة: (النور الفطري لم يوضع موضع الاحتقار فحسب، بل إنه كثيرا ما أُدين باعتباره مصدرا للكفر، وأصبحت البدع الإنسانية تعاليم إلهية).[1]

وحيث إن للدين في مجتمعنا سلطةٌ على الأرواح لا يضاهيها نفوذ أية سلطةٍ أخرى، لذلك يمكن أن تكون كيفية فهم الدين وطريقة قراءة نصوصه فاعلة في إحداث تحول أساسي إيجابي أو سلبي في اقتصاد المجتمع وتنمية كافة مجالات حياته، وكما يقول الرفاعي إن: الدين يمكن أن يكون حافزًا خلاقًا للعمل والإنتاج والتنمية الاقتصادية؛ وذلك ما كشف عنه ماكس فيبر Max Weber، حين فسر كيفية تأثير البروتستانتية والقراءة الكالڤينية للكتاب المقدس في بناء فهم يكتسي فيه العمل والإنتاج معنى دينيا، وكيف بعثت الكالڤينية تديّنا ينشغل فيه المسيحي بحياته الدنيا، لينال الخلاص ورضا الله في الآخرة، حيث إن الأخلاق البروتستانتية الكالفينية بخاصة كانت أحد أهم العناصر التي أسهمت إسهاماً كبيراً في تطور الروح الرأسمالية الحديثة؛ إذ إن تلك الأخلاق قد أنتجت قيماً ومعايير شجعت العمل الحر والتنسك والادخار، وبذلك خلقت مناخاً ذهنيا ساعد بدوره على تطور المشروع الاقتصادي الحر، وبالتالي على نمو وتطور الرأسمالية في الغرب[2].

تناول كتاب الدكتور الرفاعي في فصله الأول نشأة علم الكلام وتسميته، وحضور الرؤية الكلامية وتغلغلها في العلوم الدينية وبداية الدعوة لتجديده في هذا العصر، أما الفصل الثاني فقد تناول الإحياء والإصلاح والتجديد وأوضحَ الاختلاف في بين هذه المفاهيم وغاياتها، فيما يقدم الفصل الثالث خارطة لعلم الكلام الجديد بوصفه الفهم الجديد للوحي حسب المعيار الذي وضعه، أما الفصل الرابع فيكشف عن بوادر الدعوة لتجديد علم الكلام، وولادة الفهم الجديد للوحي لدى مفكري الإسلام في الاسلام الهندي من خلال اراء ولي الله الدهلوي، وأحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، فيما تحدث الفصل الخامس عن إيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي للدين في علم الكلام الجديد، وكما هي عادة الرفاعي في تشديده على الأبعاد الروحية والأخلاقية والانسانية في كتبه الاخرى.[3]

في نشأة علم الكلام الجديد

تجاوز الطالب أستاذه حالة نادرة، طبقت سبينوزا حينما ناقش مسائل كان أستاذه ديكارت قد تحاشاها قبل أربعين سنة خوفاً من المحافظين، على الرغم من كونه أحد تلامذة الفلسفة الديكارتية لكن برع في المنهج العلاقاني، وكما الحال مع الرفاعي الذي تجاوز في رؤيته الجديدة أساتذته في دراسته في الحوزة العلمية بالنجف وقم، أو في دراسته الأكاديمية، فهو يعد اليوم من المفكرين البارزين في العراق والعالم العربي في حقل التجديد الفكري والديني.

علم الكلام الجديد عند الرفاعي يعيد صياغة علم الكلام في ضوء إعادة تعريف الدين، حيث إن وجهة التجديد ومنطلقاته وأسسه وأركانه تختلف عن الإحياء والإصلاح اللذين يلتبسان بمفهومه، لكون التجديد يعني إعادة فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، بينما مؤلفات الفرق الكلامية ومقولاتها تفتقر لتلبية أكثر ما يبحث عنه الإنسان من معنى في الدين، ويشير إلى أن مقولات الكلام القديم الاعتقادية لا تورث الروح سكينتها، ولا القلب طمأنينته، وهذا التصريح العلني من الرفاعي يحمل من الجرأة السبينوزية الخاصة، وإن كانت بشفرات ناعمة، كما الحال مع سبينوزا الذي هو فيلسوف وصوفي مفعم القلب بمحبة الله، ديدنه الحقائق الأزلية.[4]

تاريخيا بدأت فكرة علم الكلام نتيجة الحروب الأهلية في مرحلة لاحقة الجدل بين المسلمين، فظهرت استفهامات متنوعة في فضاء الصـراع السياسي، وما انفكت هذه الاستفهامات تترسخ وتتشعب وتتوالد في صيغ جديدة بمرور الأيام، وقد كان للحروب الداخلية في ذلك العصـر أثر مهم في تطوير النقاش في الموضوعات العقائدية، ثم تغذى علم الكلام في حقبة لاحقة بالمنطق الأرسطي والفلسفة التي تدفقت من مراكز الترجمة في العصـر العباسي بعد أن انفتح المسلمون على الميراث الثقافي للحضارة اليونانية، ومدرسة الإسكندرية، ومعارف الهند، وبلاد فارس، واستهواهم المنطق الأرسطي، والفلسفة اليونانية.

فاخترقت مقولاتها مباحث علم الكلام الذي تفاعل تدريجيا مع هذه المقولات، لهذا كانت السياسة وراء ولادة الكثير من الأسئلة والمعتقدات والآراء الكلامية وتفاعلاتها في الحياة الإسلامية، مثل ولادة أسئلة الخوارج حول الحاكميَّة بعد معركة صفين، وولادة القول الجبر والقدر في العصـر الأموي، وأيضا هنا يقترب الرفاعي العراقي من سبينونزا الهولندي في ربط الفكرة الدينية بالسياسة وتفسيرها، فقد عمل سبينوزا على ثلاث مجالات هي: نقد دور المؤسسة الدينية في الشأن السياسي، ونقد البناء العقائدي اللاهوتي، ونقد البناء الأخلاقي اللاهوتي.[5]، وكما تولدت معارضة لأفكار الفيلسوف الهولندي لهذا البناء النقدي، فقد ذكر الرفاعي أن التيار المناهض لعلم الكلام تغلل لدى عامة المسلمين، فبدأ كثير منهم ينظر بارتياب للفكر الكلامي، بل تنامت هذه الحالة، وأُشيع مناخ مشبع بالتهمة حول العلوم العقلية، حتى اضطر ذلك بعض المهتمين بها للتمسك بالتقية والتكتم على معارفه، لكن بعد توفر هامش حرية للتفكير أثر بالغ في نمو وازدهار مدارس كلامية عديدة، من أبرزها الشيعة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية. ويذكر الرفاعي بانه لم يسجل تاريخ الإسلام أن فيلسوفا أو متصوفا كان سببًا في سفك دماء الفقهاء أو غيرهم من علماء الإسلام، لكن من صلب أو قتل من الفلاسفة والمتصوفة مثل الحلاج وشيخ الإشـراق السهروردي وغيرهما، كانوا ضحية فتاوى فقهاء، وظل بعض الفقهاء أقرب للسلاطين والخلفاء من كل الفلاسفة والمتصوفة، وكان بعضهم يتنعمون في بلاطهم، فيما كان الفلاسفة والمتصوفة في الغالب فقراء، بل إن المتكلمين أيضاً كانوا يكابدون ظروفًا معاشية غير مريحة في حياتهم.

نقد علم الكلام القديم

يرى سبينوزا أنه لا يمكن التوفيق بين الدين والعقل، فهما شيئان مختلفان كليا، فالمعرفة الدينية تتناول جانب الطاعة عكس العقلية، وبذلك فكل شخص حر في تفسيره للنصوص الدينية، حيث يقول: (قد بينا بالعقل أن الكتاب لا يعلم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها، كما بينا أن مضمونه كله مهيأ على قدر فهم العامة وأحكامهم المسبقة).[6]، وحاول تفسير اخر ومراجعة نقدية لهذا الاطار، فيما يحدد عبد الجبار الرفاعي أن أبعاد العجز في التراث الكلامي، بغية اكتشاف مبررات تجاوز الكلام التقليدي، وإعادة بناء التفكير الكلامي في إطار أسئلة العصر ومعارفه، تتمثل فيما يلي:

المنطق الأرسطي بوصفه مرجعية للتفكير الكلامي: على الرغم من رفض المتكلمين للفلسفة وطرائق تفكير الفلاسفة، لكنهم قبلوا المنطقَ الأرسطي، وتعاملوا معه كمسلمات أساسية في البحث الكلامي، واستندوا إليه في بناء علم الكلام، وركزوا على القياس الأرسطي وأشكاله، كقوالب أساسية في الاستدلال على المقولات والمسائل والآراء، وصار هذا المنطقُ هو المرجعية في التفكير الكلامي، حيث أضحى الخصمان يحاول كل منهما نقض حجّة الآخر، بالاستناد إلى أساليب المحاججة الأرسطية ذاتها، فقاد ذلك إلى خطأ المتكلمين في استعمال هذا المنطق، فجعلوا حكم الحدود الحقيقية وأجزائها مضطردًا في المفاهيم الاعتبارية، رغم أن المنطق الأرسطي انسحب بالتدريج من الحياة العقلية، وعجز عن مواكبة طرائق التفكير للعقل الحديث مع أفكار فرنسيس بيكون وديكارت وإيمانويل كانط وهيغل، ونلاحظ أيضا تأثر سبينوزا بديكارت بشكل بارز.

النـزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل: تغلبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحوّل علم الكلام إلى مشاغل عقلية تتوغل في صناعة آراء ومفاهيم ومقولات لا علاقة لها بحركة حياة الإنسان وشجونها ومواجعها حسب الرفاعي، حيث كان إيغال العقل الإسلامي في التجريد منشأ لتغليب النظر على العمل؛ فمثلًا كان ملا صدرا الشيرازي يعيب على الشيخ الرئيس ابن سينا استنـزاف جهوده في مثل هذه العلوم، حتى إنه أرجع ما ظهر له من أخطاء ابن سينا في الإلهيات إلى صرف وقته في هذه العلوم الثانوية غير الضـرورية.

تراجع دور العقل وشيوع التقليد: على الرغم من أن كلا من الكلام والفلسفة يصنف في خانة المعارف العقلية، إلا أن هناك فرقًا شاسعًا في نوع المنهج الذي يتعاطاه المتكلم، والمنهج الذي يتعاطاه الفيلسوف.

إهمال الإنسان ونسيان كرامته وحرياته وحقوقه: لم يدرج المتكلمون في مؤلفاتهم مبحثًا خاصا بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدّد موقع الإنسان في سلم المخلوقات، أي منزلة الإنسان وقيمته بالنسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وكرامته وحرياته، وهذا ما تميز به المؤلف عن غيره في وضع بصمات مهمة عن ارتباط الكرامة والإنسان بالدين.

تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي: أراد القرآن الكريم للتوحيد أن يكون صبغةً لحياة الإنسان بقوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) بمعنى أن حياةَ الإنسان ومواقفه وسلوكه اليومي ينبغي أن تصطبغ وتتلون بالتوحيد.

التربية على الخوف وترسيخ العبودية الطوعية: يرى الرفاعي أن صورةُ الله في علم الكلام القديم لا تقترن بالرحمة والعدل، إنها صورة السيد المخيف المرعب، المتمرس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب، الإنسان عبدٌ مسترقّ خانع ذليل حقير. صورة الله في علم الكلام الأشعري لا تقترن بالعدل، لله أن يفعل بخلقه ما يشاء، بلا أن يوصف أيُّ فعل يصدر من الله مهما كان بالقُبح أو الحُسن، فله أن يعذّب العادل، ويثيب الظالم.

ويصف أسبابا نقدية أخرى مثل ترسيخ “اللاهوت الصراطي” حسب المصطلح الذي يقترحه الرفاعي، حيث يجادل المتكلم لإثبات حقانية مقولات فرقته الاعتقادية، والتدليل على عدم حقانية ما سواها، حيث تشكل هذه المقولات بمجموعها منظومة اعتقادية واضحةَ الحدود، بنحو يمكن الاستناد إليها بوصفها معيارًا للتعرف على كل ما يقع في إطارها من مفاهيم وآراء، وما هو خارجها، وكذلك إهدار الروح والقلب والعاطفة، حيث لم ترد آيات القرآن بأسلوب رياضي أو منطقي أو فلسفي أو علمي، ولم يتحدث القرآن وكأنه كتاب في العلم أو الفلسفة أو المنطق أو الرياضيات، هو كتاب لا يخلو من محاججات ونقاشات متنوعة، لكنها تنتظم في سياق آياته، بنحو يتعاطى مع انفعالات وأحاسيس النفس البشـرية ببيان يتغلغل في أعماق روح وقلب الإنسان، وكما يتحدث الدكتور الرفاعي عن افتقار علم الكلام للمضمون الأخلاقي، حيث إن مباحث علم الكلام القديم تنتمي إلى ما يصطلح عليه بالحكمة النظرية لا الحكمة العملية، والأخلاق تنتمي للحكمة العملية، ناهيك عن مشكلة الخلط بين النصّ المقدس وتفسيراته حدث خلط بالتدريج بين النص الأول المؤسس والنصّ الثاني الشارح، ويعني بين القرآن الكريم، وما هو ثابت من السنّة الشـريفة على اختلافات في حدودها، وكذلك تجاهل ظروف وعوامل ولادة وتشكل الفرق.

التجديد والإحياء والإصلاح ليست مترادفة

هذه أكثر الكلمات والمصطلحات المتداولة في الكتابات العربية تبدو بنظرة سطحية عاجلة، لكن الرفاعي ينظر لها بنظرة عميقة، حيث يعتقد أن عدم التحديد الدقيق للمعنى والفوضى في الاستعمال يتسببان في كثير من الاختلافات والنزاعات، حيث يلتبس مفهوم التجديد بمفهومي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية، وتتعدد معانيه بتعدد أساليب توظيفه في الاستعمال، فالسلفيون يفسرون الإصلاح على ضوء منظورهم الذي يرى الإصلاح مرادفا للإحياء، بمعنى استئناف ما كان كما كان، وأيضا فإن الجماعات الدينية تفهم الإصلاح بوصفه خفضا لمنابع المعنى الديني الميتافيزيقي، وتمددا واتّساعا لحدود الدين الدنيوية وهو يعني دخول كل شيء في الدنيا في الدين، أو ما يسميه الرفاعي بـتديين الدنيوي واستيعاب الدين لأفكار وأقوال ومواقف وأفعال الإنسان كلها، حتى العلوم والمعارف تتحول إلى دينية، خاصة الفلسفة والعلوم الإنسانية والفنون والآداب، وهو ما شاع في الأدبيات الإسلامية بعنوان (إسلامية المعرفة).

أما الإصلاح الديني عند رواد النهضة العربية، فله أكثر من معنى، وإن كانت تلتقي على رفض التعصب والتحجر، ومحاكاة شيء من حركة الإصلاح الديني اللوثري في المسيحية، وفتح باب الاجتهاد في الفقه بالعودة إلى أدوات النظر وأصول الفقه الموروثة، بينما يستعمل الدكتور الرفاعي مصطلح التجديد، وليس الإحياء أو الإصلاح؛ لأن معنى التجديد لا يلتبس بغيره، فالتجديد الذي يراه الرفاعي في نظريته لا يدعو لإحياء التراث كما هو، ولا إصلاح معارف الدين وترميمها، بل يعني بالتجديد إعادةَ فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادةَ بناء مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة، وبالتالي فإن منطلق التجديد هو الوعي بأن‌ متطلبات العيش في عصرنا وتحديات الواقع تختلف عن الماضي، ولهذا يعتقد الرفاعي أن التجديد يتأسس على هذه الأركان:

الركن الأول: بوصلةُ التجديد إعادةُ تعريف الإنسان، وتعريف الدين، وتحديد وظيفته في حياة الفرد والمجتمع.

الركن الثاني: دراسةُ وفهم واستيعاب ونقد علوم ومعارف الدين في التراث، واستكشافُ مداراتها ومدياتها وآفاقها المتنوعة، والاهتمامُ بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام.

الركن الثالث: الاستيعاب النقدي للعلوم والمعارف البشرية الحديثة، مثل: الفلسفة، علم النفس، الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الألسنيات، وغيرها من مكاسب العصر الحديث.

الركن الرابع: تجديد فهم الدين يتطلبُ مقارنةَ الأديان ونصوصها المقدسة، ومعرفة كيفية تشكل مؤسساتها الدينية، وصلة السلطة بتشكل التراث الديني وتنوع العلوم والمعارف الدينية.

الركن الخامس: تجديدُ فهم الدين يحتاج دراسةَ مسارات الدين عبر التاريخ، والكشف عن اختلاف وتنوّع تمثلاته وأنماط التدين في مختلف العصور والمجتمعات.

الركن السادس: يبدأ التجديد بإعادة بناء أدوات إنتاج المعرفة في الإسلام، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، بمعنى أن تجديد فهم الدين لا يتحقق إلا بتجديد مناهج الاجتهاد في الدين؛ وذلك يتوقف على الذهاب عميقا إلى البنية التحتية المنتِجة لعلوم ومعارف الدين، وغربلتها وتمحيصها وتفكيكها.

الركن السابع: لا ينجز التجديد وعودَه إلا بالتحرر من التفسيرات الحرفية المغلقة لآيات القرآن الكريم والنصوص الدينية، والانفتاحِ في التفسير على المناهج الحديثة في علوم التأويل والألسنيات، وعلى كل ما يمكن الإفادة منها من معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع.

الركن الثامن: دراسة المتخيل الديني وتحليل كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني ضرورة تفرضها عملية التجديد.

الركن التاسع: لا يبدأ التجديد بالتراث لينتهي بالتراث كما يفعل بعض من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويصور لنا التراثَ وكأنه يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع من دون اكتراث بأن أكثر ما في التراث يتنكر له الواقع، كما يدلل على ذلك نحوُ قرنين من إخفاق هذه الدعوة وتهافتها.

ولهذا يعتقد الرفاعي أننا نحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة لمسار الإصلاح الديني التكراري في الإسلام منذ جمال الدين الأفغاني إلى اليوم، الذي مازال ‏يصادر كل دعوة للتجديد تحت لافتته، وأن ‏النقد العميق للتراث واكتشاف بنيته التحتية، وكذلك الإصلاح عند سبينوزا يرى أن الكتاب المقدس كلام الله الذي يستهدف تعليم الناس السعادة الحقيقية، غير أن تفسيرات الناس ابتعدت عن الجوهر الحقيقي للدين، وأن الدعوات الأصلاحية في هذا المسار ليست جادة في تحقيق هذه السعادة.

الوحي: وحدة الانطلاق

عمل سبينوزا على خارطة فهم الوحي، حيث كان يرى أن الكتاب المقدس يمثل وحيا إلهيا لا يحتوي معرفة عقلية وفلسفية، بل معرفة إيمانية بالله تدعو إلى الطاعة، فالخلاص في الآخرة لا يكمن في العقل، بل في الوحي، وبهذا فإن الكتاب المقدس لا يقدم معرفة معينة أو محاولة للوصول إلى حقيقة عقلانية، بل معرفة تتلخص حول ما يجب فعله حتى يطيع المؤمن بذلك إلهه عبر الأخلاق والصفات الحميدة واتباع الصدق والعدل والمحبة، وما على المؤمن إلا طاعة وصاياه من دون استعمال العقل لكون الله لم يوحِ للأنبياء بأمور فلسفية عميقة، بل بأفكار يسيرة للغاية[7]

يقول سبينوزا: (قد بيّنا بالعقل أن الكتاب لا يعلم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها كما بينا أن مضمونه كله مهيأ على قدر فهم العامة وأحكامهم المسبقة)، ولاحقا انتقد سبينوزا ابن ميمون الذي أخضع الدين للعقل وسعى للتوفيق بينهما.[8] الدين بالنسبة إلى المسيحي العادي كان عبارة عن طقوس وشعائر وأسرار ربانية غيبية، وبالتالي فالمفهوم العقلاني الذي قدمه سبينوزا عن الدين ما كان بإمكانه أن يواجه المفهوم التقليدي الراسخ منذ مئات السنين سوف ينتصر مفهومه عن الدين، ولكن لاحقاً أي بعد مائتي سنة بعد أن تتقدم الشعوب الأوروبية وتتعلم، وتستنير.[9] وبهذا، فإن سبينوزا يرى في الكتاب المقدس وحيا يمنح بدوره المؤمنين معرفة بأهم ما يريده الله لأتباعه.

ينطلق الرفاعي بعلم الكلام الجديد من الوحي، حيث يرى أن الكلام الجديد يبدأ بإعادة بناء مفهوم الوحي، كما يقول: (ولما لم أجد خارطة طريق تكشف لنا بوضوح معنى علم الكلام الجديد، والمعيار الذي نحدد على وفقه المتكلم الجديد، أقترح الفهم الجديد للوحي هو المعيار الذي أراه لتمييز علم الكلام الجديد عن علم الكلام). ويعتقد الرفاعي أن تجديد الدين يبدأ بتجديد علم الكلام، وأية بداية للتجديد في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام، ومسلماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات، فمثلا تجديد الفقه مثلًا يبتني على تجديد أصول الفقه، والأخير يبتني على تجديد علم الكلام؛ ذلك أن قبليات ومسبقات أصول الفقه، الذي يبتني عليه الاستنباط الفقهي، ليست سوى مسلمات ومقولات لاهوتية، حقلها هو علم الكلام، ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تخطي القراءة السلفية المغلقة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصـر، ما لم يعد النظر بالبنية التحتية العميقة لإنتاج تفسير النصوص، تتخطى آليات النظر والفهم المتوارثة، حيث يرى الرفاعي بأن علم الكلام الجديد يعتمد العقل قبل النقل، وتخضع فيه مختلف المقولات والقضايا لأحكام العقل وأدلته، لكون العقل هو المرجعية لاختبار الخطأ من الصواب، والمعيار الذي نقيس به صدق كل قضية أو كذبها، على الرغم من كل النقد الذي صوبه له الفلاسفة منذ نيتشه، وجماعة مدرسة فرانكفورت، ومفكرو ما بعد الحداثة في الغرب، فإن العقل الحديث يضـيء لنا كل يوم أفقا جديدًا في مختلف مجالات العلوم والمعارف المختلفة.

علم الكلام الجديد عند الرفاعي ليس مستودعا لتكديس عناصر متنوعة، وربما متضادة، تعود لموضوعات مختلفة، علم الكلام الجديد يقوم على الفهم الجديد للوحي الذي تتأسس عليه عدة أركان تتمثّل في الآتي:

–  علم الكلام الجديد يفسر الوحي تفسيرًا ديناميكيا؛ بمعنى أنه لا يرى النبي منفعلًا سلبيا حالة الوحي، كما يرى علم الكلام القديم الذي يفسـر تلقي النبي للوحي، وكأنه قناة تمر من خلالها كلمة الله للناس من دون أن يكون النبي متفاعلًا معها.

–  الإنسان بطبيعته ينفر ممن يخاف منه، ولا يحاول الاقتراب إليه، لهذا فان علم الكلام القديم رسم صورة مخيفة لله، وفي سياقها تشكّلتْ علاقةُ المسلم بالله، فعلم الكلام الجديد ينشد إعادة رسم هذه الصورة بشكل يجعل صلةَ المسلم بالله لا خوف فيها، صلة مشبعة بالسلام الروحي.

–  ينشد علم الكلام الجديد إيقاظَ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين، بما يتواءم وحاجة حياة الإنسان للمعنى الديني في زماننا، ويسعى لاكتشاف القيم الكونية المشتركة في الإسلام مع الأديان الأخرى.

–  لا يعرف الكلام الجديد الدين بوصفه يتسع لكل شيء في الحياة، وبكونه بديلاً للعقل والعلوم والمعارف والتجربة وتراكم الخبرة البشـرية، كما يعرف الدين بذلك أكثرُ الذين ينطلقون من تفسير علم الكلام القديم للوحي والنبوة، في ضوء تعريف الوحي في علم الكلام الجديد يعاد تعريف النبوة، ويعاد تعريف الدين، بالشكل الذي يكون الدين منبعًا لما يثري حياة الإنسان بالمعنى الذي يتطلبه وجوده.

في ضوء هذا الفهم للوحي، يرى الرفاعي أنه يمكننا قراءة السنة والسيرة من منظور مختلف، يحررنا من مأزق القراءة اللاتاريخية لهما، التي تسـرف في تأبيد دلالات كل ما هو ظرفي محلي خاص بثقافةِ الجزيرة العربية ونمط عيش الناس عصـر البعثة، ولهذا يشير إلى مسارين في علم الكلام الجديد خارج المسار الموروث، الأول: مسار يفسـر الوحي بوصفه ظاهرة وقعت في التاريخ، فانعكست عليها الثقافة واللغة والبيئة، وظهرت ملامحها فيها بوضوح، مثلما انعكس الوحي على التاريخ فتفاعل معه وأعاد صياغته على وفق رؤيته، وهذا التيار يرى الوحي مُنتَجاً ومُنتِجاً ثقافياً، وهذا مسار يرى موقفه ملتبسا غامضا حيال المضمون الميتافيزيقي للوحي، كما نقرأه في بعض كتابات محمد أركون، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشـرفي، وغيرِهم.

أما المسار الثاني، فيفسـر الوحي بوصفه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، فالوحي في مفهومه حالة يعيشها النبي من خلال اتصاله بالله تتشبع بها روحه، وتمتلئ بها مشاعره، وتتشكل بها رؤيته للعالم، وينشغل هذا التيار بتفسير حقيقة الوحي وبيانِ ماهيته في عالم الغيب، وخلافا للمسار الأول يعتمد هذا التيار آثارَ العرفاء في تفسير البعد الميتافيزيقي للوحي، لكنه يعتمد الفلسفة وعلومَ الإنسان والمجتمع في تفسير البعد البشـري للوحي، وتحقّقه في التاريخ وانعكاسه على الواقع، كما نراه في بعض كتابات أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، ومحمد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سـروش، وغيرهم.

ويرى الرفاعي أن المعيار الذي يمكن على أساسه أن تصنف مفكر بأنه متكلّم جديد هو تعريفه للوحي خارج مفهومه في علم الكلام القديم، بوصف الوحي هو المفهوم المحوري الذي تتفرع عنه مختلف المسائلِ الكلامية. وبناء على ذلك، فإن كل من يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي، إن كان مؤمنا بالبعد الغيبي للوحي يمكن أن يصنف تفسيره على أنه علم كلام جديد، أما من يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي، لكنه لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالبعد الغيبي للوحي فهو ليس متكلما جديدًا. المتكلم غير فيلسوف الدين، المتكلم يفكر في إطار الإسلام، كاللاهوتي في كل دين الذي يفكر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهج بحثه وأدواته مما أنجزته العلوم والمعارف، وهذه رؤية جديدة تسجل للرفاعي في وضع أساس لتمييز علم الكلام الجديد عن علم الكلام القديم.

الإسلام الهندي

يقول باروخ سبينوزا: (هل اختبرت كل هذه الديانات قديمها وحديثها التي تعلم هنا وفي الهند وجميع أنحاء العالم ولو اختبرتها جميعها فمن أنبأك أنك اخترت أفضلها). ويقول الرفاعي: تمرست الأديان في الهند في قبول المختلف في المعتقد، بعد أن تخلصت منذ مدة طويلة من حروبها وصراعاتها، لذلك أصبحت أكثر خبرة في العيش المشترك، لا يقصي بعضها بعضها الآخر في أكثر مراحل التاريخ، فضلا عن أن هناك ميراثا روحيا ورمزيا في هذه الجغرافيا الميتافيزيقية الدينية، وتلك ميزة الفضاء الميتافيزيقي والثقافي الهندي الحافل بالتعدد، فهناك تفاعل وتأثير وتأثر متبادل متواصل بين ثقافات الأثنيات والأديان في الهند، حتى إن الرموز والشعائر في هذه الأديان تتوارث وتتناغم فيما بينها، وذلك ما تفتقر إليه السياقات الدينية والثقافية في الجزيرة العربية وتضاريسها الصحراوية، لذلك ظل الفضاء الميتافيزيقي فيها فقيرا يمهد لإنتاج بيئة إسلام أحادي ينمو ويترعرع فيها التيار السلفي، الذي كان وما زال فقيرًا ميتافيزيقيا، كافتقار الصحراء وطبيعتها وتضاريسها لتنوّع الكائنات والبشـر والأديان والثقافات كما يرى الدكتور الرفاعي. أما في الإسلام الهندي فيتنافس تيّاران: تيار إسلام تعددي، يستقي من رؤى العرفاء، ويسترشد برؤية الشيخ محيي الدين بن عربي في (تعدد الطرق إلى الله)، وعدم احتكار الطريق إلى الحقانية والنجاة والخلاص، وعدم اختصاص النجاة بديانة أو فرقة أو مذهب أو طائفة أو جماعة؛ لأنها ضرب من احتكار رحمة الله، وهذا تيار تعددي في الإسلام الهندي، وتيار آخر أُحادي في الإسلام الهندي، غير متفاعل مع الفضاء الديني المتنوع، ولا يتقبل بروح إيجابية تنوع المعتقدات والمقدسات والطقوس بتنوع الأديان، ولا يتفهم تعدد التجارب الدينية، وهو تيار شديد الوفاء للرؤية الكلامية ولأحكام المدونة الفقهية، تسلطت على ذهنية تيار الإسلام الأحادي مدرسة الحديث، فاضمحل حضور العقل في تفكيره، وصار لا يفهم النصوص إلا فهما حرفيا.

ويأخذ الرفاعي نموذج أبي الأعلى المودودي بوصفه الأعمق أثرا في أدبيات الجماعات الدينية العربية، وإن كان لا يظهر أثر مفاهيمه بوضوح، بنحو صارت مفاهيمه إحدى البنى الأساسية لهذه الأدبيات، حيث كتب أبو الأعلى المودودي رسالة (المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم)، ونشرها على شكل مقالات متسلسلة في مجلة (ترجمان القرآن) تلخص هذه المصطلحات قراءةَ المودودي السياسية لعقيدة التوحيد، وكيف فرضت هذه القراءة فهمًا لا يرى في التوحيد شيئًا خارج الدولة المتخيلة في ذهنه، وتسرّبت رؤيتُه لأدبيات الجماعات الدينية بمختلف مذاهبها وتسمياتها، حيث أعاد المودودي إنتاج دلالات مصطلحات (الإله، والرب، والدين، والعبادة) سياسيا خارج سياقها القرآني، وفرغها من مدلولها الميتافيزيقي والقيمي، وفسرها في ضوء أحلامِه بتأسيس دولة تنبثق من تأويله لهذه المصطلحات، ويعتمد دستورها ونظمها وقوانينها المتنوعة على التراث، كما يشير الرفاعي في كتابه إلى: أن المودودي ذهب إلى أن إنشاء الإنسان لدولة في الأرض من دون العودة إلى الله وبتفويض منه، وبلا وضعه هو تعالى لخرائط السلطة والحكومة والدولة، ضرب من الشرك والعدوان على الله، وكما يفتعل المودودي، بسبب فهمه السياسي للتوحيد، مغالطة تضاد بين حاكمية الله وحاكمية الإنسان، فيعد ذلك عدوانًا على الربوبية، حيث استقى المودودي المضمون الاعتقادي للتوحيد من ابن تيمية، وأفرغه من مضمونه الميتافيزيقي وأشبعه برؤيته السياسية، حيث رأى المودودي صورةَ الله في السلطة والحكومة والدولة، ولم ير تجلياتها في الوجود، واحتجب عليه حضورها في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. ويضيف الرفاعي: إن المودودي يستأنف صورة الإله السياسي الذي اخترعه الحكام في وقت مبكر من نشوء الدولة في المجتمعات البشرية، لتسويغ تسلط الحاكم على الناس. تسيّدت صورةُ الإله السياسي في دولة المدينة في بلاد سومر القديمة، وهو النمطُ الأسبق لظهور الدولة في التاريخ، وترسّخت هذه الصورةُ واتَّسعت واتخذت صيغتها اللاهوتية المركبة في الحكم الثيوقراطي.

وهذا التفسير السياسي للدين، يشير له مفكر آخر وهو ولي نصر، الذي يرى أن حياة المودودي وأفكاره تعتمد على أن التجديد الإسلامي لم يكن مجرد ردة فعل ناتجة عن الرفض الثقافي للغرب، فقد يرتبط بأمور مثل السياسة الطائفية وتأثيرها على تشكيل الهوية ومفهوم القوة في المجتمعات التعددية والقومية، وعلى الرغم من أن حجج المودودي كانت مناهضة للغرب، إلا أنها كانت نابعة من صميم تنافس إسلامي وهندوسي على السلطة في الهند البريطانية، وقد سعى المودودي لتفسير الإسلام تفسيرا يحد من التعايش الثقافي الذي كان يبشر به حزب المؤتمر الوطني الهندي.[10]

لقد تناول الرفاعي العديد من الشخصيات الفكرية المهمة التي ناقش أفكارها بكل علمية وحيادية مثل وحيد الدين خان، وولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد أقبال، وفضل الرحمن، ثم أضاف لاحقا عبد الكريم سروش، وكل هذه المحطات الفكرية تحتاج إلى دراسات مفصلة أجاد فيها مفكرنا ببراعة وإتقان كما هو معهود ومشهود له في الرصانة الفكرية في طريق وضع معالم تأسيس مدرسة جديدة تستحق الإشادة.

الطريق الطويل                                                                       يقول الرفاعي إن: (الدعوة لتوطين علم الكلام الجديد في الدراسات الدينية والكتابة فيه، والكشف عن أسسه وأركانه وأهدافه وخرائط سيره وما يهتدي به، هي خطوة أولى على طريق طويل لا تطوى محطاته سـريعا، ولا يمكن بلوغ أقصـى مدياته، أو الوصول لنهاياته في وقت قريب)، فأمامنا طريق شاق، ينبغي أن تتضافر فيه جهودُ أكثر من جيل من الباحثين الخبراء بالتراث والفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع لنيل ما ننشده من سعادة البشرية. منذ بداية صدوره أصبح هذا الكتاب منهجا علميا في كثير من الجامعات العراقية والعربية والإسلامية في أقسام الفلسفة والمعارف الإسلامية. كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” يستحق ان يتنبه له الباحثون والأساتذة لأنه يضع منهجا تأسيسيا لعلم الكلام الجديد.

المراجع:

[1] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 125

[2] للمزيد انظر: إبراهيم الحيدري، (جدلية الحوار حول أطروحة ماكس فيبر الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 18، العدد الاول، 1990، ص 159

[3] عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، دار التنوير، مركز فلسفة الدين، بيروت- بغداد، 2021.

[4] فاطمة حداد الشامخ، الفلسفة النسقية ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا، ترجمة جلال الدين سعيد، ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ط2، الرباط، 2017، ص 22 وما بعدها.

[5] المصدر نفسه.

[6] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 355

[7] حول الموضوع انظر: جلال الدين سعيد، سبينوزا والكتاب المقدس الدين والأخلاق والسياسة، مؤمنون بلا حدود، بيروت، 2017، ص 17 وما بعدها.

[8] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 355

[9] هاشم صالح، سبينوزا بين الدين والفلسفة، انفاس، 22 تموز 2017

[10] ولي نصر، المودودي وصناعة التجديد الإسلامي، دار جداول للتوزيع والنشر، بيروت، 2018.

[1] باحث عراقي متخصص في العلوم السياسية.

رابط النشر:

مفهوم الاغتراب الميتافيزيقي

مفهوم الاغتراب الميتافيزيقي

د. عبد الجبار الرفاعي

“الاغتراب الميتافيزيقيّ” كما أصطلحُ عليه، هو اغتراب وجودي عن العالَم الميتافيزيقي. وهو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاغتراب الاجتماعي والاغتراب النفسي والاغتراب السياسي. ينشأ هذا الاغتراب عندما يحبس الإنسانُ وجودَه بالوجود المادي الضيق، فيختنق باغترابه عن الوجود الميتافيزيقي. وينتج عن ذلك تمزق الكينونة الوجودية للإنسان وضياعها بتشرّدها عن الأصل الوجودي لكلِّ موجود في عالَم الامكان. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتّصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتّصال الوجوديّ يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقيّ. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أنَّ وجودَ الذَّات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي.

الاغترابُ الميتافيزيقي ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ جورج ويلهم فردريك هيغل (1770 – 1831) الذي يرى أنَّ الاغترابَ ينشأ من وعي الإنسان بالهوّة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية “الروح المطلقة” أو العالم المثالي، فالإنسانُ يكون مغتربًا عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ لودفيغ فويرباخ (1804 – 1872) الذي يرى أن خيالَ الإنسان هو من اخترع فكرةَ الإله وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الانسانُ مُستلَبًا، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء في حين سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ كارل ماركس (1818 – 1883) الذي جعل سببَ الاغتراب استغلالَ الرأسماليّ للعامل، واستلابَ قيمة عمله، الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، واغترابِه عن عملية الإنتاج، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي كإنسان، واغترابِ العمال بعضِهم عن بعضِهم الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقيُّ تفسيرَ سيغموند فرويد (1856 – 1939)، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجودِ الحضارة واستلابِها لغرائز الإنسان، إثر ما يحدث من تعارُض بين متطلّبات بناء الحضارة وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلّبات مضادّة.

أعني بـ “الاغتراب الميتافيزيقي” أنَّ الانسانَ هو الكائنُ الوحيدُ في هذا العالم الذي لا يَكتفي بوجودِ ذاته، فيشعر على الدّوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفّ عن الاتصال بمنبع مطلق للوجود، يتكرّس به وجودُه الشخصي، ويظلّ يعمل كلّ حياته على توسعة وجودِه وإغنائه، من خلال السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإنْ عجز عن الاتصال بالمطلق عاش حالةَ ضياعٍ واغترابٍ ميتافيزيقي.

ولمَّا كان كلُّ شخصٍ يحتاجُ لما يتخطَّى وجودَ ذاتِه المحدود، فإنْ لم يصل إلى المُطلق يحاول أن يعوِّض حاجتَه بما يعتقد به من مطلق، بقطع النَّظر عن نوع ما يعتقد به، سواء أكان أيديولوجيًّا، أو ميثولوجيًّا، أو فكرةً، أو أمةً، أو إثنيةً، أو بطلًا، أو وطنًا، أو ملحمةً، أو سرديَّةً، أو غيرها، وكلها تنتمي إلى المتخيَّل الذي ينسجه كلُّ مجتمع لنفسه. كلُّ مجتمع يحتاج أنْ يرسم صورةً متخيلة لهويّته، تصير مرآة يرى ذاتَه فيها مركزَ العالَم، ويرى إنتاجه الماديّ وغير الماديّ أغنى وأثمن إنتاج أنجزه مجتمع يعيش على الأرض، كأنَّ كلَّ المجتمعات خارج حدودِه كانتْ صدىً لما قدَّمه هذا المجتمعُ للبشريّة. هذه الصورة المتخيَّلة لهويته يتحقّق فيها حضورُها، وشكلٌ من أشكال حضورِ كلِّ فرد ينتمي إليها، وشعوره بالاتصال بوجودٍ مطلق يكتفي به دون غيرِه.

عندما يستفيق الإنسانُ متأخِّرًا يجد ذاتَه مقذوفةً في متاهة، كأنه يهرول وراء سراب، لإدراكه بأنّ كلَّ ذلك لا يشعره بأنَّ وجودَه الفرديَّ يتكرّس بمزيدٍ من الوجود. بمعنى أنَّ لدى كلِّ فرد حاجةً إضافيَّةً في ذاته لوجود واسع غنيّ بلا حدود، حاجةً عابرةً لوجوده الشخصيّ الفقير الضيّق المحدود، وهذا الوجودُ لا يفيضه سوى الاتصال الحيوي بالوجود المطلق. إذ يتّسع وجودُ الإنسان بمدى قدرتِه على تحقيق ضربٍ من الاتِّصال الوجوديّ بذلك الوجود اللامحدود.

وجودُنا الفقيرُ يبحثُ عن وجودٍ يتَّسِعُ له ويتحرَّرُ به من كلِّ حدود وقيود الوجود الضيّق. الزمانُ والمكانُ واللغةُ والثقافةُ والأيديولوجيا والهويةُ قيودٌ وحدودٌ تُفقِر الوجودَ، وتغرقه في اللامعنى أحيانًا، لذلك يبحث الإنسانُ عن لغةٍ بديلةٍ للغتِه؛ تتَّسع لاستيعابِ ما يتوالد في مخيَّلته وأحلامه وأوهامه وقلقه وآلامِه، فينتقل للرمزِ الذي يتسعُ لما لا تتسعُ له أيةُ لغةٍ. الرمزُ يتكفَّل بتزويدِ الإنسانِ بمعانٍ تختنقُ بها اللغةُ، الرمزُ لغةُ الأديانِ والفنون، لذلك كانت الأديانُ والفنونُ من أثرى منابعِ المعنى في حياة الإنسان.

كلُّ وجودٍ يقترنُ بالمادة فقيرٌ، لأنَّ الوجودَ الماديَّ للكائنِ البشري يفرضُ عليه أن يقترنَ بزمانٍ ومكانٍ ولغةٍ، أي يفرضُ عليه الافتقارَ والاحتياجَ إلى غيره. الزمانُ والمكانُ واللغةُ قيودٌ تقيِّدُ الوجودَ وحدودٌ تحدّه، وكلُّ قيدٍ وحدٍّ نهايةٌ، والنهايةُ افتقارٌ، وكلُّ افتقارٍ ضربٌ من الظّلامِ. لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ كينونتَه إلا عندما يتحرَّرُ من حدودِ الزَّمانِ والمكانِ واللغةِ. الزمانُ الذي هو غطاءٌ من الظلامِ يحتجبُ به الوجودُ، فيغترب عن ذاته. الصلةُ الوجوديَّةُ بالوجود المطلق وهو الله، هي ما يحرّرُ الوجودَ المحدود من اغترابه، أي من فقرهِ الناتج عن قيوده وحدوده، التي عندما يتخلَّصُ منها يمتلكُ كينونتَه، فيكتمل وجودُه، وتُمحى غربتُه عن ذاته. لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ ذاتَه إلا بصلته الوجودية بالوجود المكتفي بذاته. هذا هو المعنى الذي أفهمه من آية النور: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)، النور، 36. (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا)، الزمر، 69. هذا النور هو الوجود الغني المكتفي بذاته، الذي يخرج به الوجودُ المحدودُ للإنسان بعد أن يلتقيَ فيه من فقره، أي من ظلمته واغترابه، ويشرق وجودُه بنورٍ على نور.

الدينُ هو ما يخلِّص الإنسانَ من الاغتراب الميتافيزيقي من خلال الاتِّصال الوجوديّ بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيمية، والإله أو الروح الكلّي في أديان أخرى. والمطلقُ يمثّل أغزرَ منبع يستقي منه الكائنُ البشري مزيدًا من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدِّد كيفيةَ حضور الذَّات في العالَم، لأن الإنسانَ يتحقّقُ فيه بمرتبةٍ أكمل من الوجود.

الاغترابُ الميتافيزيقي حالةٌ أنطولوجيّة، تُستلَب فيها كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منها الإنسانُ إلّا ببناءِ صلةٍ ديناميكيّةٍ يقظةٍ بالمطلق، تتحقّق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود الأوسع من المادي، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحوَّل هذا الوجودُ الواسع إلى مَسكَنٍ يقيم فيه، وحيث يسكن الإنسانُ الوجودَ يجدُ ذاتَه، وعندما يجدُ ذاتَه يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقتِه بإلهِهِ، فيتحوّل من عَدَاءٍ إلى حُبٍّ، بل قد يتسامى الحُبّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحَبِيبُ هو الأنا.

على الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاصَ من أنواع الاغترابِ هذه لا يعني الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الإنسان عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الميتافيزيقي، إذ بعد أن تنقطعَ صلتُه الوجودية بإلهه، يفتقدُ ذاتَه، وعندما يفتقد الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظِّي، وربما يتردَّى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزِّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانيّةَ.

الصلة الوجودية بالله لم أقرأْها في مدوَّنة علم الكلام القديم، الذي أنتجَ غُرْبَةَ المُسْلِم عن ذاتِه وعالَمه. نشأ اغترابُ الإنسان الميتافيزيقي عن إسقاطِ المتكلِّمين لصورة الإنسان على الله. تورّط المتكلّمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة توحيدِ الله وصفاتِه وأفعالهِ، كان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمطَ علاقةِ الله بالإنسان. ووُلدتْ الرؤيةُ التوحيديّة الكلاميّة في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق هذه الرؤية، وتبعًا لذلك أنتجت فقهًا يشرعن بعضِ أشكال العنف. بل تغلغلتْ رؤيةُ المتكلّمين في معارفِ الدِّين المختلفة، وظهر أثرُها في كثير مما استلهمه المسلمون من النصوص الدينية.

لم أقرأ ‏مصطلحَ “الاغتراب الميتافيزيقي” في آثار متنوعة طالعتُها لفلاسفة ولاهوتيين ومتصوفة وعرفاء وغيرهم. هذا ‏المصطلحُ اقترحتُه في كتاب: “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، ‏وهو أحدُ المحاور المركزية في هذا الكتاب. وعلى أساسِ مفهومَي: الظمأ الأنطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي يبتني القولُ بأن: “الدينَ حاجةٌ وجودية للإنسان”، ‏وفي ضوءِ ذلك اقترحتُ تعريفًا للدين بوصفِه: “حياةً في أُفق المعنى، ‏تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. لا ترادفَ بين مصطلحِ الاغتراب الميتافيزيقي ومصطلحِ الظمأ الأنطولوجي، وإن كان كلٌّ منهما يعكس الحاجةَ الأنطولوجية للدين.

 

رابط النشر: