اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية 

 د. عبد الجبار الرفاعي

تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

في هذا السياق يشير مصطلح “لغة الدين” إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

ينبغي التمييز بين “لغة الدين” و”اللغة الدينية” بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. “لغة الدين” هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية الداخلية والتأويل المنفتح. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على الرمز والإشارة والمجاز والكناية والاستعارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

أما “اللغة الدينية” فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

اللغة الدينية صناعة بشرية، ينتجها الإنسان في سياق قراءته لنصوص الكتاب المؤسس، فهي ثمرة تفسيره وتأويله وتفاعله مع النص، لا انعكاسًا مباشرًا لخطاب متعالٍ في نقائه الأول. تتشكّل هذه اللغة عبر الزمان، وتتلوّن بسياقات التاريخ والثقافة والمؤسسات، وصراعات الاستحواذ على المعنى بغية الاستحواذ على السلطة والثروة، فتعبّر عن المعنى الديني بحدود ما ينكشف في آفاق ذهن القارئ وحدود وعيه، لذلك تظل نسبية متحركة، قابلة للمراجعة والتحديث، بقدر تحديث وعي الإنسان واتساع خبرته. تعمل اللغة الدينية على حفظ الدين المؤسسي وحمايته، فيتقدم فيها القانون على الروح، وتنطفئ جذوة الإيمان، ويخبو ذلك الوهج الذي يمنح الإيمان طاقته الملهمة، ويتحول الدين إلى منظومة اعتقاد مغلقة.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، وتمثلات القيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، وآثارها في حياة الفرد والمجتمع، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، لا تُختزل لغة الدين التي تتحدث عن الغيب في الوظيفة التقريرية، بل تبعث فيها الحياة الروحية بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود. لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

في هذا الكتاب حاولت تناول لغة الدين بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه أولًا عن أسئلتي، كما هي عادتي في كل كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة مازالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، إنما سعيت إلى افتتاح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عمّا تختزنه من طبقات للمعنى، وما تفتحه من إمكانات للتأويل والفهم.كما حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت بهذه الموضوعات، وسعيت إلى إعادة التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف فيه وجود الإنسان في العالم. لذلك رأيت أن الحديث عن هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضرورة لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان المواقف المتنوعة في النظر إليها وتأويلها.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب “الآجرومية” لابن آجروم، إلى “قطر الندى وبل الصدى” لابن هشام، ثم “شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك”، و”شرح ابن الناظم”، كما درستُ كتاب “مختصر المعاني” للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

يعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من “موسوعة فلسفة الدين” للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت.  وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب والمقدس، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

مقدمة كتاب: “اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية”، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

 

أين أصبحت الأنسنة في الفكر العربي المعاصر؟

وقفة مع محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي

 

د. نايلة أبي نادر[1]

وسط الشعور بالغربة، غربة الإنسان الواعي عن نفسه، عن بلده، عن مجتمعه، هذه الغربة التي ترمي به في دوائر الأسئلة المؤرقة، الأمر الذي يزيده اغتراباً، يكثرُ الكلام على موت الإنسان الطبيعي، أو عن تراجع قيمته وكفاءاته في مقابل نموٍّ متزايد للإنسان الآلي. فالذكاء الطبيعي بات في انحسار أمام مدّ الذكاء الاصطناعي، وتضاعفِ ميزاته وانتشارِ أعماله.

بات التوقّف عند الأنسنة والبحث في تجليّاتها إن في الفكر الديني أم في الفكر الفلسفي ضرباً من التشبّث بسلالة مهدّدة بالانقراض، أو بجوهرة محفوظة في متحف التاريخ، نخشى عليها من السرقة أو الضياع. إن المشهدية الدامية التي تحيط بنا تضعنا في مواجهةٍ شرسةٍ مع الأسئلة المُرهقة: لماذا كلّ هذا الدمار؟ أإلى هذا الحدّ انهارت قيمة الإنسان مقابل قيمة الصفقات أو المشاريع العالميّة؟ أإلى هذا الحدّ بات البشر على الأرض مجرّد عملة على طاولة البورصة، ترتفع قيمتها أو تنخفض وفق العامل الجغرافيّ، أو القوميّ، أو السياسيّ، أو الدينيّ؟ هل فعلاً كلّ ما قيل عن العدالة والمساواة مزاحٌ، أو كلامٌ فارغٌ لا مضمون له يمتّ إلى الإنسانيّة بصلة؟ هل كلّ هذا الحبر الذي سال والصفحات التي عبقت بالمعاني كان مجرّد مواكبة لما هو رائجٌ في الغرب، أم هو نوعٌ من اللجوء إلى زاوية آمنة بعيداً عن واقعٍ مؤلمٍ خائبٍ يحمل في طيّاته أسباب تفجيره من الداخل؟

الكلام على الإنسان في السياق العربي المعاصر يضعنا أمام أسئلة محرجة تدفعنا إلى البحث عن موقعه في ما يتمّ إنتاجه من خطابات إن في المجال الفلسفي أو السياسي أو المجتمعي، من دون أن نغفل عن المجال اللاهوتي. لماذا التوقّف عند الإنسان؟ ما هو التصوّر الراسخ في الذهن حول مفهوم الإنسان؟ إلى أيّ مدى يمكننا التحدّث عن تيّار إنسيّ عربيّ معاصر؟

أسئلة تشغلني منذ مدّة، وهي تواجهني بإلحاح، بخاصة بعد أن لحظنا تراجع الخطابات التي تنهمّ بشأن الإنسان على حساب القضايا الكبرى، والصراعات المحتدمة، وتعاظم الأزمات التي تضرب المنطقة. هل الكلام على الإنسان يعدُّ اليومَ ضرباً من الهروب من مواجهة الواقع وتحدّياته؟ هل هو انكفاء في اتجاه التأمّل وبناء عالمٍ نظريٍّ تسود فيه معايير مختلفة تسمح بالتفرّغ للتفكير بالإنسان؟ بتعبيرٍ آخر، هل هو انفصامٌ عن الواقع؟ هل ما طرحه التوحيدي في كتابه “الهوامل والشوامل” حول الإنسان ما زال يحثّ الباحث على التفكير في عمق هذا القول: “الإنسان أشكل عليه الإنسان”؟

 

انطلاقاً من انشغالي بدرس نصوص محمد أركون اخترت التوقّف عند تصوّره للإنسان، وكيفيّة مقاربته لعمق معنى الأنسنة. كذلك، إن من يقرأ نصوص عبد الجبار الرفاعي لا بدّ من أن يلفت انتباهه هذا الإصرار على الأنسنة، والكرامة الإنسانية، والنزعة الإنسانية. من هنا، يهدف هذا المقال إلى إعادة تسليط الضوء على مفهومَي الإنسان والأنسنة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر انطلاقاً من علٍَمين اثنين عملا بجهد على إرساء نظرة إنسيّة تقارب موضوعات عدّة من زاوية تعيد الاعتبار للإنسان، ولكرامته ودوره وقيمته في المجتمعات العربية المعاصرة.

في أهميّة الأنسنة عند أركون والرفاعي.

في ما يتعلّق بمحمد أركون، نلحظ عند قراءة كتبه أنه نادراً ما نجد واحداً منها لم يذكر فيه الأنسنة، بشكلٍ أو بآخر. فالأنسنة عنده تعني إعمال العقل، والتجرّؤ على التفكير بما هو مستحيلٌ التفكير فيه، وهي ركنٌ من أركان التنوير، تقوم على ممارسة التفكير النقديّ. وهي تجربة فكرية منفتحة على عالم المعرفة، تنهمّ بكلّ ما يُنتجه العقل البشريّ من دون تمييز ولا تهميش.

تأثّر أركون بشخص أبي حيّان التوحيدي، وتوقّف عند درس فكره، وما تركه من أثر من بعده. عمل بجهدٍ مميّز على إبراز نزعة الأنسنة في القرن الرابع الهجري، مشيراً إلى أن هناك تأصيلاً عربيَاً ما لهذه النزعة، وهي ليست بالتالي غريبة عن الفكر العربي. إن التركيز على اختبار الأنسنة في الفكر العربي يهدف، حسب ما نعتقد إلى تسليط الضوء على الجهد الكبير الذي قام به مفكرون مثل الجاحظ والتوحيدي ومسكويه وغيرهم في حقبة مفصليّة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي. لم يغفلوا عن الإنسان، ولا عن قوّة عقله في الاستدلال. لقد التزموا بعمق في معالجة قضايا الإنسان كإنسان.

أشار أركون إلى أن “الأنسنة كما فهمها وجسّدها التوحيديّ مثلاً تثور على الإنسان عندما يصبح العدوّ الأخطر للإنسان”.[2] يعكس هذا التوجّه نقداً واضحاً لممارسة العنف التي تنزع عن الإنسان إحدى أهمّ خاصيّة لديه، وهي إنسانيّته. فالعنف، للأسف، ممارسة عرفتها مختلف المجتمعات البشرية، عبر التاريخ، وعلى وسع الجغرافيا. من هنا يأتي عدم الاكتفاء بما عُرِف بـ”الأنسنة الشكليّة” التي تشير إلى الانفصام بين الكلام على القيم الإنسانية، والتغنّي بالفنون، من جهة، وبين السكوت عن الظلم والاضطهاد والاستعباد، من جهة أخرى. هذه الأنسنة الشكليّة التي عرفتها أوروبا مثلاً، وهي غريبة عن واقع ما يحدث في المجتمع، أدّت في نظر أركون إلى الإعلان عن “موت الإنسان”. فالغرق في تنظير الفلاسفة المثاليين والأدباء واللاهوتيين أدّى إلى الابتعاد عن واقع العنف والظلم الذي ما زال مستمرّاً حتى اليوم. إن كلّ ممارسة للعنف باسم الحقيقة أو الهوية أو القيم أو الدين أو الاصالة أو القومية هي غرق في الإيديولوجيا، ونكرانٌ للأنسنة.

في سياق كلامه على الدين والأنسنة يقول أركون: “إن الدين الذي يهمل الاجتهاد الفكري المبدع والنقّاد لجميع ما ينتجه العقل يصبح لا محالة آلة خطرة يستغلّها المتلاعبون بالنفوس والقامعون للحريات الأساسيّة التي يتطلّبها كلّ إنسان لكي يرتقي إلى درجة الأنسنة”.[3] واضحٌ في ما تقدّم التركيز على أهميّة إعمال العقل والاجتهاد الفكري وممارسة النقد بحريّة من أجل الارتقاء إلى مستوى الأنسنة. واضحٌ أيضاً التصدّي للسلطة الدينية التي تقمع أبرز تجليّات أنسنة الإنسان، ألا وهي التفكير المبدع الذي يمارس النقد لمختلف ما سبق الفكر البشريّ أن أنتجه. إن اعتماد المنهج النقدي ليس ضرورة فقط بالنسبة إلى التفكير الفلسفي، إنما هو من صلب تحقّق إنسانيّة الإنسان، أيّاً كان مجال عمله وانشغاله الفكريّ.

أما في ما يتعلّق بعبد الجبار الرفاعي، فيمكن أن نقول إنه من الصعب جداً التحدّث عن الأنسنة عنده خارج الكلام على الدين، فهو يصرّ على الربط بين جوهر الدين وبين الأنسنة، بين كرامة الإنسان وبين الوحي، بين الظمأ الأنطولوجي الذي يختبره الإنسان وبين الدين. نجده يؤكّد في أكثر من مناسبة على أن “الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسّسة أو الجماعة”. كذلك نجده يشدّد على أن “كلّ دين لا يتّخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس ديناً إنسانيّاً. جوهر إنسانيّة الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كلّ أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم”.[4] هذا الكلام يشير إلى وضع الإنسان في صلب التفكير الديني، وإلى أن احترامه واجبٌ، والإنسان هنا، ليست له هوية محدّدة، ولا قوميّة معلنة، ولا انتماء محصور بوطن معيّن.

كلام عبد الجبار يعبّر عن توقٍ إلى العالميّة ولا يرضى بالتقوقع داخل السجون التي يفرضها بعض الماسكين بمفاتيح العلم والمعرفة والسياسة. نجده ينحاز بوضوح إلى الإنسان، ويدافع عن كرامته، إذ من دونها سوف يفقد قيمة أيّ عمل يقوم به، حتى ولو كان هذا العمل يصنّف في إطار التديّن. كلّ دين لا يسعى أتباعه إلى مناهضة العنف، ومنع إذلال الناس، والحفاظ على حرياتهم، فهو دينٌ لا يمكنه تحقيق الرحمة على الأرض. يؤكّد على أن الله خلق”الناس متساوين في إنسانيّتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقيّ للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع”.[5]

ينتقد الرفاعي بشدّة، وفي أكثر من موضع، عمليّة تحويل الدين إلى إيديولوجيا، ويعتبرها خيانة لجوهر الدين ولقيمة الإنسان وكرامته على حدّ سواء. إن احترام حرية الإنسان تكمن في احترام الحقّ في الاختلاف في المعتقد، لذا، إن أيّ إكراهٍ على تبنّي تعاليم محدّدة أو عقائد معيّنة من دون سواها، فهو يُعتبر طعناً في كرامة الإنسان، وبالتالي إنه طعنٌ في جوهر الدين الذي ينظر إليه كـ “رسالة روحيّة أخلاقيّة تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعاً، لا لجماعة دون أخرى”.[6]

هذا الربط بين الدين والكرامة الإنسانيّة يمكن اعتباره تجلّياً واضحاً وصريحاً للنزعة الإنسانيّة عند الرفاعي، وهو يشير في الوقت عينه إلى وسع الرؤية لديه، وإلى انهمامه بالإنسان، أيّ إنسان. فالنقد الذي يوجّهه إلى عمليّة الانغلاق الإيديولوجيّ والتقوقع داخل جدران هويّة محدّدة “مصطفاة” يتمّ رفعها إلى ما فوق الهويات الأخرى، يٌعتبر إشارة واضحة إلى البعد الأخلاقي الذي يشكّل محوراً رئيساً في فلسفة عبد الجبار الرفاعي. لا يكتفي بالمناداة بالبعد الأخلاقي، والإشارة إلى أهميّة البعد الروحي في الدين، إنما نجده يسعى إلى ترجمة ذلك على أرض الواقع من خلال العمل على ترسيخ قيم “الكرامة والحرية والمساواة والعدالة”، وغيرها بهدف تحرير الإنسان من مختلف أشكال الاستعباد وحمايته من الإذلال والاستعباد.

نجد في هذا الإصرار الظاهر بوضوح في كتبه نوعاً من الشهادة لحقيقة الإنسان، ولحقيقة الدين في آن معاً. هذا الإصرار يحمل القارئ على أن يجد في الدين طريقاً إلى السلام بدلاً من الاحتراب، وملاذاً آمناً للكرامة الإنسانية بدلاً من الإذلال والاستعباد والقهر والاستغلال. إنها دعوة صريحة للتحرّر من كلّ ما يهين الإنسان، باسم ايّ سلطة كانت. هناك كرامة إنسانيّة يجب التوقّف عندها، احتلااماً لها، لأنه عند احترامها تُحترم كرامة كلّ إنسان، وفي انتهاكها، تُنتهك كرامة كل إنسان.

أما في ما يتعلّق بمحمد أركون فنجد أنه كان مهتمّاً في سياق كلامه على الأنسنة بأن يشدّد على الجانب الفكري للفظ “أدب” كما كان متعارفاً عليه بالمعنى الكلاسيكي. فالأدب كان يشمل، في زمن التوحيدي، البعد المعرفي والفكري والأخلاقي والروحي والشرعي والجمالي والسياسي الذي يتّصف به الأديب. كانت هناك متابعة واضحة لمختلف نشاطات الإنسان وإبداعاته بما فيها الصالح والضّار. يشير أركون إلى أهميّة هذا الجانب الفكري لكلمة أدب وذلك بهدف “حماية الإنسان من عدوان أخيه الإنسان، وباطله، وغطرسته، وفرعونيّته، وعنفه”. كذلك فهو يلفت الانتباه إلى “الشروط العقليّة التي يجب ان يحترمها -الإنسان- أو يتقيّد بها في معاملته لنفسه أو معاملته مع الآخرين في الحياة الاجتماعيّة”.[7]

عمل أركون على لفت الانتباه إلى الفرق بين ذهنيّة التعاطي مع كلمة أدب في العصر الكلاسيكي زمن الجاحظ ومسكويه والتوحيدي وغيرهم، من جهة، وبين واقع الحال في معظم المجتمعات العربية الإسلاميّة المعاصرة، من جهة أخرى. كان هناك التزامٌ كاملٌ، في نظره، “بقضايا الإنسان كإنسان”، إذ تمّ وضعه في صلب الانهمام الفكريّ للمشتغلين بالأدب، في معناه الواسع. أما ما يحدث في الفترة المعاصرة، فهو، حسب رأيه، “يدلّ دلالة واضحة على غياب النزعة الإنسانيّة”، إن في الخطابات اليوميّة، أو في كتب علماء السياسة المتعلّقة بالدساتير الرسميّة.

يقول بأنه اقترح مصطلح الأنسنة لكي يشير إلى الأبعاد الفكرية الغائبة بعد أن ازدهرت في العهد الكلاسيكي، عهد الأدب والأدباء العرب والمسلمين. أراد مكن خلال التحدّث عن ذلك أن يدعو إلى “إحياء الموقف الفلسفيّ في الفكر العربي خاصة، والفكر الإسلاميّ عامة”. وهو لديه اعتقادٌ راسخٌ “بأنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان اعتناءً شاملاً، نقديّاً، منيراً، محرّراً، بدون التساؤل الفلسفيّ عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها”.[8]

من هنا يبرز واضحاً هذا الجمع بين العقلانية والأنسنة، إنها عمليّة بناءٍ ذهني ترتكز على العقل الفلسفيّ الذي يبحث عن المعنى بحرية، ويضع قضايا الإنسان في صلب انشغالاته. ميّز محمد أركون بين التفكير الفلسفيّ في الإنسان والتفكير الدينيّ فيه. فالموقف الديني يهتمّ بالإنسان من أجل الهداية نحو الطريق الصحيح. وكأن لدينا أنسنة فلسفيّة وأخرى دينيّة، لكلّ منهما السبيل الخاص في طرح ومعالجة قضايا الإنسان. تربط الأنسنة الأولى، أي الفلسفية، مصير الإنسان بخياراته، بمسؤوليّته، وبالقرارات التي يتخذها بوعيٍ ودراية. بينما تربط الثانية، أي الإنسنة الدينيّة، مصير الإنسان بما تبشّر به التعاليم الالهيّة المنزلة. يرتكز حال العقل في الأنسنة الأولى على التفاعل مع العقول الاخرى المتعدّدة من حوله، ضمن الإطار السياسيّ الديمقراطيّ، في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات، في إشارة واضحة إلى العقل التواصلي عند هابرماس. لفت الانتباه إلى “أن الاعتراف بالتعدّدية المذهبيّة والثقافيّة واللغويّة هو صفة من الصفات الأساسيّة والتأسيسيّة للموقف الإنساني. وكانت هذه التعدّدية سائدة، مقبولة، معرَّفاً بمنافعها في فجر الإسلام وضحاه”.[9] أما ما جرى في ما بعد فكان مغايراً لنهج الانفتاح وتقبّل الرأي الآخر، بخاصة ما يتعلّق بالقضايا اللاهوتيّة والشرعيّة.

أشار أركون في أكثر من مناسبة إلى العلاقة التي جمعت بين السلطة الدينيّة والسلطة السياسيّة في التاريخ الإسلامي، واعتبر أنه كلّ ما ساد “التضامن الإيديولوجي” وقوي الاتفاق بينهما، كانت النزعة الإنسانيّة في تراجعٍ ملحوظ، والتفكير الفلسفي يسير نحو التهميش، والفكر النقدي نحو التغييب. إن التكافل بين الدولة والسلطة الدينيّة أدّى إلى انتشار ذهنيّة التحريم والتقديس في المجتمعات، وفق ما بيّن ماكس فيبر. إن الفكر النقديّ مبنيّ على حريّة التفكير والتعبير والنشر، وهو يفتح المجال أمام تعدّد الجمعيّات في المجتمعات المدنيّة. 

في النظر إلى الدين من زاوية الأنسنة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان لا يصنع حاجته للدين لأن “الحاجة للدين مستودعة في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن، ما يصنعه هو أشكالُ تديّنه في حياته الفردية والمجتمعيّة. ويدلّ على ذلك حضور الدين ورموزه وتعبيراته المتنوّعة في حياته منذ ظهوره على الارض حتى اليوم”.[10]   نلحظ أن الرفاعي يتكلّم على الدين انطلاقاً من الإنسان، من الشعور بالقلق والاغتراب الوجوديّ. هذا الكائن الضعيف والهش الذي يعجز عن إنقاذ نفسه من الموت. أنه يقع باستمرار ضحيّة جهله بنفسه كما بمصيره. من هنا نجده يتوقّف عند أهميّة السلام الداخلي باعتباره منبعاً للحياة المطمئنّة التي تتغلّب على الكآبة والمعاناة المنهكة. إن هذه الحال التي دفعت الإنسان الواعي إلى الاعتراف ببعض ضعفه وقدرته المحدودة التي تحول دون حصوله على ما يتمنّاه. فالوضع النفسي للإنسان وما يعاني منه من اضطراب وقلق واغتراب وجوديّ، كلّ ذلك لعب دوراً، برأي الرفاعي، في اللجوء إلى الإيمان والدين. هذا ما أمّن له الحماية وغذّاه بالمحبة والرحمة والقيم السامية، وأسعفه في الاستمرار التاريخي.

من ناحيته، ينظر أركون إلى الدين مميّزاً بين التركيبات اللاهوتيّة التي تضعها السلطة الدينية بالتنسيق مع السلطة الرسميّة، وبين الوظيفة الروحانيّة للدين. يستعين بميشال ميسلان الذي عرّف الدين باعتباره “التجربة البشريّة لما هو الهي”، مشدّداً على المعنى الروحي المنزّه والمتعالي الذي يتمّ تحريفه أو استغلاله من قبل السلطات الرسميّة. فالدين بالعنى الروحاني هو بمثابة “الرعشة الدينيّة العالية والمنزّهة” التي عاشها الأنبياء كما كبار المفكرين والعلماء. نجده بالتالي يفرّق “بين معنيين للدين: المعنى الروحي المنزّه والمتعالي/ والمعنى القانوني، الرسمي، السلطوي، أو الذي يخلع المشروعيّة على السلطات السياسيّة”.[11]

ملفت جداً هذا التعاطي مع الدين وعدم حصر لحظة الوحي بالأنبياء من دون سواهم، نلحظ أن أركون وسّع من دائرة الكشف والاختبار الروحي لكي تشمل أيضاً العلماء عندما يأتون بما هو جديد في سياق بحثهم عن الحقيقة. كما أنه كان قد شدّد على تاريخيّة الفكر الديني، أي على البعد الإنساني لهذا الفكر، ومحدوديّته في الزمان والمكان، وعلى الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة به، والتي أدّت إلى تبلوره في الشكل الذي ظهر فيه. فالتركيز على التاريخية أمرٌ يحيل بالضرورة إلى الأنسنة، وفق نظرنا. كذلك التركيز على العلمنة في كتابات أركون باعتبارها “الموقف الحر والمفتوح للروح أمام مشكلة المعرفة”[12] يمكن اعتباره بمثابة إشارة واضحة إلى أهميّة الأنسنة والمقاربة الإنسانيّة للمسائل السياسية والاجتماعية والفكرية.

نودّ أن نشير، في ما يتعلّق بنظرة الرفاعي للدين إلى أنه ينتقد بشدّة كل تلك المحاولات في تشويه الدين، والتي تقوم بها السلطات الدينية في مجال تعليم مبادئ الشريعة، في مختلف المؤسّسات. لا يمكن بالنسبة إليه أن نقدّم مفهوماً إنسانيّاً للدين ما لم نتوقّف عند الأخطاء التي اقترفتها السلطات الدينيّة  من أجل نقدها بعمق. فالأنسنة تقتضي هذا النقد وتفرضه على الباحث الرصين الذي يتحلّى بالموقف الأخلاقيّ. يعلن بوضوح ما يأتي: “يملي علينا الموقف الأخلاقيّ أن نفضح منابع الكراهية والتعصّب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين اخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرّئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدّث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقيّ”.[13]

إن مجرّد التأمّل في مضمون هذا النص كفيلٌ في أن يوضح للقارئ أهميّة الأنسنة وعمق تجذّرها في مقاربة الرفاعي للدين، وللفكر الديني. وما تشديده على البعد الأخلاقيّ إلا خير دليلٍ على ذلك. فالمعاملة بالمثل، والبدء بتطبيق النقد على الذات تماماً كما نطبّقه على الآخر، وتعرية الذات من أوهامها، كلها خطوات منهجيّة تفيد في التأسيس للأنسنة المعاصرة على مبادئ راسخة.

يصرّ الرفاعي على أهميّة المراجعة النقدية للتراث الديني، وعلى إبراز الأخطاء التي أدّت إلى تشويه صورة الدين، هذه الأخطاء والممارسات التي أبعدت الدين عن جوهره فحوّلته إلى “أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعاً للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة”. من الجدير ذكره في هذا السياق أن الدين كما يفهمه الرفاعي “هو طاقة روحيّة وأخلاقيّة مُلهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤوليّة تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيّاً كان دينه أو انتماؤه”.[14]

في الختام، يمكن القول إن هذا الكلام كفيلٌ في تظهير صورة مشرقة عن الأنسنة في الفكر العربي المعاصر، وهو يلتقي بعمق مع طروحات محمد أركون الخاصة بالدين والتنوير والعلمنة والأنسنة. لذا، في خلاصة هذا المقال، يمكن أن نتلمّس، من خلال ما سبق من فقرات، نهجاً إنسانيّاً واضح المعالم في مقاربة قضايا الدين والمجتمع، وهو يقدّم أسساً صلبة يمكن البناء عليها، ومتابعة ما بدأ به كلٌّ من أركون والرفاعي من أجل إستعادة المبادرة، والعمل على إرساء تفكيرٍ إنسانيٍّ يخفّف من هول التحدّيات الراهنة، ويشقّ طريقاً نحو الأمل بمستقبلٍ إنسانيٍّ أفضل، يقينا شرّ الفراغ واللامعنى والعنف المستفحل الذي يستبيح كلّ شيء من دون رادع.

 

[1]  أستاذة الفلسفة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.

[2] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 2001، ص 8-9.

[3] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 8.

[4] – عبد الجبار الرفاعبي، الهويّة في شِراك الإيديولوجيا، بغداد، الرافدين، ومركز دراسات فلسفة الدين، ط1، 2025، ص 111.

[5] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111.

[6] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111.

[7] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12.

[8] – محمد اركون، معارك من اجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12-13.

[9] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 14.

[10] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، بغداد، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، ط2، 2023، ص 42.

[11] – محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998، ص 237.

[12] – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 296.

[13] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 116.

[14] – عبد الجبار الرفاعي، الهويّة في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 117.

 

https://taqueen.com/%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9/

مدخل إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي

في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد

إبراهيم العروي[1]

يمثل عبد الجبار الرفاعي، المولود في محافظة ذي قار جنوب العراق سنة 1954، واحدًا من أصحاب المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة الأكثر اتساقًا ومثابرة واستمرارًا. كرس أكثر من ثلاثة عقود لتأسيس أرضية معرفية لحقلين متداخلين لم يترسخ حضورهما بعد في الفضاء العربي: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. بلغ إنتاجه الفكري نحو ستين كتابًا، فضلًا عن رئاسته تحرير مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” منذ تأسيسها سنة 1997 حتى اليوم، وإدارته مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وإشرافه على سلاسل مرجعية صدر فيها أكثر من ثلاثمئة كتاب في بيروت.  لم يقتصر مشروعه على التعريف بفلسفة الدين ونقل مباحثها إلى العربية، إذ عمل على بناء رؤية خاصة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وتفسر الدين استجابة لحاجة وجودية عميقة إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. أعاد في ضوء هذه الرؤية قراءة الوحي والنبوة والإيمان والتجربة الدينية ولغة الدين، وسعى إلى تحرير علم الكلام من أسئلته الموروثة ومقولاته المغلقة، ونقله من الدفاع عن العقائد إلى فهم الإنسان وحاجاته الوجودية في العالم الحديث. لا يدعي هذا المدخل الإحاطة بمختلف أبعاد المشروع وامتداداته، ويسعى إلى رسم خريطته العامة، وتتبع منطلقاته وتحولاته، والكشف عن أدواته في التفكير، وتحليل مفاهيمه المحورية، وبيان ما يميزه من المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، ومناقشة أبرز الأسئلة والاعتراضات التي أثارها خصومه ومحاوروه.

تلقى عبد الجبار الرفاعي علوم الدين في حوزة النجف الأشرف ابتداء من سنة 1978، واضطر إلى مغادرة العراق سنة 1980، فواصل دراسته في حوزة قم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، وصار لاحقًا أحد أساتذتها. حصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية سنة 1988، والماجستير في علم الكلام سنة 1990، والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005 بتقدير امتياز، ونال درجة الأستاذية سنة 2012. أشرف على أكثر من ثمانين رسالة وأطروحة لدرجتي الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها، ونوقشت حتى اليوم اثنتان وثلاثون رسالة ماجستير وأطروحة دكتوره تناولت مشروعه التجديدي، في جامعات عراقية وعربية وأجنبية. نال الرفاعي عددًا من الجوائز، من أبرزها: “الجائزة الأولى للبطريركية الكلدانية لأفضل الأعمال الفكرية” سنة 2020، و”الجائزة الأولى للإنجاز الثقافي والتفاهم الدولي” في الدوحة سنة 2017، و”الدرع الذهبية للحركة الثقافية” في أنطلياس بلبنان سنة 2013، إلى جانب جوائز أخرى.

من التكوين التقليدي إلى تجديد الفكر الديني

تمثل التحول الحاسم في مسيرة عبد الجبار الرفاعي في انتقاله التدريجي من الاشتغال بعلم الكلام القديم، الذي انصرف إلى الدفاع عن العقائد وإثباتها ودحض عقائد الخصوم، إلى بناء “علم الكلام الجديد”. بدأ الرفاعي هذا المشروع قبل أربعة عقود تقريبًا، وأصدر في سياقه، مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1994-1997، صدرت هذه المجلة بدعم مالي من صديقه المرحوم الشيخ مهدي العطار. وأسس مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” سنة 1997، فاحتضنت مباحث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وعرفت القارئ العربي بأبرز أعلامهما ومفاهيمهما وأسئلتهما واتجاهاتهما، وترجمت دراسات ونصوصًا أساسية فيهما، ومازالت تصدر حتى اليوم. أسس الرفاعي أيضًا مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ليكون فضاء للبحث والترجمة والنشر والحوار في هذين الحقلين. وما زال يراجع مشروعه ويعمقه ويطور مفاهيمه في مؤلفاته المتعاقبة.

لم يكن هذا التحول قطيعة مفاجئة مع التراث الكلامي، فقد جاء ثمرة مراجعة نقدية طويلة لمناهج ومقولات ووظائف وحدود الكلام القديم، في ضوء مكاسب الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية وفلسفة الدين. تجلى هذا المشروع في عدد من مؤلفاته، من أبرزها: “مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد”، و”مقدمة في علم الكلام الجديد”، و”الدين والظمأ الأنطولوجي”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، و”الدين والكرامة الإنسانية”، و”الدين والنزعة الإنسانية”، و”مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، و”مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وصولًا إلى عمله الأخير “موسوعة فلسفة الدين” في ثمانية أجزاء، التي وصفها بعض الدارسين بأنها أول موسوعة عربية في فلسفة الدين، وجاءت ثمرة أكثر من ربع قرن من البحث والعمل المتواصل.

منح هذا المسار مشروعه سمة مميزة؛ فقد انتقل من التكوين الحوزوي التقليدي إلى المراجعة النقدية لمناهج هذا التكوين ومقولاته وأدواته في إنتاج المعرفة الدينية. يصدر نقده من خبرة عميقة بالتراث الديني وعلومه ومناهج تدريسه، لا من موقع الغريب عنه. إنه نقد من داخل علوم الدين التراثية، يعيد فحص الموروث، ويتجاوز تكراره واجتراره، ويفتحه على أسئلة الإنسان وتحديات العالم الحديث.

يتفرد مشروع الرفاعي في تجديد الفكر الديني بانتقاله من النقد إلى البناء، ومن التفكيك إلى التركيب. لا يقف عند تفكيك علم الكلام القديم والكشف عن محدودية أسئلته ومناهجه ووظائفه، وتشديده على احتكار الخلاص بفرقة واحدة، ولا يكتفي بنقد الصورة التي رسمها هذا العلم لله والإنسان والعالم، فقد عمل الرفاعي على تركيب رؤية بديلة تستند إلى مركزية الإنسان وكرامته، وتعيد تعريف وظيفة الدين في حياته. يبدأ التفكيك عنده بفحص البنية العميقة للمعرفة الدينية، والتمييز بين الدين ومعرفة البشر للدين، وبين المقدس وما ينتجه المتخيل الديني، والكشف عن تاريخية الفهم البشري للنصوص، ونقد توظيف الدين في الاستبداد والعنف وإهدار الكرامة.

يفضي هذا التفكيك لدى الرفاعي إلى مرحلة التركيب، إذ يبني منظومة مترابطة من المفاهيم، في مقدمتها: الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والكرامة الإنسانية، والإنسانية الإيمانية، والنزعة الإنسانية في الدين، ولغة الدين، وعلم الكلام الجديد. لا تعمل هذه المفاهيم منفصلة، إذ ينتظمها سؤال مركزي واحد: كيف يستطيع الدين أن ينتج معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا لحياة الإنسان في العالم الحديث؟ ينطلق الرفاعي من حاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، ويرى أن الدين يستجيب لهذه الحاجة عندما يوقظ الحياة الروحية، ويحمي الكرامة، ويغذي الضمير الأخلاقي، ويثري الحس الجمالي. في سياق هذا البناء، صاغ الرفاعي تعريفاته الخاصة للدين والوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وأعاد تحديد وظائفها وحدودها وصلتها بالإنسان وحاجاته الوجودية. هكذا لا يترك القارئ الباحث عن المعنى في الدين عند حدود الشك والنقض وتفكيك الموروث، ويرسم له خريطة فكرية تنتقل من تشخيص أزمة المعرفة الدينية إلى بناء فهم جديد للدين يتمحور حول الإنسان، ويصل الإيمان بالحرية، والتدين بالأخلاق، ومعرفة الله بصيانة كرامة الإنسان.

مرجعيات مشروع الرفاعي

يصعب فهم مشروع الرفاعي بمعزل عن تعدد مرجعياته وتفاعل رافدين أساسيين في تكوينه. ينتمي الرافد الأول إلى التراث الإسلامي؛ فالرفاعي متخرج في المدرسة الحوزوية في علم الكلام والفقه وأصوله، ودارس لتراث الفلسفة الإسلامية لدى الفارابي وابن سينا، والحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، والعرفان النظري والعملي لدى ابن عربي ومدرسته. لا يمثل هذا التراث لديه زخرفًا معرفيًا، فهو رافد روحي حاضر في رؤيته للروح والقلب والضمير، وفي تأكيده أن العقل النظري المجرد لا يستقل بإنتاج الإيمان، وأن الأدلة الكلامية القديمة استنفدت طاقتها في إيقاظ التجربة الروحية وإرواء حاجة الإنسان إلى المعنى. ينتمي الرافد الثاني إلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة، التي ينفتح عليها الرفاعي انفتاحًا نقديًا وانتقائيًا لا مذهبيًا. يظهر ذلك في استثماره نقد كانط لحدود العقل النظري وتمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا، وإفادته من شلايرماخر في تفسير الدين في أفق الشعور بالاعتماد المطلق، لا في حدود الأنساق العقائدية، ومن بول ريكور في التأويل وفلسفة الرمز، ومن غادامير في تاريخية الفهم. ويمكن استكشاف صدى أسئلة هيدغر عن الوجود والقلق والعدم في بعض أبعاد مفهوم “الظمأ الأنطولوجي”، من دون اختزال هذا المفهوم في مرجعية هيدغر، لما ينطوي عليه من روافد دينية وعرفانية ووجودية متعددة. لا يستنسخ الرفاعي منظومات هؤلاء الفلاسفة، ولا ينتسب إلى فلسفة أحد منهم، ويعيد توظيف ما يلائم أسئلته داخل أفقه الخاص في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يظل تحديد طبيعة هذا التأثر ومقداره، وما إذا كان استعارة اصطلاحية أو استثمارًا لمفهوم أو تبنيًا لبعض عناصر المنهج، من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين دارسي مشروعه. لا تكفي لحسمه قراءة عابرة، إذ يستدعي دراسة مقارنة دقيقة بين كتابات الرفاعي ونصوص هؤلاء الفلاسفة، تتتبع المفاهيم في سياقاتها وتكشف ما أدخله عليها من إعادة تفسير وتركيب.

يقوم مشروع الرفاعي على مجموعة من المفاهيم المتشابكة، يستمد كل مفهوم منها دلالته من موقعه داخل المشروع وصلته بسائر مفاهيمه. يأتي “الظمأ الأنطولوجي” في مقدمة هذه المفاهيم وأكثرها تداولًا، ويعني به الحاجة الوجودية العميقة في كيان الإنسان إلى الاتصال بالوجود المطلق، والبحث الدائم عما يروي ظمأه إلى المعنى. لا يكتمل الإنسان بذاته، ولا تستطيع الأشياء المادية وحدها إشباع حاجاته الوجودية، إذ يظل محتاجًا إلى أفق يتجاوز وجوده المحدود، ويمنح حياته معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. على أساس هذا المفهوم ينقد الرفاعي الصياغة الأيديولوجية للدين، لأنها تفرغه من طاقته الروحية، وتختزله في أداة للسلطة والتعبئة والصراع والعنف، أو تحوله إلى هوية مغلقة تفصل الإنسان عن سواه. عندما يخضع الدين للأيديولوجيا، يحتجب حضوره الروحي خلف الشعارات، ويعجز عن إرواء الظمأ الأنطولوجي الذي يمثل وظيفته الوجودية الأساسية. يرتبط بمفهوم “الظمأ الأنطولوجي” مفهومُ “الاغتراب الميتافيزيقي”، الذي يفسر شعور الإنسان بالوحشة والضياع والغربة الوجودية عندما تنقطع صلته بالمطلق، ويفتقر وجوده إلى المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. لا ينشأ هذا الاغتراب من غياب الدين دائمًا، فقد ينشأ داخل أنماط من التدين تستنزف روح الإنسان، وتزرع الخوف في داخله، وتقدم له صورة قاسية لله، وتغرقه في الشعور بالإثم والاحتقار. من هنا يعمل الرفاعي على اكتشاف الصور المضيئة لله، وإعادة بناء صلة الإنسان به على أساس الرحمة والحب والرجاء، لتصبح التجربة الدينية مصدرًا للسكينة وإثراء الوجود، لا منبعًا للرعب واستلاب الذات.

ويمثل “علم الكلام الجديد” الإطار النظري الذي تنتظم فيه هذه الرؤية. لا يختزل الرفاعي هذا العلم في تحديث لغة الكلام القديم أو إضافة مسائل حديثة إلى موضوعاته، إذ يعيد بناء موضوعه ومنهجه ويضع له معيارًا واضحًا هو الفهم الجديد للوحي ووظيفته. ينقل مركز اهتمام علم الكلام من الدفاع عن العقائد ودحض الخصوم، إلى تفسير الإيمان، وفهم معنى الدين ووظيفته وحدوده، وقراءة مفهوم الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وتحليل حاجة الإنسان إلى المعنى.

يستفيد الرفاعي من الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية في فحص المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها، ويميز بين الحقيقة الدينية في ذاتها وما يفهمه الإنسان منها. يفتح هذا التمييز أفقًا لتعدد التأويلات والحوار، ويحرر المتكلم من وهم امتلاك الحقيقة النهائية والاستئثار بتمثيلها. ويحتل التمييز بين الدين والتدين والمعرفة الدينية موقعًا محوريًا في المشروع. يعرف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. أما التدين فهو تمثل الإنسان للدين وطريقة عيشه والتعبير عنه في الواقع، في حين تمثل المعرفة الدينية الفهم البشري للنصوص والمعتقدات والرموز. يخضع التدين والمعرفة الدينية لانتاجها في المتخيل الفردي والجمعي، وللتاريخ واللغة والثقافة والبيئة والمصالح البشرية. يتيح هذا التمييز نقد أنماط التدين العنيف والمغلق، ونقد المعرفة الدينية الموروثة، من دون اختزال الدين في أحد أشكال حضوره التاريخي.

وتأتي الهرمنيوطيقا لتكشف أن الإنسان لا يتلقى النص خارج لغته وتاريخه وآفاق انتظاره. يستفيد الرفاعي من مناهج التأويل الحديثة، ويحاور ما قدمه غادامير وغيره في فهم النص والرمز وتاريخية الوعي. لا يعني ذلك إخضاع النص لإرادة القارئ أو نفي دلالته، وإنما يعني أن الوصول إلى النص لا يحدث من دون فهم بشري، وأن كل فهم يتشكل داخل أفق لغوي وتاريخي معين. تتجدد قراءة النص بتجدد أسئلة الإنسان ومعارفه وتحولات حياته، وتظل دلالاته أوسع من أن يستنفدها تفسير واحد أو يحتكرها مذهب بعينه.

 الجدل العربي حول مشروع الرفاعي

أثار مشروع الرفاعي اعتراضات صدرت من اتجاهات متباينة. يتحفظ بعض ممثلي الاتجاه الديني التقليدي على تأكيده تاريخية المعرفة الدينية وتعدد الفهم، ويرون في ذلك تقليصًا لسلطة التفسير الموروث وفتحًا للدلالة على قراءات غير منضبطة. وينظر بعض السلفيين إلى أدواته الفلسفية والهرمنيوطيقية على أنها وافدة من بيئة معرفية غربية لا تنسجم مع منهجهم في فهم النص. في المقابل، يرى بعض العلمانيين أن مشروعه يحتفظ للدين بموقع مركزي في تفسير الإنسان وحاجته إلى المعنى، ولا يذهب إلى القطيعة التي يدعون إليها بين الدين والمعرفة الحديثة. ويسائل بعض الباحثين في الفلسفة دقة استعماله لبعض المصطلحات الغربية، وحدود استفادته من كانط وهيدغر وغادامير، ومقدار التحول الذي تخضع له مفاهيمهم عندما يدمجها في مشروعه. تكشف هذه الاعتراضات، على اختلاف منطلقاتها، عن الموقع الذي يشغله المشروع بين مسارات متعارضة. فهو لا يكرر علم الكلام الموروث، ولا يتبنى القطيعة مع الدين، ولا يستنسخ فلسفة غربية بعينها. يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا يستبقي الحاجة الوجودية إلى الدين، ويخضع المعرفة الدينية للنقد، ويجعل كرامة الإنسان معيارًا في تقويم أنماط التدين وتأويل النصوص. يمنحه هذا الموقع قدرته على إثارة الأسئلة، ويعرضه في الوقت نفسه لنقد التقليديين ودعاة القطيعة مع الدين وبعض المتخصصين في الفلسفة.

لا تتجاوز الصفحات السابقة رسم خريطة أولية لمشروع واسع ومتعدد المسارات. يتطلب تقويم هذا المشروع فلسفيًا دراسة تطور مفاهيمه عبر مراحل كتاباته، وتحليل الروابط التي تصل الظمأ الأنطولوجي بالاغتراب الميتافيزيقي والكرامة الإنسانية والإنسانية الإيمانية وعلم الكلام الجديد، وفحص اتساق هذه المفاهيم وقدرتها التفسيرية. كما يستدعي مقارنة نصية دقيقة بين كتابات الرفاعي والمرجعيات الإسلامية والغربية التي يحاورها، للتمييز بين استثمار المفهوم، وإعادة تفسيره، وإدماجه في تركيب جديد. لا تكفي في ذلك الملخصات ولا التشابهات اللفظية، فالحكم على أصالة المشروع يقتضي الرجوع إلى النصوص الأصلية، وتتبع المفاهيم في سياقاتها، والكشف عما أحدثه الرفاعي فيها من تحويل وإعادة بناء. يؤسس هذا المدخل لتلك الدراسة الموسعة، ويمهد لقراءة المشروع من داخله، في ضوء أسئلته وغاياته ومساره الخاص.

[1] كاتب سعودي متخصص بالفلسفة.

https://almothaqaf.com/aqlam-3/989107-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

الشكوك بوصفها منهجًا في التراث العلمي

د. عبد الجبار الرفاعي

يقول أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري “354 – 430 ه” في مقدمة كتابه “الشكوك على بطليموس”: “الحق مطلوب لذاته، وكل مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده. ووجود الحق صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات. وحسن الظن بالعلماء في طبع جميع الناس… وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان ذلك كذلك، لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرقت آرائؤهم في حقائق الأمور، والوجود خلاف ذلك. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلّته بضروب الخلل والنقصان. والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه. ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشُّبه”[1].

أول من نبهني إلى أهمية كتاب “الشكوك على بطليموس” لابن الهيثم هو الصديق العزيز الأستاذ عبد الأمير المؤمن، الباحث المتمرس في التراث العلمي، وذلك قبل أكثر من أربعين عامًا. كما حفزتني على كتابة هذا المقال قراءة ترجمة الأستاذ عبد الرحمن المرزوقي المهمة لكتاب برادلي ستيفنز “ابن الهيثم: أول عالم تجريبي”[2].

كانت الشكوك منهجًا في التراث العلمي، فقد تغلب العقل العلمي نسبيًا على سلطة المنطق الأرسطي عندما احتكم إلى الملاحظة والمشاهدة والتجربة. ظهرت كتب “الشكوك” الناقدة للعلم الطبيعي اليوناني، لأن التجربة منحت العالِم مرجعيةً مستقلة عن النص، فاستطاع اختبار آراء القدماء، وكشف أخطائها، وتصحيح نتائجها، من دون أن يجعل مكانة أصحابها بديلًا عن الدليل. في المقابل، لم أعثر، في حدود ما اطلعت عليه، على كتاب يحمل عنوان “الشكوك” خصص لنقد تسلط المنطق الأرسطي على الفلسفة والكلام وأصول الفقه.

لا يعني ذلك غياب نقد المنطق الأرسطي في تراثنا، فقد نقد شهاب الدين السهروردي، 549–587هـ/1154–1191م، عددًا من أسسه في القسم الأول من كتاب “حكمة الإشراق”، كما ناقش قضاياه بتفصيل أوسع في قسم المنطق من كتاب “المشارع والمطارحات”، فراجع نظرية الحد والتعريف، واختزل أشكال القياس، واعترض على بعض التقسيمات والمقولات المنطقية المشائية. وخصص ابن تيمية، 661–728هـ/1263–1328م، كتابه “الرد على المنطقيين”، المعروف أيضًا باسم “نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان”، لنقد الحد الأرسطي والقياس، ورفض دعوى حصر اليقين فيهما، وأكد إمكان تحصيل المعرفة من الحس والتجربة والخبر والقياس التمثيلي.

وفي العصر الحديث ظهر كتابان مهمان في مدرسة النجف، ألّف الأول علي كاشف الغطاء، 1331–1411هـ/1913–1991م، بعنوان: “نقد الآراء المنطقية وحل مشكلاتها” في جزأين؛ خصص الأول للتصورات، والثاني للتصديقات، وألحقهما بخاتمة في المغالطات، فناقش آراء المناطقة، وراجع قواعدهم، واقترح حلولًا لبعض مشكلاتها. وقدم محمد باقر الصدر، 1353–1400هـ/1935–1980م، في كتابه “الأسس المنطقية للاستقراء” محاولة جديدة لمعالجة الثغرة التي تركها المنطق الأرسطي في الاستقراء الناقص، وسعى إلى تأسيس الانتقال من ملاحظات جزئية محدودة إلى تعميم علمي مرجح، مستعينًا بحساب الاحتمالات، ومميزًا بين مرحلتي التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي للمعرفة.

غير أن هذه المحاولات، على أهميتها، لم تؤسس منطقًا بديلًا يحل محل المنطق الأرسطي في التفكر الديني والتعليم، ولم تتحول إلى نموذج معرفي “براديغم” تتبناه جماعة علمية ومؤسسات معرفية، وظل أكثرها يتحرك داخل أسئلة المنطق القديم ومفاهيمه، أو ينقده من دون أن يعيد بناء مناهج العلوم على أساس المشاهدة والتجربة والاستقراء. فقد لبثت عملية التفكير خاضعة للنموذج المعرفي اليوناني قرونًا طويلة، فتحول هذا النموذج من أداة يستخدمها العقل إلى سلطة تحدد شروط التفكير وحدود السؤال ومعايير البرهان. ظل العقل ينقد النتائج بأدوات المنطق الأرسطي، من دون أن ينقد الأداة التي ينتج بها تلك النتائج.

سنشير في مقال قادم إلى أسباب انحسار منهج الشكوك في التراث العلمي، وانصراف جانب كبير من طاقة العقل إلى علوم لا تحتكم إلى المشاهدة والتجربة. فقد ظهر في تاريخنا عدد من العلماء الأفذاذ الذين كانت لهم ريادة في علوم متنوعة، واعتمدوا الملاحظة والقياس والتجربة، غير أنهم ظلوا يعملون، بدرجات متفاوتة، داخل النموذج المعرفي “البراديغم” الأرسطي البطلمي الجالينوسي الموروث من اليونان. وإن كان ذلك لم يمنعهم من نقد بعض آراء اليونان، وكشف أخطائها، وتصحيحها وتجاوزها في مسائل أساسية، كما فعل الرازي في الطب، والبيروني في الفلك والمعادن، وابن الهيثم في البصريات والفلك، وابن النفيس في التشريح. غير أن هذه المنجزات بقيت جهودًا فردية متفرقة، ولم تنتظم في نموذج معرفي “براديغم” بديل، تتبناه جماعة علمية، وتتوارثه مؤسسات مستقلة، وتعمل على اختباره وتطويره وتراكم نتائجه. حضر العالم التجريبي في تراثنا، وغابت البيئة المعرفية والمؤسسية القادرة على تحويل منجزه إلى تقليد علمي مستدام، يقود إلى ثورة شاملة في فهم الطبيعة ومعايير إنتاج المعرفة.

يمثل أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري “354–430هـ/965–1040م” مرحلة متقدمة في تاريخ العقل العلمي في الحضارة الإسلامية. كان الشك لديه أداة منهجية لتحرير العقل من هيبة الأسماء وسلطة الموروث، ومدخلًا إلى اختبار الآراء ومراجعة الأدلة والكشف عن مواطن التهافت والقصور فيها. الشك عند ابن الهيثم يفتح الطريق إلى معرفة أكثر دقة، كما أعلن ذلك بوضوح في مقدمة كتابه “الشكوك على بطليموس”، إذ حذر من اختلاط المعرفة بالأوهام والعادات والأحكام المسبقة، ونبّه إلى الكيفية التي يحجبها حسن الظن بالأعلام. أشار إلى أنه لا تكفي شهرة العالم، ولا قدم كتابه، ولا اتفاق الناس على تعظيمه لإثبات صحة آرائه، فقيمة القول تستمد من حجته، لا من مكانة قائله. ينبه ابن الهيثم إلى أن “حسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس”، وأن القارئ إذا استسلم لهذا الميل تلقى أقوال المتقدمين كأنها حقائق نهائية. العلماء بشر يصيبون ويخطئون، ولم يعصمهم الله من الزلل أو التقصير، ولو كانوا معصومين من الخطأ لما اختلفوا في مسائل العلم وحقائق الأشياء. يضع ابن الهيثم قاعدة معرفية حاسمة: “فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل”. تبدأ المعرفة عند ابن الهيثم بنقد الثقة العمياء بالمكانة العلمية للقائل، وإخضاع كل قول للسؤال مهما علا شأن صاحبه.

لا يكتفي ابن الهيثم بالشك في أقوال الآخرين، وإنما يطالب الباحث أن يشك في فهمه وأحكامه أيضًا، فيقول إن على الناظر في كتب العلوم “أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضًا نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه”. يتجه النقد هنا في مسارين متلازمين: نقد الموضوع الذي يدرسه الباحث، ونقد الذات التي تمارس الفهم والحكم. ربما يخطئ المؤلف، وربما يسيء القارئ فهمه، وربما يقوده التعصب إلى رفض قول صحيح أو قبول قول ضعيف، لهذا يشترط ابن الهيثم الإنصاف، فلا يتحامل الناقد على النص، ولا يتساهل معه. طبّق ابن الهيثم هذا المبدأ في كتاب “الشكوك على بطليموس”، فدرس ثلاثة من أهم كتب بطليموس.

لم يرفض ابن الهيثم تراث بطليموس، فقد أدرك قيمته العلمية وأفاد من منجزاته، لكنه فصل بين احترام العالم والتسليم بأقواله. استوعب نظامه، وقارن بين مقدماته ونتائجه، وبين نماذجه الرياضية وما يمكن وجوده في العالم الطبيعي. تركز اعتراضه على أن نجاح النموذج في وصف حركة الكواكب والتنبؤ بها لا يثبت أن البنية التي يفترضها موجودة فعلًا في السماء. ميز ابن الهيثم بين مطابقة النتائج للرصد وصدق تفسير الظاهرة، وطالب بنظرية تجمع بين الدقة الحسابية والإمكان الطبيعي. رفض إخضاع الواقع للنموذج، ودعا إلى إعادة بناء النموذج بما يلائم الواقع، ففتح نقده الطريق أمام إصلاح الفلك البطلمي.

استعادت مدرسة مراغة هذه المعرفة في سياق مشروع علمي جماعي هدفه بناء نماذج تطابق الرصد، وتحافظ على انتظام الحركة الدائرية، وتتخلص من تناقضات نظام بطليموس. ابتكر نصير الدين الطوسي “597–672هـ/1201–1274م” نماذج هندسية أكثر اتساقًا، أشهرها “مزدوجة الطوسي”، التي تولد حركة خطية من حركتين دائريتين منتظمتين. ووضع مؤيد الدين العرضي “نحو 597–664هـ/نحو 1200–1266م” قاعدته الهندسية المعروفة بـ “قاعدة العرضي”، واستعملها في إعادة بناء حركات الكواكب من دوائر منتظمة من دون الحاجة إلى بعض افتراضات بطليموس. وطور قطب الدين الشيرازي “634–710هـ/1236–1311م” نماذج مدرسة مراغة، وأعاد تركيب أدواتها الرياضية بحثًا عن هيئة تجمع بين دقة الحساب والإمكان الطبيعي. بلغ هذا المسار مرحلة أكثر نضجًا عند ابن الشاطر “704–777هـ/1304–1375م”، الذي أنشأ نماذج جديدة لحركة الشمس والقمر والكواكب، وتخلص من “معدل المسير”، وهو نقطة افتراضية جعل بطليموس حركة الكوكب منتظمة بالقياس إليها، مع أنها لا تتطابق مع مركز العالم أو مركز فلكه. لم تكن إنجازات هؤلاء نقلًا مباشرًا عن ابن الهيثم في كل تفاصيلها، وإنما كانت استئنافًا لمطلبه المعرفي: ألا يكتفي النموذج الفلكي بالنجاح الحسابي ومطابقة الرصد، وأن يكون متماسكًا وقابلًا للتصور في العالم الطبيعي.

كان كتاب “الشكوك على بطليموس” إعلانًا مبكرًا على أن العلم لا يتقدم بتقديس النماذج الموروثة، وإنما بفحصها واختبار اتساقها، والكشف عن تناقضاتها، وفتح الطريق أمام بناء بدائل أكثر دقة. لم يقدم ابن الهيثم في هذا الكتاب بديلًا فلكيًا متكاملًا لنظام بطليموس، لكنه كشف أزماته، خاصة التعارض بين نجاح بعض نماذجه في الحساب وتعذر وجود هيئاتها المفترضة في العالم الطبيعي. تجلى هذا المنهج بصورة أوسع في “كتاب المناظر”، إذ لم يقبل نظرية خروج أشعة البصر من العين التي تبناها إقليدس وبطليموس، ولم يكتف بما ورثه من التراث الطبي، خاصة وصف جالينوس لتشريح العين ووظائف أجزائها. جمع بين الهندسة والطبيعيات ووصف بنية العين والملاحظة والاختبار، وحلل ظواهر الضوء والإبصار إلى عناصرها، ثم فحص فروضه بتغيير شروط التجربة ومقارنة نتائجها. انتهى إلى أن الإبصار يحدث بوصول الضوء من الأجسام إلى العين، مع احتفاظه ببعض تصورات جالينوس في وظائف أجزائها. كانت التجربة عنده وسيلة لامتحان الفرضية ومواجهة نتائجها بالواقع، وعندما تتعارض سلطة الموروث مع ما تثبته الملاحظة والحجة والبرهان، يمنح الأولوية للدليل.

نسبت إلى ابن الهيثم مؤلفات تتصل بهذا المسار، من أشهرها “حل شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه”. وسبق محمد بن زكريا الرازي “251–313هـ/865–925م” ابن الهيثم إلى تأليف كتاب “الشكوك على جالينوس”، الذي ناقش فيه آراء جالينوس الطبية والفلسفية، مستندًا إلى خبرته السريرية ومشاهدته الطويلة للمرضى. لم يمنعه تقديره لجالينوس من الاعتراض عليه، فميز بين ما تثبته الممارسة الطبية وما يقرره الكتاب النظري. رأى الرازي أن الوفاء للعلم لا يتحقق بترديد أقوال المعلم، وإنما بمراجعتها وتصحيحها. لهذا يمثل كتابه نموذجًا مبكرًا لمقاومة الأبوة المعرفية، ويثبت أن التلميذ يستطيع تجاوز أستاذه حين يمتلك دليلًا أقوى.

[1] ابن الهيثم، الحسن، الشكوك على بطليموس، تحقيق: د. عبد الحميد صبرة، ود. نبيل الشهابي، تصدير: د. إبراهيم مدكور، ص3، 1971، مطبعة دار الكتب، القاهرة.

[2] ستيفنز، برادلي، ابن الهيثم: أول عالم تجريبي، ترجمة: عبد الرحمن المرزوقي، 2025، جمعية الفلسفة السعودية، الرياض.

 

https://almothaqaf.com/aqlam-3/988971

في التدين الشعبوي يحتجب الله   

د. عبد الجبار الرفاعي

التدين الشعبوي تدين شكلي ذرائعي، وهو يختلف عن التدين الشعبي الذي يتجلى فيه شيء من التدين الرحماني، ويعبر عن إيمان عفوي، وعلاقة صادقة بالله، وحرص على فعل الخير، ومواساة الناس، واحترام القيم الأخلاقية. عرفت حياة الأفراد والمجتمعات التدين الشعبي، وتوارثته الأجيال منذ عصر الرسالة، تعبيرًا عن حاجة الإنسان إلى الإيمان والمعنى والطمأنينة. يستثمر التدين الشعبوي التدين الشعبي البريء، ويتسلل إليه، ويوجهه لخدمة مصالح لا تمت إلى غايات الدين بصلة، فيستبدل صفاء الإيمان بإثارة الانفعالات، ويطفئ يقظة الضمير بصخب الشعارات، ويحجب جوهر الدين بكثافة المظاهر والشعارات الصاخبة، حتى يغدو الشكل بديلًا عن المضمون، والشعائر بديلًا عن الأخلاق، والانفعال والغضب بديلًا عن الوعي.

تمثل الجماعات الشعبية بيئة ملائمة لولادة التدين الشعبوي وتمدده في مختلف مجالات الحياة. حين ينزاح التدين عن مجاله، تنحرف وظيفته من بناء الحياة الروحية وإيقاظ الضمير الأخلاقي إلى تكريس شعائر مفتعلة لأغراض لا صلة لها بوظيفة الدين، فيغدو مفهوم التدين مطابقًا لهذه الشعائر. يفتقر التدين الشعبوي إلى الحس الأخلاقي، وتنضب فيه الطاقة الروحية، فلا يقاس التدين بصدق الضمير، ولا بصفاء القلب، ولا بسمو السلوك الأخلاقي، وإنما يقاس بكثافة المظاهر، والإفراط في الاستعراض، والمبالغة في إعلان الانتماء.

مَن يبحث عن الله في هذا النمط من التدين لن يجده، لأن التدين الشعبوي يحجب الحضور الحي لله بكثافة الشعارات والمظاهر. لا يعني احتجاب الله غيابه، فالله لن يغيب، غير أن صورته النورانية تحتجب في روح الإنسان عندما تستولي الهوية المغلقة على ضميره، وتحتل المصالح والانفعالات مساحة القلب، ويتحول الولاء لها إلى معيار للإيمان. يحتجب الله لأن هذا التدين لا يطلب الصلة به، وإنما يستعمل اسمه لاكتساب المكانة والنفوذ، ويحول الدين من خبرة روحية إلى هوية جماعية مغلقة، ومن إيقاظ للضمير إلى امتثال لسلطة الجماعة. يستبدل التدين الشعبوي حضور الله بحضور الجماعة في الشعار، وصوت الضمير بصوت الجمهور، وطلب المعنى بطلب المكانة المادية. كلما تعالت الشعارات خفت صوت الله في أعماق الإنسان، وكلما تضخمت المظاهر ضاقت مساحة القلب، حتى يغدو الله اسمًا يتكرر على اللسان، ولا يتجلى أثره في السلوك. يحتجب الله عندما لا تثمر الصلة به رحمةً ومحبةً وعدلًا وسلامًا، ولا تصون كرامة الإنسان. عندئذ يظل اسم الله حاضرًا في الكلمات، فيما يغيب نوره عن القلب، وتغيب آثاره عن الحياة.

يتحدث هذا التدين عن الله كثيرًا، غير أنه يبعد الإنسان عن الله أكثر، لأنه يرسم له صورة تستمد ملامحها من مصالح الجماعة وصراعاتها على السلطة والثروة، فيظهر إلهًا للغلبة والاستقطاب والوصاية، لا إلهًا للحب والرحمة والعدل والسلام. عندئذ يتحول الدين من طاقة ملهمة للمعنى في حياة الإنسان إلى أداة للتعبئة وإنتاج الاستعباد، ويفقد التدين وظيفته. حضور الله لا يكشفه صخب الشعارات، حضور الله يتمثل بأثره في السلوك ورعاية حريات الإنسان وحقوقه. حيث تغيب هذه الآثار تحتجب صورة الله، وإن امتلأت المنابر باسمه، وتكاثرت الشعائر التي تقام من أجله.

في التدين الشعبوي يتحول الدين إلى هوية جماعية مغلقة، أكثر من كونه خبرة روحية تحرر الإنسان من الخوف والكراهية والجشع. ويتراجع سؤال المعنى، وتحل محله أسئلة الانتماء والاصطفاف والولاء. عندما يفقد الدين رسالته في بناء الإنسان، يغدو أداة لإنتاج الاستعباد لا لإيقاظ الحرية، ووسيلة لتكريس هوية الجماعة المغلقة لا لتربية الضمير. عندئذ يضمحل البعد الروحي، وتفقد الطقوس غاياتها، وتتحول من وسائل لتغذية الحياة الروحية إلى غايات قائمة بذاتها.

يتضخم رصيد الإنسان في جماعته بمقدار ما يستعرضه من مظاهر للتدين الشعبوي، لا بمقدار ما يتحلى به من فضائل أخلاقية، وما يسمو به من حياة روحية، وما يقدمه من خير للناس. هكذا تنتقل قيمة الإنسان من ضميره وأخلاقه وسلوكه إلى حضوره فيما هو شكلي، وقدرته على إعلان تدينه أمام الجماعة. يغدو الاعتراف الاجتماعي مكافأة يسعى إليها الفرد، أكثر من سعيه إلى بناء حياته الروحية والارتقاء بإنسانيته. كلما اتسع حضور الإنسان في مهرجانات الشعائر، ارتفعت مكانته في الجماعة، وإن افتقر ضميره إلى الحس الأخلاقي.

لا يسأل الجمهور عما يفعله التدين في أعماق الإنسان، وما يحدثه في أخلاقه وصلته بالآخر، لأنه يكتفي بما يراه من مظهره، ويمنحه المكانة على أساس قدرته على الاستعراض. عندئذ يعيش الإنسان تحت نظر الجماعة أكثر مما يعيش في حضرة الله، ويحرص على صناعة صورته في عيون الناس أكثر من حرصه على تهذيب قلبه وإيقاظ ضميره. يتحول التدين إلى أداء اجتماعي يطلب به الفرد الاعتراف والوجاهة، وتفقد الخبرة الروحية صدقها، لأن ما لا يغير حياة الإنسان من الداخل، ولا يسمو بأخلاقه، ولا يثمر خيرًا ورحمةً، يظل مظهرًا خاليًا من الروح.

كلما اشتد حضور التدين الشعبوي، اضمحلت مساحة التفكير الحر، واتسعت سلطة الأوهام، وغدا الإنسان أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على مساءلة ما تفرضه الجماعة عليه باسم الدين. يستبدل التدين الشعبوي السؤال بالتلقين، والتفكير بالامتثال، والضمير الفردي بضمير الجماعة، حتى يفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجمهور، ويفكر بعقله، وينفعل بمشاعره. لا يريد التدين الشعبوي عقلًا يقظًا، لأن العقل اليقظ يسأل ويفكر وينقد ويمحص، فيما تحتاج الشعبوية إلى عقل مشلول يتلقى الأجوبة الجاهزة، ويطمئن إلى الشعارات، ويخشى كل سؤال يزعزع ما لقنته الجماعة له.

تعادي الشعبوية التفكير، لأنه يكشف تهافت مقولاتها ومصالح دعاتها، لذلك تتغذى على الانفعال، وتستبدل التفكير بالغضب، والحجة بالهتاف، والمعرفة بالشائعة، وتصنع عدوًا دائمًا لتعبئة الجمهور وإدامة ولائه. كلما اشتد الانفعال تراجعت قدرة الإنسان على التمييز، وغدا أكثر استعدادًا للتدجين. هكذا تتحول الجماعة إلى مرجعية للحقيقة، ويصير الولاء لها معيارًا للإيمان، ويفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجماعة، ويفكر بعقلها، وينفعل بمشاعرها، حتى يغدو الاختلاف معها خروجًا على الدين.

يكرر التدين الشعبوي الشعارات والمقولات ذاتها، حتى تقيم في اللاشعور، ويحسبها الإنسان حقائق نهائية لا تقبل السؤال والمراجعة. التكرار المتواصل لا يوقظ الإيمان، وإنما يعطل التفكير، ويمنح الوهم سلطة الحقيقة، ويحول التلقين إلى يقين زائف. عندما يخدر العقل، يعجز الإنسان عن رؤية تناقضات هذا التدين، ويفقد القدرة على التمييز بين الدين واستغلاله، وبين حضور الله وسلطة مَن يتكلمون باسمه، وبين الإيمان الصادق والانفعال الجمعي.

لا تنبعث الحياة الروحية في الضجيج والاستعراض، لأنها تحتاج إلى قلب يقظ، وضمير حي، وصمت يتيح للإنسان أن ينصت إلى نداء المعنى في أعماقه. حين تتحول الشعائر إلى مهرجانات جماعية، تفقد قدرتها على تغذية الروح، ويغدو الانفعال بديلًا عن الخبرة الروحية، والهتاف بديلًا عن المناجاة، والامتثال للجماعة بديلًا عن الصلة الصادقة بالله. لا يقود التدين الشعبوي الإنسان إلى الله، بعد أن يحجب حضوره بكثافة الأوهام، ويجعل المقدس وقودًا للاستقطاب والتعبئة.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=387813

 

أسلمة الفلسفة ليست فلسفة

د. عبد الجبار الرفاعي

الفلسفة لن تموت ما دام هناك إنسان يطرح الأسئلة الكبرى ولا يجد لها جوابًا نهائيًا. كل شيء في الفلسفة يخضع لمساءلة العقل ونقده وتمحيصه، حتى العقل نفسه؛ لأنه يراجع مفاهيمه، ويغربل أحكامه، ويمتحن طريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لطبيعة معرفته ومصادرها وقيمتها. لا يضع الحدود للعقل إلا العقل؛ فهو يرسم حدود فضائه، ويحدد ما يقع داخله، ويبين ما يتعذر عليه بلوغه خارجه. لا يتحقق التفكير الفلسفي إلا حين يفكر الإنسان خارج الإطار الاعتقادي لدينه، مهما كان هذا الدين. المقصود أن يحرر تفكيره من سلطة معتقداته المسبقة، ويخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص، ولا يعني ذلك التخلي عن انتمائه الديني. إذا أراد البوذي أن يفكر فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي ذلك، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وكذلك المسلم وسواه من أتباع الأديان.

ليس هناك فلسفة بوذية أو هندوسية أو يهودية أو مسيحية أو إسلامية، ولا أية فلسفة تستمد هويتها المعرفية من دين. هناك فلسفات نشأت وتطورت في مجتمعات بوذية وهندوسية ويهودية ومسيحية وإسلامية، وتأثرت بلغاتها وثقافاتها وأسئلتها الدينية. تحيل هذه التسميات إلى السياق التاريخي والثقافي الذي ظهرت فيه الفلسفة، ولا تحدد هويتها المعرفية ومنهجها في التفكير. الفلسفة تفكير عقلي حر، لا تستمد مشروعيتها من عقيدة، ولا تخضع لمرجعية دينية نهائية. حين تخضع الفلسفة لحدود العقيدة، وتكرس أدواتها للدفاع عن مسلماتها، تفقد وطيفتها الفلسفية. الدين يمكن أن يكون موضوعًا للتفكير الفلسفي، غير أنه لا يرسم حدوده ولا يقرر نتائجه.

تكمن فرادة العقل الفلسفي في سعيه المتواصل للتحرر من المرجعيات والتحيزات الواعية التي تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، وإخضاعها للنقد والمساءلة. لا ينفي ذلك تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، وهو أمر ماثل لكل قارئ متمرس في الفلسفة، ولا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية الملازمة لكل إنسان، وما يصدر منها عن البنية النفسية لشخصية الفيلسوف، ونمط تنشئته في أسرته ومجتمعه، وما ترسب في أعماقه من أحكام مسبقة. أتحدث هنا عن التحيزات الواعية التي تفرضها المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة، ولا أتحدث عن التحيزات اللاواعية التي تعكسها البنية العميقة للإنسان؛ إذ يتعذر التحرر الكامل من تأثيرها، وإن أمكن الكشف عن شيء منها والحد من سلطتها.

علاقة الفلسفة باللاهوت ديناميكية؛ فمثلما يتغذى اللاهوت بالفلسفة ويتجدد بها، تتغذى الفلسفة بالسؤال اللاهوتي، وتتسع آفاقها وتتنوع حججها. يبحث السؤال اللاهوتي عن يقينيات لا يظفر بها، مهما توالدت الأجوبة وتواصلت الاستدلالات؛ فهو سؤال مفتوح، وكل سؤال مفتوح منجم متجدد للتفلسف. كلما ابتعد اللاهوت عن الفلسفة وقع فريسة لتفشي اللامعقول، ودخل في سبات يتعطل فيه العقل وتتغول الأوهام. لا يضع اللاهوت في حدوده ويحميه من الأوهام إلا العقلانية الفلسفية النقدية، ولا يتجدد إلا بإعادة النظر في الحقيقة الدينية وتأملها بعين فلسفية.

لغة الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآة لحدوده وآفاقه. لا تتكلم الفلسفة لغة اللاهوت والمتخيل والأسطورة واللامعقول؛ فلكل حقل معرفي لغته الخاصة في التعبير عن العالم وتعريف الإنسان لوجوده. لا تلتهم لغة الفلسفة ومفاهيمها لغة اللاهوت ومفاهيمه، ولا تحل محل لغة المتخيل والميثولوجيا واللامعقول. يظل العقل معيارًا وسلطة على كل ضرب من أنشطة الذهن، مهما كان. حين تستعير الكتابة معجم الفلسفة، وتحتفظ في أعماقها برؤية علم الكلام ومقدماته، تغدو لاهوتًا متنكرًا يتحدث بلغة الفلسفة، فيما يظل وفيًا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة. عندئذ تفقد المفاهيم ومصطلحاتها قدرتها على توليد الأسئلة، وتتحول إلى أقنعة لغوية تضفي على الإجابات الموروثة مظهرًا فلسفيًا، وتحجب بنيتها الاعتقادية المغلقة.

يجري توظيف علم الكلام والتصوف داخل الفلسفة، كما يجري التفكير في فلسفة الدين بعقل كلامي أو فقهي، وهذا ينقض طبيعتها، ويتجاهل أن فلسفة الدين تفكير عقلي في الدين، لا دفاع لاهوتي عن معتقداته. يتفشى هذا النمط اليوم في الفكر العربي، كما نقرأ لدى من يعالجون التعددية الدينية واحتكار النجاة بعقل المتكلم أو الفقيه؛ إذ ينشدون الدفاع عن مسلمات متوارثة، وتبرير ما تتضمنه النصوص الدينية وتفسيراتها عبر العصور، وقبوله كما هو، بدل إخضاعه للتمحيص والنقد. لا ينشغل هؤلاء بالتفكير الفلسفي في الدين، المتمحور حول تفسير الظاهرة عقليًا، وتمحيص الأدلة على المعتقدات الدينية، ومساءلة سياقاتها وظروفها التاريخية ودلالاتها الإنسانية، وما تعكسه من ظروف المجتمع الذي ولد فيه الدين، وما أنتجه المتخيل الفعال للجماعات التي اعتنقته، وعاشت تحت إكراهات الواقع وتحولاته المتواصلة.

من مظاهر تفريغ الفلسفة من مضمونها البدء بمقدمات فلسفية ومنطقية، والانتهاء إلى نتائج لاهوتية، بغية ترسيخ اليقين بمسلمات اللاهوت وعلم الكلام، وكف العقل عن إثارة الأسئلة. لا تتحدد فلسفية التفكير بالمصطلحات التي يستعملها، ولا بالمقدمات التي ينطلق منها، وإنما بطريقة بناء الأسئلة، وفحص الأدلة وتمحيصها، واستقلال النتائج عن المعتقدات المسبقة. الفلسفة ضرب من التفكير العقلي خارج سلطة اللاهوت، لا تخضع لإجاباته النهائية، ولا تتوقف عند حدوده. تكشف لغتها ومصطلحاتها عن خارطة العقل، وتعكس حدوده وآفاقه، وتمنحه القدرة على مراجعة مسلماته ونقد أدواته ونتائجه. حين تتحول الفلسفة إلى وسيلة لتبرير يقين سابق، تفقد وظيفتها النقدية، ويغدو العقل أداة للدفاع عن المعتقد، بعد أن كان أفقًا حرًا للسؤال والتفكير.

يتسيد الكتابة الفلسفية بالعربية تفكير لاهوتي يكتب الفلسفة برؤية علم الكلام للعالم وأدواته ومقولاته، وذوق صوفي يكتبها في مرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعة لدى جماعة من المفكرين الذين نحتوا لأنفسهم أسماء كبيرة، وأغرم بهم شباب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتاباتهم مواقع متقدمة في الجامعات والدراسات العليا، مع أنهم يفكرون في الفلسفة بعقل كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصوغون مقولات كلامية ويصدرون فتاوى فقهية لا صلة لها بالتفكير الفلسفي، وإن تنكرت بلغة الفلاسفة، وتحدثت بمصطلحاتهم، وحاكت أساليبهم في التعبير. يتكلم هؤلاء بلغة تحاكي لغة الفلسفة، غير أن تفكيرهم يقع خارجها ويقف ضدها.

يعود إغواء لغة هؤلاء إلى توكئهم على مصطلحات الفلسفة ومفاهيمها، وفلسفة المنطق، وفلسفة اللغة، والألسنيات، والعلوم الإنسانية الحديثة. يوظفون معطيات معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت ونتائجه في نقد عقل التنوير، ويستعيرون آراء فلاسفة ما بعد الحداثة ومقولاتهم في كتاباتهم. الغريب أنهم يكررون الحديث عن ضرورة الانتباه إلى بصمة البيئة والسياقات التاريخية والمعرفية التي ولدت فيها المقولات والآراء، ثم يسمحون لأنفسهم بانتقاء ما يعزز قناعاتهم المسبقة، من دون اكتراث بسياقاته ودلالاته الأصلية. يعملون بمراوغة على تفريغ هذه المفاهيم من دلالاتها، وتعبئتها بمضامين تراثية غريبة عنها.

لا يحتفظ المفهوم الفلسفي بدلالته حين يجتزئه الكاتب من منظومته الكلية ويبتره عن سياقه المعرفي؛ المفهوم يستمد معناه من شبكة المفاهيم التي ينتمي إليها، ومن الأسئلة التي ولد في فضائها. لا يمكن نقله إلى سياق آخر وتعبئته بمضمون مضاد له من دون أن تتبدل دلالته ووظيفته. حين يحدث ذلك، يفقد المفهوم هويته الفلسفية، ويتحول إلى وعاء لغوي لمقولات، لا صلة لها بأفقه المعرفي ودلالاته الأصلية.

يظل العقل معيارًا وسلطة على كل ضرب من أنشطة الذهن، مهما كان. قراءة الفلسفة بأفق أيديولوجي تنتج أيديولوجيا، وقراءتها بأفق لاهوتي تنتج لاهوتًا، وقراءتها بأفق كلامي تنتج علم كلام، وقراءتها بأفق اعتقادي تنتج عقيدة، وقراءتها بأفق فقهي تنتج فقهًا، حتى قراءتها بأفق العلم الطبيعي تنتج معرفة علموية. الأفق الذي يقرأ فيه النص هو الذي يحدد أسئلته ومنهجه ونتائجه؛ فمجرد الاشتغال بالنصوص الفلسفية، واستعمال مفاهيمها ومصطلحاتها، لا ينتج فلسفة. لا ينتج الفلسفة إلا العقل الفلسفي النقدي الذي لا يخضع لمرجعية سابقة عليه. لا تتحقق قراءة الفلسفة إلا بأفق فلسفي يحرر العقل من الإجابات الجاهزة، ويفتح النص على السؤال والنقد وإمكانات الفهم المتجددة.

الفلسفة تحرر العقل من المرجعيات القبلية والقيود والحدود والأسوار، فيما تحدد الأيديولوجيات للعقل ما يفكر فيه، وترسم له النتائج قبل أن يبدأ التفكير، ولا تسمح له بالخروج من فضائها وحدودها. يبدأ التفكير الفلسفي بالسؤال، وتبدأ الأيديولوجيا بالجواب؛ الفلسفة تدرب الإنسان على الشك والمراجعة ونقد المسلمات، والأيديولوجيا تلقنه معتقداتها، وتطالبه بالتسليم لها والدفاع عنها. لا تمنح الفلسفة العقل خارطة مغلقة للعالم، ولا تفرض عليه طريقًا واحدًا للوصول إلى الحقيقة، فهي تعلمه أن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها مذهب أو جماعة، وأن المعرفة البشرية نسبية متحولة، وأن كل جواب يمكن أن يولد سؤالًا جديدًا. الأيديولوجيا تخشى السؤال، خاصة حين يقترب من مقدماتها المؤسسة، فتضع خطوطًا حمراء أمام العقل، وتحول معتقداتها إلى يقينيات نهائية لا يجوز نقدها.

عندما يخضع العقل للأيديولوجيا يفقد استقلاله، ويصير دوره تسويغ ما تقرر سلفًا، وانتقاء الأدلة التي تؤيدها، واستبعاد كل ما يزعزع صورتها المغلقة للعالم. الفلسفة لا تعد الإنسان بالطمأنينة، ولا تحميه من قلق التفكير، لكنها تمنحه شجاعة استعمال عقله، والقدرة على التحرر من الوصايات، ورؤية العالم خارج الأقفاص التي تصنعها الجماعة والعقيدة والمذهب. تعني حرية العقل أن تكون المعايير نفسها موضوعًا للفحص والنقد والمراجعة. العقل الفلسفي لا يقدس الأفكار مهما كانت، ولا يخجل من التخلي عنها عندما ينكشف له خطؤها، ولا يرى في اختلاف تفكير الآخر تهديدًا لوجوده. بهذا المعنى، تحرر الفلسفة الإنسان من الاستسلام للأجوبة الجاهزة، وتعيد إليه حقه في السؤال، وحقه في الاختلاف، وحقه في بناء فهمه للعالم ولنفسه.

إلباس الفلسفة غطاءً دينيًا يفضي إلى أدلجتها، والأدلجة الدينية للفلسفة في المجال الإسلامي تعني أسلمتها. تبدأ الأسلمة حين تفرض العقيدة على العقل مقدمات ونتائج مقررة سلفًا، ثم تستدعي من الفلسفة ما يسوغها، وتستبعد منها ما يتعارض معها. عندئذ لا يعود العقل باحثًا حرًا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى أداة للدفاع عن معتقدات الجماعة وحماية هويتها. تنتقي الأسلمة من المذاهب الفلسفية ما يوافق مرجعيتها، وتعيد تفسير ما لا يوافقها، وتحكم على الأفكار بمعيار الحلال والحرام، والإيمان والكفر، بدلًا من فحصها بمعايير الاتساق العقلي وقوة الحجة والقدرة على التفسير. هكذا تفقد الفلسفة استقلالها، ويغدو السؤال مقيدًا بحدود الإجابة المسموح بها، ويصير النقد مشروعًا ما دام موجها إلى أفكار الآخرين، ومحظورًا عندما يقترب من المعتقدات الموروثة. لا تكتفي الأسلمة بتوظيف الفلسفة، وإنما تعيد تشكيل وظيفتها؛ فبعد أن كانت تفكيرًا حرًا في الإنسان والعالم والوجود، تتحول إلى خطاب اعتذاري يسعى إلى إثبات تفوق العقيدة، ومنحها شرعية عقلية، والدفاع عن يقينياتها. الفلسفة لا تكون فلسفة إلا حين يتحرر العقل من الوصايات الدينية وغيرها، ويظل قادرًا على مساءلة كل مرجعياته ومقدماته ونتائجه بلا أسوار دينية أو مذهبية أو أيديولوجية.

شهدت الفلسفة في الإسلام، في مختلف العصور، محاولات لأسلمتها، وفي عصرنا صدر أكثر من كتاب لأعلام معروفين سعوا إلى وضع بصمة هوية إسلامية لها. أسلمة الفلسفة ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، وإن كان من يدعو إليها عبقريًا، وهذا ليس غريبًا؛ فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًا فذًا في مجال يقظ من عقله، وعلى الضد من ذلك في مجال آخر نائم منه، تحكمه المسلمات الموروثة، ويعجز فيه عن ممارسة التفكير النقدي الذي يمارسه في مجالات أخرى. يتراجع العقل وينزاح تدريجيًا حين يتسع فضاؤه النائم، حتى يعطّل ما هو يقظ فيه. تدهشك قدرة عقله اليقظ على توظيف المغالطات المنطقية في الاستدلال على أوهام عقله النائم. يتطلب تفسير المراوغات الذهنية والمغالطات المنطقية في تفكير العباقرة الانتباه إلى حضور هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. ذلك هو السر الذي يجعل بعضهم يبدأ بمقدمات عقلية وينتهي إلى نتائج تنقض المقدمات، أو يشرع في التفكير الفلسفي الحر، ثم ينتهي إلى يقين مغلق يدحض مقدماته الأولى[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

https://alsabaah.iq/135470-.html

احياء حسن حنفي وتجديد عبد الجبار الرفاعي

بهاء سوادي[1]

تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.

ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.

أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.

غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.

في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.

يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.

أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.

في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.

من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: “لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم”. غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.

نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.

في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو “التجديد الديني” يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.

[1] طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

https://al-aalem.com/%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%AD%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7/

 

مشروع عبد الجبار الرفاعي

قراءة تفكيكية في الدين والإنسان والمعنى

 د. تحسين الشيخلي *

أبتعد اليوم عما دأبت عليه في السنوات الأخيرة من الانشغال بالأنظمة الذكية والتحولات الرقمية، وما تفتحه التقنية من أسئلة حول الإنسان والعقل والمستقبل، لأعود إلى حقل لا يقل تعقيدًا وخطورة، هو حقل الدين والمعنى وتأويل المقدس. والعودة هنا ليست انتقالًا من سؤال إلى آخر، بقدر ما هي عودة إلى الجذر الذي تتفرع منه أسئلة الإنسان كلها: كيف نفهم وجودنا؟ وكيف يتشكل معنى العالم في وعينا؟ وكيف تتحول النصوص من كلمات مقروءة إلى سلطات ورؤى ومؤسسات وأنماط عيش؟

وقبل أن أدخل في هذه القراءة، أود الإشارة إلى ملاحظة أراها ضرورية. قد يتساءل بعض الأصدقاء: ما الذي يدفع رجلًا جاء من عالم علوم الحاسوب والهندسة إلى قراءة مشروع في علم الكلام الجديد؟ وهو سؤال مشروع، غير أنه يفترض أن الأفكار الكبرى لا يجوز الاقتراب منها إلا من داخل حدود التخصص الضيقة، وأنا لا أشارك في هذا الافتراض.

لا أكتب هذه القراءة بوصفي متكلمًا أو فقيهًا أو متخصصًا في الدراسات الدينية، ولا أناقش مسائل العقيدة من داخل علم الكلام التقليدي، وإنما أقرأ مشروعًا فكريًا من منظور الفلسفة ونقد الخطاب والتفكيك، وهي أدوات لا تقل شرعية في مقاربة المشاريع الفكرية الكبرى. وحين يتحول علم الكلام الجديد إلى مشروع فلسفي يستعين بالهرمنيوطيقا وفلسفة الدين والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية، فإنه يغادر بطبيعته حدود التخصص المغلق، ويدعو إلى حوار متعدد الحقول.

لعل خلفيتي العلمية نفسها منحتني حساسية خاصة في قراءة البنى المعرفية، وكيف تتشكل المفاهيم، وكيف تعمل الأنظمة الفكرية، وما الذي تفترضه مقدماتها قبل أن تعلن نتائجها. لا أبحث هنا عن صحة قضية كلامية أو خطئها، وإنما أحاول تفكيك منطق الخطاب نفسه، والكشف عن افتراضاته وحدوده وإمكاناته، وهذا هو مجال الفلسفة بامتياز. لقد تعلمت خلال سنوات دراستي في فرنسا أن الفكر لا يعترف بالحدود الصارمة بين التخصصات، وأن الفلسفة كانت، ولا تزال، مساحة يلتقي فيها الفيزيائي بعالم الاجتماع، والمهندس باللاهوتي، والمؤرخ بعالم اللغة. فالأفكار الكبرى لا تنتمي إلى أصحاب الاختصاص وحدهم، وإنما إلى كل من يمتلك أدوات قراءتها قراءة رصينة ومسؤولة.

من هنا، ليست هذه المقالة محاولة للحديث باسم علم الكلام، وإنما هي محاولة للحوار مع أحد أبرز مشاريعه المعاصرة، بالاستفادة من أدوات التفكيك الفلسفي التي أجدها قادرة على الكشف عما تقوله النصوص، وما تؤجله، وما تفترضه، وما تتركه مفتوحًا أمام القارئ. أفعل ذلك وأنا أقرأ مشروع صديقي، المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من دون أن أتعامل معه مشروعًا مكتملًا ينبغي الاحتفاء به من خارجه، أو خصمًا فكريًا ينبغي نقضه، وإنما نصًا حيًا يستحق أن ندخل معه في حوار عميق، وأن نفكك منطقه الداخلي، ونستخرج توتراته، وننصت إلى ما يقوله وما يتعذر عليه قوله في الوقت نفسه. إن تكريم مشروع فكري كبير لا يكون بتحويله إلى موضوع للمديح، وإنما بجعله قادرًا على تحمل الأسئلة التي يثيرها، وربما الأسئلة التي يحاول تأجيلها أيضًا.

ينطلق الرفاعي في مشروعه من تشخيص واضح لمأزق علم الكلام القديم. لا يكتفي بالدعوة إلى إدخال مسائل جديدة في منظومته، وإنما يطالب بتجديد موضوعاته وأهدافه ومناهجه ولغته ومبانيه وهندسته المعرفية. كما يميز بوضوح بين الإحياء والإصلاح والتجديد؛ فالإحياء عنده يعيد القديم كما كان، والإصلاح يرمم البناء من دون أن يمس أسسه العميقة، أما التجديد فهو تفكيك البنية التحتية التي أنتجت معارف الدين، ثم إعادة بنائها في ضوء الفلسفات والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة.

يجعل الرفاعي “الفهم الجديد للوحي” معيارًا للتمييز بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد. ليست هذه النقلة بسيطة في بيئة اعتادت أن تنظر إلى علوم الدين الموروثة وكأنها امتداد مباشر للمقدس ذاته. تكمن أهمية مشروع الرفاعي في فصله بين نص الكتاب المقدس والأدوات البشرية التي أنتجت فهمه التاريخي، وتأكيده أن مناهج التفكير ونظريات المعرفة وأدوات النظر التي صاغت معارف الدين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية مشروطة بزمانها وثقافتها. من هنا يفتح نافذة واسعة لإعادة التفكير في التراث، لا باعتباره كتلة واحدة ينبغي قبولها أو رفضها، وإنما مجالًا للصراع بين ما هو حي ومحيي، وما هو ميت ومميت.

القراءة التفكيكية لا تتوقف عند الإقرار بهذه الجرأة، وإنما تبدأ منها. إنها تسأل: هل ينجح المشروع بالفعل في مغادرة البنية التي ينتقدها، أم أنه يعيد إنتاج بعض افتراضاتها بلغة جديدة؟ هل يكفي أن نستبدل أدوات علم الكلام القديم بأدوات الهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وفلسفة الدين لنكون قد غادرنا منطقه؟ أم أن المركز القديم قد يتراجع اسمه ويعود في صورة مركز آخر، أكثر مرونة وجمالًا وإنسانية، لكنه يظل مركزًا يتحكم في إنتاج المعنى؟ التفكيك، كما تعلمناه من دريدا، لا يعني هدم النص من خارجه، ولا البحث عن ثغرات لغوية لإسقاطه، وإنما يعني تتبع الحركة التي يعمل بها النص ضد استقراره المعلن. كل نص يؤسس نظامه على تمييزات: أصل وفرع، حضور وغياب، حقيقة وتأويل، دين وتدين، مقدس وبشري، حي وميت، جوهر وعرض. لكنه لا يستطيع المحافظة على نقاء هذه الحدود إلى النهاية؛ فكل طرف يحتاج إلى الآخر ليتحدد، ثم يتسرب الآخر إليه ويزعزع استقلاله. النص يقول شيئًا، لكن طريقة قوله تفتح إمكانًا يتجاوز ما يريد تثبيته.

 

يمكن أن نبدأ بالسؤال عن التمييز المركزي في مشروع الرفاعي بين الدين ومعارف الدين، أو بين المقدس وفهم البشر للمقدس. هذا التمييز ضروري للتحرر من هيمنة التراث؛ إذ ينزع القداسة عن الفقه والكلام والتفسير والتصوف، ويعيدها إلى مصدرها. لكنه يفترض، في الوقت نفسه، إمكان وجود دين خلف تراكمات الفهم التاريخي، دين يمكن إعادة اكتشاف وظيفته الأصلية في إمداد الحياة بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. هنا تتقدم القراءة التفكيكية لتسأل: أين يوجد هذا الدين قبل أن يتحول إلى فهم ولغة وتأويل؟ كيف يمكن الوصول إليه خارج الوسائط البشرية التي يظهر من خلالها؟ وهل نستطيع التمييز بالفعل بين الدين في ذاته وأشكال حضوره في التاريخ؟

لا نعرف الدين إلا عندما يدخل اللغة، ولا يصل النص إلينا إلا عبر قراءة، ولا تتحول التجربة الروحية إلى معنى إلا عندما تسكن رمزًا، أو حكاية، أو مفهومًا، أو طقسًا. التأويل ليس مجرد غطاء بشري يضاف لاحقًا إلى حقيقة دينية مكتملة، وإنما هو أحد شروط ظهورها لنا. لا يعني هذا إنكار وجود الوحي أو اختزاله إلى اللغة، وإنما يعني أن حضور الوحي في العالم البشري لا يحدث خارج التاريخ واللسان والذاكرة والتلقي. وبذلك تصبح الحدود بين المقدس وتأويله أقل صلابة مما تبدو عليه. حين يقول الرفاعي إن كل عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدسة، فإنه يضع بيده المبدأ الذي يمكن أن يزعزع فكرة المعنى الأصيل القابل للاستعادة. فإذا كان كل عصر ينتج فهمه، فإن المعنى لا يكون وديعة ساكنة داخل النص تنتظر قارئًا أكثر كفاءة ليستخرجها، وإنما يكون حدثًا يتشكل في العلاقة المتغيرة بين النص والقارئ والتاريخ. وعندئذ يتحول السؤال من: ما المعنى الحقيقي الذي ينبغي استرداده؟ إلى: كيف ينتج المعنى في كل مرة؟ ومن يملك شروط إنتاجه؟ وما السلطات والمؤسسات واللغات التي تسمح لبعض المعاني بالظهور، وتدفع معاني أخرى إلى الهامش أو الصمت؟

الرفاعي واع بسلطة إنتاج المعنى، ومن هنا يمنح المتخيل الديني مكانة أساسية في مشروعه. ويرى أن من يمتلك وسائل إنتاج هذا المتخيل يمتلك السلطة والتحكم في حاضر الناس ومستقبلهم، وأن المقدس نفسه يتسع تاريخيًا تحت تأثيره. وهذه واحدة من أخصب أفكار المشروع؛ إذ تنقل النقاش من مضمون المعتقد إلى الشروط الثقافية والنفسية والسياسية التي تصنع حضوره. غير أن التفكيك يدفع بهذه الفكرة إلى مداها الأبعد: إذا كان المتخيل يسهم في تكوين المقدس واتساعه، فهل يبقى بالإمكان رسم حد نهائي بين ما هو مقدس في ذاته وما أنتجته المخيلة الدينية؟ وهل المتخيل مجرد غشاوة ينبغي للعقل النقدي أن يضعها في حدودها، أم أنه عنصر لا غنى عنه في كل علاقة بالمقدس؟

ليس الإنسان كائنًا يعيش بالمفاهيم العقلية وحدها، فهو يسكن الاستعارات والرموز والصور والطقوس والذكريات المؤسسة. حتى أكثر الخطابات عقلانية لا تعمل من دون متخيل خاص بها. العقلانية نفسها قد تبني صورة خلاصية عن العقل، والحداثة قد تنتج أساطيرها، والتجديد قد يتخيل أصلًا نقيًا أو مستقبلًا متصالحًا لم يوجد قط. ومن ثم، ليس المطلوب وضع المتخيل في مقابل العقل، كأن الأول مصدر التضليل والثاني مصدر الخلاص، وإنما تفكيك الطريقة التي يسكن بها المتخيل كل ممارسة عقلية، بما فيها ممارسة التجديد نفسها.

يعلن الرفاعي أن بوصلة التجديد هي إعادة تعريف الإنسان والدين ووظيفة الدين، وأن ما يمكن للدين أن يقدمه يتمثل في إشباع الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجمالية، ومنح الروح السكينة، والقلب الطمأنينة، والحياة الرحمة والرفق. ويذهب إلى أن ما يقع خارج ذلك ينبغي أن يستمده الإنسان من العقل والعلوم والمعارف والخبرات البشرية. تمثل هذه الرؤية انقلابًا إنسانيًا على لاهوت الهيمنة الذي جعل الإنسان تابعًا للمؤسسة والعقيدة والسلطة. إنها تنقل مركز الاهتمام من الدفاع عن المعتقدات إلى حماية الحياة الداخلية للإنسان، ومن تضخم الدين في المجالين السياسي والاجتماعي إلى استعادته أفقًا للمعنى.

لكن السؤال التفكيكي هنا هو: من الإنسان الذي يصبح بوصلة للتجديد؟ وهل “الإنسان” مفهوم محايد ومستقر، أم أنه بدوره نتاج تاريخي وفلسفي؟ حين نعيد تعريف الدين انطلاقًا من احتياجات الإنسان، فإننا نفترض تصورًا سابقًا لماهية الإنسان واحتياجاته الأصيلة. لكن الإنسان ليس جوهرًا واحدًا يظل ثابتًا عبر الثقافات والعصور. حتى مفاهيم الروح والسكينة والجمال والكرامة والحرية ليست خارج التاريخ، فدلالاتها تتغير وخبراتها تتعدد.

ربما يكون مشروع الرفاعي قد انتقل من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان، لكنه لم يتخل تماما عن الحاجة إلى المركز، والمركز الجديد، وإن كان أكثر إنسانية من المركز القديم، يظل معرضًا لأن ينتج استبعاده الخاص. فمن يحدد حاجات الإنسان الروحية؟ وما الذي يجعل تجربة دينية ما أصيلة وأخرى زائفة؟ وما معيار التمييز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”؟ لا شك في أن التمييز بينهما يمتلك قيمة أخلاقية وتحررية واضحة، خاصة حين يتحول التصوف إلى طاعة عمياء لشيخ الطريقة واستسلام يفتك باستقلال الفرد. لكن كل ثنائية من هذا النوع تحتاج بدورها إلى تفكيك؛ فالحرية قد تنشأ، في أغلب الأحيان، داخل تقاليد الطاعة، كما قد تتحول خطابات التحرر نفسها إلى سلطات رمزية جديدة.

لا يقلل هذا من أهمية الانحياز الأخلاقي في مشروع الرفاعي، ويكشف الرهان العميق الكامن فيه. فهو لا يقدم نظرية وصفية محايدة في الدين، إذ ينحاز إلى صورة محددة له: دين الرحمة والحب والسلام والكرامة والمعنى والجمال. هذا الانحياز مصدر قوة المشروع، ويمثل في الوقت نفسه افتراضه الذي ينبغي التصريح به. المشروع لا يستخرج هذه القيم من النصوص وحدها؛ إذ يدخل إليها حاملًا حساسية أخلاقية حديثة، تشكلت تحت تأثير فلسفات الإنسان والحرية والحقوق والكرامة. إنه يعيد قراءة الدين من داخل أفق إنساني معاصر، لا من خارج كل أفق. هنا لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر على أنه نقص ينبغي إخفاؤه، على العكس، تصبح قوة المشروع أكبر عندما يعترف بأن التجديد ليس اكتشافًا لمعنى صاف كان موجودًا منذ البداية، وإنما هو إنتاج مسؤول لمعنى ديني يحتاجه الإنسان اليوم. والفرق مهم بين من يزعم أنه يستعيد الجوهر الأبدي للدين، ومن يقر بأنه يدخل في عملية تأويل تاريخية وأخلاقية لا تستطيع الادعاء بأنها الكلمة الأخيرة.

إن رؤية “الفهم الجديد للوحي”، التي يجعلها الرفاعي معيارًا لعلم الكلام الجديد، تحمل في داخلها هذا التوتر. فالجديد لا يكون جديدًا إلا إذا اختلف عن القديم، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل فهمًا للوحي ذاته. وهذا يعني أن المشروع يتحرك بين الوفاء والاختلاف، بين المحافظة على هوية المرجع وتغيير نظام دلالاته. لا يمكنه الانفصال تماما عن القديم، وإلا فقد اسمه كلامًا دينيًا، ولا يمكنه البقاء داخله، وإلا تحول إلى تكرار. إنه يقيم في منطقة برزخية، لا تنتمي بكلياتها إلى التراث ولا تنفصل عنه، ولا تذوب في فلسفة الدين الحديثة ولا تبقى أسيرة لعلم الكلام الموروث. هذه المنطقة الوسطى ليست عيبًا، فهي موضع الخصوبة الحقيقي في المشروع.

غير أن الخطابات التجديدية تميل عادة إلى إخفاء هذا التردد، إذ تحتاج إلى رسم حدود واضحة بين القديم والجديد. يعيد التفكيك الاعتبار إلى التردد، لا باعتباره ضعفًا، فهو اعتراف باستحالة القطع النهائي مع ما ننتقده. نحن لا نغادر التراث كما يغادر المرء بيتًا قديمًا؛ فاللغة التي ننتقده بها مشبعة بآثاره، والأسئلة التي نوجهها إليه ولدت في داخله أو في الصراع معه. كما أننا لا نستورد الحداثة أداة محايدة؛ فالهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة الغربية تحمل هي الأخرى تاريخها وتحولاتها ومركزياتها وأزماتها.

عندما يدعو الرفاعي إلى توظيف الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة في قراءة النص الديني، فإنه يقوم بخطوة ضرورية، لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا: هل هذه العلوم أدوات خارجية نستخدم منها ما يصلح ثم نعيدها إلى مكانها، أم أنها خطابات تعيد تشكيل موضوعها بمجرد دخولها إليه؟ لا يمكن للأنثروبولوجيا أن تدرس الدين من دون أن تغير مفهومنا عنه، ولا يمكن للتحليل النفسي أن يقترب من التجربة الروحية من دون أن يعيد توزيع العلاقة بين الوعي واللاشعور والرغبة والرمز. كذلك لا تدخل الهرمنيوطيقا إلى التفسير أداة كالمطرقة أو المجهر، فهي تمثل تحولًا في مفهوم الحقيقة والفهم واللغة. من هنا يبدو مشروع الرفاعي أكثر ثورية مما يصرح به في الغالب. فالقبول الحقيقي بهذه المناهج لا يقتصر على تغيير أجوبة علم الكلام، وإنما يغير طبيعة أسئلته وحدود موضوعه، وربما يزعزع اسمه نفسه. وقد لا تنتهي العملية إلى “علم كلام جديد” بالمعنى الدقيق، وإنما إلى حقل يقع بين فلسفة الدين والهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا واللاهوت والنقد الثقافي. يلاحظ الرفاعي نفسه غياب الحدود الدقيقة بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، لكنه يبقي على اسم علم الكلام، ربما حفاظًا على الصلة بالذاكرة الإسلامية، واستمرارًا للحوار مع المؤسسة الدينية.

غير أن الاسم ليس تفصيلًا بريئًا، فالاحتفاظ باسم “علم الكلام” يمنح المشروع شرعية داخل التراث، لكنه يحمل معه أيضًا آثار تاريخ طويل ارتبط بالدفاع عن العقيدة، وترسيم حدود الإيمان، والفرقة الناجية، والخصم المخالف. فهل يستطيع الاسم القديم احتواء تحول معرفي جذري من دون أن يعيد إخضاعه لذاكرته؟ أم أن الجديد يظل معرضًا لخطر التحول إلى هامش داخل بنية القديم؟ هنا يظهر الاختلاف بين التجديد والتفكيك. التجديد يفترض إمكان إعادة بناء المنظومة على أسس أصلب وأكثر ملاءمة للعصر. أما التفكيك فيتردد أمام فكرة البناء النهائي؛ إذ يرى أن كل بنية جديدة تحمل في داخلها شقوقها، وأن كل مركز يؤسس هامشه، وكل تعريف ينتج ما يستبعده. التجديد يريد نظامًا بديلًا لإنتاج المعنى الديني، بينما يسأل التفكيك: هل يمكن امتلاك نظام يحكم المعنى من دون أن يتحول إلى سلطة جديدة عليه؟

لكن التفكيك الذي أدافع عنه هنا لا يدعو إلى ترك المعنى في فوضى مطلقة، ولا إلى مساواة التأويلات بعضها ببعض. إنه يطالب فقط بأن تظل عملية إنتاج المعنى واعية بحدودها، ومتواضعة أمام ما تستبعده، وقادرة على مراجعة نفسها. لا نحتاج إلى معنى بلا قرار؛ نحتاج إلى قرار يعرف أنه ليس أبديًا. ولا نحتاج إلى تأويل بلا معيار؛ نحتاج إلى معيار أخلاقي لا يدعي أنه خارج التاريخ أو فوق السؤال. في هذا الجانب يلتقي مشروع الرفاعي مع الروح الأعمق للتفكيك، حتى حين يختلف معها فلسفيًا. فالدعوة إلى دين يحمي الكرامة، ويمنح الإنسان الحب والرحمة والسكينة والجمال والسلام، ليست مجرد إعادة تعريف لعلم الكلام؛ إنها مقاومة لأنظمة دلالية استعملت المقدس في إنتاج الخوف والطاعة والإذلال. والتفكيك، في جوهره الأخلاقي، هو أيضًا انحياز إلى من تستبعدهم البنى المغلقة، وإلى الأصوات التي لا يسمح المركز بسماعها.

من هنا لا أقرأ عبد الجبار الرفاعي مجددًا يبحث عن طلاء حديث لبناء قديم؛ أقرأه مفكرًا يحاول نقل الفكر الديني من سؤال: كيف نحمي العقيدة؟ إلى سؤال: كيف نحمي الإنسان من التأويلات التي تحطم روحه وكرامته؟ وهذه النقلة هي الإنجاز الأهم في مشروعه. غير أنه، مثل كل مشروع كبير، يفتح أسئلة تتجاوز الأجوبة التي يقدمها: هل يمكن تحرير الدين من التاريخ من دون أن نفقد تاريخية ظهوره؟ هل نستطيع فصل الوحي عن سلسلة تأويلاته؟ هل الدين أفق للمعنى نعثر عليه، أم أفق نسهم في بنائه باستمرار؟ وهل الانتقال من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان يلغي المركز، أم يمنحه اسمًا جديدًا؟

ربما لا تتمثل قيمة مشروع الرفاعي في تقديم أجوبة نهائية عن هذه الأسئلة؛ إذ تكمن قيمته في جعل طرحها ممكنًا من داخل الثقافة الدينية نفسها. لقد فتح الباب من داخل البيت، لا ليحرقه، ولا ليعيد ترتيب أثاثه فقط، وإنما ليسمح بدخول هواء لم تعتده غرفه المغلقة. أما مهمة القراءة النقدية فهي أن تبقي الباب مفتوحًا، وألا تسمح للغة التجديد بأن تتحول بدورها إلى يقين جديد أو مؤسسة جديدة تحتكر تعريف الدين والإنسان والمعنى.

أكتب هذه القراءة تكريمًا لمشروع صديقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأفهم التكريم هنا اعترافًا بحق المشروع في أن نقرأه بجدية، ونفككه بحب، ونضعه في مواجهة أصعب الأسئلة التي يوقظها. المشاريع الصغيرة وحدها تحتاج إلى المديح كي تبقى، أما المشاريع الحية فتزداد حيوية كلما دخلت في حوار واختلاف.

لعل أفضل ما يمكن قوله عن مشروع الرفاعي أنه لم يعد يسمح لنا بأن نتحدث عن الدين بعده بالطريقة نفسها التي كنا نتحدث بها قبله. غير أن الوفاء الحقيقي لروحه التجديدية يقتضي ألا نتعامل حتى مع مفاهيمه كنهايات. الدين، مثل اللغة، لا يمنح معناه دفعة واحدة، والإنسان لا يستقر في تعريف، والنص لا يغلق أبوابه بعد قراءة واحدة. وما نسميه تجديدًا لا يعني الوصول إلى المعنى الأخير؛ إنه إبقاء المعنى قادرًا على الولادة، وإبقاء السؤال حيًا في وجه كل سلطة تريد أن تعلن أن الكلام قد اكتمل.

 

د. تحسين الشيخلي: أكاديمي عراقي، حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في هندسة المعلوماتية من فرنسا، وأستاذ مشارك في جامعة كينغستون في لندن، ومدير مركز دراسات وبحوث المستقبل في لندن.

 

https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/988702-%D8%AA%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89

 

الشطرة محطة الوعي الأولى

د. عبد الجبار الرفاعي

المدن ذات الشخصية الفريدة تعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته وثقافته وأحلامه. حتى إن بعض الفقهاء غيّر فتاواه تبعًا للمدينة التي توطنها؛ فكان له في العراق مذهب، وفي مصر مذهب آخر. لكل مدينة شخصيتها وروحها وذاكرتها وإيقاعها الثقافي، الإنسان الذكي الحساس يتشكل وعيه على شاكلتها، تبعًا لاستعداده ووعاء شخصيته.

شهدت حياتي أربع محطات أساسية أسهمت في تكوين وعيي وإعادة تشكيل رؤيتي للعالم: كانت الأولى إعدادية أكد في الشطرة، والثانية حوزة النجف، والثالثة حوزة قم، والرابعة بغداد، حيث توطنت بعد عودتي من المنفى، ورأيت في سمائها ألا سماء كسماء وطني.

كانت حياتي في القرية مريرة منذ طفولتي حتى مرحلة المراهقة. لا أتذكر أنني شبعت من طعام في القرية؛ فلم يكن لدينا من الطعام إلا الخبز، وكان الشاي شرابنا الوحيد، وقد أدمنته أمي. كان أبي يذهب على فرسه كل بضعة أشهر إلى سوق مدينة قلعة سكر، التي تبعد عنا خمسة عشر كيلومترًا، فيشتري السكر والشاي والتبغ فقط، ويجلب معه برتقالة واحدة أحيانًا. كنت أشمها طويلًا، وكانت رائحتها أعذب عطر عرفته في تلك الأيام. تحتفظ أمي بقشر البرتقالة، وتجففه وتطحنه، ثم تستعمله دواء لعلاج سوء الهضم وأمراض الجهاز الهضمي. كنت أعتقد أن البرتقال فاكهة طبية خاصة، توصف للعلاج، ولا تؤكل إلا في حالات المرض.

بعد اكمالي الدراسة المتوسطة بمدينة “قلعة سكر” في محافظة ذي قار جنوب العراق، انتقلت إلى مدينة الشطرة، وأقمت فيها ثلاث سنوات حتى تخرجت في الدراسة الثانوية. أول مرة شبعت فيها من الطعام كانت سنة 1971، في إعدادية زراعة أكد في هذه المدينة، حين أقمت في السكن الطلابي المعروف بـ “القسم الداخلي”. كان يقدم لنا ثلاث وجبات يوميًا، تتضمن وجبة الغداء الرز والمرق، ومعهما اللحم أو الدجاج أو السمك المقلي، وبرتقالة أو تفاحة أو موزة. كانت تلك أول مرة أعرف فيها الشبع، وأرى الفاكهة جزءًا من الطعام اليومي، بعد أن ظل البرتقال في مخيلتي دواء لا يؤكل إلا عند المرض.

كانت الشطرة، قبل أكثر من نصف قرن، تمتلك شخصية مدينة لا تخلو من فرادة في محيطها الإقليمي. هذه المدينة تشهد عروضًا سينمائية ليلية، وفيها استوديو حديث للتصوير الفوتوغرافي، أسسه مصور محترف، ومكتبة عامة غنية. في تلك المكتبة قرأت الجزء الأول من كتاب “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” للدكتور علي الوردي، وكتبت تعليقات على حواشي صفحاته. لا أعرف اليوم مدى أهمية تلك التعليقات، بوصفها تمارين أولى على الكتابة، غير أنني أتمنى العثور عليها، كي أتعرف إلى منطق التفكير الذي كان يستحوذ على عقلي في ذلك الوقت. الافتقار إلى الأرشيف الشخصي حرمان من أهم الأدوات التي نكتشف من خلالها تاريخ تشكل وعينا، ومسار تطور أفكارنا، وتحولات طرائق التفكير، والمنعطفات التي عبرها العقل في رحلته.

في هذه المدينة كان بعض الشباب يهتمون بمطالعة الكتب والصحف والمجلات، ويحاولون الانفتاح على عصرهم ومواكبة كل جديد في حدود إمكاناتهم الضيقة. تتردد في أحاديثهم أسماء بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء والكتاب، ويشيرون إلى ما ترجم من مؤلفاتهم إلى العربية. وقد وصف بعضهم “الشطرة” آنذاك بـ”موسكو الصغرى”، لاتساع القاعدة الشبابية للحزب الشيوعي العراقي فيها.

لم أكن يومًا شيوعيًا، ولن أكون شيوعيًا فيما تبقى من عمري، وإن كنت صديقًا قريبًا للشيوعيين في كل مراحل حياتي حتى اليوم، حتى ظن أحد مسؤولي الاتحاد الوطني للطلاب في الإعدادية أنني شيوعي أتكتم على انتمائي. على الرغم من تطبيق الشيوعية للضمان الاجتماعي الشامل، وهو ما يغويني فيها، فإنني لا أطيق محو ذاتي. الشيوعية تمحو الذات حين تختزل الإنسان الفرد إلى ترس في ماكينة كبرى هي المجتمع، وتتجاهل ذاته واحتياجاته الروحية والعاطفية العميقة. وأنا إنسان مؤمن، لا أستطيع أن أعيش من دون إشباع حاجتي إلى المعنى الروحي.

كان للحضور الواسع للحزب الشيوعي في الشطرة أثر واضح في إكساب المدينة طابعًا ثقافيًا مميزًا، ظهر في شيوع القراءة، وتداول الكتب، والاهتمام بالأدب والفن والمسرح والسينما. نقل لي صديق شيوعي أن عدد المنتمين إلى الحزب في الشطرة بلغ عشرة آلاف في سبعينيات القرن الماضي، قبل انهيار الجبهة الوطنية في العراق. وبصرف النظر عن دقة هذا الرقم، فإنه يكشف عن اتساع نفوذ الحزب في المدينة، وعمق أثره في تشكيل حياتها الثقافية والسياسية.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت “الشطرة” أكثر تحضرًا من المدن الصغيرة المجاورة لها. انفردت هذه المدينة بمكتبة لبيع الصحف والمجلات،كان صاحبها، وهو رجل كهل آنذاك، معروفًا بميوله اليسارية. تبيع مكتبته مجلة “العربي” الكويتية، وغيرها من المجلات والصحف العراقية. في الشطرة مطاعم تقدم أكلات شهية لم أذقها من قبل، وصالة لعرض الأفلام، دخلت فيها السينما لأول مرة، وشغفتني رومانسية الأفلام الهندية. كنت أغرق في انفعالات حادة حين يتصاعد التمثيل إلى ذروة المواقف العاطفية والتراجيدية، فتشتعل الكلمات بالمشاعر. أكثر من مرة كانت دموعي تباغتني وأنا أغرق في حزن مشاهدها وآلامها، وهي تثير في داخلي مشاهد موجعة وكأنها تحكي مواجع البؤساء في قريتي. كثير من الأفلام الهندية تصور حياة بؤساء الهند، وكأنها تتحدث بلغة تستأنف شيئًا من مرارات طفولتي وفتوتي ومواجعهما وجروحهما.

بعد أقل من عامين امتنعت عن دخول السينما، وهجرت مشاهدة الأفلام، ونفرت من الاستماع إلى الموسيقى، ولم أعد أتذوق فتنة الألوان في الصور الجذابة. حدث ذلك بعد أن طالعت كتابات الإسلام السياسي في الصف الخامس الثانوي. شغفت مشاعري الصورُ المتخيلة للمدينة الفاضلة في كتاباته، فكنت كلما غرقت في مطالعتها، سجلت غيابًا جديدًا عن الحياة. وكلما أوغلت فيها، ابتعدت عن تذوق صور الله المضيئة ورحمته وتجليات جماله في الوجود.

في الشطرة بدأت الصور تتراكم في أرشيفي الشخصي؛ فقد كان بعض زملائي يمتلكون كاميرات تصوير عادية، وكان في المدينة مصور يكاد يحتكر هذه الحرفة، ولا يكف عن التفنن في تلوين الصور وتجميلها. بالتدريج اجتمعت لدي مجموعة من الصور شكلت أول ألبوم اقتنيته مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين كنت في السادسة عشرة من عمري، ثم أضفت إليه ألبومًا آخر بعد سنوات. غير أن مسلسل إحراق صوري تكرر في العراق، حين اضطررت إلى الهرب من مطاردة أجهزة الأمن الصدامية، ثم في الكويت. ولحرق صوري ومكتبتي هناك قصة أخرى، أشرت إليها في كتابي “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”.

بعد عودتي من المنفى، الذي أمضيت فيه نحو ربع قرن، زرت الشطرة، وذهبت إلى محل ذلك المصور، فوجدت أحد أبنائه. حدثته عن أنني كنت زبونًا لأبيه قبل أكثر من خمسين عامًا، وأعربت له عن أملي في العثور لديهم على نماذج من صوري القديمة، بعد أن فقدتها كلها. لم أعثر من صور السبعينيات إلا على ثلاث: الأولى تعود إلى العام الدراسي 1971، والثانية التقطت لي في الشطرة عام 1972 مع زميلي في الثانوية، جبار هزل من مدينة الفهود، وقد احتفظ بها وقدمها لي بعد عودتي إلى الوطن، أما الثالثة فكانت مع صديق العمر المرحوم صالح هادي عودة السعيدي، حين زرته في الموصل خريف عام 1973، وكان يؤدي خدمته العسكرية الإلزامية.

إشارة:كان هذا المقال فقرة كتبتها منذ سنوات في مسودات مذكراتي، وأنشرها اليوم تعبيرًا عن امتناني للدكتور عدنان طعمة، ,مبادرة الدكتور عبد الكريم الشيخ ودعوته، ولمدينة الشطرة العزيزة على قلبي وأهلها الكرام. الكرم من أبرز ما يتميز به مجتمعنا، حيث يمنح الإنسان العراقي عواطفه وكل شيء مجانًا. وقد اعتذرت عن دعوة الدكتور عبد الكريم الشيخ، كعادتي السيئة في تكرار الاعتذار عن الدعوات، على الرغم من حضوري المتواصل عبر كتاباتي.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=387437

عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه: دراسة مقارنة للاختلافات الأساسية بين مشروعيهما

 عبد الحفيظ المدني[1]

تبدو المقارنة بين الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي والمفكر السوداني محمود محمد طه (1909–1985) ممكنة للوهلة الأولى؛ فكلاهما اشتغل على تجديد الفكر الديني، ونقد الفهم الموروث للدين، والدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة، ومواجهة توظيف الدين في الاستبداد والعنف. غير أن التشابه في هذه العناوين العامة قد يحجب اختلافًا عميقًا في طبيعة المشروعين ومرجعياتهما ومناهجهما وغاياتهما.

مشروع محمود محمد طه مشروع تأويلي تشريعي عرفاني، يسعى إلى استنباط شريعة جديدة من داخل القرآن، في حين أن مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروع فلسفي كلامي إنساني، يعيد بناء المعرفة الدينية، ويحرر الدين من الأيديولوجيا، ويعيد تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان.

 

  1. نقطة الانطلاق

انطلق محمود محمد طه من سؤال تشريعي سياسي: كيف يمكن للإسلام أن يقدم نظامًا صالحًا للإنسان الحديث، يستوعب الديمقراطية والاشتراكية والمساواة والحرية الفردية؟ قادته الإجابة إلى التمييز بين مستويين للرسالة الإسلامية: “الرسالة الأولى” التي تجسدت في تشريعات القرآن المدني، و”الرسالة الثانية” التي تمثلها أصول القرآن المكي. رأى أن التشريع المدني كان ملائمًا لطاقة مجتمع القرن السابع، فيما تمثل الآيات المكية المستوى الأصيل والنهائي للإسلام، الذي صار الإنسان الحديث مؤهلًا لتلقيه.

أما عبد الجبار الرفاعي فانطلق من سؤال معرفي وجودي: لماذا عجز علم الكلام القديم عن فهم الإنسان وأسئلته، وكيف يمكن للدين أن يستعيد وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية؟ لم يبحث الرفاعي عن شريعة ثانية، ولم يقسم القرآن إلى رسالة أولى ورسالة ثانية، واتجه إلى نقد البنية المعرفية التي أنتجت الفهم الديني الموروث. يبدأ التجديد عنده بإعادة بناء علم الكلام، فهو يمثل نظرية المعرفة الدينية والأساس الذي تتوالد منه علوم الدين.

يتجه طه من النص إلى التشريع والمجتمع والدولة، في حين يتجه الرفاعي من الإنسان وحاجته الوجودية إلى الدين، ثم يعيد في ضوء ذلك النظر في علم الكلام وفهم النص ووظيفة الدين.

  1. طبيعة المشروع

مشروع محمود محمد طه ذو بنية رسالية دعوية واضحة. لم يقدم نفسه مؤرخًا للأفكار أو باحثًا أكاديميًا في تجديد التشريع، وإنما صاحب دعوة دينية مجتمعية، يعتقد أن البشرية دخلت طورًا جديدًا يؤهلها للانتقال من شريعة الرسالة الأولى إلى شريعة الرسالة الثانية. اقترن فكره بحركة منظمة هي “الإخوان الجمهوريون”، وتحول المشروع إلى جماعة ذات تربية روحية وممارسة اجتماعية وموقف سياسي.

مشروع الرفاعي فلسفي معرفي، لا يؤسس دعوة دينية، ولا يبني جماعة أو طريقة أو حركة سياسية. يتحقق مشروعه في الكتابة والتعليم وإنتاج المفاهيم وتأسيس فضاء فكري للحوار، خاصة عبر مؤلفاته ومجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. الرفاعي ليس داعية، لذلك لا يدعو إلى الانتساب إليه أو التتلمذ الروحي عليه، ولا يقدم مشروعه باعتباره الصيغة النهائية للدين. إنه يدعو إلى التفكير النقدي، وتعدد القراءات، والانفتاح على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.

طه صاحب رسالة إصلاحية ذات أفق جماعي، والرفاعي مجدد صاحب فلسفة في الدين والمعنى والإنسان.

  1. المرجعية المعرفية

تتشكل مرجعية محمود محمد طه من القرآن، والسنة، والتصوف، وتجربته الروحية الخاصة. يحتل القرآن مركز مشروعه كله، فيما يستمد منه رؤيته للحرية والاشتراكية والديمقراطية وتطور التشريع. يتعامل مع التاريخ الإنساني من خلال تصور ارتقائي يرى أن البشرية تنتقل من طور الوصاية إلى طور الحرية والمسؤولية الفردية.

تتعدد مرجعيات الرفاعي وتتنوع، فتضم علم الكلام والفلسفة الإسلامية والعرفان، إلى جانب الفلسفة الحديثة، وفلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والألسنيات وعلوم اللغة. لا يستخرج الرفاعي مفاهيم الدولة والمواطنة وحقوق الإنسان من النصوص الدينية، وإنما يرى أنها منجزات تراكمت في التجربة التاريخية للعقل البشري.

يميل طه إلى رد القيم الحديثة إلى المستوى الأصيل للقرآن، في حين يعترف الرفاعي بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة والنظم السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية.

  1. فهم الوحي والقرآن

يقيم طه تمييزًا حاسمًا بين القرآن المكي والقرآن المدني. الآيات المكية عنده آيات أصول، تقوم على الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية، أما آيات المدينة فهي آيات فروع، تنزلت إلى مستوى المجتمع التاريخي الذي لم يكن مؤهلًا لتطبيق الأصول. التجديد يعني الانتقال من فروع القرآن المدني إلى أصول القرآن المكي، وتطوير التشريع على هذا الأساس. وقد صرح بأن النبي شرح الرسالة الأولى تفصيلًا، ووضع الخطوط العامة للرسالة الثانية، وأن شرحها في العصر الحديث يتطلب فهمًا جديدًا للقرآن.

لا يتبنى الرفاعي هذه الثنائية، ولا يقبل تفسير محمود طه للوحي، ولا يمنح ترتيب النزول سلطة تحديد ما هو نهائي وما هو مرحلي. الوحي في فهم الرفاعي كما يقول: “فهمي للوحي يتلخص في أنه حالة وجودية، إلهية بشرية/ بشرية إلهية؛ حالة ينكشف فيها الإلهي للبشري عندما يتجلى فيه، ولا تتحقق فيها هذه الدرجة من الانكشاف لغير النبي. حالة يصير فيها البشري مرآة يتجلى فيها الإلهي بأجلى وأجمل ما يتجلى في الوجود. حالة تمثل طورًا وجوديًا يختص به النبي، وتحظى فيها روحه بمنزلة وجودية لا تدركها غيرها؛ إذ تسمو الروح في هذه المنزلة لتصير نورًا لا يشوبه ظلام”. في ضوء تفسيره الوجودي يرى الرفاعي: “الوحي حالةً أنطولوجية، وليس مشاعر نفسية، الوحي طور وجودي يتسع فيه وجود النبي ويتسامى ويتكامل. ليس الوحي استنارة ذاتية لا صلة لها بالغيب، أو صورًا ذهنية، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرة بيولوجية تنشأ عن اضطرابات هرمونية … في ضوء هذا الفهم يكون للقرآن الكريم وجه إلهي ووجه بشري؛ فهو من حيث اتصاله بالغيب إلهي، ومن حيث تلقي النبي له وتعبيره عنه بلغته وثقافته والواقع الذي كان يعيش فيه بشري، أي تظهر فيه حدود لغة النبي وقيودها ومدياتها، وطبيعة حياته الشخصية، وملامح عصره ومجتمعه وثقافته”. راجع: عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الفصل الثالث: “علم الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي”، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2024.

لا يتطلب التجديد عند الرفاعي إعلان نسخ تشريعي جديد داخل القرآن، وإنما يبدأ بتحديد وظيفة الدين، وتجديد أدوات قراءة النصوص الدينية، وقراءة النص في أفق الكرامة والحرية والقيم الأخلاقية.

طه يطور التشريع عبر إعادة ترتيب السلطة داخل النص، والرفاعي يجدد فهم النص عبر إعادة بناء نظرية المعرفة الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

  1. مفهوم الدين ووظيفته

يرى طه الإسلام منهاجًا شاملًا لتحرير الإنسان، يبدأ من العبادة وتهذيب النفس، ويمتد إلى الإقتصاد والاجتماع والسياسة والتشريع. الدين لديه طريق فردي وجماعي يقود إلى تحقيق الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة. لهذا ظل مشروعه مشغولًا بتقديم نظام إسلامي حديث للحياة العامة.

يعرّف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. لا يعني الرفاعي بالوظيفة الاجتماعية للدين في تعريفه أن الدين يدير الحياة الاجتماعية ومجالاتها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها؛ مقصوده أن الإنسان، حين تمتلئ حياته بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، يغدو حضوره الإنساني مؤثرا في ترسيخ بنية القيم في المجتمع.

من هنا تتمثل الوظيفة الأصلية للدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء الحياة بالمعنى. يفقر الدين الحياة ويفسد الأخلاق حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية أو نظام شامل لإدارة الدولة والمجتمع. يتسع الدين عند طه ليشمل بناء النظام السياسي والاقتصادي، بينما يحرص الرفاعي على حماية المجال الديني من التمدد الذي يحوله إلى أيديولوجيا تستولي على الدولة.

  1. الإنسان والحرية

يمثل الإنسان محورًا مشتركًا بين المشروعين، غير أن كل مشروع يبني مركزيته بطريقة مختلفة. يعتقد طه أن الغاية النهائية للإسلام هي الحرية. الإنسان ينتقل بالتربية والعبادة وتحمل المسؤولية من الخضوع للقانون الخارجي إلى الانضباط الداخلي. الحرية عنده حق يقابله واجب حسن التصرف فيها، وتتسع كلما ارتقى الفرد أخلاقيًا وروحيًا. وقد قرأ قوله تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر” بوصفه أصلًا للديمقراطية، ونفي الوصاية على حرية الإنسان.

يضع الرفاعي الكرامة الإنسانية في مركز فلسفته الإنسانية. الكرامة قيمة أصيلة سابقة على الدين والمعتقد والجنس والعرق والهوية، الكرامة تولد مع الإنسان. يستحقها الإنسان لكونه إنسانًا، ولا تتوقف على إيمانه أو سلوكه أو درجة نضجه الروحي. الحرية شرط لتحقق الكرامة، والتدين الأخلاقي يحمي الكرامة. الإيمان بالإكراه لا يصنع إنسانًا مؤمنًا، والدين الذي يهدر الحرية يهدر المعنى الأخلاقي للإيمان.

الحرية عند طه غاية في مسار ارتقاء روحي وتشريعي، أما الكرامة والحرية عند الرفاعي فهما حقان غير مشروطين ببلوغ الإنسان مرتبة روحية أو أخلاقية خاصة.

  1. مفهوم الكمال الإنساني

يستلهم طه بوضوح التصوف بلا رؤية نقدية، خاصة فكرة الإنسان الكامل. الإنسان في تصوره مشروع تطور لا ينتهي، وتتيح له العبادة وتقليد النبي والرياضة الروحية أن يرتقي من الانقسام الداخلي إلى الوحدة، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الإرادة المحدودة إلى التوافق مع الإرادة الإلهية. تتداخل في لغته مفاهيم الشريعة والطريقة والحقيقة، ويكتسب السلوك الفردي منزلة مركزية في المعرفة.

يعترف الرفاعي بالحاجة إلى الحياة الروحية، ويمنح التصوف المعرفي مكانة في اكتشاف الأبعاد العميقة للدين، بالرغم من أن الرفاعي ناقد شديد للتصوف، فهو لا يتبنى نظرية الإنسان الكامل، ولا يجعل الرياضة الروحية مصدرًا للمعرفة العامة. يميز الرفاعي بين التجربة الدينية الشخصية، والمعرفة التي يمكن مناقشتها واختبارها في المجال العام. التجربة الروحية تمنح صاحبها معنى، لكنها لا تمنحه سلطة على الآخرين.

النزعة الروحية عند طه طريق إلى كمال الإنسان وتطوير التشريع، وعند الرفاعي استجابة للظمأ الأنطولوجي وحماية للإنسان من القلق الوجودي والاغتراب.

  1. الشريعة والتشريع

يحتل التشريع قلب مشروع طه. يرى أن أحكامًا مثل الرق، والجهاد القتالي، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وتعدد الزوجات، والطلاق بصورته الموروثة، والحجاب والفصل بين الجنسين، ليست أصولًا نهائية في الإسلام. كانت حلولًا انتقالية فرضتها ظروف المجتمع القديم. حين تطورت البشرية صار من الضروري الانتقال إلى آيات الأصول المؤسسة للحرية والمساواة.

لا يقترح الرفاعي نظرية متكاملة لتطوير الشريعة على غرار طه. ينصب اهتمامه على الأسس الكلامية والأنثروبولوجية والأخلاقية التي ينبغي أن توجه فهم الأحكام. يقرر أن كل تفسير يهدر كرامة الإنسان يحتاج إلى مراجعة، وأن القيم الأخلاقية الكونية يحكم بها العقل العملي وليس النصوص الدينية، لذلك لا تخضع هذه القيم لإرادة الفقيه أو المتكلم. ويميز الرفاعي بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولا يطالب باشتقاق القوانين الحديثة من القرآن.

طه يريد الانتقال من شريعة تاريخية إلى شريعة إسلامية أرفع، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين، ويفتح المجال أمام العقل البشري لإنتاج الدولة ونظمها القوانين والمؤسسات المناسبة للعصر.

  1. الدولة والسياسة

كان طه فاعلًا سياسيًا منذ تأسيس الحزب الجمهوري سنة 1945، ودعا إلى جمهورية ديمقراطية اشتراكية فيدرالية. لم يفصل مشروعه الديني عن تصوره للنظام السياسي والاقتصادي، وعمل على اشتقاقهما من “الرسالة الثانية”. هاجم قوانين سبتمبر 1983 التي فرضها نظام جعفر النميري باسم الشريعة، ودفع حياته ثمنًا لموقفه، إذ أعدم في 18 يناير 1985.

مر الرفاعي بتجربة العمل الحزبي الديني، ثم غادرها نهائيًا سنة 1984، بعد أن اكتشف أن الأيديولوجيا تستلب الفرد وتحول الدين إلى أداة للصراع على السلطة والثروة. الرفاعي فيلسوف دين يعترف بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية. ويرى أن الإنسان هو من يضع هذه النظم بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته ومعارفه. فإذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية. يدافع الرفاعي عن الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية وأولوية الهوية الوطنية، ويرفض الدولة الدينية التي تحتكر تفسير المقدس، ولا يرى القرآن كتاب دولة، ولا يبحث في النص الديني عن نموذج جاهز للحكم.

يعمل طه على تأسيس نظام ديمقراطي اشتراكي مستمد من “الرسالة الثانية”، في حين يفصل الرفاعي بين الدين والدولة، من دون أن يفصل الدين عن حياة الإنسان وقيم المجتمع. طه يؤصل نظام الدولة في فهمه الخاص للدين.

أما الرفاعي فيرد بناء الدولة ونظمها إلى العقل والخبرة الإنسانية، ويحصر وظيفة الدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. يرى الرفاعي أن اشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية وتراكم الخبرة الإنسانية، لا من القرآن والنصوص الدينية.

  1. الديمقراطية والاشتراكية

يعد طه الديمقراطية والاشتراكية مكونين أصيلين في الرسالة الثانية. الديمقراطية عنده ليست الشورى؛ الشورى مرحلة وصاية يقود فيها الفرد الرشيد في الجماعة، أما الديمقراطية فتقوم على الحرية الفردية والمسؤولية. والاشتراكية تعبير عن العدالة الاجتماعية والمشاركة في الثروة. جمع طه بين الحرية الفردية المطلقة والمساواة الاقتصادية، وعد هذا الجمع الغاية السياسية للإسلام في مرحلته المقبلة.

يتعامل الرفاعي مع الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان باعتبارها مكاسب أنتجها العقل البشري، وراكمتها تجارب المجتمعات وخبراتها التاريخية، ولا يرى حاجة إلى إثبات أن القرآن سبق إلى صياغتها. ويؤكد أن بناء الدولة ومؤسساتها، ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية، مهمة بشرية ينهض بها العقل في ضوء تطور المعرفة وتراكم التجارب، وتظل هذه النظم خاضعة للنقد والمراجعة والتعديل. ويطالب الرفاعي باشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية، لا من القرآن. الدين برأي الرفاعي لا يقدم نظامًا للدولة، ولا برنامجًا لإدارة السلطة والاقتصاد والقانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وحماية الكرامة الإنسانية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. تستطيع القيم الدينية أن تغذي الضمير الأخلاقي للإنسان في النظام الديمقراطي، من دون أن تتحول إلى تشريعات تفرضها الدولة أو إلى أيديولوجيا تستولي على مؤسساتها. إذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية.

يؤصل محمود محمد طه الحداثة السياسية دينيًا، ويشتق الديمقراطية والاشتراكية والمساواة من “الرسالة الثانية”، في حين يعترف الرفاعي بالمصدر الإنساني للدولة الحديثة ونظمها، ويحدد صلة الدين بها في إلهام الضمير بالأخلاق، لا في إنتاج مؤسساتها وقوانينها وإدارة سلطاتها.

  1. المرأة والمساواة

دافع محمود محمد طه عن مساواة الرجال والنساء، ورأى أن التفاوت بينهما في بعض أحكام الميراث والشهادة والزواج والطلاق والحجاب ينتمي إلى شريعة مرحلية، استجابت لأوضاع المجتمع في عصر الرسالة، ولم تمثل المستوى النهائي للإسلام. ودعا إلى الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، التي رأى أنها تؤسس للمساواة الكاملة. شاركت “الأخوات الجمهوريات” بفاعلية في حركته، وكان حضور المرأة في مشروعه متقدمًا قياسًا إلى البيئة السودانية المحافظة آنذاك.

ينطلق الرفاعي من أصالة الكرامة الإنسانية وشمولها، فالمرأة والرجل متساويان في الإنسانية والكرامة والحقوق والحريات، ولا يجوز تحويل الاختلاف البيولوجي بينهما إلى تراتبية وجودية أو أخلاقية أو حقوقية. ويرفض كل تفسير ديني ينتقص من إنسانية المرأة، أو يكرس تبعيتها، أو يسلبها حقها في تقرير مصيرها. لا يبني الرفاعي المساواة على الانتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول، ولا يستخرجها من إعادة ترتيب مراتب الآيات، وإنما يؤسسها على مركزية الإنسان، وتاريخية المعرفة الدينية، واستقلال القيم الأخلاقية الكونية التي يحكم فيها العقل العملي، بالكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والعدل، وما انتهت إليه الخبرة الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمنظومات الحقوقية والقانونية الحديثة.

ينتهي المشروعان إلى الدفاع عن مساواة المرأة بالرجل، غير أن الطريق إلى هذه المساواة يختلف بينهما؛ إذ يسلك طه طريق تطوير التشريع من داخل القرآن، فيما يسلك الرفاعي طريق الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة ونقد المعرفة الدينية، ويستند إلى تطور الوعي الأخلاقي والحقوقي للبشرية. طه يبحث عن الأصل القرآني الذي يشرعن المساواة، أما الرفاعي فيرى المساواة حقًا إنسانيًا أصيلًا، يحكم به العقل العملي، ولا تتوقف مشروعيته على العثور على سند له في النص الديني.

  1. الموقف من التصوف

التصوف مكون تأسيسي في مشروع محمود محمد طه؛ فخلوته وتجربته التعبدية وتفسيره الباطني للقرآن ليست عناصر هامشية في فكره، والمعرفة الدينية لديه ثمرة مجاهدة وروحية، لا تنفصل فيها النظرية عن السلوك. لهذا اكتسبت شخصيته منزلة روحية خاصة لدى تلامذته، وغدا المعلم الروحي محورًا في تلقي مشروعه وفهم رسالته.

أما الرفاعي فيتعامل مع التصوف والعرفان برؤية نقدية، ويميز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”. تصوف الحرية يحرر الإنسان من عبودية الأهواء والأشياء والأشخاص، ويوقظ روحه، ويثري حياته بالحب والرحمة والجمال، ويحمي فرديته وكرامته واستقلاله. أما تصوف الاستعباد فيسلب المريد إرادته، ويذيب شخصيته في شخصية الشيخ، ويمنح الشيخ وصاية مطلقة على عقله وضميره وحياته، ويحول التربية الروحية إلى طاعة عمياء، والطريقة إلى جماعة مغلقة تحتكر الحقيقة والنجاة. ينتقد الرفاعي كل تصوف يعطل العقل، ويمحو الذات، ويكرس الخضوع، ويستبدل عبادة الله بالعبودية للشيخ، مثلما ينتقد الشطح حين يتحول إلى معرفة ملزمة للآخرين، والكشف حين يقدم نفسه مصدرًا للحقيقة لا يقبل النقاش والمراجعة. ويفرق الرفاعي بين التجربة الروحية الشخصية والحجة المعرفية المشتركة؛ فالإلهام والكشف يمنحان صاحبهما يقينًا ذاتيًا ومعنى روحيًا، لكنهما لا ينتجان برهانًا ملزمًا لغيره، ولا يمنحان صاحبهما سلطة دينية أو أخلاقية على الناس.

يستفيد الرفاعي من التصوف المعرفي في بناء رؤيته للحب والرحمة والحضور الإلهي، وفي تأكيد تعدد الطرق إلى الله، وتنوع سبل النجاة والخلاص، ورفض احتكار الحقيقة الدينية والرحمة الإلهية في دين أو مذهب أو فرقة. يرى الرفاعي أن طرق الوصول إلى الله تتعدد بتعدد تجارب البشر الروحية واستعداداتهم وصورهم عن الله، وأن رحمة الله أوسع من الحدود التي ترسمها العقائد المغلقة. غير أن هذه الاستفادة لا تعني تبني المنظومة الصوفية، إذ يعيد الرفاعي قراءة ميراثها في ضوء العقل النقدي والكرامة الإنسانية وحرية الضمير والمساواة.

روحانية طه طريق للمعرفة والتشريع والارتقاء نحو الحرية الفردية، في حين تمثل الروحانية عند الرفاعي أفقًا للمعنى، ومصدرًا للحب والرحمة وتعدد طرق النجاة، من دون أن تستغني عن العقل أو تهدر فردية الإنسان وحريته وكرامته.

  1. الموقف من الحداثة

يحاول محمود محمد طه إثبات أن أسمى قيم الحداثة كامنة في أصل الإسلام، وأن الحرية والمساواة والديمقراطية والاشتراكية تمثل المضامين المؤجلة للرسالة الثانية. ويعتمد تصورًا تطوريًا للتاريخ، يرى أن ما تعذر تطبيقه في القرن السابع، بسبب محدودية طاقة المجتمع آنذاك، أصبح ممكنًا بعد تطور وعي الإنسان الحديث واستعداده لتحمل مسؤولية الحرية. هكذا يستوعب طه الحداثة داخل تأويله للقرآن، ويمنح قيمها مشروعية دينية من خلال الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية.

أما الرفاعي فلا يرد الحداثة إلى أصل ديني سابق، ولا يبحث في القرآن والنصوص الدينية عن الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان ومناهج العلم الحديث، ولا يرى حاجة إلى أسلمة المكاسب التي أنتجها العقل البشري. يعترف الرفاعي باستقلال الحداثة ومصدرها الإنساني، ويتعامل معها بوصفها مسارًا تاريخيًا متنوعًا وغير مكتمل، لا كتلة مغلقة تقبل كلها أو ترفض كلها. يتعلم الرفاعي من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان ومناهج التأويل والنقد، ويستثمر مكاسب الحداثة في مراجعة علم الكلام ونقد المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها. في الوقت نفسه ينقد النزعات المادية والعدمية في الحداثة، وما تفضي إليه من اختزال الإنسان في حاجاته المادية، وافقار حياته الروحية، وتعميق اغترابه الميتافيزيقي. يقيم الرفاعي حوارًا نقديًا متبادلًا بين الدين والحداثة؛ يستعين بمكاسب الحداثة لتحرير فهم الدين من الوثوقيات والوصايات، ويستدعي المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين لمعالجة فقر المعنى والقلق الوجودي في العالم الحديث.

يدمج طه الحداثة في تأويله للقرآن ويشتق مشروعيتها من الرسالة الثانية، في حين يعترف الرفاعي باستقلال منجزها الإنساني، ويتفاعل معها نقديًا، فيتعلم من مكاسبها من دون أن يغفل تناقضاتها وحدودها.

  1. منهج إنتاج المعرفة

يعتمد محمود محمد طه التأويل الإشاري، والتمييز بين الظاهر والباطن، والأصل والفرع، والشريعة والحقيقة، ومستويات الخطاب تبعًا لتطور المتلقي واستعداده الروحي. ويتعامل مع القرآن باعتباره نصًا متعدد الطبقات، تتكشف معانيه العليا كلما ارتقى الإنسان في المعرفة والسلوك، ويجعل التجربة الروحية والمجاهدة مدخلًا إلى اكتشاف هذه المعاني. تتسم منظومته بقدر كبير من الاتساق الداخلي، غير أنها تقوم على مقدمات عرفانية وتأويلية تستمد مشروعيتها من تجربته الروحية وقراءته الخاصة للقرآن، ويصعب إخضاعها للبرهنة العقلية المشتركة خارج تجربته ومدرسته.

أما الرفاعي فيعتمد فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وتحليل المفاهيم، والنقد التاريخي، ويستفيد من معطيات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والألسنيات وعلوم اللغة الحديثة في دراسة الدين وتفسير أنماط حضوره في حياة الإنسان. المعرفة الدينية بشرية، ينتجها الإنسان في أفق لغته وثقافته وذاكرته وأسئلته ومصالحه وأحكامه المسبقة. لهذا لا يطابق الرفاعي بين الوحي وفهم الإنسان للوحي، ولا يمنح أي تفسير حصانة من النقد والمراجعة. لا يدعي الوصول إلى تفسير أخير للنص، ويرى أن فهم الدين يتجدد بتجدد الإنسان ومعارفه وأسئلته وتحول نمط معيشته وعلومه ومعارفه وثقافته. يحافظ الرفاعي على التمييز بين الإيمان والمعرفة؛ فالإيمان تجربة وجودية وروحية تمنح حياة المؤمن معنى، أما المعرفة الدينية فهي فهم بشري قابل للفحص والنقد والتصويب.

يقوم منهج طه على اكتشاف المستوى الأعلى الكامن في النص من خلال الارتقاء الروحي والانتقال من الفروع إلى الأصول، فيما يقوم منهج الرفاعي على كشف تاريخية الفهم، وحدود القارئ، وأثر قبلياته في إنتاج المعنى، وتعدد آفاق القراءة. يبحث طه عن المعنى النهائي الذي تنطوي عليه “الرسالة الثانية”، بينما يفتح الرفاعي النص على تعدد الفهوم، ويرفض احتكار تفسيره أو تحويل قراءة بشرية إلى حقيقة مقدسة ملزمة لكل إنسان.

  1. اللغة وبناء المفاهيم

لغة محمود محمد طه قرآنية صوفية، تستمد مفرداتها وصورها وبنيتها الحجاجية من القرآن وميراث التصوف، وتتحرك داخل نسق من الثنائيات: الأصول والفروع، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، الإسلام والإيمان، الشريعة والحقيقة، الظاهر والباطن، الحرية المقيدة والحرية الفردية المطلقة. تمنح هذه الثنائيات مشروعه تماسكًا داخليًا، وتتيح له بناء رؤية كلية تنتظم فيها العبادة والأخلاق والتشريع والسياسة والاقتصاد ضمن مسار واحد لارتقاء الفرد والمجتمع. تخاطب لغته القارئ بلهجة المعلم الروحي وصاحب الدعوة الواثق من اكتشافه، وتميل إلى الحسم والتقرير، ولا تترك مسافة واضحة بين تجربته الروحية الخاصة والحقيقة التي يقدمها إلى أتباعه.

أما لغة الرفاعي ففلسفية تأويلية إنسانية، تنفتح على لغة فلسفة الدين والهرمنيوطيقا وعلوم الإنسان، وتعيد بناء مفرداتها في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر. لا تكتفي لغته بشرح المفاهيم الموروثة، وإنما تنتج مفاهيمها الخاصة، مثل: “الظمأ الأنطولوجي”، و”الاغتراب الميتافيزيقي”، و”النزعة الإنسانية في الدين”، و”التدين الرحماني”، و”التدين الشعبي”، و”التدين الشعبوي”، وغيرها. تنبع هذه المفاهيم من تجربته المعرفية والروحية والأخلاقية وسيرته الذاتية، غير أنها لا تقدم التجربة الشخصية مصدرًا لحقيقة ملزمة للآخرين، وتخضع نفسها للمراجعة والنقد وإعادة النظر. لغة الرفاعي لا تنغلق على لغة الوعظ أو الدفاع العقائدي، وتستفيد من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان، من دون أن تذوب في لغتها أو تستنسخ مقولاتها. لا تعلن امتلاك تفسير أخير للدين، ولا تقدم مشروعها باعتباره منظومة، وإنما تسعى إلى إيقاظ الأسئلة وفتح آفاق جديدة لفهم الدين والإنسان.

يبني طه بلغة تقريرية منظومة مترابطة ومكتملة نسبيًا، بينما يكتب الرفاعي بلغة تساؤلية مفتوحة، ترى التفكير مسارًا لا يتوقف، وتدرك أن كل فهم بشري يظل محدودًا وقابلًا للمراجعة والتجاوز.

  1. موقع المؤلف في مشروعه

يحتل محمود محمد طه موقع المعلم الروحي وصاحب “الرسالة الثانية”، وقد ارتبطت مشروعية المشروع لدى أتباعه بمكانته الروحية وتجربته التعبدية وقراءته الخاصة للقرآن. لم يكن في نظر تلامذته مفكرًا يقدم اجتهادًا قابلًا للأخذ والرد فقط، بل كان معلمًا يكشف مستوى جديدًا من الرسالة الإسلامية، ويقود أتباعه في طريق التربية والتحقق الروحي. أنتج هذا الموقع طاقة أخلاقية كبيرة، ومنح طه شجاعة استثنائية في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية، وجعله نموذجًا حيًا لوحدة الفكر والموقف والسلوك، لكنه ربط المشروع بشخص المؤسس، وجعل كثيرًا من مقدماته الروحية والتأويلية تستمد قوتها من الثقة بمقامه أكثر مما تستمدها من برهنة عقلية مشتركة.

أما الرفاعي فلا يمنح نفسه سلطة دينية أو مقامًا روحيًا، ولا يقدم مشروعه في صورة رسالة جديدة، ولا يؤسس جماعة أو طريقة أو تنظيمًا يطالب أتباعه بالطاعة والامتثال. تحضر ذاته في كتاباته من خلال السيرة الفكرية والاعتراف والتحولات والمراجعات ونقد تجاربه السابقة. يتحدث الرفاعي عن ذاته باعتبارها ذاتًا مفكرة، تكشف مسار تعلمها وأخطاءها وتحولاتها ومراجعاتها، لا ذاتًا تؤسس للطاعة أو تحتكر الحقيقة. يكتب الرفاعي من داخل تجربة إيمانية وفكرية شخصية، لكنه لا يحول تجربته إلى معيار ملزم للآخرين، ولا يجعل منزلته أو سيرته مصدرًا لمشروعية أفكاره. تستمد الفكرة قيمتها لديه من قدرتها على التفسير والحوار والإقناع، وما تفتحه من أفق للفهم، وما توقظه من أسئلة، وتظل خاضعة للنقد والمراجعة بصرف النظر عن مكانة قائلها.

يتمحور مشروع طه حول شخصية المعلم الذي يكشف الرسالة الثانية ويجسدها في حياته، فيما يتمحور مشروع الرفاعي حول الإنسان المفكر الحر، الذي لا يحتاج إلى شيخ أو وصي كي يفهم ذاته ويتلقى ايمانه ويصوغ معنى حياته. ولهذا ظل مشروع طه وثيق الصلة بمؤسسه وجماعته، في حين يسعى مشروع الرفاعي إلى إنتاج فضاء فكري مفتوح، لا يتطلب الانتماء إلى جماعة، ولا يقوم على التلقي والطاعة، ويترك للقارئ حرية الحوار معه والاختلاف عنه وتجاوز أفكاره.

  1. أعمق نقطة افتراق

محمود محمد طه مصلح ديني وصاحب دعوة، أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد. ويتجلى أعمق اختلاف بين المشروعين في السؤال الآتي: هل يتطلب التجديد اكتشاف المستوى الأعلى من الشريعة الكامن في القرآن، أم يتطلب إعادة النظر في طبيعة الدين ووظيفته وحدود المعرفة الدينية؟

يجيب طه بأن الإسلام ينطوي على مستوى نهائي لم تطبقه المجتمعات الإسلامية تاريخيًا، وأن البشرية بلغت من التطور ما يؤهلها لبعثه في صورة “الرسالة الثانية”. يقوم التجديد لديه على الانتقال من آيات الفروع المدنية، التي استجابت لطاقة مجتمع القرن الأول الهجري، إلى آيات الأصول المكية المؤسسة للحرية والمساواة.

أما الرفاعي فيرى أن الدين ليس برنامجًا شاملًا للدولة والتشريع والاقتصاد والإدارة، ولا يستبطن نظمًا سياسية وحقوقية وقانونية جاهزة تنتظر من يستنبطها من النص. تتمثل مهمة الدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من اغترابه الميتافيزيقي، وحماية كرامته، وإيقاظ ضميره الأخلاقي، وإغناء حياته بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. أما بناء الدولة ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية، فهي مهمة ينهض بها الإنسان بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته وتطور وعيه الحقوقي.

يجدد طه الإسلام من داخل بنية الشريعة، ويبحث في القرآن عن شريعة المستقبل، في حين يجدد الرفاعي التفكير الديني عبر نقد الأسس الكلامية والمعرفية التي حولت الدين إلى شريعة شاملة وأيديولوجيا سياسية. يريد طه توسيع الإسلام ليقدم نظامًا حديثًا للحياة والدولة، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين لحماية وظيفته الوجودية، ويحرر الدولة من سلطة المقدس، ويحرر الدين من استحواذ الدولة والجماعات السياسية.

خاتمة

يشترك عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه في الانحياز إلى الإنسان، والدفاع عن الحرية والمساواة، ونقد التدين القسري، ومقاومة توظيف الشريعة في الاستبداد وإهدار الكرامة. يرى كلاهما أن الفهم الديني الموروث لا يستجيب لتحولات عالم الإنسان الحديث، وأن الدين يفقد رسالته حين يتحول إلى خوف وعنف ووصاية. غير أن هذا الاشتراك في الغايات الإنسانية لا يعني وحدة المنطلقات والمناهج والنتائج، فلا يمثل مشروع الرفاعي امتدادًا لمشروع طه، ولا يمكن إدراجهما في اتجاه فكري واحد. محمود محمد طه مصلح ديني متصوف، وصاحب دعوة ونظرية في تطوير التشريع، أراد تأسيس مجتمع ديمقراطي اشتراكي عادل يستمد نظامه السياسي والاقتصادي والقانوني من “الرسالة الثانية في الإسلام”.

أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد، يعمل على تحرير الدين من الأيديولوجيا، وإعادة بناء علم الكلام ليشبع حاجته الإنسان الوجودية إلى المعنى. وتفسير مركزية الإنسان في الأرض بوصفها امتدادًا لمركزية الله في الوجود، بمعنى استخلاف الله للإنسان ونيابته الشاملة عنه في الأرض. يبحث طه عن شريعة المستقبل داخل القرآن، فيما يبحث الرفاعي عن معنى الدين ووظيفته في الحاضر والمستقبل. يريد طه نقل المجتمع من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، ويريد الرفاعي نقل التفكير الديني من نسيان الإنسان إلى مركزية الإنسان، ومن احتكار الحقيقة إلى تعدد الفهم، ومن لاهوت الخوف والطاعة إلى إيمان الحب والرحمة والحرية والكرامة.

يدمج طه الروحي والتشريعي والسياسي والاقتصادي داخل رسالة دينية شاملة، في حين يميز الرفاعي بين هذه المجالات حماية للدين والإنسان والدولة؛ فالدين لديه لا ينتج نظام الحكم أو الإدارة أو الاقتصاد أو القانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية.

يقدم طه تصورًا مكتملًا نسبيًا لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام، ويمنح تجربته الروحية وقراءته للقرآن موقعًا مركزيًا في هذا التصور، أما الرفاعي فيقدم أفقًا نقديًا مفتوحًا لتجديد فهم الدين، ولا يدعي امتلاك تفسير نهائي أو حقيقة تلزم الآخرين. يؤصل طه الديمقراطية والاشتراكية والمساواة دينيًا، بينما يعترف الرفاعي باستقلال العقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة الحديثة ونظمها وحقوقها وقوانينها.

هنا تتجلى فرادة كل مشروع: شجاعة محمود محمد طه في إعادة بناء التشريع من داخل القرآن، ودفاعه عن الحرية والمساواة في مواجهة سلطة انتهت إلى إعدامه، وفرادة عبد الجبار الرفاعي في إعادة تعريف الإنسان والدين والوحي والنبوة وتنوع الطرق إلى الله والشريعة والتكليف، انطلاقًا من حاجة الإنسان إلى المعنى، وتحريره من احتكار الدولة والجماعة والأيديولوجيا، مع ترك بناء الدولة ونظمها وقوانينها وبرامجها وإدارة شؤونها للعقل البشري وتراكم تجاربه وخبراته.

 [1] كاتب من السودان، ود مدني.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=926112